النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
الجزء الثامن والعشرون
مَعْلَهَنَّ، ومَنْ يَتَّقِ الله يجعلْ لهُ من أَمرِهِ يُسْرًا (٤) ذلكٌ أمرٌ الهِ
أَنزَلَهُ إليكُمْ، ومَنْ يَتَّقِ الله يكفِّرْ عَنْهُ سَبِئَتِهِ ويَنَظّم لهُ أَجراً (٥)
أُسكِنُوهنَّ من حَيثُ سَكَنْتُم مِنْ وُجدُ، ولا تُضَارُّوهُن لِتُضْيَّقُوا
عَلَيهنَّ، وإنْ كنَّ أُولاتٍ عَلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيهِنَّ حتَّى بِضَعْنَ ◌َمْلهنٌ،
فإنْ أَرْضَعْنَ لِكُم وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ، وَأُثِرُوا بَيْنَكُم بَعْرُوفٍ،
وإنْ تعاسَرْتُمْ، فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) ليُنفِقْ ذُو سعَةٍ من سَعَتِهِ،
ومَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُه فليْفِقْ مَمَا آتَاهُ اللهُ، لا يُكلِّفُ اللهِ نَفْسًا إِلاَّ
مَا آتَهَاَ سَيَجْعلُ الله بَعْدَ مُسْرٍ يُسْراً (٧)).
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((واللائى يئسن من المحيض من نسائكم»
لما بين سبحانه - أمر الطلاق والرجعة فى التى تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة
ذوات الأقراء، عرفهم - سبحانه - فى هذه السورة عدة التى لاترى الدم.
وقال أبو عثمان عمر بن سالم : لما نزلت عدة النساء فى سورة (البقرة)
فى المطلقة والمتوفى عنها زوجها ، قال أبى بن کعب : يارسول الله ، إن ناسا
يقولون قد بقى من النساء من لم يذكر فيهن شىء ، الصغار وذوات الحمل ،
فنزلت هذه الآية .
وقال مقاتل: لما ذكر - سبحانه - قوله: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن
ثلاثه قروم ٠٠٠)
قال خلاد بن النعمان: يا رسول الله فما عدة التى لم تحض ، وما عدة التى
إنقطع حيضها، وعدة الحبلى، فنزلت هذه الآية ... ) (١)
وجملة: ( واللاقى بثسن من المحيض ... ) معطوفة على قوله - تعالى -
١١) تفسير القر طب ج ١٨ =٠ ١٦٢

٥٨٢
سورة الطلاق
قبل ذلك: ( فطقوهن لعدتهن ... ) لبيان أحكام أخرى تتعلق بعدة نوع
آخر من النساء ذوات الأقراء .
والمراد باللائى يمسن من المحيض: النسائى اللاتي تقدمن فى السن،
وإنقطع عنهن دم الحيض .
وقوله : ( بثسن ) من اليأس ، وهو فقدان الأمل من الحصول على الثوم
والمراد بالمحيض: دم الحيض الذى يلفظه رحم المرأة فى وقت معين،
وفى حال معينة ...
وقوله: ( إن إرتبيم ) من الريبة بمعنى الشك .
قوله: (واللائى) إسم موصول مبتدأ، وقوله ( يثسن) صلته، وجملة
الشرط والجزاء وهى قوله (إن إر قبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) خبره.
والمعنى: لقد بينت لكم - أيها المؤمنون - عدة النساء المعتدات بالمحيض،
أما النساء المتقدمات فى السن واللاتى فقدن الأمل فى رؤية دم الحيض ، فعليكم
إن إوتتم، وشككتم فى عدنهن أو جهلتموها ، أن تقدروها بثلاثة أشهر.
هذا ، وقد قدر بعضهم سن اليأس بالنسبة للمرأة بستين سنة . وبعضهم
قدره بخمس وخمسين سنة .
وبعضهم لم يحدده بسن معينة، بل قال: إن هذا السن يختلف باختلاف
الذوات والأقطار والبيئات ... كاختلاف من إبتداء الحيض
وقوله - تعالى - ( واللاتى لم يحضن معطوف على قوله: (واللائى يئس)
وهو مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه .
والتقدير: واللائى يئسن من المحيض من نسائكم، إن إرتبتم فى عدتهن ،
فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللاتى لم يحضن بعد أصغرهن ، وعدم بلوغهن سن
المحيض ... فعدتهن - أيضا - ثلاثة أشهر .

٥٨٣
الجزء الثامن والعشرون
ثم إنتقلت السورة الكريمة إلى بيان عدة المرأة ذات الحمل، فقال - تعالى-
((وأولات الأحمال أجلين أن يضعن حملهن ... ))
وقوله (( وأولات)): إسم جمع للفظ ذات، بمعنى صاحبه، لأنه لامفرد
لكلمة (( أولات، من لفظها، كما أنه لامفرد من لفظها لكلمة (( أولو)، التى هى
بمعنى أصحاب، وإنما مفردها (( ذو).
والأحمال: جمع حمل - بفتح الحاء - كصحب وأصحاب. والمراد به
الجنين الذى يكون فى بطن المرأة .
والأجل : إنتهاء المدة المقدرة للشىء.
وقوله: « وأولات .. )) مبتدأ. و«أجلهن، مبتدأ ثان. وقوله , أن
"يضعن حملهن)) خبر المبتدأ الثانى، والمبتدأ الثانى وخبره ، خبر الأول .
والمعنى: والنساء ذوات الأحمال «أجلهن، أى: نهاية عدتهن، أن يضعن
ما فى بطونهن من حمل ، فمتى وضعت المرأة ما فى بطنها ، فقد إنقضت عدتها،
لأنه ليس هناك ما هو أدل على براة الرحم ، من وضع الحمل .
وهذا الحكم عام فى كل ذوات الأحمال ، سوا. أكن مطلقات، أم كن قد
توفی عنین أزواجهن .
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى تؤيد ذلك ، ومن
تلك الأحاديث مارواه الشيخان ، من أن سبيعة الأسلمية، وضعت بعد موت
زوجها بأربعين ليلة ، فخطبت فأذكحهارسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأحد
أصحابه ...
وعن أبي بن كعب قال قلت للنبى - صلى الله عليه وسلم -: ((وأولات
الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)): المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها ؟ فقال:
هى للمطلقة ثلاثا والمتوفى عنها ... )) (١).
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٨ ص ١٧٦

٥٨٤
سورة الطلاق
قالوا . ولا تعارض بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى - فى سورة البقرة
« والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر
وعشرا ... ، لأن آية سورة البقرة، خاصة بالنساء اللائى توفى عنهن أزواجهن
ولم يكن هؤلاء النساء من ذوات الأحمال .
وفى هذه المسألة أقوال أخرى مبسوطة فى مظانها (١)
-
ثم كرر - سبحانه، الأمر بتقواه، وبشر المتقين بالخير العميم فقال:
(ومن يتق الله) - تعالى - فينفذ ما كلف به، ويستعد عمانهى عنه.
( يجعل له) - سبحانه - (من أمره يسرا) أى: يجعل له من الأمر العسير
أمرا ميسورا، ويحول له الأمر الصعب إلى أمر سهل، لأنه - سبحانه - له
الخلق والأمر .
( ذلك) الذى ذكر ناه لكم من أحكام ( أمر الله) أى: حكمه وشرعه
وشرعه ( أنزله إليكم ) لتعملوا به ، وتسيروا على هديه .
( ومن يتق الله) - تعالى - فى كل شئونه وأحواله .. يكفر عنه سيئاته
أى: يمح عنه ذنوبه، ولا يؤاخذه عليها. (ويعظم له أجرا) أى: ويضاعف
له حسناته، ويجزل له العطاء والمثوبة يوم القيامة .
ثم أمر - سبحانه - الرجال بأن يحسنوا معاملة النساء المطلقات، وتمام
عن الإساءة اليهن بأى لون من ألوان الإساءة فقال: ( أسكنوهن من حيث
سكنتهم من وجدكم .. ) والخطاب للرجال الذين يريدون فراق أزواجهم،
والضمير المنصوب فى قوله ( أسكنوهن) يعود إلى النساء المطلقات.
و ( من) للتبعيض . والوجد: السعة والقدرة.
(١) راجع تفسير آيات الأحكام ج ٤ ص ١٦٦. وتفسير الألوسى
ج ٢٨ ص ١٣٧

٥٨٥
الجزء الثامن والعشرون
أى: أسكنوا المطلقات فى بعض البيوت التى تسكنونها. والتى هى فى وسعكم
وطاقتكم إسكانهن فيها .
قال صاحب الكشاف: قوله« أسكنوهن، وما بعده: بيان لما شرط من
التقوى فى قوله: ((ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ... ، كأنه قيل: كيف
فعمل بالتقوى فى شأن المعتدات؟ فقيل ((أسكنوهن)).
فإن قلت: ((من، فى قوله (( حيث سكنتم، ما هى؟ قلت: تبعيضية ..
أى: أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم . أى بعص مكان سكناكم.
فإن قلت: فقوله: ((من وجدكم، ما موقعه؟ قلت: هو عطف بيان
لقوله (( من حيث سكنتم))، وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكانا من
مسکنکم ما تطيقونه.
والسكنى والنفقة: واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعى: ليس
للبتونة إلا السكن ولا نفقة لها . وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولاسكنى،
لحديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها أُبتَّ طلاقها، فقال لهارسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: لاسكنى لك ولا نفقة ... )) (١)
ثم أتبع - سبحانه - الأمر بالإحسان إلى المطلقات، بالنهى عن إلحاق
الأذى بهن فقال: ((ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ... ،
أى: ولا تستعملوا معهن ما يؤذيهن ويضرهن، لكى تضيقوا عليهن
ما منحه الله - تعالى - لهن من حقوق، بأن تطيلوا عليهن مدة العدة، فتصبح
الواحدة منهن كالمعلقة، أو بأن تضيقوا عليهن فى السكنى، حتى بلجأن إلى
الخروج ، والتنازل عن حقوقهن .
وقوله - تعالى -: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن
(١) تفسير الكثاف ج ٤ ص ٢٥٨

٥٨٦
سورة الطلاق
حملهن .. ، أى. وإن كن المطلقات أصحاب حمل، فعليكم - يا معشر الأزواج -
أن تقدموا لهن النفقة المناسبة، حتى يضعن حملهن .
قال الإمام ابن كثير : قال كثير من العلماء منهم ابن عباس، وطائفة من
السلف ... هذه فى البائن، إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها.
قالوا : بدليل أن الرجعية نجب نفقتها سواء أكانت حاملا أم غير حامل.
وقال آخرون: يل السياق كله فى الرجعيات ، وإنما نص على الإنفاق على
الحامل - وإن كانت رجعية - لأن الحمل تطول مدته غالبا، فاحتيج إلى النص
على وجوب الإتفاق إلى الوضع ، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار
مدة العدة ... . (١)
ولما كان الحمل ينتهى بالوضع، إنتقلت السورة الكريمة إلى بيان ما يجب.
للمطلقات بعد الوضع، فقال - تعالى -: ((فإن أرضعن لكم فاً تومن
أجورهن ٠٠٠)
أى: عليكم - أيها المؤمنون - أن تقد والنسائكم ذوات الحمل الائى
طلقتموهن طلاقا بائنا . عليكم أن تقدموا هن النفقة حتى يضمن حملين ،
فإذا ما وضعن حملهن وأرادوا أن يرضعن لكم أولادكم منهن ، فعليكم
- أيضا - أن تعطوهن أجورهن على هذا الإرضاع، وأن تلتزموا
بذلك لهن .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الأم المطلقة طلاقا بائنا ، إذا أرادت
أن ترضع ولدها بأجر المثل ، فليس لأحد أن يمنعها من ذلك ، لأنها أحق به
من غيرها، أشدة شفقتها عليه ... وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ
كما أخذوا منها - أيضا - أن نفقة الولد الصغير على أبيه، لأنه إذا لزمته أجرة
الرضاع ، فبقية النفقات الخاصة بالصغير تقاس على ذلك .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٧٩

٥٨٧
الجزء الثامن والعشرون
وقوله - سبحانه -: ((وأمروا بيتكم بمعروف ((حض منه - سبحانه-
للآباء والأمهات على التعاون والتناصح فى وجوه الخير والبر.
والاقتمار معناه: التشاور وتبادل الرأى، وسمى القشاور بذلك لأن
المتشاورين فى مسألة، يأمر أحدهما الآخر بشىء فيستجيب لأمره . ويقال:
أنتمر القوم وتآمروا بمعنى واحد .
أى: عليكم - أيها الآباء والأمهات - أن نتشاوروا فيما ينفع أولادكم،
وليأمر بعضكم بعضا بما هو حسن، فيما يتعلق بالأرضاع والأجر وغيرهما.
وقوله - تعالى -: ((إن تعامر نم فسترضع له أخرى)) إرشاد إلى ما يجب
عليهما فى حالة عدم التراضى على الإرضاع أو الأجر
حاء: والتماسر مأخوذ من العسر الذى هو ضد اليسر والسماحة، يقال تعامر
المتبايعان، إذا تمسك كل واحد منهما برأيه، دون أن يتفقا على شى.
أى: وإن اشتد الخلاف بينكم ، ولم تصلوا إلى حل، بأن إمتنع الأب
عن دفع الأجرة للأم، أو إمتنعت الأم عن الإرضاع إلا بأجر معين.،
فليس معنى ذلك أن يبقى المولود جائعا بدون رضاعة ، بل على الأب أن
يبحث عن مرضعة أخرى، لكى ترضع له ولده، فالضمير فى قوله, له،
يعود على الأب
قال صاحب الكشاف: قوله: ((وإن تعاسر تم فسترضع له أخرى، أى
فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم
على المعامرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوافى : سيقضيها غيرك. تريد
لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم ،
وقذ علق المحشى على الكشاف بقوله: وخص الأم بالمعاقبة ، لأن المبذول
من جهتها هو لبنها وهو غير متمول ولا مضنون به فى العرف ، وخصوصا

٥٨٨
سورة الطلاق
فى الأم على الولد، ولا كذلك المبذول من جهة الأب، فإنه المال المضنون
به عادة، فالأم إذا أجدى باللوم، وأحق بالعتب)، (١)
قالوا : وفى هذه الجملة - أيضا. طرف من معاقبة الأب، لأنه كان
من الواجب عليه أن يسترضى الأم، ولا يكون مصدر عسر بالنسبة لها،
حرصا على مصلحة الولد .
ثم رسم - سبحانه - لعباده المنهج الذى لو إتبعوه لعاشوا آمنين مطمئنين
فقال: « لينفق ذو سعة من سعته. )
والإنفاق: بذل المال فى المصالح المتنوعة التى أحلها الله - تعالى-،
كالمأكل والمشرب ، والملبس، والمسكن ، وإعطاء كل ذى حق حقه .
والسعة : البسطة فى المل والرزق
أى: على كل من أعطاه الله - تعالى - سعة وبسطة فى المال والرزق ، أن
ينفق ما أعطاه الله - تعالى - وأن لا يبخل، فإن البخل مفة قبيحة، ولاسيما
فى الأغنياء .
فعليكم - أيها الآباء - أن تعطوا بسخاء كل من يستحقون العطاء، وعلى
رأسهم الأمهات لأولادكم ، اللائى يقمن بإرضاعهم بعد مفارقتكم لهن ، وأن
لاتبخلوا عليهن فى أجرة الرضاع، أو فى النفقة على الأولاد .
ثم قال - تعالى -: ((ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله .. ، أى :
ومن كان رزقه ضيقا وليس واسعا ... فلينفق على قدر ماله ورزقه
وطاقته ، ما آتاه الله - تعالى - من رزق .
وقوله: (( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها .. )، تعليل لما قبله . أى: فلينفق
كل إنسان على نفسه وعلى زوجه ، وعلى أولاده، وعلى أقاربه ، وعلى غيرم.
(١) الکعاف وحاشيته ج ٤ ص ٥٥٩
:

٥٨٩
الجزء الثامن والعشرون
على حسب حاله، فإن كان موسرا أنفق على حسب يسره، وإن كان معرا
أنفق على حسب عسره ... لأن الله - تعالى - لا يكلف نفسا إلا بقدر
ما أعطاها من طاقة أو رزق ...
روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب سأل عن أبى عبيدة فقيل له : إنه.
ويلبس الغليظ من الشباب ، ويأكل الخشن من الطعام ، فبعث إليه بألف دينار،
وقال للرسول: اقظر ماذا يصنع إذا أخذها ، فلما أخذها، ما لبث أن لبس
لين الشياب، وأكل أطيب الطعام ... جاء الرسول فأخبره فقال عمر: رحم
لقه أباعبيدة، لقد عمل بهذه الآية: لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه
رزقه فلينفق مما آتاه الله» (١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببشارة لمن يتبع أمره فقال: ((سيجعل
الله بعد عسر يسرا)، أى: سيجعل الله - تعالى - بفضله وإحسانه - اليسر بعد
العسر والسمة بعد الضيق، والغنى بعد الفقر ... لمن شاء من عباده ، لأنه
- سبحانه - هو الذى يبسط الرزق من يشاء ويقدر، وهو بعباده
خبير بصير .
١. قال الإمام ابن كثير: وقد روى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال : دخل
رجل على أهله ، فلما رأى ما بهم من الفاقة خرج إلى البرية ، فلما رأت امرأته
ذلك قامت إلى الرحى فوضعتها ، وإلى التنور فسجرته - أى أوقدته - ،
ثم قالت: اللهم ارزقنا ، فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت ..
قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا، قال: فرجع الزوج فقال لأهله .
الصبتم بعدى شيئا؟ فقالت امرأته: نعم من ربنا ..
(١) تفسير ابن جرير حـ ٢٨ ض ١٤٩

٥٩٠
سورةالطلاق
فذكر الرجل ذلك للنى - صلى الله عليه وسلم - فقال أما إنه لو لم ترفعها،
لم تزل تدور إلى يوم القيامة، (١).
٠٠٠
وبعد هذه التشريعات الحكيمة التى تتعلق بالسلاق وما يترتب عليه من
آثار، وبعد هذا تذكير المتكرربوجوب تقوى الله - تعالى - والمحافظة
على أداء تكاليفه ، وبعد هذا الوعظ المؤر فى قلوب الذين يؤمنون بالقه.
واليوم الآخر ....
بعد كل ذلك ساق - سبحانه - جانبا من سوء عاقبة الأقوام الذين فسقوا
عن أمر ربهم، وخالفوا رسله؛ وكرر الأمر بتقواه، وذكر الناس بجانب
من نعمه، حيث أرسل إليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليتلو عليهم
آياته ... كماذكرهم بعظيم قدرته - تعالى - وشمول علمه، فقال - سبحانه -.
((وكأيِّنْ مِنْ قريةٍ عنّتْ عن أمر ربها ورُسلِهِ، فَسَبِتَهَا.
حِسَابًا شَدِيداً وعذَّبْتَهَا عَذَابًا نُكْراً (٨) فذاقَتْ وبال أَمْرِها وكانَ
عاقبةُ أَمْرِها خُسراً (٩) أعدَّ اللهُ لهُم عذابًا شَدِيداً، فاتقوا الله يا أُولى
الأَلْبَابِ الذينَ آمنُوا قد أنزَلَ الهُ إليكُمْ ذِكراً (١٠) رسُولاً يتُلُو
عَلَيْكُم آياتِ اللهِ مُبَّنَاتٍ لِيُخرِجَ الذِينَ آمَنُوا وَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
من الظلماتِ إلى النُّورِ، ومَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ ويعمَلْ صالحاً يُدخَلْهُ
جِنَّاتٍ تجرِى مِن تحتها الأنهارُ خالِدِينَ فيها أبداً قد أَحسنَ الله لهُ
رزقاً (١١) اللهُ الذى خَلَقَ سَبْعَ مَّمَاوَاتٍ، ومِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بِيْهُنَّ لَتَعلموا أنَّ اللهَ عَلَى كُلُّ شَىءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ الهَ قد
أحاطَ بكلٌ شَىءٍ عِلْمًا (١٢))).
(١) تفسير ابن كثير <٨ ص ١٨١

٥٩١
الجزء الثامن والعشرون
وكلمة (( كأين، اسم لعدد كثير مبهم، يفسره ما بعده، فهى بمعنى ( كم))
الخبرية التى تفيد التكثير، وهى مبتدأ، وقوله (( من قرية، تمييز لها .
وجملة (( عنت عن أمر ربها، خبر للمبتدأ. والعتو: الخروج عن الطاعة.
يقال: عتا فلان يعتو عقوا وعتيا، إذا تجبر وطغى وتجاوز الحدود فى
الاستكبار والعناد.
والمراد بالقرية: أهلها ، على سبيل المجاز المرسل، من إطلاق المحل
وإرادة الحال، فهو كقوله - تعالى - : واسأل القرية التى كنا فيها).
والقرينة على أن المراد بالقرية أهلها، قوله - تعالى - بعد ذلك: «أعدالله
لهم عذابا شديدا، ..
والمراد بالمحاسبة فى قوله , فاسبناها ... ، المجازاة والمعاقبة الدنيوية
على أعمالهم ، بدليل قوله - تعالى - عن العذاب الأخروى بعد ذلك
(( أعد اته لهم عذابا شديدا ... ».
ويجوز أن يراد بالمحاسبة هنا. العذاب الأخروى، وجىء بلفظ الماضى
على سبيل التأكيد وتحقق الوقوع، كما فى قوله - تعالى -: ((ونادى اصحاب
الجنة أصحاب النار .. ))
ويكون قوله - سبحانه -: ((أعد الله لهم عذابا شديدا ....
تكریرا للوعيد.
والمعنى: وكثير من أهل القرى الماضية ، خرجوا عن طاعة ربهم ،
وعصوا رسله ، فكانت نتيجة ذلك أن سجلنا عليهم أفعالهم تسجيلا دقيقا،
وجازينام عليها جزاء عادلا ، بأن عذبناهم عذابا فظيما . وعاقبناهم عقابا
فكرا ..
والشىء النكر - بضمتين وبعضم فسكون - ما ينكره العقل من شدة كيفية
حدوثه إذكارا عظيما .

٠٩٢
سورة الطلاق
والفاء فى قوله - تعالى -: فذافت وبال أمرها ... ، للتفريع على
ما تقدم .
والوبال: الثقل ، ومنه الطعام الوبيل أى : الوخيم الثقيل على المعدة
فيكون سببا فى فسادها ومرضها. والذوق: الإحساس بالشىء إحساسا
واضحا . ..
أى: فترتب على هذا الحساب والعقاب ، أن ذاق أهل تلك القرى سوء
عاقبة حالهم وأمرهم وجحودهم لنعم الله .،
(( وكان عاقبة أمرها خسرا، أى: وكانت نها يتهم نهاية خاسرة خسارة
عظيمة ، كما يخسر التاجر صفقته التجارية التى عليها قوام حياته .
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم فى الآخرة من عذاب، بعد بيان ماحل
بهم فى الدنيا فقال: (( أعد الله لهم عذابا شديدا ... ))
أى: أن ما أصابهم فى الدنيا بسبب فسوقهم عن أمر ربهم ، ليس نهاية
المطاف، بل هيأ الله - تعالى - لهم عذابا أشد من ذلك وأبقى فى الآخرة ..
وما دام الأمر كذلك (( فاتقوا الله يا أولى الألباب، الذين آمنوا قد أنزل
اته إلیکم ذ کرا ... ،
والألباب جمع لب، وهو العقل السليم الذى يرشد صاحبه إلى
الخير والبر .
وقوله («الذين آمنوا)، منصوب بإضمار أعنى على سبيل البيان للمنادى،
أو عطف بيان له .
والمراد بالذكر: القرآن الكريم ، وقد سمى بذلك فى آيات كثيرة منها
قوله - تعالى - (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكر كم ... ) أى: فيه شرفكم
وعزكم، وفيه مايذكركم بالحق، وينها كم عن الباطل
أى: فاتقوا الله - تعالى - يا أصحاب العقول السليمة، ويامن آمنثم باقه

٥٩٢
الجزء الثامن والعشرون
- تعالى - حق الإيمان، فهو - سبحانه - الذى أنزل عليكم القرآن الكريم ،
الذنى فيه ما يذكركم عما غفلتم عنه من عقيدة سليمة، ومن أخلاق كريمة ،
ومن آداب قويمة ...
وفى قدائهم بوصف « أولى الألباب)، إشعار بأن العقول الراجحة،
هى التى تدعو أصحابها إلى تقوى الله وطاعته، وإلى كل كمال فى الطباع والسلوك.
والمراد بالرسول فى قوله - تعالى - ، رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات.
محمد - صلى الله عليه وسلم - والمفسرين جملة من الأقوال فى إعرابه.، فمنهم
من برى أنه منصوب بفعله مقدر، ومنهم من يرى أنه بدل من
,(ذكرا))(١).
والمعنى: فانقوا الله - أيها المؤمنون - فقد أنزلنا إليكم قرآً نافيه مايذكركم
بخير الدنيا والآخرة .. وأرسلنا إليكم رسولا هو عبدنا محمد - صلى الله عليه
وسلم - لكى يتلو عليكم آياتنا تلاوة قدير وفهم ، يعقبهما تنفيذ ما اشتملت
عليه هذه الآيات من أحكام وآداب وهدايات ...
ولكى يخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الشرك الذى كانوا
وأقعين فيه، إلى فور الإيمان الذى صاروا إليه .
ومنهم من فسرً الذكر بالرسول - صلى الله عليه وسلم -....
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: (( قد أنزل الله إليكم ذكرا، هو النبى
- صلى الله عليه وسلم -، وعبر عنه بالذكر، لمواظبته على تلاوة القرآن الذى
هو ذكر ...
وقوله - تعالى - ((رسولا)، بدل من ((ذكرا))، وعبر عن إرساله
بالإنزال ، لأن الإرسال مسبب عنه ..
(١) راجع حاشية الجمل على الجلالين حـ ، ص ٣٦١
( ٢٨ - سورة الطلاق )

٥٩٤
سورة الطلاق
والظاهر أن الذكر هو القرآن. والرسول هو محمد - صلى الله عليه وسلم -
ورسولا منصوب بمقدر، أى : وأرسل رسولا ... ،(١).
ثم بين - سبحانه - حمن عاقبة المؤمنين الصادقين فقال: ((ومن يؤمن
بالله، إيمانا حقا ((ويعمل، عملا, صالحا)), يدخله، - سبحانه - بفضله
وإحسانه , جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها، خلودا أبديا ...
وقوله: « قد أحسن الله له رزقا، حال من الضمير المنضوب فى قوله
(((بدخله))، والجمع فى الضمائر باعتبار معنى ((من))، كما أن الإفراد فى الضمائر
الثلاثة: اعتبار لفظها: والرزق. كل ما ينتفع به الإنسان، وتفكيره للتعظيم.
أى: قد وسع الله - تعالى - لهذا المؤمن الصادق فى إيمانه رزقه فى الجنة ،
وأعطاه من الخير والنعيم، ما يشرح صدره ، ويدخل السرور على نفسه ،
ويصلح باله ...
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على كمال قدرته، وسعة علمه.
فقال: ( الله الذى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن .. ))
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى خلق سبع سماوات طباقا، وخلق من
الأرض مثلهن، أى: فى العدد ، فهى سبع كالسماوات.
. والتعدد قد يكون باعتبار أصول الطبقات الطينية والصخرية والمائية
والمعدنية ، وغير ذلك من الاعتبارات التى لا يعلمها إلا الله - تعالى -..
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: يقول - تعالى - مخبرا عن
قدرته التامة ، وسلطانه العظيم ، ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من
الدين القويم: (( الله الذى خلق سبع سماوات، كقوله - تعالى - إخبارا عن
فرح أنه قال لقومه: (( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ....
وقال - تعالى - ((تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن)).
(١) راجع تفسير الآلوسي ج ٢٨ ص ١٤١

٠٩٥
الجزء الثامن والعشرون
وقوله: (( ومن الأرض مثلهن، أى: سبعا. أيضا - كما ثبت فى
الضجيجين: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين)).
وفى صحيح البخارى: «خف به إلى سبع أرضين) ..
ومن حمل ذلك على سيعة أقاليم، فقد أبعد النجعة ، وأغرق فى النزع ،
وخالف القرآن والحديث بلا مستند ... )،(١) .
وقال الآلوسي: (( ألله الذي خلق سبع سماوات، مبتدأ أو خبر ((ومن
(الأرض مثلهن، أى: وخلق من الأرض مثلهن. على أن ((مثلون)) مفعول
لفعل محذوف ، والجملة معطوفة على الجملة قبلها ...
والمثلية تصدق بالاشتراك فى بعض الأوصاف ، فقال الجمهور : هى هنا
فى كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مساقة
كما بين السماء والأرض، وفى كل أرض سكان من خلق الله، لا يعلم حقيقتهم
أحد إلا قه - تعالى -.
وقيل : المثلية فى الخلق لا فى العدد ولا فى غيره، فهى أرض واحدة مخلوقة
كالسموات السبع ...
ورد هذا القيل بأنه قد صح من رواية البخاري وغيره ، قوله - صلى الله
عليه وسلم -: ((اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع
وما أقللن ... )، (٢).
والذى نراه أن كون المثلية فى العدد ، هو المعول عليه، لورود الأحاديث
الصحيحة التى صرحت بأن الأرضين سبع ، فعلينا أن نؤمن بذلك، وأن زد
كيفية تكوينها، وهيئاتها، وأبعادها، ومساحاتها، وخصائصها ... إلى علم
الله - تعالى - .
(١) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ١٨٢
(٢) تفسير الالوسى = ٢٨ ض ١٤٣

٠٩٦
سورة الطلاق
وقوله: « بتنزل الأمر بينهن، أى: بحرى أمر الله - تعالى- وقضاؤه.
وقدره پینهن ، وينفذ حكمه فيهن . فالمراد بالأمر : قضاؤه وقدره ووحيه.
واللام فى قوله - تعالى -: ((لتعلموا أن الله على كل شىء قدير، وأن اته
قد أحاط بكل شىء علما، متعلقة بقوله ((خلق» ...
أى: خلق - سبحانه - سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، وأخبركم بذلك،
لتعلموا علما تاما أن الله - تعالى - على كل شىء قدير، وأن علمه - تعالى -
قد أحاط بكل شىء، سواء أ كان هذا الشىء جليلا أم حقيرا، صغيرا.
أم كبيرا ...
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الطلاق، نسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصا لوجهه ونافعا لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
رمحبه وسلم ؟
الاسكندرية - العجمى : ٢٤ من شوال سنة ١٤٠٦ هـ
٣٠ من يونيو سنة ١٩٨٦ م

تفسير
سُورَة التَّحْرِيُ

١ - سورة ((التحريم)) من السور المدنية الخالصة، وتسمى - أيضا -
بسورة (( لم تحرم)، وبسورة ((النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدد آياتها اثنتا
عشرة آبة .-
٢ - وكان نزولها بعد سورة ((الحجرات)، وقبل سورة ((الجمعة،، فهى
السورة الخامسة بعد المائة بالنسبة لترتيب نزول السور القرآنية، أما ترتيبها
· فى المصحف ، فى السورة السادسة والستون .
٣ - والسورة الكريمة فى مطلعما تحكى جانبا مما دار بين الغى - إ الله
عليه وسلم -: وبين بعض زوجاته، فترض صفحة من حياته - صلى الله عليه
بوسلم - فى بية، ومن عتاب الله - تعالى - له ومن فضله عليه، ودفاعه عنه ..
٤ - ثم وجهت نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يداوموا على العمل الصالح
الذى ينجيهم من عذاب الله - تعالى -، وحرضتهم على التسلح بالقوة النصوج
لأنها على رأس الأسباب التى تؤد: إلى تكفير سبتاتهم ...
٥ - ثم ختمت السورة الكريمة بضرب مثلين أحدهما للذين آمنوا،
ويتمثل فى امرأة فرعون وفى مريم ابنة عمران ، والآخر للذين كفروا
ويتمثل فى امرأة نوح وامرأة لوط - عليهما السلام - والغرض من ذلك
العظة والاعتبار .
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة - بقوله - تعالى -:.
( يَأيُّها النَِّىُّ لِمَ تُحرمُ ما أَحلَّ اله لكَ، تَبْتَغَى مَرْضَةً أزْوَاجِكَ
والله غفورٌ رَحِيمٌ (١) قد فرَضَ الهَ لكُمْ تحلَّةَ أَيَفِكُمْ وَاللهُ مَولائُ
وهُو العليم الحكيمُ (٢) وإِذْ أُسَرَّ النِّئُّ إلى بَعْض أزْوَاجهِ حديثاً ،

٦٠.٠
سورة التحريم
فَلَمْ تَبَّأْتْ بهِ وأَظهرَه اللّهُ عَلَيهِ عرَّفَ بعضَهُ وَأعرَضَ عَن بعْضٍ
فَلَمَّا بََّها به قالَتْ من أَنْبأكَ هذا ، قالَ نِبأَ يِّ العليمُ الْبِيرُ (٣) إِنْ
تُتُوباً إلى اللهِ فَقَدْ صِفَتْ قُلُوبُكُنَاَ، وإنْ تظاهرا عَلَيهِ إِنَّ اللّه هُو
مَولاَءُ وجِبريلُ وصالحُ المؤمِنِينَ، والملائِكَةُ بعدَ ذلكَ ظَهِيرٌ (٤)
عسَى ربُهُ إِنْ طِبْكُنَّ أن يُبدلُهُ أَزْوَاجاً خيراً مِنِكُن مُسْماتٍ
مُؤْمِنَتٍ قَاتِتَاتٍ تَاتِبَاتٍ عَبِدَاتٍ سائحاتٍ، قَيِّبَاتٍ وَأَنْكاراً (٥)).
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، منها
مارواه الشيخان وغيرهما عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : كان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندما
فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟ -
والمغافير: صمغ حلوله رائحة كريهة - إنى أجد منك ريح مغافير ...
فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ، فقال: بل شربت عسلا عند زينب
بنت جحش وان أعود إليه. وقد حلفت. فلا تخبرى بذلك أحدا، فزات
هذه الآيات .
٠
وفى رواية؛ أن التى شرب عندها العسل: حفصة بنت عمر، وأن القائلة
له ذلك : سودة بنت زمعة ، وصفية بنت حى ...
قالوا : والاشتباه فى الاسم لا يضر، بعد ثبوت أصل القصة .
وأخرج النسائى والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن أنس ، أن رسول .
- صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى
جعلها على نفسه حراما، فأنزل الله - تعالى - ((يأيها التى لم تحرم ما أحل الله
لك ... الآيات ...