النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ الجزء السابع والعشرون لا تؤمنون وأنا بين أظهركم،؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون أسكم، يجدون صحفا يؤمنون بما فيها)) ... ـة - وقوله - تعالى -: ((وقد أخذ ميثاقكم، كما قال - تعالى -: ((واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى وانقكم به ، إذ قلتم سمعنا وأطعنا ... ، ويعنى بذلك بيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. * وزعم ابن جرير: أن المراد بذلك: الميثاق الذى أخذ عليهم فى صلب آدم ... (١). وجواب الشرط فى قوله - تعالى -: ((إن كنتم مؤمنين، محذوف لدلالة ما قبله عليه . أى : إن كنتم مؤمنين لسبب من الأسباب، فعلى رأس هذه الأسباب وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينكم يدعوكم إلى هذا الإيمان ويقتحكم بوجوب الاعتصام به . ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم- وعليهم فقال: «هو الذى ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلی النور ، وإن اقه بکم لر .وف رحيم. ** والرءوف: مبالغة فى الاتصاف بالرأفة، ومعناها: كراهية إصابة الغير بما بضره أو يؤذيه . والرحيم: مبالغة فى الاتصاف بصفة الرحمة، ومعناها: محبة إيصال الخير والنفع إلى الغير . أى: هو - سبحانه - وحده ، الذى ينزل على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ((آيات بينات، أى: حججا واضحات، ودلائل باهرات، لكى يخرجكم من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم ... (١) تفسير ابن كثير <٤ ص٣٠٥ ٢٦٢ سورة الحديد وإن الله - تعالى - بكم - أيها الناس - لكثير الرأفة والرحمة، حيث أنزل إليكم كتابه، وأرسل إليكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وكما حضهم - سبحانه - على الثبات على الإيمان)) ... حضهم أيضا مرة أخرى على الإنفاق فى سبيله بأبلغ أسلوب، فقال: «ومالكم ألا تنفقوا فى سبيل الله، ولله ميراث السموات والأرض ... )). والاستفهام فى قوله تعالى: ((ومالكم ألا تنفقوا ... )، للتعجيب من حاله من يمسك عن الإنفاق فى سبيل الله، مع أن كل المقتضيات تدعوه إلى هذا الإنفاق ... والكلام فى قوله - تعالى -: ((ولله ميراث السموات والأرض)). على حذف مضاف، والجملة حال من فاعل (( ألا تنفقوا،، أو من مفعوله المعلوم ما تقدم . وإضافة ميراث إلى السموات والأرض، من إضافة المصدر إلى المفعول أى: وأى سبب يحملكم على البخل وعدم الإنفاق فى سبيل إعلاء كلمة الله، والحال أن لله - تعالى - ميراث أهل السموات وأهل الأرض ... إنه لاءذر لكم فى الشح والإمساك بعد أن بینت لكمما بینت من و جوب الإنفاق فى سبيل الله . قال الألوسى: قوله: ((ولله ميراث السموات والأرض، أى: برت كل شىء فيهما، ولا يبقى لأحد مال ، على أن ميراتهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما ، لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف . وجوز أن يراد: يرنهما وما فيهما . واختير الأول، لأنه يكفى لتوبيخهم، إذ لا علاقة لأخذ السموات والأرض هنا .. والجملة مؤكدة للتويخ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر، ومع تحقق مايوجب الإنفاق أشد فى القبح، وأدخل فى الإنكار .. )(١). ثم قال - تعالى -: ((لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ... ). (١) تفسير الآلوسى = ٢٧ ص ١٧١ ٢٦٣ الجزء السابع والعشرون والمراد من أنفق من قبل الفتح وقاتلوا: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين أنفقوا الكثير من أموالهم ، قبل فتح مكة ... وقيل : المراد بالفتح : صلح الحديبية . وإنما كان الذين أنفقوا وقاتلوا قبل هذا الوقت، أعظم درجة ،من فعل ذلك بعد هذا الوقت ، لأن الأيام التى سبقت الفتح تعرض المسلمون خلالها لكثير من المصائب والخوف والجوع ونقص الثرات ... فكان الإنفاق والجهاد فيها أشق على النفس، والثواب على قدر المشقة . أى: لايستوى منكم - أيها المؤمنون - فى الفضيلة والدرجة من أنفق الکثیر من ماله ، من قبل أن تفتح مکه ، وجاهد فى سبيل الله -تعالى - جهادا كبيرا، أولئك الذين فعلوا ذلك ، أعظم درجة ومنزلة من الذين انفقوا وقاتلوا بعد أن فتحت مكة . فالجملة الكريمة بيان لتفاوت الدرجات، على حسب تفاوت الأحوال والأعمال. وعطف - سبحانه - القتال فى قوله ((وقاتلوا، على الإنفاق فى قوله: «أنفقوا)، للإشعار بشدة ارتباطهما، وأنه لاغنى لأحدهما عن الآخر. قال القرطى: أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح: فتح مكة . وقال الشعبى والزهرى: فتح الحديبية ... وفى الكلام حذف: أى: «لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، تحذف لدلالة الكلام عليه . وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أثق، والأجر على قدر النصب ... )(١) وقوله - تعالى -: ((من أنفق .. )) عام يشمل جميع من بذل ماله قبل (١) تفسير القرطي = ١٧ ص ٢٤٠ ٢٦٤ سورة الحديد الفتح فى سبيل الله . وقيل: المراد به أبو بكر الصديق - رضى الله عنه-، لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق ، وقوله - عز وجل -: ((وكلا وعد الله الحسنى)) مدح للفريقين، ودفع التوهم من أن يظن ظان ان الفريق الثانى وهو الذى أنفق من بعد الفتح وقاتل ، محروم من الأجر. أى: وكلا الفريقين وعده الله - تعالى - المثوبة الحسنى وهى الجنة، إلا أن الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك . فهذه الآية أصل فى تفاضل أهل الفضل فيما بينهم ، وأن الفضل ثابت لهم جميعا إلا أنهم تفاوتوا فيه على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم ... ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «والله بما تعملون خبير، أى: أنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة، فأخلصوا أقوالكم وأفعالكم لله - تعالى-، لتنالوا أجره وثوابه. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التى تدل على فضل الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها ماجاء فى الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(( لانسبوا أصحابى ، فوالذى نفسى بيده، أو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، مابلغ مُدَّأحدهم ولا نصِيفه.(١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، بتحريض أشد وأقوى على الإنفاق فى وجوه الخير، فقال - تعالى -: ((من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا، فيضا عفه له، وله أجر كريم)). قال القرطبى: القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأقرض فلان (١) راجع تفسير ابن كثير = ٤ ص ٣٠٦ ٢٦٥ الجزء السابع والعشرون فلانا، أى: أعطاه مايتجازاه. واستقرضت من فلان. أى: طلبت منه القرض فأقرضنى واقترضت منه أى: أخذت منه القرض . وأصل الكلمة : القطع . ومنه المقراض. وأقرضته، أى : قطعت له من مالى قطعة يجازى عليها . ثم قال: والتعبير بالقرض فى هذه الآية ، إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به ثوابه فى الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال فى أخذ الجنة بالبيع والشراء .. ، (١) والقرض الحسن: هو الإنفاق من المال الحلال، مع صدق النية ، دون رياء، أو سمعة ، أو مَنّ أو أذى، مع تحرى أوسط الأموال ... والاستفهام: للحض على البذل والعطاء، والتحريض على التحلى بمكارم الأخلاق . و((من) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا)، اسم إشارة خبره، و((الذى)) وصلته صفة لاسم الإشارة ، أو بدل منه . والمعنى: من هذا المؤمن القوى الإيمان، الذى يقدم ماله فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وفى غير ذلك من وجوه الخير كماونة المحتاجين ، وحد حاجة البائسين٠٠٠ , فيضاعفه له، أى: فيعطيه - سبحانه - أجره على إنفاقه أضعافا مضاعفة . ((وله أجر كريم)) أى: ولهذا المنفق - فضلا عن كل ذلك - أجر كريم عند خالقه ، لا يعلم مقداره إلا هو - تعالى - . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على ألوان من الحض على الإنفاق فى وجوه الخير . (١) تفسير القرطى + ٣ ص ٢٣٩ ٢٦٦ سورة الحديد ومن ذلك التعبير بالاستفهام فى ذاته ، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى التدبير والاستجابة . ومن ذلك - أيضا - التعبير بقوله: (( من ذا الذى ... )، إذ لا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا المقام ذا كان شأن وخطر، وكأن المخاطب لعظم شأنه، من شأنه أن يشار إليه ، وأن يجمع له بين اسم الإشارة وبين الاسم. الموصول ... ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل قرعنا، ولمن هذا القرض؟ إنه لله الذى له خزائن السموات والأرض . فكانه - تعالى - يقول: أقرضونى ما أعطيتكم، وسأضاعف لكم هذا القرض أضعافا مضاعفة، يوم القيامة ، يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا ... ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة، وإضافة الأجر الكريم إليها. ومن ذلك التعبير عن الإنفاق بالقرض، إذ القرض معناه: إخراج المال ، وانتظار ما يقابله من بدل . والخلاصة أن هذه الآية وما قبلها، فيها ما فيها من الدعوة إلى الإنفاق فى. وجوه الخير، وإلى الجهاد فى سبيله . ثم بين - سبحانه - ما أعده المؤمنين الصادقين من ثواب، وساق جانبا مما يدور بينهم وبين المنافقين من محاورات ... فقال - تعالى -: (يوْمَ تَرَى المؤمِنِينَ والمؤْمِنَتِ يَسْعِى نُورُ همُ بِينَ أَيديهِمْ وبأيمَنهم بُشْرَائُ اليومَ جِنَّاتٍ تَجَرِى من تحتها الأنهارُ خَدِينَ فيها، ذلِكَ الفوزٌ ٢٦٧ الجزء السابع والعشرون العظيمُ (١٢) يومَ يقولُ المنافِقُونَ والمنافقاتُ للذينَ آمَنُوا انْظُرونَ تَقْتَبِسْ مِنْ نُورِثُ، فِيلَ ارجُوا وراءِكُمْ فَالْتَّسوانوراً فَضُرِبِ بينَهم بِسُورِ لهُ بابٌ بَاطِنْهُ فيهِ الرَّحمةُ، وظاهرُه مِنْ قَبِّله العذابُ (١٣) يُثَدونَهم ألم تسكُنْ مَعَكَم، قَالُوا بِلَى، ولكِنْكُمْ فَتَنتُمْ أَنفسُكُمْ وتربَعْتُمْ وارْتَبْتُم وغَرَّتُكُم الأمانِىُّ، حتى جاء أصُ الله وغرَّ كُم باله الغَرُور (١٤) فاليوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِيَةٌ ولا مِنَ الذِينَ كَفَرُوا، وَأَوَاكُمُ النَّر هى مولاً كَم وبئس المصيرَ (١٥))) . وقوله - تعالى - (( يوم ترى المؤمنين ... )) منصوب بفعل مقدر، والرؤية بصرية ، والخطاب لكل من يصلح له ... والمعنى: واذكر - أيها العاقل - لتتعظ ولتعتبر، يوم تبصر المؤمنين والمؤمنات (( يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم). والأيمان: جمع يمين. والمراد جهة اليمين . أى: يتحرك تورهم معهم من أمامهم، ومن جهة يمينهم، على سبيل التشريف والتكريم لهم. قال ابن كثير : يقول - تعالى - مخبرا عن المؤمنين المتصدقين، أنهم يوم القيامة ، يسعى فورهم بين أيديهم فى عرصات القيامة بحسب أعماهم ، كما قال عبد الله بن مسعود: يؤتون فورهم على قدر أعمالهم، يمرون على الصراط ، منهم من فوره مثل الجبل، ومنهم من فوره مثل النخلة ، ومنهم من فوره مثل الرجل القائم ... (١). (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٣٠٨ ٢٦٨ سورة الحديد وعطف - سبحانه - ((المؤمنات)) على ((المؤمنين))، للتنبيه على أن كلا من الذكر والأنثى ، له أجره على عمله الصالح، بدون إجحاف أو محاباة لجنس على جنس، كما قال - تعالى -: (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون))(١). والباء فى قوله: ((وبأيمانهم)، بمعنى عن، واقتصر على ذكر الأيمان على سبيل التشريف لتلك الجهة ، والمراد أن فورهم يحيط بهم من جميع جوانبهم. وقوله: (( بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، ذلك الفوز العظيم ، . مقول القول محذوف. وقوله: ((بشراكم، اسم مصدر من بشر أى: أخبر بما يسر ... والمعنى: تقول لهم الملائكة على سبيل التكريم والتحية : فبشركم اليوم بجنات عظيمة ، تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار العذبة، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا، وذلك الذى أنتم فيه من نور يسعى بين أيديكم ، ومن جنات أنتم خالدون فيها ... هو الفوز العظيم ، الذى لا يعادله فوز أو فلاح ... وقوله - عز وجل -: ((يوم يقول المنافقون والمنافقات ... )) بدل من قوله - تعالى -: ((يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ... )). أى: واذكر - أيها العاقل - أيضا - يوم يقول المنافقون والمنافقات، الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، يقولون للذين آمنوا، على سبيل التذلل والتحسر ... (( انظرونا نقتبر من نوركم ... ، أى: انتظرونا وتريثوا فى سيركم، (١) سورة النحل الآية ٠٩٧ ٢٩٩ الجزء السابع والعشرون لكى فلحق بكم ، فنستغير بنوركم الذى حرمنا منه، وننتفع بالاقتباس من فورکم النی ا کر مكم الله - تعالى - به. قال الآلوسي: ((انظرونا، أى: انتظرونا(( نقتبس من أوركم، نصب منه، وذلك بأن يلحقوا بهم ، فيستغيروا به ... وأصل الاقتباس طلب القبس ، أى : الجذوة من النار ... وقولهم للمؤمنين ذلك، لأنهم فى ظلمة لايدرون كيف يمشون فيها . وروى أن ذلك يكون على الصراط ... (١). وقوله - سبحانه - ((قيل أرجعوا وراءكم فالتمسوا فورا ... ، حكاية لما يرد به عليهم المؤمنون، أو الملائكة. أى: قال المؤمنون فى ردهم على هؤلاء المنافقين: ارجعوا وراءكم حيث الموقف الذى كنا واقفين فيه فالتمسوا منه النور ، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا فورا، عن طريق تحصيل سببه وهو الإيمان ، أو أرجعوا خائبين فلا فور لكم عندنا ... وهذا القول من المؤمنين لهم، على سبيل التهكم بهم، إذلا نور وراء المنافقين . وقوله: ((وراءكم، تأكيد لمعنى ((ارجعوا، إذ الرجوع يستلزم الوراء. ثم بين - سبحانه - ماحدث للمنافقين بعد ذلك فقال: ((فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب» . أى : فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين بحاجز عظيم، هذا الحاجز العظيم، والسور الكبير، له باب، باطف هذا الباب مما يلى المؤمنين , فيه الرحمة، أى: فيه الجنة، وظاهر هذا الباب مما يلى المنافقين ((من قبله العذاب» (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٢٧٠ سورة الحديد أى: يأتى من جهته العذاب . قالوا: وهذا السور، هو الحجاب المذكور فى سورة الأعراف فى قوله - تعالى -: ((وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال بعرفون كلا بسيمام ..... والمقصود بهذه الآية الكريمة، بيان أن المؤمنين فى مكان آمن تحيط به الجنة، أما المنافقون ففى مكان مظلم يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار. ثم حكى - سبحانه - أن المنافقين لم يكتفوا بهذا الرجاء للمؤمنين، بل أخذوا ينادونهم فى تحسر وتذلل ، فيقولون لهم - كما حكى القرآن عنهم: ((بنادونهم ألم تكن معكم ..... أى: ينادى المنافقون المؤمنين نداء كله حسرة وندامة ، فيقولون لهم : ألم تكن معكم فى الدنيا، نصلى كما تصلون ، وتنطق بالشهادتين كما تنطقون ؟ ((قالوا بلى، أى: قال المؤمنون للمنافقين: بلى كنتم معنا فى الدنيا تنطقون بالشهادتين . ((ولكنكم، فى الدنيا, فتنتم أنفسكم، أى: أمللتم أنفسكم بالنفاق الذى هو كفو باطن، وإسلام ظاهر ... ((وتربصتم)) والتربض: الانتظار والترقب. أى: وانتظر تم وقوع المصائب بالمؤمنين . ((وارتبتم)) أى: وشككتم فى الحق الذى جاءكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأعرضتم عنه. « وغرتكم الأمانى، والأمانى: جمع أمنية، وهى ما يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم مصلحون، وأنهم على الحق، وأن المسلمين على الباطل ... ((حتى جاء أمر الله، أى: بقيتم على الفتنة، والارتياب، والتربص، والاغترار بالباطل، حتى جاءكم أمر الله، وهو قضاؤه فيكم بالموت ... ٢٧١ الجزء السابع والعشرون . وغركم بالله الغرور ، أى: وخدعكم فى سعة رحمة الله الشيطان ، فأطعمكم بأنكم ستنجون من عقابه - تعالى -، مهما فتنتم أنفسكم وتربصتم بالمؤمنين وارتبتم فى كون الإسلام حق ... وها أنتم الآن ترون سوء عاقبة نفاقكم، وإصراركم على كفركم ... , فاليوم لا يؤخذ منتكم، أيها المنافقون ((فدية، وهى ما يبذل من أجل اقتداء النفس من العذاب ... ((ولا من الذين كفروا، أى: ولا يؤخذ - أيضا - من الذين كفروا ظاهرا وباطنا فداء . ((مأواكم، جميعا , النار)). أى: المكان الذى تستقرون فيه، هو النار. ((هى مولاكم، أى: هذه النار هى أولى بكم من غيرها. والأصل هى مكانكم الذى يقال فيه أولى بكم . وبحوز أن يكون المعنى : هذه النار : می ناصر كم ، من باب التہکم بهم ، على حد قول الشاعر : تحية بينهم ضرب وجيع. أي : لا ناصر لكم إلا النار . والمراد ففى الناصر لهم على سبيل "قطع، بعد نفى أخذ الفدية منهم. قال صاحب الكشاف: قوله:، هى مولاكم، قيل: هى أولى بكم ... وحقيقة مولاكم، أى: مكانكم الذى يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مثنة للكرم. أى مكان لقول القائل إنه لكريم. ويجوز أن يراد: هى ناصركم. أى: لا قاصر لكم غيرها. والمراد: نفى الناصر على البتات ، ونحوه قولهم أصبب فلان بكذا فاستنصر بالجزع . ومنه قوله - تعالى -: ((وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ... ». وقيل: هى مولاكم، أى تتولاكم كما قوليتم فى الدنيا أعمال أهل النار . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٤٧٦ ٢٧٢ سورة الحديد وعطف - سبحانه - الذين كفروا على المنافقين فى عدم قبول الفدية ، لاتحادهم فى التكذيب بيوم الدين، وفى الاستهزاء بالحق الذى جاءهم من عند الله - تعالى - . والمخصوص بالذم فى قوله تعالى -: ((وبئس المصير)) محذوف والتقدير: وبئس المصير جهنم التى هى المكان الذى تصيرون إليه . فأنت ترى أن المؤمنير قد بينوا المنافقين، أنهم يوافقونهم على أنهم كانوا معهم فى الدنيا ... ولكن الذى أدى بهؤلاء المنافقين إلى هذا المصير الأليم، هو: فتنة أنفسهم، والتربص بالمؤمنين ((والارتياب فى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم-، والاغترار بخداع الشيطان ... فما نزل بهم من عذاب إنما هو بسبب أفعالهم القبيحة . وبعد هذا الحديث المؤثر عن المؤمنين ونورهم ، وعن المنافقين وظلاتهم وعن تلك المحاورات التى تدور بينهم ٠٠٠ بعد كل ذلك حرض - سبحانه - المؤمنين ، على أن يروضوا أنفسهم على خشية الله - تعالى -، وحذرهم من أن ينهجوا نهج أهل الكتاب فى قسوة القلب. ووعد - سبحانه - المؤمنين الصادقين بالأجر الجزيل، وبالنور العظيم ، فقال - تعالى -: ((أَلم يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تخشَعَ قلوبُهم لذِكْرِ الله وما نزَلَ من الحقِّ، ولا يُكُونوا كالذينَ أُوتُوا الكتابَ مِنْ قبلُ، فطالَ عَلَيْهِمُ الأمدُ ، فَقَسَتْ قلوبُهم، وكثيرٌ منهم فاسِقُون (١٦) اعلمُوا أَنَّ الله يُحِ الأرضَ بعْد موتِهِاَ، قدْ يتنالكم الآياتِ لعلكُمْ تَعقلونَ (١٧) إِنَّ المصَّدِّقينَ والمصَّدِّقاتٍ وأقرضُوا الله قَرَضَاً حسناً، يضَحَفُ لهم ٢٧٣ الجزء السابع والعشرون ولهم أجرٌ كريمٌ (١٨) والذينَ آمنُوا بالله ورسُله، أولئِكَ م الصَّدِّ يُقُونَ والشُّهداءِ عِند ربِّهم لهم أجْرُمُ ونورُم ، والذينَ كَفَرُوا وكذَّبوا بِآيَاتِنا أولئِكَ أصحاب الجحيمِ (١٩)». . والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((ألم يأن ... )) للتقرير، و((بأن، فعل مضارع، يقال: أتى الشئ . - كرمى - أننياً وأنَاء - بالفتح ، وإنىّ-بالكسر إذا حان أَناه، أى: وقته، فهو فعل معتل حذفت منه الياء لسبقه بلم الجازمة. ومنه قوله - تعالى -: «يأيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناء ... )، أى غير ناظرين حلول وقته . والخطاب فى الآية يحتمل أن يكون من باب العتاب لطائفة من المؤمنين، أصابهم بعض الفتور أو التكاسل، فيما أمروا به من الاجتهاد فى طاعة الله - تعالى- بعد أن فتح لله - تعالى -لهم أقطار الأرض، ورزقهم بالكثير من لیز العیش ، وخيرات الدنيا ... ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المبارك، وعبد الرزاق ، وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، 2551 فأصابوا من لين العيش ما أصابوا، بعد ما كان لهم من الجهد - وشظف العيش، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فموتبوا على ذلك. فنزلت هذه الآية . ويحتمل أن يكون الخطاب فى الآية لجميع المؤمنين ، على سبيل الحض على المداومة على طاعة الله - تعالى -، والتحذير من التقصير ... قال الألوسى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر انه ... ». استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه، والمعاقب- ١٨ - سورة الحديد ) ٢٧٤ سورة الحديد - على ما قاله الزجاج - طائفة منهم ، وإلا فإن من المؤمنين من لم يزل خاشعاً منذ أن أسلم إلى أن لقى ربه ... ، (١). والخشوع: التذلل والخضوع. واللام فى قوله ((لذكر الله، للتعليل. والمراد بذ کر الله - تعالی ۔ : مایشمل کل قول أو فعل یؤدی إلی الخوف من الله - تعالى - بحيث يظهر أثر ذلك على الجوارح .. وقيل: المراد به: القرآن الكريم، فيكون قوله - تعالى - بعد ذلك,وما نزل من الحق، من باب عطف الشىء على نفسه، لاختلاف اللفظين، كما فى قوله - تعالى -: ((سبح اسم ربك الأعلى. الذى خلق فسوى. والذى قدر فهدى ..... والمعنى لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله - تعالى -، وأن تلين قلوبهم لما أنزله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن، تقشعر منه جلود الذين يخافون ربهم ، وترق له مشاعرهم ونفوسهم . وبعد هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة فى طاعة الله - تعالى - وخشيته. والإكثار من ذكره ... نهاهم - سبحانه - عن القشبه بأهل الكتاب، الذين طال عليهم الأمد فى الانغماس فى شهوات الدنيا فقست قلوبهم، فقال - تعالى -: ((ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل. فطال عليهم الأمد، فقت قلوبهم ، و کثیر منهم فاسقون ». والمراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى. وبالكتاب: التوراة والإنجيل . والجمله الكريمة معطوفة على قوله - تعالى -: ((تخشع، والأسد: الغاية من زمان أو مكان . والمراد به هنا : الزمان الطويل . أى: لقد آن الأوان أن تخشع قلوب الذينآمنوا لذ كراه وما نزل من (١) راجع تفسير الآلوسي ٥ ٢٧ ص ١٧٩ ٢٧٠ الجزء السابع والعشرون الحق ، وآن الأوان - أيضا - أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم، حيث طال عليهم الوقت وهم منخمسون فى الشهوات والملذات ، فقست قلوبهم، وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب ، ولا تفرق بين الحرام والحلال وأصبح كثير عنهم خارجين عن الصراط المستقيم . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على الركون إلى ذكر أنه - تعالى - بشدة ومداومة ... ونهتهم من التشبه بأهل الكتاب فى عدم الخشوع. وفى قسوة القلوب ، بسبب استيلاء المطامع والشهوات على قلوبهم ... قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((ألم يأن .... من أنَى الأمر إذا جاء أَفَاه، أى: وقته ... والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب فى قسوة القلوب ، وذلك أن بض إسرائيل ، كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا فه ورقت قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان، غليهم الجفاء والقسوة، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره ، فإن قلت : ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق؟ قلت: يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن، لأنه جامع للأمرين: للذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء. وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله، وإذا على القرآن، كقوله - تعالى -: (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا .... (١). والآية الكريمة تشير إلى أن الإهمالى لذ كراه، والاسترسال فى الشهوات كل ذلك يؤدى إلى قسوة القلوب، وإلى الفسوق عن أمر الله - تعالى -.. ولذا وجدنا كثيرا من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية ، تحض (١) تفسير الکشاف < ٤ ص ٦٤ ٢٧٦ سورة الحديد على الإكثار من ذكر الله - تعالى - قال - سبحانه -: ((والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما،. وفى الحديث الشريف: يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقعد قوم يذكرون الله - تعالى -، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم فيمن عنده ،. ولقد كان سماع هذه الآية الكريمة ، بتدبر وتفكر وخشوع ، على رأس الأسباب التى أدت إلى توبة بعض العصاة قوبة صادقة نصوحا .. فهذا هو الفضل بن عياض، يذهب ليلا لارتكاب مانهى الله عنه، فيسمع قارنا يقرأ هذه الآية ، فير تجف ويعود أدراجه وهو يقول : بلى والله قد آن أو ان الخشوع لذ كراه ... اللهم إنى تبت إليك , وجعلت توبتى إليك، جوار بيتك الحرام)،(١). ثم وجه - سبحانه - خطابه إلى المؤمنين فقال: «اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها ، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون)). وافتاح الآية بقوله - تعالى -: اعلموا .. )) يؤذن بأن ما سيلقى على مسامعهم من توجيهات، جدير بالانتباه إلى مضمونه، وإلى الامتثال لما اشتمل عليه من أمر أو نهى . وليس المقصود من الآية إخبار المؤمنين بأن أقه - تعالى - قادر على إحباء الأرض بعد موتها، فذلك أمر يعتقدونه، ولا يتم إيمانهم إلا به .. وإنما المقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن المواظبة على ذكر الله - تعالى -، وعلى تلاوة كتابه ، كل ذلك يكون له أثره فى خشوع النفوس، وفى طهارة القلوب .. كأثر المطر عندما ينزل على الأرض الجدباء المقفرة .. فا تلبث إلا أن مقز و تربو و تنبت من كل زوج هيج. (١) راجع تفسير القرطبي ــ ١٧ ص ١٥١ ٢٧٧ الجزء السابع والعشرون قال الإمام الرازى: قوله - تعالى -: ((أعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها ،٠.، فیه و جهان : الأول: أنه تمثيل، والمعنى: أن القلوب التى ماقت بسبب القساوة، المواظبةُ على الذى سبب لعودة حياة الخشوع إليها، كما يحى الله - تعالى - الأرض بالغيث . والثاني: أن المراد من قوله: يحمى الأرض بعد موتها، : بعث الأموات، فذكر ذلك ترغيبا فى الخشوع والخضوع، وزجرا عن القساوة،(١). والمراد بالآيات فى قوله - تعالى -: ((قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون): الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلمه - سبحانه -. أى: قد بينا لكم الدلائل والبراهين، الناطقة بقدرتنا وحكمتنا .. لعلكم بهذا البيان تعقلون ما أرشدناكم إليه ، وتعملون بموجب ماعقلتموه، وبذلك تنالون الفلاح والسعادة ، وتخشع قلوبكم لذكرنا ولآياتنا ... ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم فى سبيله ، والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقال: ((إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا أقه قرضا حسنا ، يضاعف لهم، ولهم أجر كريم .... وقراءة: (( إن المصدقين والمصدقات، - بتشديد الصاد - من التصدق، فأدغمت التاء فى الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما .. وأصل الكلام: والمتصدقين والمتصدقات . وقرأ ابن كثير وغيره. ((إن المصدقين والمصدقات)) - بتخفيف الصاد - على أنه من التصديق لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: علام عطف قوله: ((وأقرضواء؟ (١) تفسير الفخر الرازى - ٢٩ ص٠٢٣٢ طبعة دار الفكر - بيروت. ٢٧٨ سورة الحديد قلت. على معنى الفعل فى المصدقين، لأن (( أل)) بمعنى الذين، واسم الفاعل معنى: أصدقوأ، فكأنه قيل: إن الذين أصدقوا وأفرضوا ... ))(١). والمعنى: إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا بأموالهم فى وجوهالخير، والذين « أقرضوا الله قرضا حسنا، بأن أنفقوا أموالهم الحلال فى سبيل أله، بدون من أو أذى . هؤلاء الذين فعلوا ذلك (( بضاعف لهم)) أجرهم عند الله - تعالى - أضعافا. كثيرة . ((ولهم، فضلا عن كل ذلك ((أجر كريم)) لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه -. وقوله: (( والذين آمنوا بالله ورسله ، مبتدأ . وقوله:(( أولئك هم الصديقون)) خبره. أى: والذين آمنوا بالله ورسله إيمانا حقا - لهم منزلة الصديقين، أى: منزلة المبالغين فى الصدق واليقين. الصديق - بتشديد الدال - هو المبالغ فى الصدق بما جاءه به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفى تنفيذ ما كلف به تنفيذا تاما. ((والشهداء عند ربهم)) وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله - تعالى -: ((لهم أجرهم، العظيم عند الله - تعالى -، ولهم (فورهم، الذى يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يوم القيامة . فعلى هذا التفسير يكون قوله: ((والشهداء عند ربهم، مبتدأ، وجملة لهم أجرهم وفورم))، خبره. ويكون الوقف على ((الصديقون، وقفا تاما. والضمائر فى «لهم أجرهم ونورهم، للشهداء. (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٦٥ ٢٧٩ الجزء السابع والعشرون ويصح أن يكون قوله ((والشهداء، معطوف على ((الصديقون، عطف المفرد على المفرد ، فهو عطف على الخبر. أى: وهم الشهداء عند ربهم ... ويكون الوقف على الشهداء تاما ، وأخبر - سبحانه - عن الذين آمنوا بالله ورسله ، أنهم صديقون وشهداء . والمعنى على هذا الوجه : والذين آمنوا بالله ورسله ، أولئك هم الذين فى حكمه - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرقبة، ورفعة الدرجة . وقوله : - تعالى - «عند ربهم لهم أجرهم ونورم، أى: للذين آمنوا باقه ورسله عند ربهم ، مثل أجر الصديقين والشهداء ولهم مثل نورهم يوم القيامة، ونامیك به من أجر عظيم ، ونور عيم. وحذف ما يفيد التشبيه فى الجملتين ، للتنبيه على قوة المائلة ، وبلوغها حد الاتحاد . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: يريد أن المؤمنين باقه أورسله، هم عند الله - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء. وهم الذين سبقوا إلى التصدیق ، و استشهدوا فى سبيل الله . وقوله: «لهم أجرهم وفورهم، أى: لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورم . فإن قلت: كيف يسوى بينهم فى الأجر ولابد من التفاوث ؟ قلت : المعنى أن الله - تعالى - يعطى الذين آمنوا بالله ورسله أجرم .. ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوى أجرهم مع إضافة ، أجر أولئك، أى أجر الصديقين والشهداء ... ويجوز أن يكون قوله: ((والشهداء)) مبتدأ، وقوله: لهم أجرهم، خبره ٢٠٠٠ ، (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٦٥ ٢٨٠. سورة الحديد وقوله - تعالى -: ((والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم، بيان لسوه عاقبة الكافرين ، بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين. أى: ، والذين كفروا بالله ورسله، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا أولئك أصحاب الجحيم، الملازمون لها .لازمة الشىء لصاحبه. وبذلك زى أن هذه الآيات الكريمة قد حضت المؤمنين على المواظبة على ذكر الله - تعالى - وطاعته ونهتهم عن التشبيه بالذين قست قلوبهم، وبشرت المصدقين والمصدقات، والذين آمنوا بالله - تعالى - وبرسله إيمانا حقا ... بالأجر العظيم ، وبالعطاء الجزيل .. ٥ ٥ ثم بين - سبحانه - حال الحياة، التى ركز إليها الكافرون. واطمأنوا بها ... ودعا المؤمنين إلى أن تكون هممهم متجهة نحو الآخرة، عن طريق التسلح بالأعمال الصالحة ، فقال - تعالى - : ((اعلموا أَنَّا الحياةُ الدُّنياً لعِبٌ ولهوٌ، وزِينَةٌ وتفاخُرٌ يَنْكُم وتكاثرٌ فى الأموالِ والأولادِ، كَثَلٍ غَيْثٍ أَعْجَّبَ الكَفَّارَ نَبَاتُهُ ثم يهيجُ فَتَرَاء مُصفراً ثم يُكُونُ حطَمَاً، وفى الآخرةِ عذابٌ حَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ من الله ورِضْوانٌ، وما الحياةُ الدُّنياً إلاَّ مْتَعَ الغُرورِ (٢٠) سَأَبِقِوا إلى مثْفِرَةٍ مِنْ رِبُكُم، وجنَّةٍ عَرضُها كمرض السَّماء والأرْضِ أُعِدَّت لَّذِين آمنُوا بالله وَرُسُله، ذلِكَ فَضْل الله يؤتيهٍ من يشاء، والله ذُو الفَضْل العظيم (٢١)». أى: اعلموا - أيها المؤمنون علم استجابة وامتثال لما آمركم به - إنما