النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ الجزء الثامن والعشرون له: « أرنا الله جهرة، وقالوا له: «اجعل لنا إلهاكما لهم آلهة ..... وقالوا له: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ماهنا قاعدون ». وقالوا عنه بأنه مصاب فى جسده بالأمراض، فبرأه الله - تعالى - ما قالوا . ٠ - قال ابن كثير: وفى هذا تسلية لرسوله الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر، ولهذا قال : رحمة الله على موسى ، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر) . وفيه نهى للمؤمنين عن أن ينالوا من النبى - صلى الله عليه وسلم - ، أو يوصلوا إليه أذى، كما قال - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها: )،(1). أى واذكر - أيها الرسول الكريم - وذكر أتباعك ليتعظوا ويعتبروا، وقت أن قال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل الإنكار والتعجيب من حالهم ... (( يا قوم لم تؤذوننى، أى، قال لهم: يا أهلى ويا عشيرتى لماذا تلحقون. الآفی بی؟ و «وقد ، فی قوله - تعالى - : «وقد تعلون أنی رسول الله إليكم، للتحقيق، والجملة حالية، وجىء بالمضارع بعد ((قد)) للدلالة على أن عليهم. بصدقه متجدد بتجدد ما يأتيهم به من آيات ومعجزات . قال الجمل. قوله: ((وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم، قد للتحقيق. أى: تحقيق علمهم . (١) من أبن كثير = ٨ ص ٠١٢٥ ٤٦٢ سورة الصف أى: لا للتعذيب ولا للتقليل، وفائدة ذكرها التأكيد، والمضارع بمعنى الماضى . أى: وقد علمتم. وعبر بالمضارع ليدل على استصحاب الحال ، وعلى أنها مقررة للإنكار ، فإن العلم برسالته يوجب تعظيمه ، ويمنع إيذاءه، لأن من عرف الله - تعالى - وعظمته، عظم رسوله))(١) . ثم يبين - سبحانه - ما ترتب على إيثارهم الغى على الهدى، فقال: « فظا زاغوا أزاغ الله قلوبهم ... » والزيغ: هو الميل عن طريق الحق. يقال. زاغ يزيغ زيغا وزيغانا، إذا مال عن الجادة، وأزاغ فلان فلانا، إذا حوله عن طريق الخير إلى طريق الشر . أى : فلما أصروا على الميل عن الحق مع علمهم به ، واستمروا على ذلك دون أن تؤثر المواعظ فى قلوبهم ... أمال الله - تعالى - قلوبهم عن قبول الهدى ، الإيثارهم الباطل على الحق ، والضلالة على الهداية ... كما قال - تعالى -: «ومن يشافق الرسول من بعد ما تبين له الحدى، ويقبع غير سبيل المؤمنين، فوله ما تولى، وفصله جهنم وساءت مصيرا، (٢). وقوله سبحانه -: ((والله لا يهدى القوم الفاسقين، تذييل قصد به التقرير لما قبله (« من أن الزيع يؤدى إلى عدم الهداية، وبيان سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن من استحب العمى على الهدى، وأصر على ذلك ... كانت عاقبته الخسران . أى: وقد أقضت حكمة الله - تعالى - أن لا يهدى القوم الخارجين عن (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٢٢٦ (٢) سورة النساء. الآية ١١٥. ٤٦٣ الجزء الثامن والعشرون طريق الحق ، إلى ما يسعدهم فى حياتهم وبعد متهم، لأنهم هم الذين اختاروا طريق الشقاء، وأصروا على سلوكها . ثم ذكر - سبحانه - جانبا مما قاله عيسى - عليه السلام - لبنی إسرائيل، فقال - تعالى - : ((وإذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيِمِ ياَنِي إِسْرَائِيلَ إنى رَسُولُ اللهِ إليكُم، مُصدِّقًا لِمَا بَيْنَ يدَىَّ مِنَ النَّوراةِ، ومُبشّرًا برسُولٍ يَأْيِى مِنْ بَعَدِى اسمُهُ أَحْمَدُ ، فلمَّا جاءهمُ بِالبَيِّئَتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) )). أى: واذكر - أيضا - أيها الرسول الكريم - وذكر الناس ليعتبروا ويتعظوا، وقت أن قال عيسى ابن مريم ، مخاطبا من أرسله الله إليهم بقوله :. ((يا بنى إسرائيل أنى رسول الله إليكم، لكى أخرجكم من ظلمات الكفر والشرك ، إلى نور الإيمان والتوحيد. ولم يقل لهم يا قوم - كما قال لهم موسى - عليه السلام -، بل قال: ما بنى إسرائيل،، لأنه لا أب له فيهم ، وإن كانت أمه منهم ، والأنساب إنما تكون من جهة الآباء، لا من جهة الأمهات: وفى قوله (( إنى رسول الله إليكم، إخبار صريح منه هم. بأنه ليس إلها وليس ابن إله - كما زعموا وإنما هو عبد الله ورسوله. وقوله: (( مصدقا لما بين يدى من التوراة، جملة حالية لإثبات حقيقة رسالته ، وحضهم على تأبيده وتصديقه والإيمان به . أی : إنی رسول الله - تعالى - إليكم بالكتاب الذى أنزل الله علی وهو الإنجيل، حال كونى مصدقا للكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على نيه ٤٦٤ سورة الصف موسى - عليه السلام -، وهذا الكتاب هو التوراة ، وما دام الأمر كذلك فمن حقى عليكم، أن تؤمنوا به، وأن تقبعونى، لأنى لم آتكم بشىء يخالف التوراة، بل هى مشتملة على ما يدل على صدقى ، فكيف تعرضون عن دءونی . وقوله: مصدقا لما بين يدى)، فيه نوع مجاز، لأن ما بين يدى الإنسان هو ما أمامه ، فسمى ما مضى كذلك لغاية ظهوره واستهاره . واللام فى (((لما)، لتقوية العامل. نحو قوله - تعالى ,فعال لما يريد». وقوله - سبحانه -: ((ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد)، معطوف على ما قبله . والتبشير: الإخبار بما يسر النفس ويبهجها، بحيث يظهر أثر ذلك على بشرة الإنسان، وكان إخباره بأن نبيا سيأتى من بعده أسمه أحمد تبشير ا،لأنه سيأتيهم بما يسعدهم، ويرفع الأغلال عنهم، كما قال - تعالى -: ((ويضع عنهم إصرم والأغلال التى كانت عليهم ». ولفظ (( أحمد) اسم من أسماء نبينا - صلى الله عليه وسلم - وهو علم منقول من الصفة، وهذه الصفة يصح أن تكون مبالغة من الفاعل . فيكون معناها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أكثر حمدالله - تعالى - من غيره . ويصح أن تكون من المفعول، فيكون معناها أنه يحمده الناس لأجل مافيه من خصال الخير ، أكثر مما يحمدون غيره . قال الآلوسي: وهذا الاسم الجليل ، علم لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم- وصح من رواية مالك، والبخارى، ومسلم ... عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن لى أسماء. أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى، وأنا المساحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا العاقب ... ))(١). (١) تفسير الآلوسى = ٢٨ ص ٨٦ ٤٦٥ الجزء الثامن والعشرون وبشارة عيسى - عليه السلام - بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ثابتة ثبوتا قطعيا بهذه الآية الكريمة، وإذا كانت بعض الأناجيل قد خلت من هذه البشارة، فبسبب ما اعتراها من تحريف وتبديل، على أيدى علماء أهل الكتاب. ومع ذلك فقد وجدت هذه البشارة فى بعض الأناجيل ، كإنجيل يوحنا، فى الباب الرابع عشر، قال الإمام الرازى: فى الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: وأنا أطلب لكم إلى أبى، حتى يمنحكم ويعطيكم الفار قلبط حتى يكون معكم إلى الأبد . والفار قليط هو روح الحق واليقين ... )(١). ومنهم من يرى أن لفط فار قليط معناه باليونانية: أحمد أو محمد (٢). وان أصرح الأدلة على أن صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - موجودة فى التوراة والإنجيل، قوله - تعالى - «الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل .... (٣) . وقوله - سبحانه -: « فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين، بيان. لموقف بنى إسرائيل الجحودى من أنبياء الله - تعالى -. والضمير فى قوله , جاءهم ، یری بعضهم أنه يعود لعاسى، ويرى آخرون أنه يعود لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، أى: فلما جاء عيسى - عليه السلام - أو محمد - صلى الله عليه وسلم -، إلى بنى إسرائيل بالآيات البينات الدالة على صدقه، قالوا على سبيل المناد والجحود: هذا سحر واضح فى بابه، لا يخفى على أى ناظر أو متأمل. (١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٣٩ (٢) راجع تفسير القاسمى ج ١٦ ص ٥٧٨٨ (٣) راجع تفسيرنا لسورة الأعراف الآية ١٥٧ ص ٢٠٥ (٣٠ - سورة الصف ) ٤٦٦ سورة الصف ومن المعروف أن بنى إسرائيل قد كذبوا عيسى - عليه السلام -، وكفروا به، ونسبوا إلى أمه الطاهرة، ماهى بريئة منه، ومنزهة عنه ... كما كذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وكفروا به، وصدق الله إذ يقول:، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين)) ووصفوا ماجاء به بأنه سحر مبين ، على سبيل المبالغة ، فكأنهم يقولون إن ماجاء به هو السحر بعينه، مع أنهم يعرفون أن ماجاء به هو الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكن ما جبلوا عليه من جحود وعناد ، حال بينهم وبين النطق بكلمة الحق . ٥ ٥ ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين هم أشد الناس ظلما للحق، وأنه - سبحانه - سيظهره لا محالة، رضوا بذلك أم كرهوا، وأن هذا الدين سيظهره الله - تعالى - على بقية الأديان، مهما كره الكارهون، فقال - تعالى -: (( ومَن أظلَُّ يِمْنَ افَتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ وهُو يُدعَى إلى الإِسْلاَمِ، واللهُ لا يَهَدى القَومَ الظَّالِنَ (٧) يريدُونَ لْيُطِفِئُوا نورٌ اللّهَ بأَفواهِهِم، واللهُ مُتِمِّ نورِهِ ولو كَرِه الكافِرُون (٨) هُو الذى أَرْسَل رسُولُ بالحُدَى ودِينِ الحقّ لَيَظْهِرِهُ عَلَى الدِّين كُلُّه ولو كَرِهِ الْمُشْرِكُون (٩)) . والاستفهام فى قوله: ((ومن أظلم ممن افترى على أنه الكذب ... )) للإسكار والنفى .. والافتراء: اختلاق الكذب واختراعه من جهة الشخص دون أن يكون له أساس من الصحة. وقوله: ((وهو يدعى إلى الإسلام، حملة حالية. أى : ولا أحد أشد ظلما من إنسان يختلق الكذب من عند نفسه على دين ٤٦٧ الجزء الثامن والعشرون الله - تعالى - وشريعته، والحال أن هذا الإنسان يدعوه الداعى إلى الدخول في دين الإسلام الذى لايرتضى الله - تعالى - سواه دينا. ((واقه)) - تعالى - ((لا يهدى القوم الظالمين)) إلى مافيه فلاحهم، لسوء استعدادهم ، وإيثارهم الباطل على الحق ... ثم بين - سبحانه - مايهدف إليه هؤلاء الظالمون من وراء افترائهم الكذب على الدين الحق، فقال - تعالى -: ((يربدون ليطفئوا نور الله بأفواههم)). والمراد بنور الله: دين الإسلام الذى ارتضاه - سبحانه - لعباده دينا، بوبعث به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقيل المراد به: حججه الدالة على وحدانيته - تعالى -. وقيل المراد به: القرآن .. وهى معان متقاربة. والمراد بإطفاء فور الله: محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه، بكل وسيلة يستطيعها أعداؤه، كإثارتهم الشبهات من حول تعاليمه، وكتحريضهم لمن كان على شاكلنهم فى الضلال على محاربته ... والمراد بأفواههم: أقوالهم الباطلة الخارجة عن تلك الأفواه، التى تنطق بما لاوزن له من الكلام .. والمعنى: يريد هؤلاء الكافرون بالحق، أن يقضوا على دين الإسلام، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التى جاء بها النبى - صلى الله عليه وسلم -، عن طريق أقا ويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم ، من غير أن يكون لها مصداق من الواقع تنطبق عليه ، أو أصل تستند إليه، وإنما هى أقوال من قبيل اللغو الساقط المهمل الذى لا وزن له ولا قيمة . قال صاحب الكشاف: مثَّل حالهم فى طلبهم إبطال نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتكذيب ، بحال من يريد أن ينفخ فى فور عظيم منبثق فى الآفاق بريد اله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى فى الإشراق أو الإضاءة ، ليطفته بنفخه ويطمسه ... ،(١) . (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٦٥ ٤٦٨ سورة الصف والجملة الكريمة فيها مافيها من التهكم والاستهزاء بهؤلاء الكافرين، حيث شبههم - سبحانه - فى جهالاتهم وغفلتهم، بحال من يريد إطفاء نور الشمس الوهاج، بنفخة من فمه الذى لا يستطيع إطفاء ماهو دون ذلك بما لا يحصى من المرات . وقوله - تعالى -: ((والله متم نوره ولو كره الكافرون)) بشارة للمؤمنين! بأن ماهم عليه من حق ، لابد أن يعم الآفاق .. أى: واهه - تعالى - بقدرته التى لا يعجزها شىء، متم نوره، ومظهر دينه ومؤيد نبيه - صلى أنه عليه وسلم - ولو كره الكافرون ذلك، فإن كراهيتهم. لظهور دين الله - تعالى - لا أثر لها ولاقيمة. فالآية الكريمة وعد من الله - تعالى - للمؤمنين، بإظهار دينهم، وإعلاء كلمتهم، لكى بزيدم ذلك أبانا على ثباتهم ، وقوة على قوتهم ... ثم أكد - سبحانه - وعده بإتمام فوره، وبين كيفية هذا الإتمام فقال: « هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ..... والمراد بالهدى: القرآن الكريم. المشتمل على الإرشادات السامية، والتوجيهات القويمة . والأخبار الصادقة ، والتشريعات الحكيمة . والمراد بدين الحق: دين الإسلام الذى هو خاتم الأديان . وقوله: «ليظهره على الدين كله)) من الإظهار بمعنى الإعلاء والغلبة بالحة والبرهان ، والسيادة والسلطان . والجملة تعليلية لبيان سبب هذا الإرسال والغاية منه . والضمير فى( ليظهره) يعودعلى الدين الحق، أو على الرسول- صلى الله عليه وسلم. أى: هو الله - سبحانه - الذى أرسل رسوله محمدا . صلى الله عليه وسلم. بالقرآن الهادی التیهی أقوم، وبالدين الحق الثابت الذی لا ینسخه دین آخر، وكان هذا الإرسال لإظهار هذا الدين الحق على سائر الأديان بالحجة والغلبة. فـ ٤٦٩ الجزء الثامن والعشرون (( ولو كره المشركون، ذلك، فإن كراهيتهم لا أثر لها فى ظهوره، وفى إملائه على جميع الأديان . ولقد أنجز الله - تعالى - وعده، حيث جعل دين الإسلام، هو الدين الغالب على جميع الأديان بحججه وبراهينه الدالة على أنه الدين الحق الذى لا يحوم حوله باطل .. هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التى تؤيد ذلك ، ومنها: ماثبت فى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن اللهزوى إلى الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى مازوى لى منها، (١). ٥ ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، أرشدهم فيه إلى ما يسعدهم، وينجيهم من كل سوء ، فقال - تعالى - : ( بأيُّها الذينَ آمَنُوا هَل أدُلكُم على تجارةٍ تُنْحِيكُم من عذَابٍ أَليم (١٠) تؤْمِنُونَ باللهِ ورسولهِ، وتجاهِدُون فى سَبيلِ اللهِ بأَمْوَالِكُم وأنْفُسِكُم، ذلِكُم خيرٌ لكُم إنْ كَثُم تَموذَ (١١) يَفِرْ لِكُمْ ذُنُوبِكُمْ، ويُدخلَكُمْ جِنَّاتٍ تَجِرِى مِنْ نَتِهَا الْأنْهارُ، ومساَكِنَ طَيبة فى جِنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفوزُ العَظِيمُ (١٢) وأُخرَى تَحْبُّونَهَا نصرٌ من اللهِ وَفَتَحٌ قريبٌ وبشر المؤمنينَ (١٣))). وهذه الآيات الكريمة جواب عما قاله بعض المؤمنین لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو نعلم أى الأعمال أحب إلى الله لعملناها، كما سبق (١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٣٤٩ ٤٧٠ سورة الصف أن ذكرنا فى سبب قوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ... ». فكأنه - سبحانه - بعد أن نهاهم عن أن يقولوا قولا، تخالفه أفعالهم، وضرب لهم الأمثال بجانب من قصة موسى وعيسى - عليه السلام -، وبشرم بظهور دينهم على سائر الأديان ... بعد كل ذلك أرشدهم إلى أحب الأعمال إليه - سبحانه - فقال: (( يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ... ». والتجارة فى الأصل معناها: التصرف فى رأس المال ، وتقليبه فى وجوه المعاملات المختلفة، طلبا للربح . والمراد بها هنا: العقيدة السليمة، والأعمال الصالحة ، التى فسرت بها بعد ذلك فى قوله - تعالى - , تؤمنون بالله ورسوله ... )) والاستفهام فى قوله - تعالى -: «هل أدلكم ... ، للتشويق والتخصيص إلى الأمر المدلول عليه . والمعنى : یا من آمنتم بالقه - تعالى- وملائكته و کتبه ورسله واليوم الآخر ألا تریدون أن أدلكم على تجارة رابحة ، تنجیکم مزاولتها ومباشرتها ، من عذاب شديد الألم؟ إن كنتم تريدون ذلك، فها كم الطريق إليها، وهى: (تؤمنون بالله ورسوله، ونجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم). فقوله - سبحانه -: «يؤمنون بالله ورسوله ... )) استئناف مفسر وموضع لقوله «هل أدلكم ... ،؟ فكأن سائلا قال: وما هذه التجارة؟ دلنا عليها، فكان الجواب : تؤمنون بالله ورسوله ... أى: تداومون مداومة تامه على الإيمان بالله - تعالى -، وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتجاهدون فى سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه بأموالكم وأنفسكم .. ٤٧١ الجزء الثامن والعشرون قالوا: وقوله ((تؤمنون ... ) خبر فى معنى الأمر، ويدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله ، وجاهدوا فى سبيله ... وفائدة العدول إلى الخبر: الإشعار بأنهم قد امتثلوا لما أرشدوا إليه، فكأنه - سبحانه - يخبر عن هذا الامتثال الموجود عندهم . وجزء التعبر بقوله: ((هل أدلكم،، لإفادة أن ما يذكر بعد ذلك من الأشياء التى تحتاج إلى من يهدى إليها، لأنها أمور مرد تحديدها إلى الله - تعالى -. وتفكير لفظ التجارة، للتهويل والتعظيم، أى : هل أدلكم على تجارة عظيمة الشأن .. ؟ وأطلقت التجارة هنا على الإيمان والعمل الصالح، لأنهما بتلاقيان ويتشابهان فى أن كليهما المقصود من ورائه الربح العظيم ، والسعى من أجل الحصول على المنافع . وقدم - سبحانه - هنا الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس، لأن المقام مقام تفسير وتوضيح لمعنى التجارة الرابحة عن طريق الجهاد فى سبيل الله، ومن المعلوم أن التجارة تقوم على تبادل الأموال ، وهذه الأموال هى عصب الجهاد، فعن طريقها تشترى الأسلحة والمعدات التى لا غنى المجاهدين عنها ، وفى الحديث الشريف: « من جهز غازيا فقد غزا)). وقدم - سبحانه - فى قوله: ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة :. )(١) قدم الأنفس على الأموال، لأن الحديث هناك ، كان فى معرض الاستبدال والعرض والطلب، والأخذ والعطاء ... فقدم - سبحانه - الأنفس لأنها أعز ما يملكه الإنسان ، وجعل فى مقابلها الجنة لأنها أعز ما يوهب، وأسمى ما تتطلع إلى فيله النفوس ... (١) سورة التوبة الآية ١١١ ٤٧٢ سورة الصف واسم الإشارة فى قوله: ((ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)) يعود إلى ما سبق ذكره من الإيمان والجهاد . أى: ذلكم الذى أرشدناكم إلى التمسك به من الإيمان والجهاد فى سبيل الله، هو خير لكم من كل شىء إن كنتم من أهل العلم والفهم . فقوله, تعلمون، منزل مزلة الفعل اللازم، للإشعار بأن من يخالف ذلك، لا يكون لا من أهل العلم، ولا من أهل الإدراك. وجعله بعضهم فعلا متعدياً، ومفعوله محذوف، والتقدير: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم فافعلوه، ولا تتقاعسوا عن ذلك . وقوله سبحانه - : ((يغفر لكم ذنوبكم)) مجزوم على أنه جواب لشرظ مقدر. أى : إن تمتثلوا أمره - تعالى - يغفر لكم ذنوبكم. ويصح أن يكون مجزوما على أنه جواب الأمر المدلول عليه بلفظ الخبر فى قوله - تعالى - قبل ذلك، ((مؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون .... لأنهما - كما قلنا - وإن جاءابلعظ الخبر، إلا أنهما فى معنى الأمر، أى: آمنواوجاهدوا. أى آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وجاهدوا في سبيل إعلاء كلمته بأموالكم وأنفسكم، يغفر لكم - سبحانه - ذنوبكم ، بأن يزيلها عنكم، ويسترها عليكم .. (((ويدخلكم، فضلا عن ذلك. جنات)) عاليات , تجرى من تحتها الأنهار)) أى: تجرى من تحت مساكنها وبساتينها الأنهار . ويعطيكم , مساكن طيبة، أى: قصورا مشتملة على كل ماهو طيب ونافع وخصت المساكن الطيبة بالذكر ، لأن المجاهدين قد فارقوا مساكنهم، ومنهم من استشهد بعيداً عنها، وفيها أهله وماله ... فوعدم - سبحانه - بماهو خير منها . وقوله (( فى جنات عدن)) أى: هذه المساكن الطيبة كائنة فى جنات باقية ٤٧٣ الجزء الثامن والعشرون خالدة ، لا تزول ولا تنتهى، بل أصحابها يقيمون فيها إقامة دائمة . يقال عدن فلان بالمكان ، إذا أقام فيه إقامة مؤبدة . (((ذلك الفوز العظيم)) أى: ذلك الذى منحنا كم إياه من مغفرة الذنوبكم، ومن خلودكم فى الجنة ... هو الفوز العظيم الذى لا يقاربه فوز، ولا بدانيه ظفر . وقوله - سبحانه -: ((وأخرى تحبونها .. ) بيان لنعمة أخرى يعطيهم - سبحانه - إياها، سوى ما تقدم من نعم عظمى. ولفظ ((أخرى)) مبتدأخبره محذوف دل عليه مانقدم، وقوله: «تحبونها)) صفة للمبتدأ . أى: ولكم - فضلا عن كل ما تقدم - نعمة أخرى تحبونها وتتطلعون إليها. وهذه النعمة هى: ((قصر، عظيم كائن ((من الله)) - تعالى -((لكم)) ((وفتح) قريب، أى: عاجل ((وبشر المؤمنين، أى: وبشر - أيها الرسول الكريم - المؤمنين بذلك ، حتى يزدادوا إيمانا على إيمانهم، وحتى تزداد قلوبهم إنشراحا ومرورا. ويدخل فى هذا النصر والفتح القريب دخولا أوليا : فتح مكة ، ودخول الناس فى دين الله أفواجا .. وهذه الآية الكريمة من معجزات القرآن الكريم ، الراجعة إلى الإخبار بالغيب، حيث أخبر - سبحانه - بالنصر والفتح، فتم ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه ، فى أكمل صورة، وأقرب زمن . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء ثالث وجهه إلى المؤمنين، دعام فيه إلى التشبيه بالصالحين الصادقين من عباده فقال : ((يأيُّها الذينَ آمنُوا كونُوا أَنْصَارَ اللهِ كما قالَ عيسى ابن مريم الْعَوارِبينَ مَنْ أَنْصَرَى إلى اللهِ، قالَ الحوارِيُّونَ نحنُ أنصارُ اللهِ ٤٧٤ سورة الصف فَآَمَنتْ طائِفِةٌ مِنْ إِنِى إسرائيلَ وَكَفَرتْ طائِةٌ، فَأَيَّدْنَا الذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُّوَّمٍ، فَأَصْبَحُوا ظَأَهِرِين (١٤))) . والحواريون: جمع حوارى. وهم أنصار عيسى - عليه السلام - الذين آمنوا به وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه، وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق . وكانوا اثنى عشر رجلا . يقال: فلان حوارى فلان ، أى : هو من خاصة أصحابه، ومنه قول النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الزبير بن العوام: ((لكل فى خوارى، وحوارى الزبير)). وأصل الحور : شدة البياض والصفاء ، ومنه قولهم فى خالص لباب الدقيق : الحوارى . وفى النساء البيض الحسان : الحواربات والحوريات : وسمى الله - تعالى- أصفياء عيسى وأنصاره بذلك لهمدة إخلاصهم له، وطهارة قلوبهم من الغش والنفاق، فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص . والأنصار: جمع نصير ، وهو من ينصر غيره نصرا شديدا مؤزرا. والمراد بنصر الله - تعالى -: نصردينه وشريعته وفيه الذى أرسله ب الهدى ودين الحق . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: كونوا أنصاراته . والمعنى: يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان داوموا وواظبوا على أن على أن تكونوا أنصارا لدين الله فى كل حال ، كما كان الحواريون كذلك، عندما دعاهم عيسى - عليه السلام - إلى نصرته والوقوف إلى جانبه. فالكلام محمول على المعنى، والمقصود منه حض المؤمنين على طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى الاستجابة التامة لما يدعوهم إليه، كما فعل الحواريون مع عيسى ، حيث ثبتوا على دينهم ، وصدقوا مع نبيهم ، دون أن تنال منهم الفتن أو المصائب . ٤٧٥ الجزء الثامن والعشرون قال صاحب السكشاف : فإن قلت: ماوجه صحة التشبيه - وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى لهم (من أنصارى إلى الله،. قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح. والمراد كونوا أنصار اقه، كما كان الحواريون أنصار عيسى كذلك حين قال لهم: من أنصارى إلى الله. فإن قلت: فما معنى قوله: ((من أنصارى إلى الله)) ؟ قلت: يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين: ((نحن أنصار الله))، والذى يطابقه أن يكون المعنى: من جندى متوجها إلى نصرة دين أنه .... )،(١). والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((من أنصارى إلى الله)) للحض على نصرته والوقوف إلى جانبه . وأضافهم - عليه السلام إليه، باعتبارهم أنصار دعوته ودينه. وقوله: (( إلى الله)) متعلق بأنصارى، ومعنى ( إلى) الانتهاء المجازى. أى: قال عيسى للحواريين على سبيل الامتحان لقوة إيمانهم: من الجند. المخلصون الذين أعتمد عليهم بعد الله - تعالى - فى نصرة دينه، وفى التوجه إليه بالعبادة والطاعة وتبليغ رسالته ... ؟ فأجابوه بقولهم: نحن أنصار دين الله - تعالى-، ونحن الذين على استعداد أن نبذل نفوسنا وأموالنا فى سبيل تبليغ دعوته - عز وجل -، ومن أجل إعلاء كلمته . وقوله - تعالى -: ((فآمنت طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة .. )) مفرع على ما قبله ، لبيان موقف قومه منه . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥٢٨ ٤٧٦ سورة الصف أى: قال الحواريون لعيسى عندما دعاهم إلى أتباع الحق: نحن أنصار دين الله، ونحن الذين سنثبت على العهد ... أما بقية بنى إسرائيل فقد افترقوا إلى فرقتين: فرقة آمنت بعيسى وبما جاء به من عند الله - تعالى -، وفرقة أخری کفرت به وبرسالته . وقوله: (( فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين)) بيان للنتائج التى تحققت لكل طائفة من الطائفتين: المؤمنة والكافرين . وقوله: «ظاهرين، من الظهور بمعنى الغلبه. يقال : ظهر فلان على فلان إذا تغلب عليه وقهره . أى: كان من قوم عيسى من آمن به، ومنهم من کفر به، فأيدنا وقوینا وقصرنا الذين آمنوا به، على الذين كفروا به، فصار المؤمنون ظاهرين ومنتصرين على أعدائهم بفضله - تعالى - ومشيئته. والمقصود من هذا الخبر حض المؤمنين فى كل زمان ومكان، على الإيمان والعمل الصالح، لأن سنه الله - تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة لهم، كما جعلها لأتباع عيسى المؤمنين ، على أعدائهم الكافرين . قال بعض العلماء: وتأويل هذا النص يمكن أن ينصرف إلى أحد معنيين: إما أن الذين آمنوا برسالة عيسى - عليه السلام -، هم المسيحيون إطلاقا، من استقام ، ومن دخلت فى عقيدته الاخرافات ، وقد أيدهم الله - تعالى - على اليهود الذين لم يؤمنوا به أملا ، كما حدث فى التاريخ . وإما أن الذين آمنوا: هم الذين أصروا على التوحيد فى وجه المؤلهين لعيسى، والمثلثين وسائر النحل التى انحرفت عن التوحيد. ومعنى : أنهم أصبحوا ظاهرين، أى: بالحجة والبرهان ، أو أن التوحيد الذى ثم عليه، هو الذى أظهره ألله بهذا الدين الأخير - أى:دين الإسلام - وجعل له الجولة الأخيرة فى الأرض ، كما وقع فى التاريخ. ٤٧٧ الجزء الثامن والعشرون وهذا المعنى الأخير هو الأرجح والأقرب فى هذا السياق (١). وبعد: فهذا تفسير لسورة (( الصف، نسأل الله - تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ... وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة : مدينة نصر . مساء الخميس ٧ من رمضان سنه ١٤٠٦ ه الموافق ١٩٨٦/٥/١٥ م (١) تفسير فى ظلال القرآن - ٢٨ ص ٠٨٩ تفسير سُورَة الجُمعَةُ