النص المفهرس

صفحات 541-560

بس من الرحمن الرحيم
مقدمة وتمهيد
١٠ - سورة التغابن هى السورة الرابعة والستون فى ترتيب المصحف .
أما نزولها على التى - صلى الله عليه وسلم - فكان - كما ذكره صاحب الإتقان.
بعد سورة ((الجمعة)) وقبل سورة ((الصف)). وعدد آياتها ثمان عشرة آية.
٢ - وجمهور المفسرين على أنها من السور المدنية .
.قال الشوكانى: وهى مدنية فى قول الأكثر . وقال الضحاك : هى مكية .
وقال الكلى : می مکية ومد نية ,
أخرج ابن الضريس عن ابن عباس أنه قال: نزلت سورة التغابن
بالمدينة ...
وفى رواية أخرى عنه: أنها نزلت بمكة إلا آيات من آخرها نزلن بالمدينة
فى عوف بن مالك الأشجعى . شکی إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
جفاء أهله وولده، فأنزل الله - تعالى - يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم
وأولادكم عدوا لمكم فاحذروم ... إلى آخر السورة)»(١).
ويبدو لنا أن بعض آيات هذه السورة يغلب عليها طابع القرآن المكى ،
كالآيات التى تتحدث عن مظاهر قدرة الله - تعالى -. وعن إنكار المشركين
للبعث والرد عليهم ...
لذا نرجح - والله أعلم - أن النصف الأول منها من القرآن المكى، والنصف
الأخير من القرآن المدنى .
٣ - والسورة الكريمة بعد ذلك من أهم مقاصدها: تنزيه الله - تعالى ..
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ح ٥ ص ٠٢٢٤

- ٥٤٢ -
عن الشريك أو الولد، وبيان ألوان من مظاهر قدرته ومننه على خلقه ، والرد
على المشركين الذين زعموا أنهم لن يبعثوا ، والمقارنة بين حسن عاقبة
الأشرار ، وبيان أن كل شىء يقع فى هذا الكون هو بقضاء الله وقدره،
وتحريض المؤمنين على تقوى الله - تعالى -، وعلى إيثار ما عنده على كل شىء
مر شهوات هذه الدنيا ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
مساء الجمعة ١٣ من شوال ١٤٠٩هـ
١٩٨٦/٦/٢٠ م

٥٤٣
الجزء الثامن والعشرون
التفسير
قال الله - تعالى -: ((يسَبِّح للهِ ما فى السّمواتِ وما فى والأرْض
لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وَهُو عَلَى كَلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ (١) هُو الذى خلقكُم
فِيكُم كَافِرٌ ومِنكُم مؤمنٌ، والله بما تعملونَ بَصِيرٌ (٢) خلَقَ
السّواتِ والأرضِ بالحقِ، وصوَّرَكُم فَأحسَنَ صوَرَكُ وإليهِ
المصيرُ (٣) يعلَمُ ما فِى السَّموات والأرض ويَعلَمُ ماتُسِرُّونَ وما تُعلنُونَ،
واللهُ عليمٌ بِذَاتِ الصَّدُورِ (٤) ألم يأتِكُمْ نَبَأُ الذينَ كَفَرُوا مِن قبلُ
فِذَاقُوا وبالَ أَمْرِيمُ ولَهُم عذاب أليمٌ (٥) ذلكَ بأنّهم كانَتْ تأتيهم
رَسُلهم بالَيِّاتِ، فقالَوا أبَشْرٌ يهدُونَنَا، فَكَفَرُوا وَتَولَّوا واسْتَغْنَى
اللهُ، والله غنِيٌّ حِيدٌ (٦)).
سورة ((التغابن)) هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه-
فى مطلعها :
(((يسبح لله ما فى السموات وما في الأرض ... ، أى: ينزه الله - تعالى -
عن كل نقص ، ويجله عن كل ما لا يليق به ، جميع الكائنات التى فى سماواته
- سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل -: ((تسبح له السموات السبع
والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون
تسبيحهم ، إنه كان حليما غفورا،(١).
وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع ((يسبح، للدلالة على تجدد
هذا القسبیح ، وحدوثه فى كل وقت وآن .
وجىء فى سور الحديد، والحشر، والصف، بصيغة الماضي (( سبخ))،
(١) سورة الإسراء الآية ٤٤.

٥٤٤
سورة التغابن
للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت الله - تعالى - وحده، من قديم.
الزمان .
وقوله - سبحانه -: (( له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مؤكد
لما قبله، من بيان أن جميع هذه الكائنات تسبح الله - تعالى - لأنه مالكها
وصاحب الفضل المطلق عليها.
وتقديم الجار والمجرور ((له)) لإفادة الاختصاص والقصر.
أى: له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق
من جميع من مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره
فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته
وإرادته شى.
ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال: ((هو الذى خلقكم
فنكم كافر ، ومنكم مؤمن ... )) .
والخطاب فى قوله: (( خلقكم، لجميع المكلفين من هذه الأمة.
والفاء فى قوله: «فمنكم كافر ... ، للتفريع المشعر بالتعجب من وجود
من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل
شئ . ...
وقدم ذكر الكافر ، لأنه الأهم فى هذا المقام ، ولأنه الأكثر عددا فى
هذه الحياة .
أى: هو - سبحانه - الذى خلقكم بقدرته ، دون أن يشاركه فى ذلك
مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر (( والمنافع من
الضار إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لمكى يخرجكم من ظلمات
الكفر إلى نور الإيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -. صادق فيما يبلغ، عن ربه، وأمركم هذا الرسول

٥٤٥
الجزء الثامن والعشرون
الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ولم يترك رسولنا
- صلى الله عليه وسلم - وسيلة ته ديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها ...
ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق ، المعرض عن الإيمان
بوحدانية الله - تعالى -، وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص
فى عقيدته لله - تعالى -، المؤمن بوحدانيته، المؤدى جميع التكاليف التى كلفه
- سبحانه - بها.
قال القرطى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية - : وقال
الزجاج - وقوله أحسن الأقوال ، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن
أنه خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق
المؤمن ، وإيمانه فعل له وكسب ، مع أن اللّه خالق الإيمان.
والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر
ذلك عليه وعلمه منه . ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما ، غير الذى
قدر عليه، وعلمه منه ... »(١) .
.: وقوله: ((والله ((والله بما تعملون بصير)، أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه
عافية من أعمالكم ، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة ، وسيجازى الذين أساؤا
بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
((خلق السموات والأرض بالحق ... ، أى: خلقهن خلقا ملتبسا بالحق
الذى لا يحوم حوله باطل ، وبالمحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث،
فالباء فى قوله ((بالحق)) للملابسه.
والمراد بالسموات والأرض : ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من.
خلق الناس .
والمراد بالحق: المقصد الصحيح ، والغرض السليم ، الواقع على أتم الوجوه
و أفضلها وأحكمها .
(١) راجع تفسير القرطي ج ١٨ ص ١٣٢
( ٣٥ - سورة التغابن)

٥٤٦
سورة التغابن
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال: ((وصوركم
فأحسن سورکم .. ،
وقوله: ((وصوركم)) من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن
عليها، وهو مأخوذ من مادة صار الدو. إلى كذا، بمعنى تحول إليه . أو من
صاره إلى كذا ، بمعنى أماله وحوله .
أى: وأوجدكم - سبحانه - بابنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها
وأجملها ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه
الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره ..
وصدق الله إذ يقول: (( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ... ))
قال الآلوسي: ولعمرى إن الإنسان أعجب نسخة فى هذا العالم ، قد
اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو
الأبصار ، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن، لكن الحسن كغيره
من المعانى على طبقات ومراقب.،. كما قال بعض الحكماء : شيئان لاغاية
لهما الجمال والبيان .
وقوله - تعالى - (( وإليه المصير، معطوف على ما قبله، لأن التصوير
يقتضى الإيجاد ، فبين - سبحانه - أن هذا الإيجاد يعقبه الفناء لكل شىء
سوی و جہہ الکریم .
أى: وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة،
لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية .
ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: «يعلم ما فى السموات
والأرض ... ، أى: هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السموات أو الأرض.
(( ويعلم ما تسرون وما تعلنون)) - أيها الناس -، والتصريح بذلك مع
أندراجه فيما قبله، من علم ما فى السموات وما في الأرض ، لمزيد التأكيد فى
فى الوعد والوعيد .

٠٤٧
الجزء الثامن والعشرون
((وأنتمه عليم بذات الصدور، والمراد بذات الصدر. النوايا والخواطر التى
تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب .
أى: والله - تعالى - عليم علما قاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها
الصدور ، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل،
كل جملة منها أخص من سابقتها، ..
وجمع - سبحانه - بينها للإشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات
والكليات ، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها .
وفى هذا رد على أولئك الكفاز الجاحدين ، الذين استبعدوا إعادتهم إلى
الحياة. بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم
- ((أئذا ضللنا فى الأرض أثنا لفي خلق جديد ... )).
ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال:
((ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل، فذاقوا وبال أمرهم، ولهم عذاب أليم)
والاستفهام فى قوله « ألم بأنكم.، للتقرير والتبكيت.
والمراد بالذين كفروا من قبل: قوم فوج وعاد وثمود وغيرهم ، من
الأقوام الذين أعرضوا عن الحق ، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك.
والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم ، ممن استحبوا العمى على الهدى .
والوبال فى الأصل الثقل والشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل
للطعام الثقيل على المعدة، المضر لها ... والمراد به منا: العقاب الشديد الذى
نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال ، للاشارة إلى أنه كان عذابا
ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه.
والمراد بأمرهم : كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم أرسلهم .
١
وقوله: فذاقوا، معطوف على كفروا ، عطف المسبب على السبب ء.
والذوق بجاز فى مطلق الإحساس والواجدان .
شهه ما حل بهم من عقاب ، بشىء كريه الطعم والمذاق .

٥٤٨
سورة التغابن
وعبر عن كفرهم بالأمر . للاشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح
والسوء .
والمعنى: لقد أتاكم ووصل إلى عليكم- أيها المشركون- حال الذين كفروا
من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد ونمود وغيرهم ، وعلتم أن إصرارهم على
كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم.
وأن تفيئوا إلى رشدكم. وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى
أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى
الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقية هؤلاء السابقين فقال:
( ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات، فقالوا: أبشر هدوننا .. ،)).
أى: ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار ، سببه أنه.
كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات ، وبالمعجزات الواضحات ، الدالة على
صدقهم ...
فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل ، وقال كل
قوم منهم لرسولهم على سبيل الإفكار والتكذيب والتعجيب : أبشر مثلنا
بهدوننا إلى الحق والرشد .
فالباء فى قوله «بأنه، للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل
والاستفهام فى قوله (( أبشر) للافكار، والمراد بالبشر: الجنس، وهو
مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة («يهدوقنا)).
وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له: «فقالوا
أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذاً لفى ضلال وسعر أألقى الذكر عليه من بيتنا.

٥٤٩
الجزء الثامن والعشرون
بل هو كذاب أشر ... ،(١) ,والفاء فى قوله: ((فكفروا وتولوا واستغنى
اله .. ، السببية .
أى: فكفروا بسبب هذا القول الفاسد، ((وقولوا)، أى: وأعرضوا عن
الحق إعراضا تاما ((واستغنى الله)) أى: واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن
إيمانهم ، والسين والتاء المبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم.
((والله غنى حميد)، أى: والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من
كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال ، وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما
يستحقونه من جزاء كريم .
ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب ، ورد عليهم
بما يبطلها، ودعاهم إلى الإيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم
يوم القيامة ، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم ، وبين أن كل شىء فى هذا
الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه -:
((زَم الذينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَنوا، قُلْ عَى وَرَبِّى، لَتُبْنَّ ثم
لَتْنَبْنَ بما عملتُم ، وذلكَ على اللّهِ يسِيرٌ (٧) فَآمَنُوا بِاللهِ ورَسولِهِ
والنّورِ الذى أَنْزَلنَاَ، والهُ بما تَعملُونَ خَبيرٌ (٨) يوْمَ يجسُم ليوم.
الجمعِ ذلكَ يومُ النَّغان، ومن يؤمِنْ باللهِ ويعملْ صالِحًا يُكَفِّرْ عنْهُ
سَيْئَتِهِ وَيُدْخْلُه جنَّاتٍ تجرِى من تَمتها الأنهارُ خالدِينَ فيها أبداً،
ذلِكَ الفوزُ العظيمُ (٩) والذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنا أولئِكَ أصحابُ
النَّار خالدِينَ فيها وبئسَ المصيرُ (١٠) ما أصابَ من مُصيبَةٍ إلاَّ بإذْفٍ
(١) سورة القمر الآيتان ٠٢٥،٢٤

٥٠٠
سورة التغابن
الله، ومَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدٍ قلبَه، واللّهُ بكلِّ شىءٍ عليمٌ (١١) وأطيعُوا
الهَ وَأَطِيعُوا الرَسُولَ فإنْ تَوأَيُم فإنَّما على رسُولِنَ البلاغُ البِينُ (١٢)
اللّهُ لا إِلهَ إلَّهُ، وَعَلَى الله فَلْيْتوكل المؤمِنُونَ (١٣))).
قال صاحب الكشاف: قوله: ((زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا .. )):
الزعم: أدعاء العلم. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (زعموا مطية
الكذب) وعن شريح: لكل شىء كنية وكنية الكذب زعموا). ويتعدى إلى
المفعولين تعدى العلم ، كما قال الشاعر :
٠٠١٠٠٠
وإن الذى قد عاش ياأم مالك
يموت، ولم أزعمك عن ذاك معزلا
وأن مع مافى خيرها قائم مقامهما ... )(١).
٤٠
و (بلى) حرف يذكر فى الجواب لإثبات النفى فى كلام سابق . والمراد
هنا : إثبات مانفوه وهو البعث .
أى: زعم الذين كفروا من أهل مكة وأشباههم من المشركين، أهم أن
يبعثوا يوم القيامة ، لأن البعث ومايترقب عليه من حساب، فى زعمهم محال.
قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الجزم واليقين ، كذبتم فيما
توعمونه من أنه لابعث ولا حساب ... والله لتبعثن يوم القيامة. ثم لتنبؤن
بما عملتموه فى الدنيا من أعمال سيئة، ولتحاسين عليها حسابا عسيرا، يترقب
عليه الإلقاء بكم فى النار ...
وجىء فى نفى زعمهم بالجملة القسمية، لتأكيد أمر البعث الذى نفوه بحرف
(لن )، ولبيان أن البعث وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، أمر ثابت ثبوتا
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥٤٨

٠٥١
الجزء الثامن والعشرون
قطعيا وجملة ((ثم لتنيؤن بما عملتم)) ارتقاء فى الإبطال. و((ثم)) للتراخى
النسی .
أى : قل لهم إنكم لا تبعثون حسب، بل ستبعثون، ثم تجدون بعد ذلك
ماهو أشد من البعث، ألا وهو إخباركم بأعمالكم السيئة ، ثم الإلقاء بكم فى
النار بعد ذلك .
فالمراد بالإنباء لازمه، وهو ما يترتب عليه من حساب وعقاب.
واسم الإشارة فى قوله: (( وذلك على الله يسير) يعود إلى البعث ومايتر قب
عليه من حساب .
أى: وذلك البعث والحساب، يسير وهين على الله - تعالى -، لأنه
- سبحانه - لا يعجزه شيء، ولا يحول دون تنفيذ قدرته حائل .
فهذا التذييل المقصود به إزالة ماتوهموه وزعموه من أن البعث أمر محال،
كما قالوا: « أهذا ضللنا فى الأرض أننا لفى خلق جديد ... )).
والفاء فى قوله - تعالى -: ((وآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا ...
هى الفصيحة ، أى : التى تفصح عن شرط مقدر .
والمراد بالنور: القرآن الكريم، كما قال - تعالى -: ((وكذلك أوحينا
إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه
فورا نهدى به من نشاء من عبادنا .... )(١).
والمعنى: إذا علمتم ما ذكر ناه امكم - أيها المشركون- فاتركوا العناد، وآمنوا
بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إيمانا حقا، وآمنوا - أيضا -
بالقرآن الكريم الذى أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -،
ليكون هذا القرآن معجرة ناطقة بصدقه - صلى الله عليه وسلم -.
(١) سورة الشورى الآية ٥٢

٥٥٢
سورة التغابن
وجملة (« واقه بما تعملون خبير)) تذييل قصد به الوعد والوعيد. أى: واقه
- تعالى - مطلع أطلاعا تاما على كل تصرفاتكم ، وسيمنحكم الخير إن آمنتم،
وسيلقى بكم فى النار إن بقيتم على كفركم.
ثم حذرهم - سبحانه - من أهوال يوم القيامة فقال - تعالى -: ((يوم يجمعكم
ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ... ».
والظرف « يوم، متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك , ثم لتنبؤن
بما علم ..
والمراد بيوم الجمع: يوم القيامة . سمى بذلك لأنه اليوم الذى يجتمعفيه.
الأولون والآخرون، فى مكان واحد للحساب والجزاء.
وسمى - أيضا - بيوم التغابن، لأنه اليوم الذى يغين فيه أهل الحق أهل
الباطل.
والتغابن تفاعل من الغين بمعنى الخسران والنقص. يقال: غبن فلان فلانا.
إذا بخسه حقه، بأن أخذ منه سلعة بثمن أقل من ثمنها المعتاد. وأكثر ما يستعمل
الغين فى البيع والشراء ، وفعله من باب ضرب. ويطلق الغبن على مطلق الخسران
أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء الجاحدين للبعث: لتبعثن يوم القيامة
ثم لتنيؤن بما عملتم يوم القيامة يوم يجتمع الخلائق للحساب، فيغين فيه أهل
الحق أهل الباطل ، ويغين فيه المؤمنون الكافرين ، لأن أهل الإيمان ظفروا
بالجنة ، وبالمقاعد التى كان سيظفر بها الكافرون لو أنهم آمنوا، ولكن
الكافرين استمروا على كفرهم خسروا مقاعدهم فى الجنة ، وفاز بها المؤمنون.
قال الفرطبى: ( يوم التغابن) أى: يوم القيامة ... وسمى يوم القيامة
بيوم التغابن ، لأنه غين فيه أهل الجنة أهل النار .
أى: أن أهل الجنة أخذوا الجنة، وأهل النار أخذوا النار على طريق

٥٥٣
الجزء الثامن والعشرون
المبادلة. فوقع الغين على الكافرين لأجل مبادلتهم الخير بالشر، والنعيم
بالعذاب .
يقال: غيفت فلانا، إذا بايعته أو شاريته، فكان النقص عليه ،
والغلبة لك ...
فإن قيل : فأى معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها ؟ قيل له : هو
تمثيل الغين فى الشراء والبيع،(١) ....
وقال الألوسى ماملخصه: ((ذلك يوم التغابن، أى: يوم غين فيه أهل الجنة
أهل النار ، فالتفاعل ليس على ظاهره، كما فى التواضع والتحامل لوقوعه من
جانب واحد . واختير للمبالغة .
وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. واختاره الواحدى.
--
وقال غير واحد : ( ذلك يوم التغابن ) أى : اليوم الذى غبن فيه بعض
الناس بعضا. بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء، وبالمكس، ففى
الحديث الصحيح: ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار - لو أساء
ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة - لو أحسن-
ليزداد حسرة، وهو مستعار من تفابن القوم فى التجارة، وفيه تهكم بالأشقياء
لأنهم لا يغبنون حقيقة السعداء، بنزولهم فى منازلهم من النار ... ) (٢).
تم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم الهائل الشديد فقال: (ومن
يؤمن بالله ویعمل صالحا ، یکفر عنه سيئاته، ويدخله جنات تجرى من تحتها
الأنهار.٠٠).
أى: ومن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا، ويعمل عملا صالحا ، يكفر الله
(١) راجع تفسير القرطبي ــ ١٨ ص ٠١٣٦
(٢) تفسير الآلوسى حـ ٢٨ ص٠١٢٣

٥٠٤
سورة التغابن
- تعالى - عنه سيئاته التى عملها فى الدنيا ، بأن يزيلها من صحيفة عمله - فضلا منه
- تعالى - وكرما -، وفوق ذلك يدخله بفضله وإحسانه جنات تجرى من تحت
ثمارها الأنهار (( خالدين فيها أبدا، أى. خلودا أبديا ...
((( وذلك، الذى ذكر ناه لكم من تكفير السيئات، ومن دخول الجنات ..
هو ((الفوز العظيم )) الذى لافوز يقاربه أو يدانيه.
((والذين كفروا، بربهم بأن أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى ...
ز وكذبوا بآياتنا) الدالة على وحدانيتنا، وعلى صدق نبينا - صلى الله.
عليه وسلم - .
((أولئك، الكافرون المكذبون، هم (( أصحاب النار خالدين فيها ، خلودا
أبديا , وبئس المصير، مصيرهم النار.
ففى هاتين الآيتين الكريمتين، بيان التغابن ، وتفصيل له ، لاحتوائهما
على بيان منازل السعداء والأشقياء، وهو ما وقع فيه التغابن .
ثم بين - سبحانه - أن كل شىء بقضائه وقدره فقال: ( ما أصاب من
مصيبة إلا بإذن الله .٠٠).
والمراد بالمصيبة: الرزيه والنكبة، وكل ما يسوء الإنسان فى نفسه
أو ماله أو ولده ... والمفعول محذوف، و(من) للتأكيد، و(مصيبة)
فاعل .
أى: ما أصاب أحدا مصيبة فى نفسه أو ماله أو ولده ... إلا بإذن
الله - تعالى - وأمره وإرادته، لأن كل شىء بقضائه - سبحانه -
وقدره .
قال القرطبى: قيل: سبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه
المسلمون حقا لصانهم الله - تعالى - عن المصائب.

٥٠٠
الجزء الثامن والعشرون
فأنزل الله - تعالى - هذه الآية الرد على المشركين، وابيان أن كل شىء
بإراد ته - سبحانه -.
ثم بين - سبحانه - أن الإيمان الحق يعين على استقبال المصائب بصبر جميل
فقال: « ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شىء عليم)) أى: ومن يؤمن بالله
- تعالى - إيمانا حقايهد قلبه إلى الصبر الجميل، وإلى الاستسلام لقضائه - تعالى-
لأن إيمانه الصادق بجعله يعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم
يكن ليصيبه، والله - تعالى - عليم بكل شىء، لا تخفى عليه خافية فى
الأرض ولا فى السماء.
قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: ((ومن يؤمن بالله يهد قلبه ... ،
أى: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم
لقضائه - تعالى -، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا ....
وفى الحديث المتفق عليه: عجبا للمؤمن، لا يقضى الله له قضاء إلا كمان
خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان
خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)،(١).
ثم ختم - سبحانه - هده الآيات الكريمة بحض الناس على الطاعة والإخلاص
فى العبادة، وحذرهم من اقتراف المعاصى فقال: ((وأطيعوا الله وأطيعوا
الرسول، فإن توليتم وإنما على رسولنا البلاغ المبين ..
أى: وعليكم - أيها الناس - أن تطيعوا الله - تعالى - طاعة تامة، وأن
تطيعوا رسوله فى كل ما يأمركم به أو ينها كم عنه .
فإن أعرضتم عن ذلك، وانصر فتم عما أمر ناكم به أو تهينا كم عنه، فلا ضرر
على رسولنا بسبب إعراضكم لأن حسابكم وجزاءكم علينا يوم القيامة ، وليس
على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لكم سوى البلاغ الواضح البين،
(١) تفسير ابن كثير -٨ ص ١٦٣.

٥٥٦
سورة التغابن
بحيث لا يترك بابا من أبواب الخير إلا ويبينه لكم، ولا يترك بابا من أبواب
الشر إلا وحذركم منه .
((الله)) - تعالى -ـ((لا إله إلا هو)) أى: هو المستحق للعبادة دون غيره،
فأخلصوا له هذه العبادة والطاعة ((وعلى الله)) - تعالى - وحده ,فليتوكل
المؤمنون، أى: فليفوضنوا أمورهم إليه، وليعقدوا رجاءهم عليه. فهو - سبحانه.
صاحب الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .
وفى نهاية السورة الكريمة، وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، حذرم
فيه من فتنة الأزواج والأولاد والأموال ، وحضهم على مراقبته وتقواه،
وحذرهم من البخل والشح، ووعدهم بالأجر العظيم متى أطاعوه ... فقال
- تعالى - :
((يأيها الذينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْواجِكُم وأولاد كُم عدُوًّا لِكُم
فاحذّرُومٌ ، وإنْ تَعْفُوا وَتَصفَحوا وتَغْفِرُوا، فإنَّ اللهَ غَفُورٌ
رحِيمٌ (١٤) إنَّا أَموَالِكُم وأَوْلادَكُمْ فِنَةٌ، والله عِدَه أَجرٌ
عظيمٌ. (١٥) فاتَّقُوا اللهَ ما استطعتم، واسموا وأَطِيعُوا، وأَنفِقُوا خيراً
لْأَنفُسِكُم، ومَنْ يوقَ شِحَّ نَفْسِهِ فَأولئِكَ هُ المُفَلِحُونَ (١٦) إنْ
تُقَرِضُوا اللهَ قَرْضَاً حسناً يُضَاعِفَةُ لِكُم، ويغْفِرْ لُكُم، والله شكورٌ
حَلِيمٌ (١٧) عالم الغَيْبِ والشّهادةِ العَزيزِ الحكيم (١٨)».
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ماروى عن
ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رجلا سأله عن هذه الآيات فقال: هؤلاء
رجال أسلموا من مکد ، فأرادوا أن يأتوا رسول الله - صلى اللهعليه وسلم-فأبى
أولادهم وأزواجهم أن يتركوم - لهاجروا -.

٥٥٧
الجزء الثامن والعشرون
فلما أقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى بالمدينة - رأوا الناس قد
تفقهوا فى الدين ، فهموا أن يعاقبوهم - أى: ليعاقبوا أولادهم وأزواجهم -
فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات .. ، (١).
وفى رواية أخرى عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت بالمدينة فى عوف
ابن مالك الأشجعى، شكى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - جفاء أهله وولده
فنزلت(٢) ...
وصدرت الآيات الكريمة بالنداء بصفة الإيمان، لحضهم على الاستجابة
لما اشتملت عليه هذه الآيات من توجيهات سامية وإرشادات عالية ... فإن
" من شأن الإيمان الحق، أن يحمل صاحبه على طاعة الله - عز وجل - .
و((من)) فى قوله « إن من أزواجكم وأولادكم .. ، للتبعيض.
والمراد بالعداوة : ما يشمل العداوة الدينية والدنيوية ، بأن يكون هؤلاء
الأولاد والأزواج يضمرون لآبائهم وأزواجهم العداوة والبغضاء وسوء النية،
بسبب الاختلاف فى الطباع أو فى العقيدة والأخلاق .
والعفو : ترك المعاقبة على الذنب بعد العزم على هذه المعاقبة .
والصفح : الإعراض عن الذنب، وعن العزم على عقابه.
والغفران: ستر الذنب وإخفاؤه، وعدم إشاعته.
أى: يامن آمنتم بالله حق الإيمان، إن بعض أزواجكم وأولادكم ،
يعادونكم ويخالفونكم فى أمور دينكم، وفى أمور دنياكم، («فاحذروهم، أى:
فاحذروا أن قطيعوم فى أمر يتعارض مع تعاليم دينكم، فإنه لا طاعة لمخلوق
فى معصية الخالق ...
(١) تفسير ابن كثير ــ٨ ص ١٦٥
(٢) تفسير القرطبى حـ ١٨ ص ١٤٠

٥٥٨
سورة التغابن
((وإن تعفو)) - أيها المؤمنون - عنهم، بأن نتركوا عقابهم بعد التصميم
عليه (( وتصفحوا)) عنهم، بأن تتركوا عقابهم بدون عزم عليه٠٠,وتغفروا،
مافرط منهم من أخطاء، بأن تخفوها عليهم .
وقوله: (( فإن الله غفور رحيم)) قائم مقام جواب الشرط. أى: وإن
تفعلوا ذلك من العفو والصفح والمغفرة، يكافئكم الله - تعالى - على ذلك
مكافأة حسنة، فإن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لمن يعفون
ويصفحون و یغفرون .
وقوله - تعالى - ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة ... ، تعميم بعد تخصيص؛
وتأكيد للتحذير الذى اشتملت عليه الآية السابقة .
والمراد بالفتنة هنا : مايفتن الإنسان ويشغله ويلهيه عن المداومة على
طاعة الله - تعالى -.
أى: إن أموالكم وأولادكم ـ أيها المؤمنون - على رأس الأمور التى
تؤدى المبالغة والمغالاة فى الاشتغال بها، إلى التقصير فى طاعة الله - تعالى -.
وإلى مخالفة أمره، والإخبار عنهم بأنهم (( فتنة، للمبالغة. والمراد أنهم سبب
للفتنة، أى: لما يشغل عن رضاه الله وطاعته ، إذا ما جاوز الإنسان الحد
المشروع فى الاشتغال بهما .
قال الألوسى: قوله - تعالى -: ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة) أى: بلاء
ومحنة ، لأنهم يترقب عليهم الوقوع فى الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك .
وفى الحديث: (( يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: أكل عياله حسناته)).
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى ... عن بريدة قال : كان النبى
- صلى الله عليه وسلم - يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قيصان أحمران
يمشيان ويعثران، فنزل - صلى الله عليه وسلم - من فوق المنبر، لحملهما.,.

٥٥٩
الجزء الثامن والعشرون
ثم صعد المنبر فقال: صدق الله إذ يقول: ((إنما أموالكم وأولادكم
فتنة))، إنى لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران، لم أصبر أن قطعت
.
كلامی ، ونظرت إليهما)، (١) .
وقال الجمل. قال الحسن فى قوله - تعالى: «إن من أزورجكم وأولادكم
عدوا لكم .. ، أدخل - سبحانه - ((من، للتبعيض، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء،
ولم يذكر ((من) فى قوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة،، لأنهما لا يخلوان
من الفتنة ، واشتغال تقلب هما، وقدم الأموال على الأولاد، لأن الفتنة
بالمال أكثر. وترك ذكر الأزواج فى الفتنة، لأن منهن من يكن صلا حاوعونا
على الآخرة .. ،(٢)
وقوله - سبحانه -: ((واقه عنده أجر عظيم، معطوف على جملة (( إنما
أموالكم وأولادكم فتنة ، ،
أى: والله - تعالى - عنده أجر عظيم، لمن آثر محبه الله - تعالى - وطاعته،
: على محبة الأزواج والأولاد والأموال .
والفاء فى قوله - سبحانه:)، فاتقوا الله ما استطعتم ... ) للإفصاح والتفريع
على ما تقدم .
و((ما)، فى قوله: ما استطعتم، مصدرية ظرفية.
والمراد بالاستطاعه : نهاية الطاقة والجهد .
أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن المؤمن الصادق فى إيمانه، هو
الذى لا يشغله ماله أو ولده أو زوجه عن ذكر الله .. تعالى ..... فابذلوانهاية
(١) تفسير الآلوسي ج ٢٨ ص ١٢٧.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٥٣

٥٦٠
سورة التغابن
قدر تكم واستطاعتكم فى طاعة لله - تعالى-، وداموا على ذلك فى جميع
الأوقات والأزمان .
وليس بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى - ((اتقوا الله حق تقاته))
تعارض ، لأن كلتا الآيتين تأمران المسلم بأن يبذل قصارى جهده ، ونهاية
طاقته، فى المواظبة على أداء ما كلفه اته به ، ولذلك فلا نرى ما يدعو إلى
قول من قال : إن الآية التى معنا نسخت الآية التى تقول: ((يأيها الذين
آمنوا اتقوا الله حق تقاته ... ،
قال الألوسى: أخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت:
« اتقوا الله حق تقانه، اشتد على القوم العمل، فقامواحتى ورمت أقدامهم.
فأنزل الله هذه الاية ((فاتقوا الله ما استطعتم، تخفيفا على المسلمين،(١).
وحذف متعلق التقوى، لقصد التعميم، أى : فاتقوا الله مدة استطاعتكم
فى كل ما تأتون وما تذرون، واعلموا أنه - تعالى - ((يريد بكم اليسر
ولا يريد بكم العسر، و((ما جعل عليكم فى الدين من حرج ، ومن الأحاديث
التى وردت فى معنى الآية الكريمة، مارواه البخارى عن جابر بن عبد الله
قال ، بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، فلقنى
((فيما استطعت ،.
وعطف قوله - تعالى -: ((واسمعوا وأطيعوا)، على قوله ((فاتقوا الله))
من باب عطف الخاص على العام ، للاهتمام به .
أى: فاتقوا الله - تعالى - فى كل ما تأتون وماقذرون، واسمعوا ما يبلغكم
إياه رسولنا عنا سماع تدبر وتفكر، وأطيعوه فى كل ما يأمركم به
أو بنها كم عنه .
((وأنفقوا، مما رزقكم الله - تعالى - من خير، يكن ذلك الإنفاق
((خيرا لأنفسكم » فى دنيا كم وفى آخر تكم .
(١) تفسير الآلوسي جـ ٢٨ ص ٠١٢٧