النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
الجزء الثامن والعشرون
((ومن يوق شح نفسه، أى: ومن يستطع أن يبعد نفسه عن الشح والبخل.
,فأولئك هم المفلحون) أى: الفائزون فوزا تأما لا نقص معه.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحض على الإنفاق فى سبيله فقال:
(((إن تقرضوا اله قرضا حسنا، يضاعفه لكم ... )).
أى: إن تبذلوا أموالكم فى وجوه الخير التى يحبها الله - تعالى - ، بذلا
مصحوبا بالإخلاص او طيب النفس ، يضاعف الله - تعالى - لمكم ثواب هذا
الإنفاق والإقراض. بأن يجعل لكم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف،
(ويغفر لكم، فضلا عن ذلك ذنوبكم . ببركة هذا الإنفاق الخالص
لوجهه الكريم.
((واقه شكور)) أى: كثير الشكر لمن أطاعه «حليم، لا يعاجل بالعقوبة
المذنبين .
((عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم)) أى هو - سبحانه - يعلم علما قاما
ما كان خافيا عليكم وما كان ظاهرا لكم ، وهو - عز وجل - القوى الذى
لا يغلبه غالب ، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله ...
١
( وبعد فهذا تفسير لسورة ((التغابن))، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
أوجه ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الإسكندرية - العجمى
كتبه الراجي عفوربه
صباح الخميس ٢٠ من شوال ١٤٠٦ هـ
٢٦ من يونيو ١٩٨٦ م
محمد سيد طنطاوى
٣٦١ - سورة التغابن)

تفسير
سُورَة الطّلاق

بِسْ عبد الرحمن الرحيم
١ - سورة ((الطلاق)) من السور المدنية الخالصة، وقد سماها عبد الله
ابن مسعود يسورة النساء القصرى . أما سورة النساء الكبرى فهى التى بعد
سورةآل عمران.
وكان نزولها بعد سورة (( الإنسان)) وقبل سورة ((البينة))، وترتپها
بالنسبة للغزول: السادسة والتسعون ، أما ترتيبها بالنسبة لترتيب المصحف ،
فهى السورة الخامسة والستون .
٢ - وعدد آياتها إحدى عشرة آية فى المصحف البصرى ، وفيما عداه
إننتا عشرة آية .
٣ - ومعظم آياتها يدور حول تحديد أحكام الطلاق ، وما يترتب عليه
من أحكام العدة ، والإرضاع، والإنفاق ، والسكن ((والإشهاد على الطلاق،
وعلى المراجعة ...
وخلال ذلك تحدثت السورة الكريمة حدیثا جامعا عن وجوب تقوی
الله - تعالى -، وعن مظاهر قدرته، وعن حسن عاقية التوكل عليه ، وعن
يسره فى تشريعاته ، وعن رحمته بهذه الأمة حيث أرسل فيها رسوله - صلى
الله عليه وسلم - ليتلو على الناس آيات الله - تعالى-، ويخرجهم من ظلمات
الكفر إلى نور الإيمان بإذنه - سبحانه .
٠٠٠
وقد لفتتحت السورة الكريمة بقوله - تعالى :

٥٦٦
سورة الطلاق
(( يَأيُّها التَّى إذَا طلَقْتُ النِّساء فطلّقُوهُنَّ لمِدَّتهنَّ وأَحْصُوا العِدَّةَ
واتَّقُوا اللهَ ربُكُمْ لاَ تُخرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِنَّ ولا يَخْرِجْنَ إلاَّ أنْ يأْتِينَ
بِفَحِشةٍ مِيّةٍ ، وتلكَ حدُودُ اللهِ ومَنْ يتعَدَّ حدُودَ اللهِ فقد ظلم
نَفْسِه، لا تَدرِى لعلَّ اللهَ يُحدثُ بعدَ ذلكَ أَمْراً (١) فإذا بلَغْ
أجَلَهَنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمعروفٍ، أو فارِقُوهُنَّ بمِعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا
ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُم، وأَقِعُوا الشََّدة لُهٍ، ذَلِكُم يوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ
مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالغُهِ واليومِ الْآخِرِ ، ومن يَتَّقِ اللهَ يَجْمَلْ له تَخْرِجا (٢)
ويُرْزُقُهُ مِنِ حيثُ لا يَحْسِبِ، ومَنْ يَتَوكَلْ عَى اللهِ فَهُو حَسْبُهُ ،
إنّ اللهِ بَلَغُ أَمْرِهِ، قد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىءٍ قَدراً (٣)).
غايه -
افتتح الله - تعالى السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - صلى الله عليه.
وسلم - فقال: با أيها النبى إذا طلقتم النساء، فطلقومن لحدتهن وأحصوا
المدة ... » .
وأحكام الطلاق التى وردت فى هذه الآية ، تشمل النبى - صلى الله عليه
وسلم -، كما تشمل جميع المكلفين من أمته - صلى الله عليه وسلم - .
وإنما كان النداء له - صلى الله عليه وسلم -، وكان الخطاب بالحكم عاما له
ولأمته، تشريفا وتكريما له - صلى الله عليه وسلم -، لأنه هو المبلغ للناس،
وهو إمامهم وقدوتهم والمنفذ لأحكام الله - تعالى - فيهم .
قال صاحب الكشاف: خص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنداء، وعم
بالخطاب، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - إمام أمته وقدونهم ، كما يقال
لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان: افعلوا كيت وكيت ، إظهارالتقدمه ،
واعتبارا لترؤسه، وأنه مدْرَةُ قومه ولساتهم - والمدرة: القرية .

٥٦٧
الجزء الثامن والعشرون
أى: أنه بمنزلة القرية لقومه - وأنه الذى يصدرون عن رأيه، ولا يستبدون
بأمر دونه، فكان هو وحده فى حكم كلهم، وساد مسد جميعهم ... ))(١).
وهذا التفسير الذى اقتصر عليه صاحب الكشاف . هو المعول عليه ،
وهو الذى يناسب بلاغة القرآن وفصاحته ، ويناسب مقام النبي - صلى الله
عليه وسلم - .
وقيل : الخطاب له ولأمته ، والتقدير: يأيها النى وأمته إذا طلقتم، حذف
المعطوف لدلالة ما بعده عليه.
. وقيل: هو خطاب لأمته فقط، بعد ندائه - عليه السلام - وهو من تلوين
الخطاب ، خاطب أمته بعد أن خاطبه .
وقيل : إن الكلام على إضمار قول. أى: يأيها النبي قل لأمتك إذا
طلقة (٢) .
والحق أن الذى يتدبر القرآن الكنيم، يرى أن الخطاب والأحكام المترتبة
عليه، تارة تكون خاصة به - صلى الله عليه وسلم - كما فى قوله - تعالى - :
((يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت
٤٠ ...
رسالته
وتارة يكون شاملا له - صلى الله عليه وسلم - ولأمته كما فى هذه الآية التى
معنا، وكما فى قوله - تعالى -: { يأيها الفى جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ
عليهم ... )).
وقارة يكون - صلى الله عليه وسلم - خارجا عنه كما فى قوله - تعالى -:
(( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما،
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٥٥٢
(٢) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٣٥٥

٥٦٨
سورة الطلاق
وقل لهما قولا کریما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ، وقل رب ارحمهما
کما ربیانی صغیرا».
فصيغة الخطاب هنا وإن كانت موجهة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -
إلا أنه ليس داخلا فيها ، لأن والديه لم يكرفا موجودين عند نزول هانين
الآيتين .
والمراد بقوله: (( إذا طلقتم النساء .. ، أى: إذا أردتم تطليقهن، لأن
طلاق المطلقة من باب تحصيل الحاصل .
وهذا الأسلوب يرد كثيرا فى القرآن الكريم ، ومنه قوله - تعالى - :.
((يأيها الذين آمنوا إذا قتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... ، أى: إذا
أردتم القيام للصلاة فاغسلوا ...
والمراد بالنساء هنا : الزوجات المدخول بهن ، لأن غير المدخول بهن
خرج بقوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم
طلقته وهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ... ).
واللام فى قوله - سبحانه -: ((فطلقومن لعدتهن)) هى التى تسمى بلام
التوقيت، وهى بمعنى عند، أو بمعنى فى ، كما يقول القائل: كتبت هذا الكتاب
لعشر مضين من شهر كذا ...
٠
ومنه قوله - تعالى -: «أقم الصلاة لدلوك الشمس ... ، أى: عند أو فى
وقت دلوكها ...
وقوله: ((وأحصوا العدة)) من الإحصاء بمعنى العد والضبط، وهو
مشتق من الحصى ، وهى صغار الحجارة ، لأن العرب كانوا إذا كثر عدد
الشىء ، جعلوا لكل واحد من المعدود حصاة، ثم عدوا مجموع ذلك
الحصى ...

٥٦٩
الجزء الثامن والعشرون
والمراد به هنا : شدة الضبط، والعناية بشأن العد، حتى لا يحصل خطأ
فى وقت العدة .
والمعنى: يأيها التى، أخبر المؤمنين ومرم ، إذا أرادوا تطليق نسائهم
المدخول بهن ، من المعتدات بالحيض ، فعليهم أن يطلق ومن فى وقت عدتهن.
أى: فى طهر لم يجامعوهن فيه، ثم يتركوهن حتى تنقضى عدتمن ...
وعليهم كذلك أن يضبطوا أيام العدة ضبطا قاما حتى لا يقع فى شأنها
خطأ أو لبس .
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : خوطب النبى - صلى الله عليه وسلم
- أولا تشريفا وتكريما، ثم خاطب الأمة تبعاً، فقال:« يأيها النى إذا ظلقتم
النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ... )
روى ابن أبى حاتم عن أنس قال: طلق النبى - صلى الله عليه وسلم -
حفصة، فأقت أهلها، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وقيل له: راجعها فإنها
حوامة قوامة ، وهى من أزواجك فى الجنه ».
وروى البخارى أن عبد الله بن عمر ، طلق أمرأة له وهى حائض ، فذكر
عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فتغيظ - صلى الله عليه وسلم -
ثم قال: فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر، فإن بداله أن
أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدة التى أمر الله
- تعالى - .
ثم قال - رحمه الله -: ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق ، وقسموه
إلى طلاق سنة ، وطلاق بدعة .
فطلاق السنة : أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، أو حاملا قد
استبان حملها .
والبدعى: هو أن يطلقها فى حال الحيض، - وما يشبه كالنفاس-،

٥٧٠
سورةالطلاق
أو فى طهر قد جامعها فيه، ولا يدرى أحملت ألا؟ .... ،(١)
وتعليق ((طلقتم، إذا الشرطية، يشعر بأن الطلاق خلاف الأصل،
إذ الأصل فى الحياة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة ، وعلى الدوام
والاستقرار .
قال - تعالى -: ((ومن آياته أن خلق أمكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا
إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة .... )
قال القرطبى: روى الثعلبى من حديث ابن عمر قال : قال : رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: ((إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق)» ...
وعن أبى موسى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تطلقوا
النساء إلا من ريبة. فإن الله - عز وجل - لا يجب الذواقين ولا الذواقات)).
وعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما حلف.
بالطلاق ، ولا استحلف به إلا منافق،.(٢)
والمراد بالأمر فى قوله - تعالى - ((فطلقو هن لعدتهن .. ، إرشاد المؤمنين
إلى ما يجب عليهم اتباعه إذا ما أرادوا مفارقة أزواجهن، ونهيهم عن إيقاع
الطلاق فى حالة الحيض أو ما يشبها كالنفاس ... لأن ذلك يكون طلاقا بدعيا
محرما، إذ يؤدى إلى تطويل عدة المرأة لأن بقيه أيام الحيض لا تحسب من
العدة، ويؤدى - أيضا - إلى عدم الوفاء لها ، حيث طلقها فى وقت رغبته
فيها فاترة ...
ولكن الطلاق مع ذلك يعتبر واقعا ونافذا عند جمهور العلماء.
قال القرطبى : من طلق فى طهر لم يجامع فيه، نفذ طلاقه وأصاب السنة .
وإن طلقها وهى حائض نفذ طلاقه وأخطأ السنة .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٦٩
(٢) راجع تفسير القرطي حـ ١٨ ص ١٤٩

٥٧١
الجزء الثامن والعشرون
وقال سعيد بن المسيب: لا يقع الطلاق فى الحيض لأنه خلاف السنة.
وإليه ذهبت الشيعه .
وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتى وهي حائض ،
فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتغيظ، وقال: فليراجعها ثم
فليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التى طلقها فيها ...
وكان عبد الله بن عمر قد طلقها تطليقة، خسبت من طلاقها، وراجعها
عبد الله بن عمر، كما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له: ((هى واحدة))
وهذا نص . وهو يرد على الشيعة قولهم،(١).
وقد بسط الفقهاء وبعض المفسرين الكلام فى هذه المسألة فليرجع إليها
من شا.(٢) .
والمخاطب بقوله «أحصوا المدة) الأزواج على سبيل الأصالة، لأنهم
م المخاطبون بقوله (( طلقتم)) وبقوله (( فطلقوهن))، ويدخل معهم الزوجات
على سبيل التبع، وكذلك كل من له صلة بهذا الحكم، وهو إحصاء العدة .
ثم أمر - سبحانه - بتقواه فقال: ((واتقوا الله ربكم، أى. واتقوا الله.
ربكم، بأن تصونوا أنفسكم عن معصيته، التى من مظاهرها إلحاق الضرر
بأزواجكم، بتطليقهن فى وقت حيضهن، أو فى غير ذلك من الأوقات المنهى
عن وقوع الطلاق فيها .
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة: التحذير من التسامل فى أحكام الطلاق
والعدة ، كما كان أهل الجاهلية يفعلون .
(١) راجع تفسير القرطبي ــ ١٨ ص ١٥١
(٢) راجع تفسير الالوسى = ٢٨ ص٠١٢٠ وتفسير آيات الأحكام ج ٤
ص ١٥٦ - للشيخ السايس .

٥٧٢
سورة الطلاق
وجمع - سبحانه - بين لفظ الجلالة، وبين الوصف بربكم، لتأكيد الأمر
بالتقوى ، والمبالغة فى وجوب المحافظة على هذه الأحكام .
ثم بين - سبحانه - حكما آخر يتعلق بالأزواج والزوجات فقال :
((لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) ..
والجملة الكريمة مستأنفة، أو حال من ضمير ((وأحصوا العدة، أى: حالة
كون العدة فى بيوتهن. والخطاب الأزواج والزوجات . والاستثناء مفرغ
من أعم الأحوال والأسباب ...
والفاحشة : الفعلة البالغة الغاية فى القبح والسوء ، وأكثر إطلاقها
على الزنا .
والمراد بها هنا: ما يشمل الزنا وغيره من سوء الأخلاق ، وكثرة الخصام.
وقوله: ((مبينة)) صفة للفاحشة. وقراءة الجمهور - بكسر الياء - أى:
بفاحشة توضح لمن تبلغه أنها فاحشة اشدة قبحها .
وقرأ ابن كثير ((مبينة)) بفتح الياء - أى: بفاحشة قامت الحجة على
مر تكبيها قياما لا مجال معه للمناقشة أو المجادلة .
أی: واتقوا الله ربكم - أيها المؤمنون - فما تأنون وتذرون، ومن
مظاهر هذه التقوى ، أنكم لا تخرجون زوجاتكم المطلقات من مساكنهن إلى
أن تنقضى عدتهن، وهن - أيضا - لايخرجن منها بأنفسهن فى حال من
الأحوال، إلا فى حال إقيانهن بفاحشة عظيمة ثبتت عليهن ثبوتا واضحا .
فالمقصود بالجملة الكريمة نهى الأزواج عن إخراج المطلقات المعتدات
من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنتهى عدتهن، ونهى المعتدات عن الخروج
منها إلا عند إرتكابهن الفاحشة الشديدة القبح .
وأضاف - سبحانه - البيوت إلى ضمير النساء فقال: لاتخرجوهن من
من بيوتهن،، الإشعار بأن إستحقاقهن للسكك فى بيوت أزواجهن مدة

٥٧٢
الجزء الثامن والعشرون
عدتهن ، كاستحقاق المالك لما بملكه، ولتأكيد النهى عن الإخراج
والخروج .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن المطلقة لا يصح إخراجها
أو خروجها من بيت الزوجية مادامت فى عدتها ، إلا لأمر ضرورى ...
قال الآلوسی ما ملخصه: وقوله: (( لا تخر جو هن من بيوتهن ، أى: من
مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنقضى عدتهن .... وعدم العطف للإيذان
أباستقلاله بالطلب اعتناءا به. والنهى عن الإخراج يتناول بمنطوقه عدم
إخراجين غضبا عليهن، أو كرامة لمساكنتهن .. ويتناول بإشارته عدم
الإذن لمن بالخروج، لأن خروجهن محرم، لقوله - تعالى -: ((ولا يخرجن،
فکانه قیل : لا تخرجوهن، ولاتأذنو ا هن فى الخروج إذا طلبن ذلك ، ولا
يخرجى بأنفسن إن أردن، فهناك دلالة على أن سكونهن فى البيوت حق
الشرع مؤكد، فلا يسقط بالإذن ... وهذا رأى الأحناف .
ومذهب الشافعية أنهما لو اتفقا على الانتقال جاز، إذ الحق لا يعدوهما،
فيكون المعنى : لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادمن.
والاستثناء فى قوله (( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) يرى بعضهم أنه راجع
إلى ((ولا يخرجن))، فتكون الفاحشة المبينة هى نفس الخروج قبل انقضاء
المعدة. أى: لا يطلق لهن فى الخروج، إلا فى الخروج الذى هو فاحشة،
ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه ، فيكون ذلك منعا من الخروج على أبلغ
وجه ... كما يقال: لا تزن إلا أن تكون فاسقا))(١).
وقال بعض العلماء : والذى تخلص لى أن حكمة السكنى للمطلقة، أنها حفظ
للأعراض ، فإن المطلقة يكثر التفات العيون لها ، وقد بتسرب سوء الظن
إليها، فيكثر الاختلاف عليها، ولا تجد ذاءصمة بذب عنها، فلذلك شرعت
لها السكنى، فلا تخرج إلا لحاجياتها الضرورية ....
(١) راجع تفسير الآلوسي جـ ٢٨ ص ١٣٣

٥٧٤
سورة الطلاق
ومن الحكم - أيضا - فى ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكنا، لأن غالب
"النساء لم تكن لهن أموال، وإنما من عيال على الرجال ...
ويزاد فى المطلقة الرجعية ، قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها، لعله
يثوب إليه رشده فيراجعها ...
فهذا مجموع علل، فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم، لأن الحكم
"المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها (١).
واسم الإشارة فى قوله ((وذلك حدود الله)) يعود إلى الأحكام التى
سبق الحديث عنها والحدود : جمع حد ، وهو ما لا يصح تجاوزه أو
الخروج عنه .
أى: وتلك الأحكام التى بيناها لكم، هى حدود الله - تعالى - التى لا يصح
لكم تعديها أو تجاوزها، وإنما يجب عليكم الوقوف عندها، وتنفيذ ما اشتملت
عليه من آداب وهدايات .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يتجاوز حدوده فقال: ((ومن يتعد
حدود الله فقد ظلم نفسه ، أى: ومن يتجاوز حدود الله الى حدها لعباده،
بأن أخل بشىء منها، فقد حمل نفسه وزوا، أكسبها إنما، وعرضها
للعقوبة والعذاب .
وقوله - سبحانه -: (( لا قدرى أمل الله يحدث بعد ذلك أمرا، ترغيب
فى امتثال الأحكام السابقة، بعدأن سلك فى شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها،
ودعوة إلى فتح باب المصالحة بين الرجل وزوجه ، وعدم السير فى طريق
المفارقة حتى النهاية .
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٨ ص ٣٠٤ لفضيلة الشيخ محمد الطاهر
ابن عاشور .

٥٧٥
الجزء الثامن والعشرون
والخطاب لكل من يصلح له، أو هو المتعدى بطريق الالتفات، والجملة
الكريمة مستأنفة، مسوقة لتعليل مضمون ماقبلها، وتفصيل لأحواله.
أى: اسملك - أيها المسلم - الطريق الذى أرشد ناك إليه فى حياتك الزوجية،
وامتثل ما أمر فاك به ، فلا تطلق امر أنك وهى حائض، ولا تخرجها من بيتها
قبل تمام عدتها .... ولا تقفل باب المصالحة بينك وبينها ، بل اجعل باب
المصالح مفتوحا، فإنك لا تدرى لعل الله - تعالى - يحدث بعد ذلك النزاع
الذى نشب بينك وبين زوجك أمرا نافعا لك ولها، بأن يحول البغض إلى
حب، والخصام إلى وفاق ، والغضب إلى وضعنا ...
فالجملة الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الإرشاد لحمل النفوس
المتجهة نحو الطلاق ... إلى التريث والتعقل، وفتح باب المواصلة بعد المقاطعة
والتقارب بعد التباعد، لأن تقليب القلوب بيد الله - عز وجل - وليس بعيدا
: عن قدرته - تعالى - تحويل القلوب إلى الحب بعد البغض.
هم قال القرضى: الأمر الذى يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها،
ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه،
فيراجعها .
وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة فى الرجعة» (١).
ثم بين - سبحانه - حكما آخر يتعلق بما بين الزوجين عن حقوق فقال
- تعالى -: ((فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف، أو فارقوهن
معروف .... ).
والفاء فى قوله - .فإذا بلغن .. ، للتفريع على ما تقدم من أحكام تتعلق بالعدة.
والمراد ببلوغ أجلهن. مقاربة نهاية مدة العدة بقرينة مابعده، لأن الرجل
لا يؤمر بإمساك زوجه بعد انقضاء عدتها، لأن الإمساك يكون قبل انقضائها.
(١) تفسير القرطى = ١٨ ص ١٥٦

٥٧٦
سورة الطلاق
فالكلام من باب المجاز، لمشابهة مقاربة الشىء ، بالحصول فيه ،
والتلبس به .
والمراد بالإمساك: المراجعة وعدم السير فى طريق مفارقتها .
والمعروف: ما أمر به الشرع من حسن المعاملة بين الزوجين ، وحرص
كل واحد منهما على أداء ما عليه لصاحبه من حقوق .
والمعنى: لقد بينت لكم جانبا من الأحكام التى تتعلق بعدة النساء، فإذا
قاربن وشارفن آخر عدتهن ، فأمسكومن وراجعوهن بحسن معاشرة، أو
فارقوهن بمعروف بأن تعطوهن حقوقهن كاملة غير منقوصة ، وبأن تكفوا
ألسنتكم عن ذكرهن بسوء ...
والأمر فى قوله: ((فأمسكوهن وفارقوهن، الإباحة، و((أو) للتخبير.
والتعبير بالإمساك للإشعار بأن المطلقة طلاقا رجعيا لها حكم الزوجة،
ما عدا الاستمتاع بها ، فعليه أن يستمسك بها ، ولا يتسرع فى فراقها ، فهى
ما زالت فى عصمته .
وقدم - سبحانه - الإمساك على الفراق، للإشارة إلى أنه هو الأولى
رعاية لحق الزوجية ، وإبقاء المودة والرحمة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن،
فأمسكوهن بمعروف، أو فارقوهن بمعروف)) ...
ثم قال - سبحانه - ((وأشهدوا ذوى عدل منكم، أى: وأشهدوا عند
المراجعة لأزواجكم وعند مفارقتكم لهن، رجلين تتوفر فيهما العد لة والاستقامة،
لأن الإشهار يقطع التنازع ، ويدفع الريبة ، وينفى التهمة.
والأمر فى قوله ((وأشهدوا، للندب والاستحباب فى حالتى المراجعة
والمفارقة، فهو كقوله - تعالى -: ((وأشهدوا إذا تبايعتم، وهذا رأى
جمهور العلماء.

٠٧٧
الجزء الثامن والعشرون
قال الآلوسي: قوله: « وأنهدوا ذوى عدل منكم، أى: عند الرجعة
إن اختر تموها، أو الفرقة إن اختر تموها ، تبريا عن الريبة، وقطعا للنزاع .
وهذا أمر تدب كما فى قوله - تعالى - ,وأشهدوا إذا تبايعتم،.
وقال الشافعى فى القديم: إنه الوجوب فى الرجعة . وزعم الطبرسى أن
أمر بالإشهاد على الطلاق، وأنه مروى عن أئمة أهل البيت، وأنه للوجوب،
وشرط فى صحة الطلاق )،(١) .
وقوله: «وأقيموا الشهادة لله، معطوف على ماقبله. والخطاب لكل من
تعلق به الشهادة .
والمراد بإقامة الشهادة: أداؤها بالعدل والصدق ...
أى: وعليكم - أيها المؤمنون - عند أدائكم للشهادة. أن تؤدوها بالعدل
والأمانة، وأن تجعلوها خالصة لوجه الله - تعالى - وامتثالا لأمره.
والجملة الكريمة دليل على أن أداء الشهادة على وجهها الصحيح عند الحكام
وغيرهم؛ أمر واجب، لأن الشهادة هنا اسم للجنس، ولأن الله - تعالى - يقول
فى آية أخرى: ((ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ....
والإشارة فى قوله - سبحانه -: ((ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر، تعود إلى جميع ما تقدم من أحكام، كإحصاء العدة ، وعدم
إخراح المطلقة من بيت الزوجية حتى تنتهى عدتها، والحث على أداء الشهادة
بالحق والعدل ...
والوعظ معناه: التحذير مما يؤذى بطريقة تؤثر فى القلوب . وتهدى
النفوس إلى الرشد .
٩ أى: ذلك الذى ذكر ناه لكم من أحكام، إنما يتأثر به، ويعمل بمقتضاه
الذين يؤمنون بالله - تعالى - وباليوم الآخر إيماناحقا.
١- (١) تفسير الألومى = ٢٨ ص ١٣٥
( ٢٧ - سورة الطلاق )

٥٧٨
سورة الطلاق
وخص - سبحانه - الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر بالذكر، لأنهم م
المنتفعون بهذه الأحكام، وهم المنفذون لها تنفيذا صحيحا ...
ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يتقونه ويراقبونه ببشارات متعددة
فقال: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لايحتسب)).
.. - سم
والجملة المكريمة اعتراض بين قوله - تعالى -: («وأقيموا الشهادة لله، وبين
قوله - سبحانه - بعد ذلك: ((واللائى من من المحيض)) ..
وجىء بهذا الاعتراض بين هذه الأحكام لحمل النفوس على تقبل تشريعاته
- تعالى - وآدابه، ولحض الزوجين على مراقبته - سبحانه - وتقواه.
أى: ومن يتق انه - تعالى - فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته .. بجعل له
- سبحانه - مخرجا من هموم الدنيا وضوائقها ومتاعبها، وشدائد الموت
وغمراته، ومن أهوال الآخرة وعذابها ... ويرزقه الفوز بخير أالدرين، من
طرق لا تخطر له على بال ، ولا ترد له على خاطر، فإن أبواب زقه - سبحانه.
لا يعلمها أحد إلا هو - عز وجل - .
وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من البشارة للمؤمن ، حتى يثبت فؤاده،
٠٠.
وپستقيم قلبه ، ويحرص على طاعه الله - تعالى - فی کل أحو اله.
قال القرطى: قال أبو ذر -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنى
لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم، ثم قلا: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا.
ويرزقه من حيث لا يحتسب).
وعن جابر بن عبد الله قال: نزلت هذه الآية فى عوف بن مالك الأشجعى،
أسر المشركون ابنا له، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك ...
فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «اتق الله واصبر، وآمرك وزوجك أن
تستكثرا من قول : لاحول ولا قوة إلا بالله .
فعاد إلى بيته وقال لامر أته: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنى
وإياك أن نستكثر منقول: لاحول ولاقوة إلا بالله. فقالت نعم ما أمرنا، نجعلا

٠٧٩
الجزء الثامن والعشرون
ية ولان ذلك . فففل العدو عن إبنه، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه عوف،
فنزلت الآية ... » (١)
ثم قال - تعالى -: ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ
أمره . قد جعل الله لكل شىء قدرا ،
ولفظ ((حسب)، بمعنى كاف. وأصله اسم مصدر أو مصدر. ومعنى « بالغ
أمره، بإضافة الوصف إلى مفعوله، أى: يبلغ ما يريده - سبحانه - ، وقرأ
الجمهور ((بالغ أمره، بتنوين الوصف ونصب أمره على المفعولية. والمراد
بأسره شأنه ومراده. وهذه الجملة تعليل لما قبلها .
أى : ومن يفوض أمره إلى الله - تعالى .. ويتوكل عليه وحده ، فهو
3 - سبحانه - كافية فى جميع أموره، لأنه - سبحانه - يبلغ ما يريده، ولا يفوته
مراد، ولا يعجزه شيء، ولا يحول دون أمره حائل ... ومن مظاهر حكمه فى
خلقه، أنه - عز وجل - قد جعل لكل شىء تقديرا قبل وجوده، وعلم علما
قاما مقاديرها وأوقاتها وأحوالها.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((إنا كل شىء خلقناه بقدر)).
وقوله - سبحانه -: ((وخلق كل شىء فقدره تقديرا)). وقوله -عزوجل-
(( وكل شىء عنده بمقدار»
قال بعض العلماء ما ملخصه: ولهذه الجملة - وهى قوله - تعالى -: «قد جعل
الله لكل شىء قدرا)) - موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن، فى
ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض .. فهذه الجملة لهاموقع الاستئناف الیانى
الناشىء عما إشتملت عليه جمل: ((ومن يتق الله يجعل له مخرجا ... على قوله
« إن الله بالغ أمره)) لأن إستعداد السامعين اليقين بما تضمنته تلك الجمل
متفاوت، فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله، فيقول: أين أنا
(١) راجع تفسير القرطبى = ١٨ ص ١٥٩

٥٨٠
سورة الطلاق
من تحصيل هذا الشى .... ويتملكه اليأس ... فيقول الله - تعالى - له: قد
جعل الله لكل شىء فرا أى: فلا تيأس أيها الإنسان.
ولها موقع التعليل لجملة ((وأحصوا العدة،، فإن العدة من الأشياء التى
التى تعد ، فلما أمر الله بإحصائها على ذلك فقال: ((قد جعل الله لكل شىء
قدرا ، .
ولها موقع التغبيل لجملة «وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد
ظلم نفسه، أى: الذى وضع تلك الحدود، قد جعل المه لكل شىء قدرا
لا يعدره ، كما جعل الحدود.
ولها موقع التعليل لجملة «فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو
فارقوهن بمعروف)،، لأن المعنى إذا بلغن القدر الذى جعله الله لمدة العدة،
فقد حصل المقصد الشرعى، الذى أشار اليه بقوله - تعالى -,لا قدرى لعل الله
يحدث بعد ذلك أمرا ،
ولها موقع التعليل لجملة ((وأقيموا الشهادة لله، فإن الله تعالى - جعل
الشهادة قدرا لرفع النزاع .
فهذه الجملة جزءآية، وهى تحتوى على حقائق من الحكمة، ... » (١)
ثم ذكر - سبحانه - أحكاما أخرى تتعلق بعدة أنواع أخرى من النساء
وأكد الأمر بتقواه - عز وجل - وأمر برعاية النساء والإنفاق عليهن ..
فقال - تعالى - :
((الَّلاَّى يَئِسْنَ مِنَ الحِيضِ مِن نِسَائِكُم إنِ ارْتُمَ فيِدَّتَهُنَّ
ثلاَثَةُ أَشْهُرٍ، واللائي لم يحضْنَ، وأُولاَت الأحَلِ أجلُهنَّ أَنْ يضَعْنِ
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٨ ص ٣٠٤ للشيخ ابن عاشور.