النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ الجزء الثامن والعشرون وهذه الجملة الكريمة تأكيد لقوله - تعالى - قبل ذلك: ((لامن حل لهم ولا هم يحلون لهن،. ثم بين - سبحانه - حكما آخر من الأحكام التى تدل على عدالة الإسلام فى تشريعاته فقال: «واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا (والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: ((وآ قوهم ما أنفقوا)). أى: كما أنى شرعت لكم أن تعطوا الأزواج المشركين، مهور نسائهم المسلمات اللائى فرون إليكم، وتركن أزواجهن الكفار ... فكذلك شرعت لكم أن تطلبوا مهور نسائكم المشركات اللاتى انفصلتم عنهن لكفرهن، ولحقن بهؤلاء المشركين، وليطلب المشركين ، وليطلب المشركون منكم مهور نسائكم المؤمنات اللائى انفصلن عنهم وهاجرن إليكم . ثم ختم - سبحانه هذه الآية الكريمة ببيان أن هذه الأحكام ، إنما هى من الله تعالى - العليم بأحوال النفوس، الحكيم فى أقواله وأفعاله، فقال: ((ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم)). أى: ذلكم الذى ذكر ناه لكم من تشريعات تتعلق بالمؤمنات المهاجرات هى أحكام من الله - تعالى - فاتبعوها، فهو - سبحانه - صاحب الحكم المطلق بينكم، وهو - سبحانه - عليم بأحوال عباده، حكيم فى كل تصرفاته وتشريعاته . وقوله - سبحانه -: ((وإن فاتكم شىء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم» بيان لحكم آخر يتعلق بالنساء اللاتى التحقن بالمشركين، وتركن أزواجهن المسلمين ، وأبى المشركون ان يدفعوا للمسلمين مهور هؤلاء الزوجات . والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: واسألوا ما انفقتم موليسألوا ما أنفقوا ،. وقد ذكروا أن المسلمين لما نزل قوله - تعالى - : ((يأيها الذين آمنوا إذا ٤٤٢ سورة الممتحنة جاءك المؤمنات مهاجرات ... الآيه، كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية . فامتنع المشركون عن دفع مهور النساء اللائی ذهبن إليهم ، بعد أن تر کن أزواجهن المسلمين، فنزل قوله - تعالى -: (وإن فاقمكم شىء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم »(١) .. قال ابن كثير : أقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التى أنفقوها على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله، فيما. فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله - تعالى - للمؤمنين به : ((وإن فاتكم ثى. من أزواجكم .. الآية،(٢). وقوله ((فاتكم)) من الفوت بمعنى الفراق والترك والهرب ... يقال: فاتنى هذا الشىء، إذا لم أتمكن مر الحصول عليه، وعدى بحرف إلى لتضمنه. معنى الفرار . ولفظ «شىء)، هنا المراد به بعض . وقوله، (( من أزواجكم، بيان للفظ شىء . وقوله: ((فعاقتم، يرى بعضهم أنه من العقوبة .. وعليه يكون المعنى: وإن نفلتت وفرت امرأة من أزواجكم - أيها المؤمنون . إلى الكفار، وامتنعوا عن دفع مهرها لكم ((فعاقبتم، أى: فنزوتم أنتم بعد ذلك هؤلاء الكافرين وانتصرتم عليهم وظفرتم بمغائم منهم. أ.آ توا الذين ذهبت أزواجهم «منكم إلى الكفار من هذه المغانم (١) راجع تفسير القرطبى حـ ١٨ ص ٦٨ (١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٨ ص ١٢١ ٤٤٣ اجزء التأمن والعشرون (( مثل ما أنفقوا)) أى: مثل المرور التى أنفقوها على زوجاتهم اللائى فرون إلى المشركين . ويرى بعضهم أن قوله (( فعاقبتم)) صيغة تفاعل من العقية - بضم العين وسكون القاف وهى النوبة، بمعنى أن يصير الإنسان فى حالة تشبه حالة غيره ... قال الألوسى: قوله: (( فعاقبتم)) من العقبة لامن العقاب، وهى فى الأصل النوبة فى ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده : أى: جاءت عقبتكم أى نوبتكم من أداء المهر ... شبه الحكم بالأداء المذكور، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب فى الركوب. وحاصل المعنى: إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار ، أو فاتكم شىء من مورهن ... (((فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا)، من مهر المهاجرة التى تزوجتموها ، ولا تعطوا شيئاً لزوجها الكافر، ليكون قصاصا ... ,(١). وعبر عن هؤلاء الزوجات اللاتى تر كن أزواجهن المؤمنين ، وفررن إلى المشركين، بلفظ «شىء)). لتحقير هؤلاء الزوجات، وتهوين أمرهن على المسدين ، وبيان أنهن بمنزلة الشىء الضائع المفقود الذى لاقيمة له ... قال صاحب الكشاف: وجميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة ... وقد أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين مهور نسائهم - اللاحقات بالمشركين - من الغنيمة،(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: (واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون)) (١) تفسير الآلومى حـ ٢٨ ص ٧٩. (٢) تفسير الكثاف = ٤ ص ٠٥١٩ ٤٤٤ سورة الممتحنة أى: واتقوا الله تعالى - أيها المؤمنون - فى كل شئونكم، ونفذوا ما أمركم به أو نها كم عنه ، فإن الإيمان الحق به - عز وجل - يستلزم منكم ذلك. فالمقصود بهذا التذيل . الحض على الوفاء بما أمر الله - تعالى - به، بدون تهاون أو تقاعس . ٠٠٠ وبعد أن بين - سبحانه - حكم النساء المؤمنات المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام، أقبع ذلك بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بمبايعتهن وغيرهن على عدم الاشراك بالله - تعالى - ، وعلى اجتناب الفواحش ماظهر منها وما بطن ، فقال - تعالى - : ((يأيُّها النَّبِىُّ إذَا جاءك المؤمِنَاتُ يُبَايِنْكَ عَلَى أنْ لا يُشْرَكْنَ بالله شَيْئاً، ولا يَسرقْنَ، ولا يِنِينَ، ولا يقتُلْنَ أَولادَهنَّ، ولاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يفترِينَ بينَ أَيدِيهِنَّ وأَرْجِلِنَّ، ولا يَعْصِينَك فى مَعروفٍ فبَيْهُنَّ، واسْتَغْفِر لُهُنَّ الله إنّ الله غفورٌ رَحِيمٌ (١٢)». فهذه الآية الكريمة، اشتملت على أحكام متمعة للأحكام المشتملة عليها الآيتان السابقتان عليها ... ف-كان الله - تعالى - يقول: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، ولا ترجعوهن إلى الكفار ... وبايعهن أيها الرسول الكريم على إخلاص العبادة فيه - تعالى - . قال القرطبى ما ملخصه: وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت : كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمتحن بهذه الآية ... وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( انطلقن فقد بايمتمكن)). ٤٤٥ الجزء الثامن والعشرون ولا وأنه ما مست يدرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام ... وما مست كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: «قد بايعتكن كلاما »(١) . والمعنى: ((يأيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايمنك .. ، أى: مبايعات لك ، أو : قاصدات مبايعتك ، ومعاهدتك على الطاعة لما تأمر هن به ، أو تناهن عنه . وأصل المبايعة: مقابلة شىء بشىء على سبيل المعاوضة . وسميت المعاهدة مبايعة، تشبيها لها بها، فإن الناس إذا التزموا قبول ماشرط عليهم من التكاليف الشرعية، - طمعا فى الثواب: وخوفا من العقاب، وضمن لهم - صلى الله عليه وسلم- ذلك فى مقابلة وفائهم بالعهد - صار كأن كل واحد منهم باع ما عنده فى مقابل ما عند الآخر : والمقتضى لهذه ومبايعة بعد الامتحان لهن ، أنهن دخلن فى الاسلام ، بعد أن شرع الله - تعالى - ما شرع من أحكام وآداب، .. ، فكان من المناسب أن يأخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - عليهن العهود، بأن يلتزمن بالتكاليف التی کلفهن الله - تعالی - بها. ثم بين - سبحانه - ما تمت عليه المبايعه فقال: «على أن لا يشر كن بالله شيئا ، أى: يبايعتك ويعاهدفك على عدم الإشراك بالله - تعالى - فى أى أمر من الأمور التى تتعلق بالعقيدة أو بالعبادة أو بغيرهما . ٠ ٢((ولا يسرقن ولا يزقين.، أى ويبايعنك - أيضا - على عدم ارتكاب (١) راجع تفسير القرطى -١٨ ص ١٧. وتفسير ابن كثير ــ ٨ ٤٤٦ سورة الممتحنة فاحشة السرقة، أو فاحشة الزنا ، فإنهما من الكبائر التى نهى الله - تعالى عنها . ((ولا يقتلن أولادهن، أى: وبا يعنك كذلك ، على عدم قتلهن لأولا دهن . والمراد به هنا : والنهى عن قتل البقات ، وكان ذلك فى الجاهلية يقع قارة من الرجال، وأخرى من النماء. فكانت المرأة إذا حافت ولادتها حفرت حفرة ، فولدت بجانبها، فإذا ولدت بنا رمت بها فى الحفرة، وسوتها بالتراب ، وإذا ولدت غلاما أبقته . قال ابن كثير: وقوله ولا يقتلن أولادهن، وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء . تطرح نفسها لثلا تحبل، إما لغرض فاسد، أو ما أشبههه)، (١). وقوله: (( ولا يأتين بيهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن)) معطوف على ما قبله ، وداخل تحت النهى . والبهتان: الخبر الكاذب الصريح فى كذبه، والذى يجعل من قيل فيه يقف مبهوتا ومتحيرا من شدة أثر هذا الكذب السافر . والافتراء : اختلاق الكذب واختراع الشخص له من عند نفسه . وللمفشرين فى معنى هذه الجملة الكريمة أقوال منها: أن المرأة فى الجاهلية، كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها: هذا ولدى منك، وذلك هو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهز، لأن الولد إذا وضعته الأم ، سقط بين يديها ورجليها . (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١١٦. نظمه الجزء الثامن والعشرون ٤٤٧ ويرى بعض أن معنى الجملة الكريمة : ولا تأتوا بكذب شنيع تختلقونهمن جهة أنفسكم، فاليد والرجل كهاية عن الذات، لأن معظم الأفعال بهما، ولذا قيل لمن ارتكب جناية قولية أو فعلية: هذا جزاء ما كسبت يداك(١). وقوله - سبحانه -: ((ولا يعصينك فى معروف، من الأقوال الجامعة لكل ما يخبر به النبى - صلى الله عليه وسلم - ويأمر بفعله. أو ينهى عن الاقتراب منه . ويشمل ذلك النهى عن شق الجيوب ، ولطم الخدود، ودعوى الجاهلية. وغير ذلك عن المنكرات التى نهى الإسلام عنها. وقوله - سبحانه - : ((فبايعهن واستغفر لهن الله ... )) جواب ((إذا)) التى فى أول الآية . أى: إذا جاءك المؤمنات قاصدات لمبايعتك على الالتزام بتعاليم الإسلام. فبا يعهن على ذلك .. واستغفر لهن الله - تعالى - عما فرط منهن من ذنوب. ((إن الله غفور رحيم، أى: إن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين . وهذه المبايعة يبدو أنها وقعت منه - صلى الله عليه وسلم - النساء أ کثر من مرة ؛ إذا منها ما وقع فى أعقاب صلح الحديبية، بعد أن جاءه بعض النساء المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الاسلام، كما حدث من أم كلثوم بقت عقبة بن أبي معيط ، ومن سبيعة الأسلمية ، ومن أميمة بنت بشر ، ومن غيرهن من النساء اللاتى تركن أزواجهن الكفار ، وهاجرن إلى دار الاسلام . ومنها ما وقع فى أعقاب فتح مكة، فقد جاء إليه - صلى الله عليه وسلم - بعد فتحها ، نساء من أهلها ليبايعنه على الاسلام. (١) راجع تفسير الآلوسی ۴ ٢٨ م ١٤٨ سورة الممتحنة قال الآلوسي: والمبايعة وقعت غير مرة . ووقعت فى مكة بعد الفتح، وفى المدينة . ومن بايعنه - صلى الله عليه وسلم - فى مكة، هند بنت عتبة، زوج أبى سفيان ... فقرأ عليهن - صلى الله عليه وسلم - الآية، فلما قال ... ((ولا يسرقن) قالت: والله إنى لأصيب الهنة من مال أبى سفيان ولا أدرى أيحل لى ذلك؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شىء فيما مضى فهو حلال لك .. فلما قرأ - صلى الله عليه وسلم - ((ولا يزفين)) قالت: أو تزنى الحرة؟ .. فلما قرأ((ولا يقتلن أولادهن)، قالت: ربيناهم صغاراً، وقتلتهم كبارا، وفى رواية أنها قالت . قتلت الآباء وتوصينا بالأولاد ... فلما قرأ - صلى الله عليه وسلم -:. ولا يأتين بهتان ... , قالت: والله إن البتهان لقبيح، ولا يأمر الله - تعالى - إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فلما قرأ, ولا يعصينك فى معروف، قالت: والله ما جلست مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فى شىء ... والتقييد بالمعروف، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر إلا به، للتنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق فى معصية الخالق . وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر فى حقن ، لکثرة وقوعها فيا بینین ٠٠. ،(١) ، وقد ذكر الإمام ابن كثير ، جملة من الأحاديث التى تدل على أن هذه البيعة قد تمت فى أوقات متعددة ، وفى أماكن مختلفة ، وأنها شملت الرجال والنساء ... ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام أحمد عن سلمى بنت قيس- إحدى (١) تفسير الآلومى = ٢٨ ص ٠٨١ ٤٤٩ الجزء الثامن والمشرون نساء بنى عدى بن النجار - قالت: جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبايعه ، فى نسوة من الأنصار، فشرط علينا: ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا ، ولا فأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف .. ثم قال - صلى اقه عليه وسلم - «ولا تفششن أزواجكن)). قالت: فبإيمناه، ثم انصرفنا. فقلت لامرأة منهن : أرجعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسليه: ما غش أزواجنا ؟ فسألته فقال: ((تأخذ ماله، فتحابى به غيره)). وفى الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مجلس فقال: بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم ... فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا ، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه .(١) . ٠٥ ٠ وكما لفتح - سبحانه - السورة الكريمة بنداء للمؤمنين، نهاهم فيه عن موالاة أعدائه وأعدائهم، اختتمها - أيضا - بنداء لهم ، نهاهم فيه مرة أخرى عن مصافاة قوم قد غضب الله عليهم ، فقال - تعالى - : ((يَأيُّها الذينَ آهُوا لا تَتَولَّوا قَومًا غَضِب الله عَلَيهِم، قَدْ بِئِسُوا مِنَ الْآخِرَة، كما يئِسَ الكُفَّار من أصْحَابِ القُبورِ (١٣) ». والمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم: المشر كون: بصفة عامة، ويدخل فيهم دخولا أوليا اليهود، لأن هذا الوصف كثيرا ما يطلق عليهم. (١) راجع تفسير ابن كثير - ١٢٤. (٢٩ - سورة الممتجنة) ٤٥٠ سورة الممتحنة فقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية ، أن قوما من فقراء المؤمنين، كانوا يواصلون اليهود ، ليصيبوا من ثمارهم، وربما أخبروهم عن شىء من أخبار المسلمين ، فنزلت هذه الآية لتناهم عن ذلك . أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، ينها كم الله - تعالى - عن أن تتخذوا الأقوام الذين غضب الله عليهم أولياء، وأصفياء، بأن تفشوا إليهم أسرار المسلمين . أو بأن تطلعوهم على ما لا يصح الإطلاع عليه ... وقوله - تعالى -: (قد يؤسوامن الآخرة كمايتس الكفار من أصحاب القبور» تعليل للنهى عن موالاتهم . وتنفير من الركون إليهم . واليأس : فقدان الأمل فى الحصول على الشىء، أو فى توقع حدوثه. والكلام على حذف مضاف، أى قد يفس هؤلاء اليهود من العمل للآخرة، وما فيها من ثواب، وآ زروا عليها الحياة الضافية ... كما يئس الكفار من عودة موقام إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء ، لاعتقادهم بأنه لا بعث بعد الموت، ولا ثواب ولا عقاب - كما حكى القرآن عنهم ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى- ((وقالوا أندامتنا وكنا ترابا وعظاما أثنا لمبعوثون)). فالمقصود من الآية الكريمة. تشبه حال هؤلاء اليهود فى شدة إعراضهم عن العمل للآخرة ... بحال أولئك الكفار الذين أنكروا إنكارا تاما ، أن هناك بعنا للأموات الذين فارقوا الحياة ، ودفنوا فى قبورهم . وعلى هذا الوجه يكون قوله - تعالى -: ((من أصحاب القبور)) متعلق بقوله ((يئوا)، و((من)، لابتداء الغاية. ويصح أن يكون قوله - تعالى -: ((من أصحاب القبور، بيانا للكفار ، فيكون المعنى: قد يئسوا من الآخرة، وما فيها من جزاء ... كما يئر الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور، من أن ينالوا شيئا - ولو قليلا - من الرحمة ، أو تخفيف العذاب عنهم ، أو العودة إلى الدنيا ليعملوا عملا صالحا غير لذى أردام واملکهم . ٤٥١ الجزء الثامن والعشرون وعلى كلا القولين ، فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة قوم غضب انه علیهم ، بأبلغ أسلوب ، وأحكم بيان ... حيث وصفت هؤلاء القوم ، بأنهم قد أحاط بهم غضب الله - تعالى - ، بسبب فسوقهم عن أمره، وإعراضهم عن طاعته، وإنكارم للدار الآخرة وما فيها من جزاء . وبعد فهذا تفسير لسورة (( الممتحنة، نسال الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه , وقافعا لعباده ... وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ كتبه الراجي عفوربه القاهرة - مدينة نصر محمد سيد طنطاوى صباح السبت : ٢ من رمضان ١٤٠٦ هـ ١٠ من مايو ١٩٨٦ م تفسير سُورَةِ الصَّفْ بْه ◌َد الرحمن الرحيم مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الصف، من السور المدنية الخالصة، وقد اشتهرت بهذا الاسم منذ عهد النبوة : ٠ فقد أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن سلام قال : تذاكرنا : أيكم بأنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسأله عن أحب الأعمال إلى الله ؟ فلم يقم أحد منا ، فأرسل إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا . جمعنا فقرأ علينا هذه السورة، يعنى سورة الصف كلها »(١). قال الآلوسي : (( وتسمى - أيضا - سورة الحواريين، وسورة عيسى - عليه السلام - . وعدد آباتها أربع عشرة آبة، وكان نزولها بعد سورة («التغابن، وقبل سورة ( الفتح ) . ٢ - وقد افتتحت بتسبيح الله - تعالى - عن كل ما لا يليق به، ثم وجهت نداء إلى المؤمنين نهتم فيه أن يقولوا قولا لم تطابقه أفعالهم، فقال - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون )) . وبعد أن ذكر - سبحانه - جانبا ما قاله موسى - عليه السلام - لقومه، وما قاله عيسى - عليه السلام - لقومه، أقبع ذلك ببيان ماجبل عليه الكافرون من كذب على الحق ومن كراهية لظهور فوره، فقال - تعالى - ((ومن أظلم من افترى على الله الكذب ، وهو يدعى إلى الإسلام ، والله لا يهدي القوم (١، راجع تفسير ابن كثير = ٨ ص ١٣١. - ٤٥٦ - الظالمين، يربدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ) . ٣ - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، دعاهم فيه - بأبلغ أسلوب - إلى الجهاد فى سبيله ، بالأنفس والأموال ، وحضهم على أن يقتدوا بالحواربين فقال:(( يأيها الذين آمنواكونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواربين من أنصارى إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، فآمنت طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم، فأصبحواظاهرين». ٤ - وهكذا نجد السورة الكريمة. تفتتح بتنزيه الله - تعالى - عن كل نقص، وتنهى عن أن تكون الأقوال مخالفة للأفعال ، وتبشر الذين يجاهدون فى سبيل الله - تعالى - بمحبته ورضوانه، وتذم الذين آذوا رسل الله - تعالى- وأفكروا فيوتهم بعد أن جاءوهم بالبينات، وترشد إلى التجارة الرابحة التى توصل إلى الفوز العظيم ... نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى ٢ من رمضان ١٤٠٦ هـ - ١٩٩٦/٥/١٠ م ٤٥٧ الجزء الثامن والعشرون التفسير قال الله - تعالى - سَبِّح ◌ُهِ ما فى السَّمواتِ وما فى الأرْضِ، وهُوَ العَزِيزُ الجَكِيمُ (١) يَأْيُها الذِينَ آمَنُوا لِمَ تقولُونَ مالاَ تَفَعُونَ (٢) كُبُ مَقتَا عِندَ الهِ أنْ تَقُولُوا مالاَ تَفَعَلُونَ (٣) إنَّ اللهَ يُحِبُّ الذِينَ يَقاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ كَأَنَّهُمْ بُفِيَانٌ مَرْصوصٌ (٤)». افتتحت سورة ((الصف)- كما افتتحت قبلها سورة الحديد والحشر - بتنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق به . أى: نزه الله - تعالى - وقدسه، جميع مافى السموات وجميع ما فى الأرض من مخلوقات: وهو - عز وجل - ((العزيز)) الذى لا يغلبه غالب ((الحكيم» فى كل أقواله وأفعاله . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين فقال: ( يأيها الذين آمنو المتقولون مالا تفعلون ... » . وقد ت کروا فی سبب نزول هذه الآبات روایات منها : ما روى عن ابن عباس أنه قال : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لو ددنا أن الله - عز وجل - دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه. إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به . فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين ، وشق عليهم أمره ، فنزات هذه الآيات . . وقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون: فَتَلها، ضربنا طعنا، وفعلنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك(١). (١) راجع تفسير ابن كثير ــ ٨ ص ٠١٢٢ ٤٠٨ سورة الصف والاستفهام فى قوله - تعالى -: «لم تقولون ... ، للإنكار والتوبيخ ، على أن يقول الإنسان قولا لا يؤيده فعله، لأن هذا القول إما أن يكون كذبا، وإما أن يكون خلفا للوعد، وكلاهما يبغضه الله - تعالى -. و((لم)) مركبة من اللام الجارة، وما الاستفهامية، وحذفت ألفه ما الاستفهامية مع حرف الجر، تخفيفا لكثرة إستعمالهما معا، كما فى قولهم: بم، وقيم ، وعم ... أى: يامن آمنتم بالله واليوم الآخر .... لماذا تقولون قولا، تخالفه أفعالكم ، بأن تزعمرا بأنكم لو كلهم بكذا لفعلتموه ، فلما كلفتم به قصر تم فيه، أو بأن تقولوا بأنكم قد فعلتم كذا وكذا، مع أنكم لم تفعلوا ذلك . وناداهم بصفة الإيمان، لتحريك حرارة الإيمان فى قلوبهم ، والتعريض بهم، إذ من شأن الإيمان الحق أن يحمل المؤمن على أن يكون قوله. مطابقا لفعله . وقوله - سبحانه -: « كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون)، بيان. للآثار السيئة التى تترتب على القول الذى يخالفه الفعل. وقوله . ((كبر، بمعنى عظم، لأن الشىء الكبير، لا يوصف بهذا الوصف ، إلا إذا كان فيه كثرة وشدة فى نوعة . والمقت: البغض الشديد، ومنه قوله - تعالى: ((ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا)،. وهومنصوب على التمييز المحول عن الفاعل: للإشعار بأن قولهم هذا مقت خالص لا تشوبه شائبة من الرضا . أى : كبر وعظم المقت الناشىء عن قولكم قولا لانطابقه أفالكم. وقال - سبحانه -: ((كبر مقتا عند الله، للاشعار بشناعة هذا البغض. من الله - تعالى - لهم، بسبب مخالفة قولهم لفعلهم، لأنه إذا كانت هذه الصفة. عظيمة الشناعة عند الله، فعلى كل عاقل أن يجتنبها، ويبتعد عنها. ٤٥٩ الجزء الثامن والعشرون قال صاحب الكشاف ما ملخصة: ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم، وهذا من أفصح الكلام وأبلغه فى معناه . وقصد فى : كبر) التعجب من غير لفظه ... ومعنى التعجب: تعظيم الأمر فى قلوب السامعين ، لأن التعجب. لا يكون إلا من شىء خارج عن نظائره وأشكله . وأسند إلى ((أن تقولوا)، ونصب، مقتا، على تفسيره، للدلالة على أن قولهم مالا يفعلون مقت خالص لاشوب فيه ، لفرط تمكن المقت منه . واختير لفظ المقت، لأنه أشد البغض وأبلغه، ومنه قبل نكاح المقت - وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه - ... وإذا ثبت كبر مقته عند الله، فقد تم كبره وشدته، وانزاحت عنه. الفكوك .... )،(١) . فأنت ترى أن الله - تعالى - ، قد ذم الذين يقولون مالا يفعلون ذماشديدا، ويندرج تحت هذا الذم، الكذب فى القول، والخلف فى الوعد، وحب الشخص للثناء دون أن يكون قد قدم عملا يستحق من أجله الهناء . وبعد أن وبخ - سبحانه - الذين يقولون مالا يفعلون، أتبع ذلك بيان من يحبهم الله - تعالى - فقال: ((إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص». ومحبة الله - تعالى - لشخص، معناها: رضاه عنه، وإكرامه له. والصف يطلق على الأشياء التى تكون منتظمة فى مظهرها ، متناسقة فى أماكنها والمرصوص : هو المتلاصق الذى انضم بعضه إلى بعض. يقال: رصصت البناء ، إذا ألزقت بعضه ببعض حتى صار كالقطعة الواحدة . والمعنى: إن الله - تعالى - يجب الدين بقاتلون فى سبيل إعلاء دينه قتالا شديدا، حتى لكأنهم فى ثباتهم، واجتماع كلمتهم ، وصدق يقينهم .... بنان قد التصق بعضه ببعض ، فلا يستطيع أحد أن ينفذ من بين صفوفه . (١) تفسير الكشاف = ٤ ض ٠٢٣ ٤٦٠ سورة الصف فالمقصود بالآية الكريمة، الثناء على المجاهدين الصادقين ، الذين يثبتون أمام الاعداء وهم يقاتلونهم، ثباتا لا اضطراب معه ولا تزلزل ... قال الإمام الرازى: أخبر أنه - تعالى - أنه يحب من يثبت فى الجهاد، ويلزم مكانه، كثبوت البناء المرصوص . ويجوز أن يكون على أن يستوى أمرم فى حرب عدوهم ، حتى يكونوا فى اجتماع الكلمة: وموالاة بعضهم بعضا، كالبنيان المرصوص ... ))(١) ٠٠٠٠٥ ثم ساق سبحانه - جانبا بما قاله موسى - عليه السلام - لقومه، وكيف أنهم عندما انصرفوا عن الحق، عاقبهم - سبحانه - بما يستحقون من عقاب فقال : (( وإِذْ قَالَ مُوسَى لَقَومِه، يا قومٍ لِمَ تُؤْذُونِى وقَدْ تَعلَونَ أنّى رَسُولُ اللهِ إِليكُم، فلمّا زاغُوا أَزَاغَ الَهُ قلوبهم، والهُ لا يَهدى القومَ الفَاسِقِينَ (٥))). وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، وهو واحد من أولى العزم من الرسل، وينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام - . وقد أرسله الله - تعالى - إلى فرعون وقومه . وإلى بنىإسرائيل،وقد لقى - عليه السلام - من الجميع أذى كثير . ومن ذلك أن فرعون وقومه وصفوه بأنه ساحر ، وبأنه مهين ولا يكاد يبين .... وأن بنى إسرائيل قالوا له عندما أمرهم بطاعته (( سمعنا وعصينا)،، وقالوا (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٣٩. :