النص المفهرس
صفحات 341-360
٢٤١ الجزء الثامن والعشرون ولم يعين مقدار الصدقه، ليجزىء القليل والكثير . أخرج الترمذى عن على بن طالب قال: (( لما نزلت، يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بین یدی نجو ا کم مد قه .. ، قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((ما ترى فى دينار، قلت: ؛ لا يطيقونه, قال: ((نصف دينار قلت: لا يطيقونه. قال: (( فكم ، ؟ قلت: شعيرة . قال : « فإنك لزهيد)). فلما نزلت: ( أ أشفقم أن تقدموا ..... ، قال - صلى الله عليه وسلم - « خفف الله عن هذه الأمة، ولم يعمل بها على المشرور - غير على - كرم اه وجهه .... - وإختلف فى مدة بقاء هذا الأمر. أى الأمر بتقديم الصدقه - : فعن مقاتل : عشرة أيام . وقال قتادة: ساعة من نهار .... (١) وقال بعض العلماء : والآية الناسخه متأخرة فى النزول، وإن كانت قاليه الآية المنسوخة فى التلاوة . والظاهر - والله أعلم - أن الحادثة من باب الابتلاء والامتحان، ليظهر الناس محب الدنيا من محب الآخرة، والله بكل شيء عليم، (٢) وقال أحد العلماء: ((ولا يشتم من قوله - تعالى -: ( أأشفقْ أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقه ... ». أن الصحابه قد وقع منهم تقصير . فان التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت هناك مناجاة لم تصحبها صدقه، والآيه قالت: « فإذالم تفعلوا)، أى: (١) راجع تفسير الآلوسى = ٢٨ ص ٣١ (٢) صفوة البيان ج ٢ ص ٤١٢ لفضيله الشيخ حسنين محمد مخلوف ٣٤٢ = سورة المجادلة ما أمرتم به من الصدق، وقد يكون عدم الفعل ، لأنهم لم يناجوا، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا . وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم ، فلا يدل على تقصيرهم ، فقد يكون انه - تعالى - علم أن كثيرا منهم إستكثر التصدق عند كل مناجاة فى المستقبل لودام الوجوب ، فقال الله - تعالى - لهم: أأشفقتم . وكذلك ليس فى قوله ((وتاب عليكم)) ما يدل على أنهم قصروا. فإنه يحمل على أن المعنى انه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا. ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة .. ، (١) ٥ ٥٫ ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن المنافقين وأشباههم ، فتصور أحوالهم ، وتبين سوء مصيرهم، وتكشف القناع عن الأسباب التى أدت بهم إلى الخسران والهلاك ، فقال - تعالى -: ((أَلَمْ تَرَ إلى الذينَ تولّا قوماً غَضِبَ اللهُ عَلَيهِمْ، ماهُ مِنكُم ولا مِنْهُم، ويحلِفُونَ على الكذبِ وهُمْ يعلّمُونَ (١٤) أعدَّ اللهُ لهم عَذَابًا شَدِيداً إِنَّهُم ساء ما كانُوا يَعملُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُم جُنَّةً فَصِدُوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُبِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُم أَمْوالُهم ولا أَولادُهُم مِنَ اللّهِ شَيْئًا، أُولَئِكَ أصْحَبُ النَّارِهُمْ فيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَيْثُمَ اللهُ جميعً فَيَحلِفُونَ لهُ كَمَا يُحِلِفُونَ لَكُمْ، ويَحْسِبُونَ أنَّهُم عَلَى شىءٍ، أُلاَإِنَّهِمُ مُمُ الكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحوذٌ عليهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْسَاهُم ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِبُ الشَّيْطَانِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُ الْخَاسِرُنَ (١٩))). (١) تفسير آيات الأحكام - ٤ ص ١٣٣ ٣٤٣ الجزء الثامن والعشرون والاستفهام فى قوله - تعالى -: ألم تر إلى الذين تولوا ... ، للتعجيب من حال هؤلاء المنافقين، حيث إنخذوا اليهود حلفاء لهم، يتفلون إليهم أسرار المؤمنين ... أى: ألم يفته إلى علمك - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين، الذين إنخذوا اليهود أولياء، ينا صحونهم ويطلعونهم على أخباركم . فالمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم: اليهود . ووصفه بذلك للتنفير منهم، وليان أن المنافقين قد بلغوا النهاية فى القبح والسوء، حيث والوا وفاصروا من غضب الله عليهم، لا من - رضى الله عنهم. ثم دمغ - سيحا 4 - هؤلاء المنافقين برذيله أخرى فقال: «ماهم منكم ولا منهم، أى: أن هؤلاء المنافقين بمسلكهم هذا، صاروا بمنزلة الذين ليسوا منكم - أيها المؤمنون - وليسوا - أيضا - منهم - أى من اليهود . وإعاهم دائما لا مبدألهم ولا عقيدة، فهم كما قال - تعالى - ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .. )) وفى الحديث الشريف: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين - أى المترددة بين قطيعين . لاتدرى أيهما تتبع،. قال الجمل: وقوله: (( ما هم منكم ولا منهم، فيه أوجه : أحدهما : أن هذه الجمله مستأنفة لا محل لهامن الإعراب، فقد أخبر عنهم بأنهم ليسوامن المؤمنين الخلص، ولا من الكافرين الخاص، بل هم كقوله - تعالى -: ((مذبذبين بين ذلك .. ، ١ والضمير فى قوله ((ما هم، يعود على المنافقين، وفى قوله (، منهم)) يعود علی البهود . الثانى: أنها حال من فاعل «قولوا، والمعنى ما تقدم. ٢٤٤ سورة المجادلة الثالث: أنها صفة ثانية لقوله ((قوما))، وعليه يكون الضمير فى قوله : (( ما هم، يعود على اليهود، والضمير فى قوله: «منهم يعود على المنافقين. يعنى: أن اليهود ليسوا منكم - أيها المؤمنون - ولامى المنافقين. ومع ذلك قولاهم المنافقون، ... إلا فى هذا الوجه تنافر بين الضمائر ، فإن الضمير فى ((ويحلفون، عائد على المنافقين؛ وعلى الوجهين الأولين تتحد الضمائر، (١) ثم دمغهم - سبحانه - برذيله ثالثة أشد ذكرامن سابقتها فقال:«ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ، أى: أنهم ينقلون إلى اليهود أسرار المؤمنين، مع أنهم لا تربطهم باليهود أية رابطة، لا من دين ولا من نسب ... وفضلا عن كل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين يواظبون ويستمرون على الحلف الكاذب المخالف للواقع ، والحال أنهم يعلمون أنهم كاذبون علما لا يخالطه شك أو ريب. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذم هؤلاء المنافقين، بجملة من الصفات القبيحة ، التى على رأسها تعمدهم الكذب ، وإصرارهم عليه . قال صاحب الكشاف: قوله: « ويحلفون على الكذب ، أى: يقولون: والله إنا لمسلمون، فيحلفون على الكذب الذى هو إدعاء الإسلام .وم یدون، أن المحلوف علیه کذب بحت . فإن قلت: فما فائدة قوله: ((وهم يعلمون))؟ قلت: الكذب أن يكون لا على وفاق الخبر عنه، سواء على الخير أم لم يعلم. فالمعنى أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه ، وهم عالمون بذلك متعمدون له ، كمن يحلف بالغموس ... )، (١) (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٣٠٨ (٢) تفسير الکشاف ج ٤ ص ٧٧ ٢٤٥ الجزء الثامن والعشرون وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها نزلت فى رجل يقال له: عبد الله بن نبتل - وكان من المنافقين الذين بجالمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يرفعون حديثه إلى اليهود - وفى يوم من الأيام كان - صلى الله عليه وسلم - جالسا فى إحدى حجراته، فقال لمن حوله: «يدخل عليكم الآن رجل قلبه جبار، وينظر بعينى شيطان، ، فدخل ابن نبتل . - وكان أزرق أسمرا قصيرا خفيف الحية -، فقال له - عسلى الله عليه وسلم - « علام تشتمنى أنت وأصحابك،؟ تخلف بالله ما فعل ذلك. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فعلت)) فانطلق فجاء بأصحابه، خلفوا بالله ماسبره. فنزلت هذه الآية، (١) ومن الآيات الكثيرة التى صرحت بأن المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة على سبيل التعمد، قوله تعالى -: وسيحلفون بالله لو إستطعنا لخرجنا معكم، هلكون أنفسهم، والله يعلم إنهم لكاذبون، (٢) ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عذاب فقال : . أعد الله لهم عذابا شديدا ... ، أى: هيأ الله - تعالى - لهؤلاء المنافقين عذابا قد بلغ النهاية فى الشدة والألم ... وجملة (« إنهم ساء ما كانوا يعملون)، تعليل المزول العذاب الشديد بهم. أى: أن هذا العذاب الشديد المهيأ لهم ، سببه سوء أعمالهم فى الدنيا ، واستحبابهم العمى على الهدى . وقوله - سبحانه -: ((اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ... )) بيان لرذيلة رابعة أو خامسة ، لا تقل فى قبحها عما سبقها من رذائل ، وقوله : (( أيمانهم) جمع يمين بمعنى الحلف. (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٣٠٤ (٢) سورة التوبة. الآية ٤٢ ٣٤٦ سورة المجادلة وقوله: ((جنة)) من الجَنِّ بمعنى الستر عن الحاسة، وهذه المادة وما اشتق منها تدور حول الستر والخفاء . وتطلق الجنة على الترس الذى يضعه المقاتل على صدره أو على ذراعيه ليتقى به الضربات من عدوه . ومفعول : «فصدوا. محذوف للعلم به. أى: أن هؤلاء المنافقين قد اتخذوا أيمانهم الكاذبة، وهى حلفهم للمسلمين بأنهم معهم، وبأنهم لا يضمرون شرالهم ... اتخذوا من كل ذلك وقاية وسترة عن المؤاخذة، كما يتخذ المقاتل الترس وقاية له من الأذى ... «فصدو!، الناس ((عن سبيل الله، أى: عن دينه الحق، وطريقه المستقيم . ((فلهم عذاب مهين ، أى : فترتب على تسترهم خلف الأيمان الفاجرة ، وعلى صدهم غيرهم عن الحق ، أن أعد الله - تعالى - لهم عذابا يهيتهم ويذلهم. وقوله - سبحانه -: ((لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ... » رد على ما كانوا يزعمونه من أنهم لن يعذبوا، لأنهم أكثر أموالا وأولاداً من المؤمنين . قال القرطبى : قال مقاتل: قال المنافقون إن محمداً بزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذا . فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأمولانا إن كانت قيامة. قزلت، !! ). ومن المعروف أن عبد الله بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - ، كان من. أغنياء المدينة ، وكان يوطن نفسه على أن يكون رئيسا للمدينة قبيل الإسلام، وهو القائل - كما حكى القرآن عند -: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، ... (١) تفسير القرطبي = ١٧ ص ٢٠٥ ٣٤٧ الجزء الثامن والعشرون أى: أن هؤلاء المنافقين المتفاخرين بأموالهم وأولاده، أن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا من الغناء، ((( وأولئك، المنافقون هم ، أصحاب النار هم فيها خالدون، خلودا أبديا. ثم بين - سبحانه - حالهم يوم القيامه، وأنهم سيكونون على مثل حالهم فى الدنيا من الكتب والفجور ... فقال - تعالى -: «يوم يبعثهم اته جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ، ويحسبون أنهم على شىء، ألا إنهم م الكاذبون )) .. أى: اذكر - أيها الرسول الكريم - يوم يبعث الله - تعالى - هؤلاء المنافقين جميعا للحساب والجزاء، ((فيحلفون، لله. تعالى - فى الآخرة بانهم مسلمون ((كماء كانوا ((يحلفون لكم)) فى الدنيا بأنهم مسلمون ... (((ويحسبون، فى الآخرة - لغبائهم وانطماس بصائرهم , أنهم)) بسبب تلك الأيمان الفاجرة ((على شىء، من جلب المنفعة أو دفع المضرة. أى: يتوهمون فى الآخرة أن هذه الأيمان قد تنفعهم فى تخفيف شىء من العذاب عنهم . (( ألا إنهم هم الكاذبون، أى: الذين بلغوا فى الكذب حدا لا غابة وراءه ... فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن هؤلاء المنافقين فى الدنيا ، قد بعثوا والنفاق ما زال فى قلوبهم ، وسلوكهم القبيح ما دام متلبسا بهم ... فهم لم يكتفوا بكذبهم على المؤمنين فى الدنيا، بل وفى الآخرة - أيضا - يحلفون الله - تعالى - بأنهم كانوا مسلمين . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((°م لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين))(١). (١) سورة الأنعام الآية ٢٣ ٣٤٨ سورة المجادلة وقوله - سبحانه -: ((ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون))(١). ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : یعنی لیس العجب من حلفهم لكم - فى الدنيا بأنهم مسلمون - فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر ... ولكن العجب من حلفهم فله عالم الغيب والشهادة - بأهم كانوا مسلمين فى الدنيا ... والمراد وصفهم بالتوغل فى نفاقهم، ومرونهم عليه، وأن ذلك بعد موقهم وبعثهم افى فيهم لا يضمحل ،(٢). وقال بعض العلماء ماملخصه: وقوله: ((ويحسبون أنهم على شىء)، حذفت صفة شىء، لظهور معناها من المقام. أى: ويحسبون أنهم على شىء نافع. وهذا يقتضى توغلهم فى النفاق، ومرونتهم عليه ، وأنه باق فى أرواحهم بعد بعثهم ، لأن نفوسهم خرجت من الدنيا متخلقة به، فإن النفوس إن) تكتسب تزكية أو خبها فى عالم التكليف. وفى الحديث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: إن رجلا من أهل الجنة يستأذن ربه أن يزرع، فيقول الله له: أو لست فيما شقت؟ قال : بلى ياربى ولكن أحب أن أزرع، فأسرع وبذر، فيبادر الطرفَ نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال . وكان رجل من أهل البادية عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله لا نجد هذا الرجل إلا قرشيا أو أنصاريا، فإنهم صحاب زرع، فأما نحن - أى أهل البوادى - فلسنا بأصحاب زرع. فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - إقرارالما فهمه الأعرابى. (١) سورة الأنعام الآية ٢٨. (٢) تفسير الكشاف - ٤ ص ٠٧٨ ٣٤٩ الجزء الثامن والعشرون وفى حديث جابر بن عبد الله الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: يبعث كل عبد على مامات عليه. قال عياض: هو عام فى كل حالة مات عليها المرء وقال السيوطى. يبعث الزمار مز ماره، وشارب الخر بقدحه . قلت: « ثم تتجلى لهم الحقائق على ماهى عليه، إذ تصير العلوم على الحقيقة ،(١) . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت المنافقين ينغمسون فى نفاقهم فقال: «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ..... وقوله: ((استحوذ، من الحوذ، وهو أن يقبع السائق حاذبى البعير. أى: أدبار خذه ثم يسوقه سوقا عنيفا، لايستطيع البعير الفكاك منه .. والمراد به هنا : شدة الاستيلاء والغلبة ... ومنه قول السيدة عائشة فى عمر - رضى الله عنهما -: «كان أحوذيا، أى: كان ضابطا للأمور ، ومستوليا عليها استيلاء قاما ... والمعنى: إن هؤلاء المنافقين قد استولى عليهم الشيطان استيلاء تاما، بحيث صيرهم تابعين لوساوسه وتزيينه، فهم طوع أمره، ورهن إشارته، فترقب على طاعتهم له أن أنساهم طاعة الله - تعالى -، وحسابه، وجزاءه، فعاشوا حياتهم يتركون ماهو خير، ويسرعون نحو ماهو شر .. , أولئك، الموصوفون بتلك الصفات القبيحة (( حزب الشيطان)) أى: جنوده وأتباعه (( ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)) خسارة لا تقاربها (١) راجع تفسير التحرير والتنوير حـ ٢٨ ص ٥٣: للشيخ محمد الطاهر إن عاشور . ٣٥٠ سورة المجادلة خسارة، لأنهم آثروا العاجل على الآجل، والفانى على الباقى، والضلال على الهدى ... ٠ ٥ ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بيان سنة من سننه فى خلقه، وهى أن الذلة والصغار لأهل الباطل، والعزة والغلبة لأهل الحق ... الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه ، فقال - تعالى -: ((إنَّ الذين يُحَدُّونَ اللهَ ورسولَه أُولئِكَ فى الأذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللّهُ لْأَغْلِيَنَّ أَنَ وَرُسُلِى إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عزِيزٌ (٢١) لا تجِدُ قوماً يُؤْمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُونَ من حَادَّ اللهَ ورسولُهُ؛ ولو كانُوا آبَهُ أو أَبْناهُ أو إِخْوَانَهُم أو عَشِيرَتَهُم ، أولئِكَ كَتَبَ فى قُلُوبِهِم الإيمانَ وأَيَّدَمُ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَيُدخلُهم جنَّاتٍ تَجِرِى مِنْ تَحْتِما .الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهاَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، أَوَائِكَ حِزْبُ اللهِ ألاَ إنَّ حِزْبَ اللّهِ ثُمُ المفلِحُونَ (٢٢) » أى: إن الذين يحادون دين الله - تعالى -، ويحاربون ماجاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - «أولئك الذين يفعلون ذلك ... (( فى الأذلين ، أى: فى عداد أذل خلق الله - تعالى -: وهم المنافقون ومن لف لفهم ، من الكافرين وأهل الكتاب . وقال - سبحانه -: ((أولئك فى الأذلين)) للإشعار بأنهم مظروفون وكائنون ، فى ذروة أشد خلق الله ذلا وصغارا ... ثم بشر - سبحانه - من هم على الحق بأعظم البشارات فقال: « كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عريز». ٣٥١ الجزء السابع والعشرون أى: أثبت الله - تعالى - ذلك فى اللوح المحفوظ وقضاء، وأراد وقوعه فى الوقت الذى يشاؤه . فالمراد بالكتابة: القضاء والحكم، وعبر بالكتابة، المبالغة فى تحقق الوقوع . وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية، أنه لما فتح الله - تعالى - للمؤمنين ما فتح من الأرض، قال المؤمنون: إنا لنرجوا أن يفتح الله لنا فارس والروم . فقال بعض المنافقين: أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التى تغلبتم عليها، والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطها، من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت . قال الألوسى: (( كتب الله)) أى: أثبت فى اللوح المحفوظ، أو قضى وحكم ... وهذا التعبير جار مجرى القسم، ولذا قال - سبحانه -: ((لأغلبن أنا ورسلى، أى: بالحجة والسيف وما يجرى مجراه، أو بأحدهما ... )،(!). ((إن الله قوى)) على نصر رسله وأوليائه , عزيز، لا يغلبه غالب بل هو القاهر فوق عباده . والمقصود بالآية الكريمة: تقرير سنة من سننه - تعالى - التى لا تتخلف، وأن النصر سيكون حليفا لأوليائه ، فى الوقت الذى علمه وأراده ... وشبيه بهذه الاية قوله - تعالى -: «إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» (٢). وقوله - تعالى -: ((ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون)،(٢). (١) تفسير الآلوسي = ٢٨ ص ٣٤ (٣) سورة الصافات الآية : ١٧ - ١٧٣ (٢) سورة غافر الآية: ٥ ٣٥٢ سورة المجادلة ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة لصفات المؤمنين الصادقين فقال: ((لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوأدون من حاد أقه ورسوله ... )). وقوله: ((يوادون)) من الموادة بمعنى حصول المودة والمحبة . أى : لاتجد - أيها الرسول الكريم - قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان، يوالون ويحبون من حارب دين الله - تعالى - وأعرض عن هدى رسوله . والمقصود من هذه الآية الكريمة النهى عن موالاة المنافقين وأشباههم، وإنما جاءت بصيغة الخبر، لأنه أقوى وآكد فى التنفير عن موالاة أعداء الله، إذ الإتيان بصيغة الخبر تشعر بأن القوم قد امتثلوا لهذا النهى، وأن الله - تعالى - قد أخبر عنهم بذلك . وافتتحت الآية بقوله: ((لا تجد قوما ... )، لأن هذا الافتتاح يثير شوق السامع لمعرفة هؤلاء القوم. وقوله: ((ولو كانوا آباءهم ... ، تصريح بوجوب ترك هذه الموادة لمن حارب الله ورسوله، مهما كانت درجة قرابة هذا المحارب. أى : من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله، ولو كان هؤلاء الأعداء . .آباءهم، الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم « أو أبناءهم، الذين هم قطعة منهم . ((أو إخوانهم)) الذين تربطهم رابطة الدم ((أو عشيرتهم)) التى ينتسبون إليها، وذلك لأن قضية الإيمان أن تقدم على کل شی . . وقدم الآباء لأنهم أول من تجب طاعتهم ، وثنى بالأبناء لأنهم ألصق الناس بهم، وثلث بالإخوان لأنهم الناصرون لهم، وختم بالعشيرة لأن التناصر بها بأتى فى نهاية المطاف . ٣٥٣ . الجزء الثامن والعشرون ثم أثنى - سبحانه - على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يوالوا أعداء الله مهما بلغت درجة قرابتهم فقال: ((أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان .. )). أى: أولئك الذين لا يوادون أعداء الله مهما كانوا، هم الذين كتب الله - تعالى - الإيمان فى قلوبهم ، فاختلط بها واختلطت به ، فصارت قلوبهم لاتحب إلا من أحب دين الله، ولا تبغض إلا من أبغضه. , وأيدهم بروح منه، أى: وثبتهم وقواهم بغور من عنده - سبحانه- ، فصاروا بسبب ذلك أشداء على الكفار ، رحماء بينهم. (((ويدخلهم)) - سبحانه - يوم القيامة ( جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، خلوداً أبديا . . رضى الله عنهم، بسبب طاعهم له «ورضوا عنه، بسبب ثوابه لهم . , أولئك، الموصوفون بذلك (( حزب الله)) الذي يشرف من ينتسب إليه . (( ألا أن حزب الله م المفلحون، فلاحا ونجاحا نيســــ دهما فلاح أو نجاح. وقد ذكروا روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية الكريمة ، منها: أنها نزلت فى أبى عبيدة عامر بن الجراح ، فقد قتل أباه - وكان كافرا- فى غزوة بدر ... والآية الكريمة تصدق على أبى عبيدة وغيره من حاربوا آإ.م وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم، عندما استحب هؤلاء الآباء والأبناء الكفر على الإيمان. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب عدم موالاة الكفار والفساق والمنافقين والمجاهرين بارتكاب المعاصى ... مهما بلغت درجة فرآبتهم، ومهما كانت منزلتهم ... ( ٢٣ - سورة المجادلة) ٣٥٤ سورة المجادلة ومن دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((اللهم لا تجعل الفاجر ولا الفاسق عندى يدا ولا نعمة ... )(١). وبعد فهذا تفسير لسورة ((المجادلة، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعًا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ ٠٠٠ قطر - الدوحة مساء الجمعة . كتبه الراجى عفو ربه غرة شعبان سنة ١٤٠٦ هـ محمد سيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية العربية ١٩٨٦/٤/١١ م ٠ (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٣٠. تفسير سُوُرَة الجَنْت البيئي مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الحشر، من السور المدنية الخالصة، وقد عرفت بهذا الاسم منذ العهد النبوى. وسماها ابن عباس بسورة ((بنى النضير))، فقد. أخرج البخارى عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر. قال: ((سورة بنى النضير، ولعل ابن عباس - رضى الله عنهما - سماها بهذا الاسم لحديثها المفصل عن غزوة بنى النضير . -٢ - وعدد آياتها أربع وعشرون آية، وكان نزولها بعد سورة («البيئة» وقبل سورة (( النصر ، أى : أنها تعتبر من أواخر مانزل على النبى - صلی اقه عليه وسلم - من سور قرآنية، فهى السورة الثامنة والتسعون فى ترتيب النزول . أما ترتيبها فى المصحف ، فهى السورة التاسعة والخمسون . ٣ - وقد افتتحت سورة (( الحشر ، بتنزیه اله - تعالى - عما لا يليق به ، ثم تحدثت عن غزوة بنى «النضير»، فذكرت جانبا من نصره لعباده المؤمنين، ومن خذلانه لأولئك الضالين .... قال - تعالى -: ((هو الذى أخرج الذين كفروا من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ، فأتاهم ألقه من حيث لم يحتسبوا، وقذف فى قلوبهم الرعب ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين ، فاعتبروا يا أولى الأبصار ... ٤ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن تقسيم أموال بنى النضير، وعن حكمة الله - تعالى - فى إرشاده النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا التقسيم، - ٣٥٨°- فقال - سبحانه -: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلا، وللرسول؟ ولذى القربى، واليتامى، والمساكين ، وابن السبيل، كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ، وما آتاكم الرسول فخذوه، ومانها كم عنه فانتهوا، واتقوا اه، إن الله شديد العقاب ... ٥ - وبعد أن أثنت السورة الكريمة على المهاجرين لبلائهم وإخلاصهم وعفة نفوسهم، كما أثنت على الأنصار لسخائهم ، وطهارة قلوبهم ... بعد كل؛ ذلك أخذت السورة فى التعجيب من حال المنافقين ، الذين تحالفوا مع اليهود عند المؤمنين ، وذكرت جانبا من أقوالهم الكاذبة ، ووعودهم الخادعة ... فقال - تعالى -: ((ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا. من أهل الكتاب، لئن أخرجتم لنخرجن معكم ، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لننصر نكم ، والله يشهد إنهم الكاذبون ... ٦ - ثم وجهت السورة فى أواخرها نداء إلى المؤمنين، أمرتهم فيه بتقوى الله، ونهتهم عن التشبه بالفاسقير عن أمر الله، الذين تركوا ما أمرهم به - سبحانه -، فكانت عاقبة أمرهم خرا ... وختمت بذكر جانب من أسماء الله - تعالى - وصفاته، قال - تعالى -: « هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارىء المصور، الأسماء الحسنى ، يسبح له مافى السموات والأرض، وهو العزيز الحكم ،. ٧ - وبذلك نرى السورة الكريمة قد طوفت بنا مع بعض مغازى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع التشريعات الحكيمة التى شرعها الله - تعالى- فى تقسيم الغنائم ، ومع صور زاهية ڪريمة من أخلاق المهاجرين - ٣٥٩ - والأنصار، ومع صور قائمة كريمة من أخلاق المنافقين وإخوانهم من اليهود ... ومع جانب من أسماء الله - تعالى - وصفاته ، التى تليق به - عز وجل -. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ د. محمد سيد طنطاوى قطر - الدوحة عميد كلية الدراسات الإسلامية مساء الأحد ٢ من شعبان سنة ٥١٤٠٦ والعربية ١٣ /١٩٨٦/٤ م ٣٦٠ سوره .جسر التفسير قال الله تعالى: ((سَبَّحَ قِهِ مَا فِى السَّمواتِ وما فى الأرضِ وَهُوَ العزيزَ الحكِيمِ (١) هُوَ الذى أُخرجَ الذينَ كَفَروا مِنَّ أَهْلِ الكتابِ من دِيارِهِمْ، لأُوْلِ الْخَشْرِ، مَا ظَنَقَتمُ أنْ يَخِرِجُوا ، وَظَنُوا أَنْهُمْ مَانِعَّهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللهِ، فَأَامُ اللهُ مِنْ حَيثٌ لَمْ يَخْتَسِبُوا، وقَذَفَ فِى قُلوبِهِمُ الرُّعِبُ ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بَأَيدِيهِم وَأَيدِى المؤمِنِينَ، فاعتَبِرُوا يا أُولِىِ الْأَبْصَارِ (٢) ولولاَ أنْ كتبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجِلاَء لمذَّبَهُم فى الدُّنيا، ولهم فى الآخرةِ عذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بَأنَّهُمْ شَقُوا الهَ وَرَسولَهُ ، ومَن يُشَاقِّ اللهَ فإِنّ اللهَ شدِيدُ. العِقَبِ (٤) ما قَطَعْتُم من ◌ِينَةٍ أو تركتُمُوهَا فَأْمَةً عَلَى أُصُولها ، فَإِذْنِ اللهِ ولِيُخْزِىَ الفَاسِقِينَ (٥))). ١- ٣ كافة افتتحت سورة ((الحشر، بالثناء على الله - تعالى -، وبتنزيهه عن كل ما لا يليق بذاته الجليلة ، فقال - عز وجل -: (سبح لله ما في السموات ومافى . الأرض وهو العزيز الحكيم)). وأصل التسبيح لغة: الإبعاد عن السوء. وشرعا: تنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله وكماله . والذى يتدبر القرآن الكريم، يحد أن الله - تعالى - قد ذكر فيه أن كل شىء فى هذا الكون يسبح بحمده - تعالى -، كما فى قوله: « وإن من شی إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقرون تسبيحهم، كماذكر - سبحانه - أن الملائكة تسبح له، كما فى قوله: (( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ... )).