النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ الجزء الثامن والعشرون الثالث: أن يراد أهل الردة منهم ..... (١) ثم رسم - سبحانه- لهم بعد ذلك صورة تجعل كل عاقل يستهزئ بهم، ويحتقرهم، ويسمو بنفسة عن الاقتراب منهم ... فقال - تعالى -: ((وإذا وأيتهم تعجبك أجسامهم. وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة)). قال القرطى : قال ابن عباس : كان عبد الله بن أبى ، وسما جسيما صحيحا صبيحا، ذلق اللسان، فإذا قال، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته. وقال الكلى: المراد ابن أبى، وجد بن قيس، ومعتب ن قشير ، كانت لهم أجسام ومنظر ذو فصاحة .... و(«خشب) - بضم الخاء والشين - جمع خشبة - بفتحهما - كثمرة و ثمر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والمكافى:« كأنهم خشب)) - بضم الخاء وسكون الشين - كبدنة وُبُدْن. أى : وإذا رأيت - أيها الرسول الكريم، هؤلاء المنافقين، أعجبتك أجسامهم، لكالما وحس تناسقها، وإن يقولوا قولا حسبت أنه صدق، لفصاحته، وأحببت الاستماع إليه لحلاوة .... وعدى الفعل - «تسمع، باللام، لتضمنه معنى تصغ لقعالهم. وجملة: (( كأنهم خشب مسندة، مستأنفة، أو خبر لمبتدأ محذوف. أى: كأنهم وهم جالسون فى مجلسك ، مستندين على الجدران ، وقدخلت قلوبهم من الخير والإيمان ... كأنهم وهم بهذه الحالة ، مجموعة من الأخشاب الطويلة العريضة، التى استندت إلى الحوائط، دون أن يكون فيها حسن ، أو نفع، أو عقل. (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٣٩ (٢) تفسير القرطبي - ص ١٢٤ ٥٢٢ سورة المنافقون فهم أجسام تعجب، وأقوال تغرى بالسماع إليها ، ولكنهم قد خلت قلوبهم من كل خير ، وإمتلأت نفوسهم بكل الصفات الذميمة ، فهم لما قال القائل : جسم البغال وأحلام العصافير لاباس بالقوم من طول ومن غلظ وشبهم - سبحانه - الخشب المسندة على سبيل الذم لهم، أى كانهم فى عدم الانتفاع بهم، وخلودهم من الفائدة، كالأخشاب المسندة إلى الحوائط الخالية من أية فائدة . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: فإن قلت: ما معنى , كأنهم خشب مسندة ، ؟ قلت: شبهوا فى إستنادهم - وماهم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحوائط لأن الخشب إذا إنتفع به، كان فى سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الإنتفاع . وما داء متروكا فارغا غير متتفع به ، أسند إلى الحائط، فشبهوا به فى عدم الانتفاع . ويجوز أن يراد بالخشب المسندة: الأصنام المنحوتة من الخشب، المسندة إلى الحيطان، شبهوا بها فى حسن صورهم، وقلة جدواهم. والخطاب للرسول - صلى الله صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يخاطب .. ) (١) فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وصفهم بتلك الصفة البديعة فى التنفير منهم، وفى عدم الإغترار بمظهرهم ، لأنهم كما قال القائل : تسعة أعشار من ترى بقر لا تخدعنك اللحى ولا الصور وليس فيه الطالب مطر تراهم كالسحاب منتشرا له رواء وما له نمر فى شجر السرو منهم شبه ثم وصفهم - سبحانه - بعد ذلك بالجبن والخور فقال: ((يحسبون كل صيحة عليهم .... (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٥٤٠ ٥٣٣ الجزء الثامن والعشرون والصيحة: المرة من الصياح، والمراد بها ما ينذر ويخيف أى: يظنون لجبن قلوبهم ولسوء أو اياهم، وخبث نفوسهم - أن كل صوت ينادى به المنادى، لنشدان ضالة، أو إنفلات دابة ... إنما هو واقع عليهم ، ضار بهم مملك لهم ... قال الآلوسي: قوله: (( يحسبون كل صيحة عليهم، أى: واقعة عليهم، حضارة لهم ، لجبنهم وملعهم. وقيل كانوا على وجل من أن ينزل الله - تعالى - فيهم، ما يهتك. أستارهم، ويبيح دماءهم وأموالهم. والوقف على ((عليهم، الواقع مفعولا ثانيا ((ليحسبون، وهو وقف تام وقوله - تعالى -: «هم العدو ، إستئناف . أى: هم الكاملون فى العداوة، والراسخون فيها، فإن أعدى الأعداء، المدو المداجى . ( فاحذرهم، لكونهم أعدى الأعداء، ولا تغترن بظواهرهم .،(1) وقوله - سبحانه - (( قاتلهم الله أنى يؤفكون) دعاء عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى -، وتعجب لكل مخاطب من أحوالهم التى بلغت النهاية فى السوء والقبح. عن ابن عباس أن معنى ((قاتلهم الله)): طردهم من رحمته ولعنهم ، وكل عی. فى القرآن قتل فهو آمن (٢) و ((أنى، بمعنى كيف. ويؤفكون بمعنى يصرفون، من الأفك - بفتح الهمزة والفاء - بمعنى الإنصراف عن الشىء. أى: لعن الله - تعالى - هؤلاء المنافقين، وطردهم من رحمته ، لأنهم (١) تفسير الآلوسي <٢٦ ص ١١٢ (٢) تفسير ابن جرير جـ ١٠ ص ١١٣ ٥٢٤ سورة المنافقون بسبب مسالكهم الخبيثة ، وأفعالهم القبيحة، وصفاتهم السيئة ... صاروا محل مقت العقلاء، وعجبهم ، إذ كيف ينصرفون عن الحق الواضح إلى الباطل الفاضح ، وكيف يتركون النور الساطع، ويدخلون فى الظلام الدامس ؟ !! وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد فضحت المنافقين، وحذرت من شرورهم ، ووصفتهم بالصفات التى تخزيهم ، وتكشف عن دخائلهم المريضة . ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى لاتقل فى قبحها وبشاعتها عن) سابقتها ، فقال تعالى : ((وإذَا قيلَ لَهُمْ تَّالوا يَسْتغفِرِ لكم رسولُ اللهِ، لَوَّوْا رءوسَهم ورأَيْهَم يَصدُّونَ ومُ مُستكبِرُونَ (٥) سواءٍ عَلَيهِم أَستغفرتَ لهم، أمْ لم ◌َسْتَثْرِ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لهم، إنَّ الله لا يَهْدِى القومَ الفَاسِقِينَ (٦) ثُمُ الذينَ يقولونَ لا تَنْفقوا على مَن عِندَ رسُولِ الله حتَّى يَتَفَضُّوا، وللَّهِ خَزَائِنُ السَّمواتِ وَالأرضِ، ولكنَّ المنَافِقِينَ لا يَفَقَهُونَ (٧) يَقولُونَ لْ رجَْنَا إلى المدِينةِ لَيُخْرجَنَّ الْأعزُّمنها الْأَذَلَّ ، وللهِ العِزّةُ ولَرَسُولِهِ وللمؤْمِنِينَ، ولكنَّ المنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)». وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة، فصلها الإمام ابن كثير - رحمه الله، فقال ما ملخصه : وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل فى عبد الله بن ٥٢٥ الجزء الثامن والعشرون أبي بن سلول وأتباعه، فقد ذكر محمد بن إسحاق ، أنه لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة بعد غزوة أحد، قام عبد الله بن أبى ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب الجمعة، فقال: أيها الناس، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمكم الله به .... فأخذ بعض المسلمين بثيابه من نواحيه ، وقالوا له: اجلس ياعدو الله ، لست لهذا المقام بأهل، وقدصنعت ما صنعت - يعنون مرجعه بثلث الناس دون أن يشتركوا فى غزوة أحد . . فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول . والله لكأنما قلت بحراً - أى: أمرأ منكرا - أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد ، فقالوا له ويلك . ما لك ؟ .... ارجع للنبي يستغفر لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: والله ما أبتغى أن يستغفر لى . وفى رواية أنه قيل له: لو أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألته أن يستغفر لك، فجعل يلوى رأسه ويحركه استهزاء .... ثم قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - ماملخصه: وذكر ابن إسحاق فى حديثه عن غزوة بني المصطلق - وكانت فى شعبان من السنة الخامسة من الهجرة - أن غلاما لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - اسمه الجهجاء بن سعيد الغفارى تراحم على ماء مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبر ... فقال سنان: يامعشر الأنصار , وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبى - وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم - وقال: أو قد فعلوها ؟ !! قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا . والله ما مثلنا وجلابيب. "قریش - يعنى المهاجرين- إلا كما قال ((القائل (سمن كلبك» و اتهلمنر جمنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل . ٥٢٦ سورة المنافقون أ. هب زيد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر ... فقال عمر بن الخطاب يارسول ، مر عباد بن بشر فلميضرب عنق عبد الله ابن أبى ابن سلول . فقال - صلى الله عليه وسلم -: فكيف إذا تحدث يا عمر، أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن فاد ياعمر فى الناس بالرحيل . فلما بلغ عبد الله بن أبى أن ذلك قد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم. أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال الذى قاله عنه زيد بن أرقم ... وراح رسول الله - صلى الله عليه وسلم, مهجراً فى ساعته كان لا يروح فيه، فلقيه أسيد بن الحضير، فقال له: يارسول الله، لقد رحت فى ساعة ماكنت نروح فيها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة أنه سيخرج الأعز منها الأذل . فقال أسيد: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل ... . إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى هذا الوقت الذى لم يتعود السفر فيه ، ليشغل الناس عن الحديث، الذى كان من عبد الله ابن أبى. قال ابن إسحق: ونزلت سورة المنافقين فى ابن أبى واتباعه، فلما نزلت أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذن زيد بن أرقم ثم قال: هذا الذى أوفى الله بأذنه . وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى زيد فقر أما عليه ثم قال: ((إن الله قد صدقك، ثم قال ابن إسحاق: وبلغنى أن عبدالله بن عبد الله بن ابى بلغه ما كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - فقال له: يارسول الله، بلغنى أنك تريد قتل أبى ... فإن كنت فاعلا، فمرنى به ، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده ٥٢٧ الجزء الثامن والعشرون نى، وإنى أخشى أن تأمر غيرى بقتله ، فلا تدعنى نفسى أن أرى قاتل أبى بمشى على الأرض , فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر ، أدخل النار . فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((بل نترفق به ونحسن صحبته، ما بقى معنا)). وذكر عكرمة وابنزيد وغيرهما: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله ابن أبى على باب المدينة، واستل سيفه، جعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه قال له: وراءك! فقال له أبوه: ويلك مالك؟ فقال: والله لاتجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه العزيز وأقت الدليل . فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يسير فى مؤخرة الجيش - شكا إليه عبد الله بن أبى ما فعله ابنه عبد الله معه. فقال ابنه: والله يارسول اللّه لا يدخلها حتى تأذن له . فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال عبد الله لأبيه: أما إذا أذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم فجز الآن(١) . والآن وبعد ذكر جانب من هذه الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات، نعود إلى تفسيرها فنقول وبالله التوفيق: قوله - تعالى -: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ، لووا ر وسهم ... )) بيان لصفة أخرى من صفات المنافقين ، تدل على عنادهم وإصرارهم على كفرهم ونفاقهم . والقائل لهم: «تعالوا يستغفر لكم رسول الله، جماعة من المؤمنين ، على سبيل النصح هؤلاء المنافقين لعلهم يقلعون عن كفرهم وجودهم . (١) لمغرفة هذه الآثار بالتفصيل راجع تفسير ابن جرير حـ ٢٨ ص ٧١ و تفسير ابن كثير <ـ ٨ ص١٥٢ ٥٢٨ سورة المنافقون والمراد باستغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم: توبتهم من ذنوبهم ، وتركهم لنفاقهم، وإعلان ذلك أمامه - صلى الله عليه وسلم - لكى يدعو الله - تعالى - لهم بقبول توبتهم. وقوله. ((لووارهوسهم)) من اللى بمعنى الإمالة من جانب إلى آخر، يقال: لوى فلان رأسه إذا أمالها وحركها. وهو كناية عن التسكبر والإعراض عن النصيحه . أى : وإذا قال قائل لهؤلاء المنافقين ، لقد نزل فى شأنكم ما نزل من الآيات القرآنية التى تفضحكم ... فتوبوا إلى الله توبة نصوحا، وأقلعوا عن تفاقكم، وأقبلوا نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم، لكى يستغفر الله - تعالى - لكم، بأن يلتمس منه قبول توبتكم ... ما كان من هؤلاء المنافقين ، إلا أن تكبروا ولجوا فى طغيانهم ، وأمالوا رءوسهم استهزاء وسخرية من نصحم .. ((ورأيتهم، أيها المخاطب ((يصدون، أى: يعرضون عن نصيحتهم (دوم مستكرون، عن قبولها، لاقطماس بصائرهم، وإصرارهم على ماهم فيه من باطل وجحود للحق . قال الألوسى ما ملخصه: روى أنه لما صدق الله - تعالى - زيدبن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبى ، مقت الناس ابن أبى ، وقال له بعضهم: امض إلى. رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واعترف بذنبك، يستغفر لك ، فلوى وأسه إنكارا لهذا الرأى، وقال لهم: لقد أشرتم على بالإيمان فآمنت، وأشرتم على بأن اعطى زكاة مالى فأعطيت .... ولم يبق لكم إلا أن تأمرونى بالسجود محمد على من عليه وسلم -... ٥٢٩ الجزء الثامن والعشرون وفى حديث أخرجه أحمد والشيخان .. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم . دعام ليستغفر لهم، فلووار.وسهم ... ، (١) وقوله (( يستغفر لكم .. ، مجزوم فى جواب الأمر - وهو قوله: ((تعالوا)) وقوله: «لووا رءوسهم )) جواب (( إذا ، والتعبير بقوله: (( تعالوا، تتضمن إرادة تخليص هؤلاء المنافقين مما هم فيه : من ضلال، وإرادة إرتفاعهم من إنحطاط هم فيه إلى علو يدعون إليه، لأن الأصل فى كلمة ((تعال، أن يقولها من كان فى مكان عال، لمن هو أسفل منه والتعبير بقوله - تعالى -: «ورأيتهم يصدون وهم مستكرون، برسم ١٠ صورة بغيضة لهم وهم يتركون دعوة الناصح لهم ، بعناد وتكبر وغرور ، أوبراهم الرائى بعينه وهم على تلك الصورة المنكرة، التى تدل على جهالاتهم وإعراضهم عن كل خير . د وقوله - سبحانه -: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ... ) تيئيس له - صلى الله عليه وسلم - من إيمانهم، ومن أبولهم للحق . ولفظ (سواء) إسم مصدر بمعنى الاستواء، والمراد به الفاعل. أى: مستو. ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر ، كما فى قوله - تعالى - : (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ... ) أى: مستوية. أى: إن هؤلاء الراسخين فى الكفر والنفاق، قد استوى عنده. إستغفارك. لهم وعدم إستغفارك، فهم لتأصل الجحود فيهم صاروا لا يفرقون بين الحق (١) تفسير الآلوسي = ٢٨ ص ١١٢ ( ٣٤ - سورة المنافقون ) ٥٣٠ سورة المنافقون والباطل، ولا يؤمنون بثواب أو عقاب ... ولذلك فلن يغفر الله - تعالى - هم، مهما حرصت على هدايتهم وصلاحهم . وقوله - سبحانه -: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) تعليل لانتفاء المغفرة من الله - تعالى - هم . أى: لن يغفر الله - تعالى - لهم، لأن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن " لا يهدى إلى طاعته، وأن لا يشمل بمغفرته، من فسق عن أمره، وآثر الباطل. على الحق، والكفر على الإيمان، لسوء إستعداده، وإتباعه لخطوات الشيطان . وقوله - سبحانه - : ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول اه حتى ينفضوا .. ) كلام مستأنف جار مجرى التعليل لفسقهم، وحكاية لجانب من أقوالهم الفاسدة .. والقائل هو عبدالله بن أبى، كما جاء فى روايات أسباب النزول لهذه الآيات ، والتى سبق أن ذكرنا بعضها . ونسب - سبحانه - القول اليهم جميعاً، لأنهم رضوا به. وقبلوه منه. ومرادهم بمن عند رسول - صلى الله عليه وسلم -: المهاجزون الذين تركوا ديارهم فى مكد ، واستقروا بالمدينة . أى: إن هؤلاء المنافقين لن يغفر الله - تعالى - لهم، لأنهم فسقوا عن أمره، ومن مظاهر فسوقهم ونجورهم، أنهم أيدوا زعيمهم فى النفاق ، عندما قال لهم ( لا تنفقوا على من عند رسول اللّه من فقراء المهاجرين، ولا تقدموا لأحد منهم عوفا أو مساعدة، (حتى ينفضوا من حوله) أى: حتى يتفرقوا من حوله. يقال: إنفض القوم: إذا فنيت أزوادهم. يقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض ، إذا إقتهى زاده . وليس مرادهم حتى ينفضوا ويتفرقوا عنه، فإذا فعلوا ذلك فأنفقوا عليهم، وإنما مرادهم ، ٥٣١ الجزء الثامن والعشرون إستمروا على عدم مساعدتكم لهم ، حتى يتركوا المدينة، وتكون مسكنا لکم وحدکم . وقوله - سبحانه -: «ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ». والخزائن : جمع خزينة ، وهى ما يخزن فيها المال والطعام وما يشبههما . والمراد بها أرزاق العباد التى يمنحها الله - تعالى - لعباده. أى: ولله - تعالى - وحده لا لأحد غيره، ملك أرزاق العباد جميعا، فيعطى من يشاء ، ويمنع من يشاء ، ولكن المنافقين لا يفقهون ذلك ولا يدركونه، لجهلهم بقدرة الله - تعالى-، ولاستيلاء الجحود والضلال على نفوسهم . ثم حكى - سبحانه - قولا آخر من أقوالهم القبيحة فقال: «يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .. » والقائل هو عبد الله بن سلول، ولكن القرآن نسب القول اليهم جميعاً ، لأنهم رضوا بقوله، ووافقوه عليه. وجاء الأسلوب بصيغة المضارع، لاستحضار هذه المقالة السيئة، وتلك الصورة البغيضة لهؤلاء القوم . والأعز: هو القوى العزة، بمعنى أنه يغلب غيره، والأذل هو الذى يغلبه غيره لذلته وضعفه. وأراد عبد لله بن أبى بالأعز، نفسه وشيعته من المنافقين ، وأراد بالأذل . الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المهاجرين وغيرهم من المؤمنين الصادقين. ٠٣٢ سورة المنافقون والمراد بالرجوع فى قوله ((لئن رجعنا، الرجوع إلى المدينة بعد إنتهاء. غزوة بني المصطلق . أى: يقول هؤلاء المنافقون - على سبيل التبجح وسوء الأدب - لئن رجعنا إلى المدينة بعد إنتهاء هذه الغزوة، ليخرجن الفريق الأعزمنا، الفريق الأذل من المدينة، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل، بل تصبح خالية الوجه لنا . وقد رد الله - تعالى - على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال: ((ولله اهزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا یعلون » أى: لقد كذب المنافقون فيما قالوه، فإن قه - تعالى - وحده العزة المطلقة والقوة التى لا تقهر ، وهى - أبضا - لمن أفاضها عليه من رسله ومن المؤمنين. الصادقين ، وهى بعيدة كل البعد عن أولئك المنافقين . وقال - سبحانه -: « ولرسوله وللمؤمنين، بإعادة حرف الجر، لتأكيد. أمر هذه العزة، وأنها متمكنة منهم لأنها مستمدة من إيمانهم بالله - تعالى - وحده . وقوله - تعالى -، ولكن المنافقين لا يعلمون، إستدراك قصد به تجهيل هؤلاء المنافقين ، أى: ليست العزة إلا لقه - تعالى - ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك، ولا يعرفونه لاستيلاء الجهل والغباء عليهم، لأنهم لو كانت لهم عقول تعقل. لعلموا أن العزة لدعوة الحق، بدليل إنتشارها. فى الآفاق يوما بعد يوم ، وإنتصار أصحابها على أعدائهم حينا بعد حين ، وإزدباد سلطانهم وقتا بعد وقت قال صاحب الكشاف قوله - تعالى -: ((ولله العزة ... )) أى: الغلبة والقوة لله - تعالى -، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله، ومن المؤمنين ، وهم الأخصاء، بذلك ، كما أن المذلة والهوان ، للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين . : ٣٣° الجزء الثامن والعشرون وعن الحسن بن على - رضى الله عنهما - أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيها، قال: ليس بقيه، ولكنه عزة ، وتلا هذه الآية )، (١). وقال الإمام الرازى : العزة غير الكبر ، ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه - لغير الله - فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه، وإكرامها عن أن يضعهافى غير موضعها اللائق بها، كما أن المكبر جهل الإنسان بنفسه، وإنزالها فوق منزلتها . فالعزة تشبه الكهر من حيث الصورة، وتختلف من حيث الحقيقة، كاشتباه التواضع بالضعه، فالتواضع محمود، والضعة مذمومة . والكبر مذموم والعزة محمودة ... (٢) هذا، وإن المتدبر لهذه الآيات الكريمة وفى أسباب نزولها، ايرى فيها ألوانا من العظات والعبر . جرجــ يرى فيها التصرف الحكيم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ أنه - صلى الله عليه وسلم - بمجرد أن بلغته تلك الأقوال التى قالها عبد الله بن أبى، لكن يثير الفتنة بين المسلمين ... ما كان منه إلا أن أمر عمر بن الخطاب، بأن ينادى فى الناس بالرحيل .. لكى يشغل الناس عما تفوه به ابن أبى ، حتى لا يقع بينهم ما لا تحمد عقباه. كما يرى كيف أنه - صلى الله عليه وسلم - عالج تلك الأحداث بحكمة حكيمة فعند ما أشار عليه عمر - رضى الله عنه - بقتل ابن أبى ... ما كان منه - صلى الله عليه وسلم - إلا أن قال له: يا عمر: كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ !! وأبى - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر بقتله بل ترك لعشيرته من الأنصار تأديبه وتوبيخه . (١) تفسير الكفاف جـ ٤ ص ٥٤٣ (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٥١ ٥٣٤ سورة المنافقون ولقد بلغ الحال بابنه عيد الله - رضى الله عنه - وهو أقرب الناس إليه، أن يمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم ... بدخولها. كما يرى المتدبر لهذه الآيات ، وللأحداث التى نزلت فيها، أن النفوس إذا جحدت الحق، واستولت عليها الأحقاد ، واستحوذ عليها الشيطان ... أبت أن تسلك الطريق المستقيم، مهما كانت معالمه واضحة أمامها .. فعبد الله بن أبى وجماعته، وقفوا من الدعوة الإسلامية موقف المحارب لها ولأتباعها، وسلكوا فى إذاعة السوء حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحول أصحابه كل مسلك ... مع أن آيات القرآن الكريم، كانت تتلى على مسامعهم صباح مساء، ومع أن إرشادات الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت) تصل إليهم يوما بعد يوم ، ومع أن المؤمنين الصادقين كانوا لا يكفون عن نصحهم ووعظهم ... كمانرى أن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب ، ضحى الإنسان من أجله بكل شىء .... فعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، يقول للرسول - صلى الله عليه وسلم - : يارسول الله بلغنى أنك تريد قتل أبى، فإن كنت لا بد فاعلا فمرنى به فأنا أحمل إليك رأسه ... ثم يقف على باب المدينة شاهرا سيفه ، ثم يمنع أباه من دخولها حتى يأذن له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدخولها، وحتى يقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو العزيز، وأنه هو - أى عبد الله بن أبى - هو الذليل .... وهكذا تعطينا هذه الآيات وأحداثها ما تعطينا من عبر وعظات .. . ٥ ٠ ٥ ٥٣٥ الجزء الثامن والعشرون ثم تختتم السورة الكريمة بنداء توجه إلى المؤمنين ، تأمرهم فيه بالمواظبة على طاعة الله - تعالى - وتنهاهم عن أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وتحضهم على الإنفاق فى سبيل إعلاء كلمته - سبحانه -، وعلى تقديم العمل الصالح الذي ينفعهم قبل فوات الآوان، قال - تعالى -: ((يأيُها الذين آمنُوا لا تُهُكُمْ أَموَالكُم ولا أَوْلاَدَكُمْ عن ذِكْرِ اللهِ ومَنْ يَفَعِلْ ذلِكَ فأولئِكَ ثُمُ الْخَاسِرِونَ (٩) وأَتْقُوا مِمّا رزَفْنَ كُم ، من قبلٍ أَنْ يَأْتِىَ أحدَّ ثُم الموتُ فَيَقُولَ ربِّ لولاً أخَّرْتِى إلى أَجلِ قريبٍ فَأَمَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصَّالِينَ (١٠) ولن يؤْخَّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جاء أجلُها، واللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعملُونَ (١١))). والمقصود من هذه الآيات الكريمه، هى المؤمنين عن القشبه بالمنافقين الذين سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة ، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم الله - تعالى - به. أى: يا من آمنتم باقه - تعالى - إيمانا حقا، , لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله .... أى «لا تشغلكم أموالكم التى تهتمون بجمعها وتحصيلها ... ولا أولادكم الذين أشهى تمرات حياتكم ... لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من طاعات ، فالمراد بذكر الله ، ما يشمل جميع التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج، وغير ذلك من الطاعات التى أمر الله - تعالى - بها . وخص الأموال والأولاد بتوجه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر ابته، لأنهما أكثر الأشياء التى قلهى عن طاعة الله - تعالى -... فمن أجل الاشتغال بجمع المال، يقضى الإنسان معظم حيانه، وكثيرمن الناس من أجل جمع المال، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات، ومن أخلاق ، ومن سلوك، وآداب .... ٥٣٦ سورة المنافقون ومن أجل راحة الأولاد، قد يضحى الآباء براحتهم، وبما تقضى به المروءة وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حيث يقول: ((الولد مجبنة مبخلة)). والتعبير بقوله - تعالى -: ((لاقلكمأموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله)) يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال، وبرعاية الأولاد، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة الله، أو عن أداء حق من حقوقه - تعالى -، فإنه هذا الاشتغال لا يكون مذموما، بل يكون مرضيا عنه من الله - تعالى -. واسم الإشارة فى قوله - سبحانه -: (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون)). يعود إلى ماسبق ذكره من اللهو عن ذكر الله، بسبب الأموال والأولاد أى: ومن يشغله حبه لما له وأولاده عن ذكر الله، وعن أداء ما كلفه - سبحانه - به، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسران والغفلة .. لأنهم خالفوا ما أمرهم به ربهم، وآثروا ما ينفعهم فى عاجلتهم الفانية ، على ما ينفعهم فى آجالتهم الباقية. ثم حضهم - سبحانه - على الانفاق فى سبيله فقال:(( وأنفقوا ما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين » . والمراد بالإنفاق: إنفاق المال فى وجوه الخير والطاعات ، فيشمل الزكاة المفروضة ، والصدقات المستحبة، وغير ذلك من وجوه البر والخير . و(من)) فى قوله - تعالى-,مما رزقناكم، للتبعيض إذ المطلوب إنفاقه بعض المال الذى يملكه الإنسان؛ وليس كله، وهذا من باب التوسعة منه -تعالى- على عباده، ومن مظاهر سماحة شريعته - عز وجل -... والمراد بالموت : علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه . وقوله « فيقول، معطوف على قوله (( أن يأتى، ومسبب عنه . و «لولا » بمعنى هلا فهى حرف تحضيض. وقوله: (فأصدق) منصوب على أنه فى جواب التمنى. وقوله (وأ كن). ٥٢٧ الجزء الثامن والعشرون بالجزم، لأنه معطوف على محل (( فأصدق، كأنه قيل: إن أخرتنى إلى أجل قريب أتصدق وأكن من الصالحين . والمعنى: يامن آمنتم بالله حق الإيمان ، لاتشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة الله - تعالى - بل داوموا عليها كل المداومة، وأنفقوا بسخاء وسماحة نفس مما أعطيناكم من أرزاق كثيرة، ومن نعم لاتحصى، وليكن إنفاقكم من قبل أن تنزل بأحدكم أمارات الموت وعلاماته ... وحينئذ يقول أحدكم يارب، هلا أخرت وفاتى إلى وقت قريب من الزمان لكى أندارك مافاتنى من تقصير ، ولكى أتصدق بالكثير من مالى، وأكون من عبادك الصالحين . وقال - سبحانه -: (( مما رزقنا كم، فأسند الرزق إليه، لكى يكون أدعى إلى الامتثال والاستجابة. لأنه - سبحانه - مع أن الأرزاق جميعها منه، إلا أنه - فضلا منه وكرما - اكتفى منهم بإنفاق جزء من تلك الأرزاق. وقدم - سبحانه - المفعول وهو ( أحدكم) على الفاعل وهو ( الموت)، للاهتمام بالمفعول، وللاشعار بأن الموت نازل بكل إنسان لامحالة. والتعبير بقوله: ( أولا أخرتنى إلى أجل قريب ... ) يشعر بأن القائل قد قال ذلك زيادة فى تأميل الاستجابة، فكأنه يقول: يارب ألتمس منك أن تؤخر أجلى إلى وقت قريب لا إلى وقت بعيد، لكى أتدارك مافاتنى فى هذا الوقت القريب الذى هو منتهى سؤلى، وغاية أملى ... وقد بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا تأخير فى الأجل متى أنتهى لامن قريب ولا من بعيد ، فقال: ( وأن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ... ). أى: ولن يؤخر الله - تعالى -. نفسا من النفوس، متى أنتهى أجلها فى هذه الحياة ، وافقضى عمرها من هذه الدنيا، كما قال ـ سبحانه ـ : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون). ٥٣٨ سورة المنافقون وقوله ((والله خبير بما تعملون)، أى: والله - تعالى - مطلع أطلاعا تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب . وبعد فهذا تفسير لسورة ((المنافقون، نسأل الله - تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ، و نافعا لعباده . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة : صباح الجمعة ١٣ من شوال سنة ١٤٠٦ هـ كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى ١٩٨٦/٦/٢٠ م تفسير سُورَة التّغَابْنُ