النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ الجزء الثامن والعشرون وأبدا، فهو حاضر فى كل ضمير ، غائب بعظمته عن كل حس ، فلذلك تصدع الجبل من خشيته . أى: هو المعبود الذى لا تنبغى العبادة والألوهية إلا له ، الذى لا إله هو، فإنه لا مجانس له ، ولا يليق ولا يصح ، ولا يتصور ، أن يكافئه أو يدانيه شئ .... ) (١) . وقوله: (( عالم الغيب والشهادة، أى: هو - سبحانه - العليم علما تاما بما غاب عن أذهان الخلائق وعقولهم ، وبما هو حاضر ومشاهد أمام أعينهم. فالمراد بالغيب : كل ماغاب عن إحساس الناس وعن مداركهم ... والمراد بالشهادة : ما يشاهدونه بعيونهم ، ويدر كونه بعقولهم .... والتعريف فيهما للاستغراق الحقيقي، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء فى هذا الكون . وقوله - تعالى -: ((هو الرحمن الرحيم)، أى: هو العظيم الرحمة الدائمها . لأن لفظ ((الرحمن)) صيغة مبالغة لكثرة الشىء وعظمته، ولفظ « الرحيم)) صيغة تدل على الدوام والاستمرار . وقوله - سبحانه -: «هو الله الذى لا إله إلا هو ... ، تأكيد لأمر التوحيد : لأن مقام التعظيم يقتضى ذلك . ثم عدد - سبحانه - بعد ذلك بعض أسمائه الحسنى، وصفاته الجليلة فقال: ((الملك)) أى: المالك لجميع الأشياء، والحاكم على جميع المخلوقات، والمتصرف فيها تصرف المالك فى ملکهـ . (( القدوس)) أى: المنزه عن كل نقص، البالغ أقصى ما يتصوره (١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٠٣٢١ (٢٦ - سورة الحشر) ٤٠٢ سورة الحشر العقل فى الطهارة وفى البعد عن النقائص والعيوب ، وعن كل مالا يليق . من القدس بمعنى الطهارة ، والقدس - بفتح الدال - اسم للإناء الذى يتطهر به ، ومنه القادوس . وجاء لفظ القدرس بعد لفظ الملك، للإشعار بأنه - تعالى - وإن كان مالكا لكل شىء ، إلا أنه لا يتصرف فيما يملكه تصرف الملوك المغرورين الظالمين، وإنما يتصرف فى خلقه تصرفا منزها عن كل ظلم ونقص وعيب .. • السلام، أى: ذو السلامة من كل مالا يليق، أو ذو السلام على عباده فى الجنة، كما قال - تعالى -: ((سلام قولا من رب رحيم). ( المؤمن، أى: الذى وهب لعباده نعمة الأمان والاطمئنان، والذى صدق رسله بأن أظهر على أيديهم المعجزات التى تدل على أنهم صادقون فيما يبلغونه عنه . (((المهيمن)) أى: الرقيب على عباده، الحافظ لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، من الأمن، ثم قلبت همزته هاء. وقيل أصله هيمن بمعنى رقيب، فهاؤه أصليه . ((العزيز، أى: الذى يغلب غيره، ولا يتجاسر على مقامه أحد ... ((الجبار، أى: العظيم القدرة، القاهر فوق عباده. قال القرطبى: قال ابن عباس: الجبار: هو العظيم. وجبروت اله عظمته .. وهو على هذا القول صفة ذات ، من قولهم : فخلة جبارة ... وقيل هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم جبر، إذا 1 أصلحته بعد الكسر ، فهو فعال من جبر، إذ أصلح الكسير وأغنى ، الفقير))(١) . ((المتكبر)) أى: الشديد الكبرياء، والعظمة والجلالة، والتنزه عما (١) تغير القرطبى = ١٨ ص ٤٦ ٤٠٣ الجزء الثامن والعشرون لا يليق بذاته، وهاتان الصفتان - الجبار المتكبر - صفتا مدح بالنسبة فه - تعالى -، وصفتا ذم بالنسبة لغيره - تعالى -، وفى الحديث الصحيح عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيما يرويه عن ربه: «الكبریا. ودائى، والعظمة إزارى ، فمن نازعنى فى واحد منهما ، قصمته ثم قذفته فى النار » . (( سبحان الله عما يشركون، أى: تنزه - سبحانه - وتقدس عن إشراك المشركين ، وكفر الكافرين . («هو الخالق)) لكل شىء، الموجد لهذا الكون على مقتضى حكمته .. ((البارى)) أى: المبدع المخترع للأشياء، والمبرز لها من العدم إلى الوجود. « المصور)) أى: المصور للأشياء والمركب لها، على هيئات مختلفة، وأنواع شتى، من التصوير ، وهر التخطيط والتشكيل ... , له. الأسماء الحسنى، والحسنى تأنيث الأحسن، أى: له الأسماء التى هى أحسن الأسماء، لدلالتها على أفضل المعانى، من تحميد، وتقديس ، وقدرة ، وسمع ... وغير ذلك من الأسماء الكريمة، والصفات الجليلة . (((ويسبح له)) - تعالى - وينزهه عن كل سوء «ما فى السموات والأرض ، من مخلوقات . ((وهو العزيز الحكيم)) أى: وهو - عز وجل - الغالب لغيره، الحكيم فى كل تصرفاته . قال الإمام ابن كثير : وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يجب الوتر» ... ثم ذكر - رحمه الله - هذه الأسماء نقلا عن سنن الترمذى فقال: هو الله الذى لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام ، المؤمن، ٤٠٤ ١٠٠ سورة الحشر المهيمن ، العزيز، الجبار المتكبر، الخالق ، البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب ، الرزاق، الفتاح العليم، القابض، الباسط ، الخافض ، الرافع، المعز المذل، السميع ، البصير الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم، الغفور، الشكور)، العلى، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب، الجليل الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم ، الودود. المجيد ، الباعث ، الشهيد، الحق، الوكيل، القوى ، المتين ، الولى، الحميد، المحصى ، المبدى ، المعيد. المحي، المميت، الحى، القيوم، الواحد ، الماجد، الواحد ، الصمد، القادر، المقتدر، المؤخر، الأول، الآخر ، الظاهر )). الباطن، الوالى، المتعالى، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف) مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع ، الغنى المغنى ، المانع، الضار ، النافع ، النور، الهادى ، البديع ، الباقى، الوارث الرشيد الصبور)). ثم قال الإمام ابن كثير : وسياق ابن ماجه - لهذا الحديث - بزيادة ونقصان، وتقديم وتأخير .. والذى عول عليه جماعة من الحفاظ ، أن سرد الأسماء فى هذا الحديث مدرج فيه - أى : ذكر الراوى فى الحديث كلاما لنفسه أو لغيره من غير فصل بين ألفاظ الحديث وألفاظ الراوى - وأن أهل العلم جمعوا هذه الأسماء من القرآن الكريم. ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة فى القسمة والتسعين، بدليل مارواه الإمام أحمد عن ابن مسعود، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم انى عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك، ماض فى حكمك، عدل فى قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك , سميت به نفسك، أو أعلمته أحدا من خلقك، أو أنزلته فى كتابك ... أن تجعل القرآن ربيع قلبى ، وفور صدرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى ، إلا أذهب به همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا . ٤٠٥ الجزء الثامن والعشرون فقيل يارسول الله، أفلا تتعلمها ؟ فقال : بلى: ينبغى لكل من سمعها أن يتملما وذكر أبو بكر بن العربى أن يعضهم جمع من الكتاب والسنة ألف بأسم فه - تعالى -(١). وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الحشر، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا جهه ونافعا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و محبه وسلم . كتبه الراجي عفو ربه القاهرة - مساء الخميس ٢٢ من شعبان محمد سيد طنطاوى ١٩٨٦/٥/١ م تفسير سُورَة المتْجَنَّةَ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الممتحنة)) هى السورة الستون فى ترتيب المصحف، أما ترتيبها فى النزول فكان بعد سورة الأحزاب، وقبل سورة النساء . وهى من السور المدنية الخالصة . وعدد آياتها ثلاثة عشرة آية . واشتهرت بهذا الاسم منذ العهد النبوى ، إلا أن منهم من يقرؤها بفتح الماء، على أنها صفة للمرأة التى نزلت فيها، ومنهم من يقرؤها بكسر الحاء على أنها صفة للسورة . قال القرطبى: الممتحنة - بكسر الحاء - أى: المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة براءة بالفاضحة، لما كشفت من رذائل المنافقين . -ومن قال فى هذه السورة الممتحنة - بفتح الحاء - فإنه أضافها إلى المرأة التى نزلت فيها. وهى أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. قال الله - تعالى -: ((فامتحنوهن اته أعلم بإيمانهن)). وهى امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولدت + إبراهيم بن عبد الرحمن)،(١). وقال صاحب الإتقان: وتسمى ((سورة الامتحان)) و((سورة المودة)). ٢ - وقد افتتحت هذه السورة بتوجيه نداء إلى المؤمنين، نهتهم فيه عن اتخاذ أعداء الله وأعدائهم أولياء ، وبينت لهم ماجبل عليه هؤلاء الأعداء من كرامية للحق، كما بينت لهم سوء عاقبة من يو الى هؤلاء الأعداء .. (١) تفسير القرطى حـ ١٨ ص ٠٤٩ - ٤١٠ - قال - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لانتخذوا عدوى وعدوكم أولياء، تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم، إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى، وابتغاء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ٢٠٠٠. ٣ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى دعوتهم إلى الاقتداء بأبيهم إبراهيم - عليه السلام -، الذى قطع صلته بأقرب الناس إليه ، عندما رآه مصرا على كفره، وأعلن أنه عدو لكل من أشرك مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة أخرى ... قال - تعالى -: ((قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم إنا برها منكم وما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه، لأستغفرن لك، وما أملك لك من الله من شىء، ربنا عليك. توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير ..... ٤ - ثم بشر - سبحانه - المؤمنين، بأنه - بفضله وكر ٩٠ - سيجمع شملهم بأقاربهم الذين تشددوا فى عداوتهم، بأن يهدى هؤلاء الأقارب إلى الحق ، فيتصل حبل المودة بينهم جميعا، ببركة اجتماعهم تحت كلمة الإسلام ، فقال - تعالى -: «عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، والله قدير والله غفور رحيم ... )). ٥ -- وبعد أن رخص للمؤمنين فى مودة الكفار الذين لم يقاتلوهم ولم. يلحقوا بهم أذى ... ونهاهم عن مودة الكفار الذين قانلوهم وآذوم ... بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء ثانيا إلى المؤمنين بين لهم حكم النساء - ٤١١ - اللاتى أتين مؤمنات إليهم ، بعد أن تركن أزواجهن الكفار، وفصل. - سبحانه - هذه الأحكام حرصا على النساء المؤمنات ... فقال - تعالى -: (( يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مواجرات فامتحنوهن، ألقه أعلى بإيمانهن ، فإن علمتمو هن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لاهن حل لهم، ولا م يحلون لهن .... ٦ - ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبايع النساء المؤمنات على ما بايع عليه الرجال ، وأن يأخذ عليهن العهود على الطاعة لله - تعالى -، والبعد عن محارمه ... قال - تعالى -: (( يأيها الفى إذا جاءك المؤمنات يبا يعنك على أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأنين بهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ، ولا يعصينك فى معروف ، فبايعهن واستغفر لهن الله ، إن الله غفور رحيم)). ٧ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتوجيه نداء ثالث إلى المؤسنين، نهاهم فيه مرة أخرى عن موالاة أعداء الله وأعدائهم ... فقال - سبحانه -: « يأيها الذين آمنوا لاتتولوا قوما غضب الله عليهم، قد ينسوا من الآخرة. كما يئس الكفار من أصحاب القبور)). ٨ - هذا والمتأمل فى هذه السورة الكريمة، يراها قد ساقت للمؤمنين. ألوانا من التربية التى تغرس العقيدة السليمة فى قلوبهم، وتجعلهم يضحون من أجلها بكل شىء ، ويقدمونها فى تصرفاتهم على محبة الآباء والأبناء والعشيرة والأموال، وتكشف لهم عن سوء نيات المكافرين نحوثم ، وعن حرصهم على إنزال الضربهم، كما ضربت لهم الأمثال بإبراهيم - عليه السلام - لكى يقتدوا به فى قوة إيمانه، وفى إخلاصه لدينه، كما بينت لهم من يجوز لهم - ٤١٢ - مودتهم من الكافرين، ومن لا يجوز لهم ذلك منهم .. ثم ختمت بيان بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء المؤمنات المنزوجات من الكافرين ، وبالنساء اللائی چٹن إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم- لکی یبايعنه على. الإيمان والطاعة ... وسنفصل القول فى هذه الأحكام خلال تفسيرنا لهذه السورة الكريمة. نسأل الله - تعالى - أن يلهمنا الرشد، وأن يجنبنا الزلل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ القاهرة - مدينة نصر ٢٣ من شعبان سنة ١٤٠٦ هـ د . محمد سيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية ١٩٨٦/٥/٢ م والعربية ٤١٣ الجزء الثامن والعشرون التفسير قال الله - تعالى -: ((يأيُّها الذِينَ آمَنُوا لا تَّخِذُوا عَدُوِّى وعدُوَّ كُم أولياء، تُلْقُونَ إِلَيهم ، بالمودَّةِ، وقد كفَروا بما جَاءَكُم من الحقَّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُول وإيّاكُ أنْ ◌ُؤْمنُوا بالقُرِ رَبُكُم إنْ كُتُم خرجُم ◌ِهاداً فِى سَبِى، وابتغاء مَرْ مَتِى تَسِرُّونَ إليهم بالمودَّةِ، وأنا أَعْلم بما أَخْقَيْتُمْ وما أَغْلنتُم ومَنْ يَفْتَلُهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواء السَّبِيلِ (١) إنْ يَتْقَقُولُ بِكُونَوَا لِكُمْ أعدَاء، ويبْتَطوا إليكُمْ أَيدِيَهُمْ والسِتَهُم بالسُّوء، وَوَدُّوا لو تَكْفُرُونَ (٢) لن تَنَفْعَكُم أرحامُكُم ولا أولاَدُ كُم يومَ القيامةِ، يَفْصِلِ بَيَنكُم، واللهُ بما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ (٣))). . افتتحت سورة (الممتحنة)، بهذا النداء للمؤمنين، وقد تضمن هذا النداء نههم عن موالاة أعداء الله وأعدائهم . وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها. ماذكره الإمام الآلوسى فقال : نزلت فى حاطب بن أبي بلتعة ... فقد أخرج الإمام أحمد ، والبخارى ، ومسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائي ، وابن حبان، وجماعة عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال: بعثنی رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ - وهو مكان بين مكة والمدينة -، فإن بها ظعينة معها كتاب ، خذوه منها فأتونى به . خرجنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها : أخرجى الكتاب ، قالت: مامعى من كتاب. فقلنا: أخرجى الكتاب أو لنلقين ٤١٤ سورة الممتحنة الثياب ، فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة، إلى أناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما هذا ياحاطب))؟ فقال حاطب: لا تعجل على يارسول الله، إنى كنت إنسانا ملصقا فى قريش، ولم أكن منها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاننى ذلك من الفسب فيها، أن اصطنع إليهم يدا، يحمون بها قرابتى، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام. فقال عمر: دعنى يارسول الله أضرب عنقه. فقال - صلى الله عليه وسلم - ((إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فزات هذه الآيات ... ،(١). وقد ذكروا أن هذه القصة كانت فى الوقت الذى أعد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - العدة لأجل العمرة، سنة صلح الحديبية . وقيل كانت هذه القصة فى الوقت الذى تهيأ النبى - صلى الله عليه وسلم - لفتح مكة، وكان من بين الذين علموا ذلك حاطب بن أبي بلتعة . والمراد بالعدو هنا : الأعداء عموما ، ويدخل فيهم دخولا أولياء كفار قريش ، الذين أرسل إليهم حاطب بن أبي بلتعة خطابه ، لكى يحذرهم من مهاجمة المسلمين لهم . والمراد بالهداوة: العداوة الدينية التى جعلت المشركين، يحرصون كل الحرص على أذى المسلمين. أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، (١) راجع تفسير الألوسى - ٢٨ ص ٦٥. وتفسير ابن كثير = ٨ ص ٠١٠٨ ٤١٥ الجزء الثامن والعشرون احذروا أن تتخذوا أعدائ وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء، بل جاهدوم وأغلظوا عليهم، واقطعوا الصلة التى بينكم وبينهم .. ونادأهم بصفة الإيمان؛ لتحريك حرارة العقيدة الدينية فى قلوبهم، وحضهم على الاستجابة لما نهاهم عنه . وقدم - سبحانه - عداوته للشركين ، على عداوة المؤمنين لهم، لأن عداوة هؤلاء المشركين لله - تعالى - أشد وأقبح، حيث عبدوا غير خالقهم، وشكروا غير رازقهم، وكذبوا رسل ربهم وأذوم ... وفى الحديث القدسى: إنى والجن والإنس فى نبأ عظيم. أخلق ويعبد غيرى، وأرزق ويشكر غيرى ... خيرى إلى العباد نازل، وشرهم إلى صاعد، أنحيب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلى بالمعاصى ... )). وعبر - سبحانه - بالإتخاذ الذين هو افتعال من الأخذ، للمبالغة فى نهيهم عن موالاة هؤلاء الأعداء، إذ الاتخاذ يشعر بشدة الملابسة والملازمة . والمفعول الأول لقوله ((تتخذوا، قوله: ((عدوى)) والمفعول الثانى قوله : (( أولیاء)). وقوله - سبحانه -: ((تلقون إليهم بالمودة)) تفسير وتوضيح لهذه الموالاة التى نهوا عنها. أو فى موضع الحال من ضمير (( لاتتخذوا)). وحقيقة الإلقاء : قذف ما فى اليد على الأرض أو فى الفضاء، والمراد به هنا: إيصال ما يدخل السرور على قلوب أعدائهم . والباء فى قوله: ((بالمودة» لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله . أى: احذروا أن تعاملوا أعدائى وأعداءكم معاملة الأصدقاء والحلفاء ، بأن تظهر والهم المودة والمحبة . ٤١٦ سورة الممتحنة ويصح أن تكون الباء للسببية فيكون المعنى: تلقون إليهم بأخباركم التى لا يجوز لكم إظهارما لهم ، بسبب مودتكم لهم . وقد ذكروا أن حاطبا أرسل بهذه الرسالة إلى أهل مكة ، عندما تجهز النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للذهاب إليها لأجل العمرة عام الحديبية، أو لأجل فتح مكة ... قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ((تلقون)) بم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يتعلق بقوله: ((لا تتخذوا، حالا من ضميره ... وبجوز أن يكون استثمانا ... والإلقاء: عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم . . قال: ألقى إليه خراشى صدره - أى أسرار صدره -، وأفضى إليه بقدوره. والباء فى «بالمودة)) إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها فى قوله: « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف، ومعناه: تلفون إليهم أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب المودة التى بينكم وبينهم ... ، !! ). ثم ساق - سبحانه - الأسباب التى من شأنها أن تحمل المؤمنين على عدم. موالاة أعداء الله وأعدائهم، فقال: ((وقد كفروا بما جاءكم من الحق، أى: لا تتخذوا - أيها المؤمنون - هؤلاء الأعداء أولياء، وتلقون إليهم بالمودة، والحال أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بما جاءكم على لسان رسولكم - صلى الله عليه وسلم - من الحق الذى يتمثل فى القرآن الكريم، وفى كل ما أوحاه - سبحانه - إلى رسوله . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥١٢ ٤١٧ الجزء الثامن والعشرون فالمقصود من هذه الجملة الكريمة. تصوير حال هؤلاء الكافرين، بما ينفر المؤمنين من إلقاء المودة إليهم. وهى حال من فاضل ، تلقون)). وقوله - تعالى -: ((يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم)) بيان لسبب آخر من الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مقاطعة أعدائهم الكافرين . وجملة: (( يخرجون الرسول، يصح أن تكون مستأنفة لبيان كفرم، أو فى محل نصب من فاعل («كفروا،، وقوله: ((وإياكم)) معطوف على الرسول، وقدم عليهم على سبيل التشريف لمقامه - صلى الله عليه وسلم - ، وجملة , أن تؤمنوا، فى محل نصب مفعول لأجله. أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بكفرهم بما جاءكم - أيها المؤمنون - من الحق ، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة إخراج رسولكم - صلى الله عليه وسلم - وإخراجكم من مكة، من أجل إيمانكم بالله ربكم، وإخلاصكم العبادة له - تعالى - . وأسند - سبحانه - محاولة الإخراج إلى جميع الأعداء، لأنهم كانوا أ راضين بهذا الفعل، ومتواطئين على تنفيذه، بعضهم عن طريق التخطيط له، وبعضهم عن طريق التنفيذ الفعلى . والمتأمل فى هذه الجمل الكريمة، يراها قد ساقت أقوى الأسباب وأعظمها، التشنيع على مشركى قريش، ولإهاب حماس المؤمنين ((من أجل عدم إلقاء المودة إليهم . وجواب الشرط فى قوله - تعالى -: « إن كنتم خرجتم جمادا فى سبيلى وابتغاء مرضانى ... ، محذوف لدلالة ماقبله عليه . أى: إن كنتم - أيها المؤمنون - قد خرجتم من ٠كه من أجل الجهاد فى ( ٢٧ - سورة الممتحنة ) ٤١٨ سورة الممتحنة : سبيلى، رمن أجل طلب مرضات، فاركو اتخاذ عدوى وعدوكم أولياء، واتركوا مودتهم ومصافاتهم. فالمقصود من الجملة الكريمة، زيادة الهميج للمؤمنين، حتى لا بقى فى قلوبهم أى شىء من المودة نحو الكافرين. وقوله سبحانه -: « تسرون إليهم بالمودة، بدل من قوله تعالى - قبل ذلك: ((تلقون إليهم بالمودة، بدل بعض من كل، لأن إلقاء المودة. أعم من أن تكون فى السر أو فى العلن . ويصح أن يكون بدل اشتمال، لأن الإسرار إليهم بالمودة، ما اشتمل عليه إلقاء المودة إليهم . وهذه الجملة جىء بها على سبيل العتاب والتعجيب من فى قلبه مودة لهؤلاء الكافرين، بعد أن بين الله تعالى - له، ما يوجب قطع كل صلة بهم . ومفعول ((أسرون)) محذوف. أى: ترسلون إليهم أخبار المسلمين مرا، بسبب مودتكم لهم؟ وجملة:، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، هى مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء، أو من يسر إليهم بالمودة. وهى حالية من فاعل ((تلقون وتسرون)). أى : تفعلون ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم، ومن إمراركم بها إليهم، والحال أبى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه فى قلوبكم، وما أعلنتموه، ويخبر رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بذلك ... ومادام الأمر كذلك، فكيف أباح بعضكم لنفسه، أن يطلع عدوى وعدوكم على ما لا يجوز إطلاعه عليه ؟! ٤١٩ الجزء الثامن والعشرون قال الآلوسي: قوله: (« وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، فى موضع الحال و((أعلم، أفعل تفضيل. والمفضل عليه محذوف، أى: منكم ... و((ما، موصولة أو مصدرية، وذكر, ما أعلنتم، مع الاستغناء عنه، للاشارة إلى تساوی العلمین فی علمه - عز وجل . . ولذا قدم (( ما أخفيتم)، وفى هذه الحال إشارة إلى أنه لاطائل لهم فى اسرار المودة إليهم، كأنه قيل: تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، ومسلع رسولى على ما تسرون ، فأى فائدة وجدوى لكم فى الإمرار؟،(١) ، ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بيان سوء عاقبة من يخالف أمره فقال , ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل)). والضمير فى قوله: ((يفعله» يعود إلى الإتخاذ المفهوم من قوله « لاتتخذوا)) ... أى: ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوى وعدوكم أولياء، ويلقى إليهم بالمودة فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وضل عن الصراط المستقيم . ثم بين - سبحانه - حال هؤلاء الأعداء عندما يتمكنون من المؤمنين فقال: ((إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألتهم بالسوء، وودوا لو تكفرون)). ومعنى («يثقفوكم، يظفروا بكم، ويدر كوا طلبتهم منكم. وأصل الثقف: الحذق فى إدراك الشىء وفعله، ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الفهم، ويقال: نقفت الرجل فى الحرب إذا أدر كته وظفرت به ... أى إن يظفر بكم هؤلاء الأعداء - أيها المؤمنون -،ويتمكنوا منكم، يظهروا (١) تفسير الآلوسى = ٢٨ ص ٦٨ : ٤٢٠ سورة الممتحنة ٢٣٣٠ ٣ لكم ما انطوت عليه قلوبهم محوكم من بغضاء ، ولا يكتفون بذلك ، بل يمدون إليكم أيديهم بما يضركم، وألسنتهم بما يؤذيكم ... ثم هم بعد كل ذلك يودون ويتمنون أن تصيروا كفارا مثلهم ... فأنت ترى أن الآية الكريمة ، قد وضحت أن هؤلاء المكافرين، قد سلكوا فى عداوتهم للمؤمنين كل مسلك ، فهم عند تمكنهم من المؤمنين يظهرون حقدهم القديم ، ويؤذونهم بأيديهم وألسنتهم ، ويتمنون فى جميع الأحوال ، أن يرد هم بعد إيمانهم كافرين . وقال - سبحانه -: ((ويسطوا إليكم ... ، للاشعار بكثرة ما ينزلونه بالمؤمنين من أذى. إذ التعبير بالبسط يدل على الكثرة والسعة. وقوله: ((وودوا لو تكفرون)) معطوف على جملة الشرط والجزاء ، ويكون - سبحانه - قد أخبر عنهم بخبرين : أحدهما: ما تضمنته الجملة الشرطية من عداوتهم للمؤمنين . وثانيهما : تمنيهم ارتدادهم من الإيمان إلى الكفر . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله. ثم قال: ((وودوا، بلفظ الماضى ؟ قلت: الماضى وإن كان يجرى فى باب الشرط مجرى المضارع فى عـ الإعراب . فإن فيه نكته ، كأنه قيل: وودوا قبل كل شىء كفركم وارتدادك يعنى: أنهم يريدون أن يلحنوا بكم مضار الدنيا والدين جميعاً. من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض ، وردكم كفارا . وهذا الرد إلى الكفر أسبق المضار عندهم وأولها، لعلهم أن الدين أعر عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه . والعدو أهم شىء عنده. أن يقصد أعز شىء عند صاحبه،(١). (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥١٣