النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
الجزء السابع والعشرون
أقرب إلى هذا المحتضر منكم ، ولكنكم لا تدر كون ذلك لجهلكم بقدرتنا
النافذة ، وحكمتنا البالغة ...
((فلولا إن كنتم غير مدينين، أى : فهلا إن كنتم غير عاجزين عن رد
قضائنا فى هذا المحتضر الحبيب إليكم ، وغير مربوبين لنا ، وخاضعين
لسلطاننا ... يقال: دان السلطان الرعية ، إذا ساسهم وأخضعهم لنفوذه.
هلا إن كنتم غير خاضعين لنا، ترجعونها، أى: ترجعون الروح إلى
صاحبها (( إن كنتم صادقين)) فى اعتقادكم بأن آلهتكم تستطيع الدفاع عنكم
وفى اعتقادكم بأنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، وفى توهمكم أن هناك قوة
سوى قوة أقه - عز وجل - يمكنها أن تساعدكم عند الشدائد والمحن.
وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة ، تقيم أوضح الأدلة وأكثرها تأثيرا
فى النفوس، على كمال قدرة الله - تعالى -، وعلى نفاذ معيشته وإرادته ...
فهى تتحدى البشر جميعا أن يعيدوا الروح إلى أحب الناس إليهم ، وم
واقفون من حوله وقفة الحائز المسقسلم. العاجز عن فعل أى شىء من شائه
أن يدفع عن هذا المحتضر مافيه من كرب ، أو أن يؤخر انتزاع روحه من
جسده، ولو لزمن قليل ....
ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك، فى بيان مصير هذه الروح، التى
توشك أن تستدبر الحياة الفانية، وتستقبل الحياة الباقية فتقول : . فأما إن
كان من المقربين ، فروح وريحان وجنة نعيم».
والروح: بمعنى الراحة والأمان والاطمئنان. والريحان شجر
طيب الرائحة .
أى: فأما إن كان صاحب هذه النفس التى فارقت الدنيا، من المقربين إلينا
السابقين بالخيرات .... فله عندنا راحة لا تقاربها راحة ، وله رحمة واسعة،
وه طيب رائحة عند قبض روحه، وعند نزوله فى قبره ، وعند وقوفه بين
(١٦ - سورة الواقعة)

٢٤٢
سورة الواقعة
أيدينا للحساب يوم الدين ، وله جنات يتنعم فيها بما لاعين رأت ، ولا أذن
سمعت ، ولا خطر على بال بشر .
٢١٠
, وأما، إن كان هذا الإنسان , من أصحاب اليمين، وهم الذين ثقلت
موازين حسناتهم ..
....
((فسلام لك من أصحاب اليمين، أى: فتقول له الملافكة عند قبض روحه
وفى قبره ، وفى الجنة ، سلام لك يا صاحب اليمين ، من أمثالك أصحاب
اليمين .
قال الآلوسي: وقوله: ((فسلام لك من أصحاب اليمين) قيل هو على
تقدير القول : أى : فيقال لذلك المتوفى منهم : سلام لك يا صاحب اليمين من
من إخوانك أصحاب اليمين ....
وجوز أن يكون المعنى: فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم فإنهم فى
خير ، أى : كن فارغ البال من جهتهم فإنهم بخير ...
وذكر بعض الأجلة أن هذه الجملة ، كلام يفيد عظمة حالهم، كما يقال :
فلان ناميك به، وحسبك أنه فلان ، إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد
التفصيل .... . (١)
((وأما إن كان، هذا المتوفى ((من المكذبين الضالين، وهم أصحاب الشمال
((فنزل من حميم)) أى: فله نزل - أى: مكان - ((من حريم)) أى: من ماء قد
بلغ أقصى درجات الحرارة وعبرعن المكان الذى ينزل فيه بالنزل ، على سبيل
التهكم ، إذ النزل فى الأصل يطلق على ما يقدم للضيف على سبيل التكريم ...
وقوله («وتصليه جحيم، أى: وله - أيضا - إدخال فى نار جهنم التى تشوى
جسده ونحرقه .
((إن هذا هو حق اليقين، أى: إن هذا الذى قصصناه عليك - أيها الرسول
(١) تفسير الآلوسى = ٢٧ ص ١٦٠

٢٤٣
الجزء السابع والعشرون
الكريم - فى هذه السورة وغيرها، لهو الحق الثابت الذى لايحوم حوله
شك أو ريب ....
فقوله: ((حق اليقين ، من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى : لهو اليقين
الحق ...
أو هو من إضافة الشىء إلى نفسه مع إختلاف اللفظين، كما فى قوله
- تعالى -: ((حبل الوريد)، إذ الحبل هو الوريد. والقصد من مثل هذا
التركيب التأكيد.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ((فسبح باسم ربك العظيم،
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فنزه ربك العظيم
فى ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، عن كل مالا يليق به ...
وبعد فهذا تفسير لسورة (( الواقعة)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنامحمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
کتبه الراجی عفو ربه
محمد سيد طنطاوى
الدوحة - قطر
صباحا الأربعاء ١٦ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ
١٩٨٦/٣/٢٦ م

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
سُورَة الْحَدَيْل
لفضيلة
الدكتور محمد السسيد طنطاوى
معميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
جامعة الأزهر
(الجزء السابع والعشرون)
١٤٠٦ ٥ - ١٩٨٦ م

بِسْرَامِد الرحمن الرحيم
مقدمة وتمهيد
١ - سورة (الحديد، هى السورة السابعة والخمسون فى ترتيب المصحف،
وسميت بذلك لقوله - تعالى - فيها: (( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع
للناس .. ».
وعدد آ بانها تسع وعشرون آية فى المصحف الكوفى، وثمان وعشرون
فى غيره .
٢ - وقد اختلف المفسرون فى كونها مدنية أم مكية. فابن كثير والقرطى
يقولان بأنها مدنية، ولا يذكر ان خلافا فى ذلك ...
بينما زى صاحب الكشاف يقول إنها مكية ، ولا يذكر - أيضا - خلافا
فى ذلك .
ومن المفسرين من يرى بأن سورة الحديد، منها ماهو مكى ومنها ماهو مدنى.
قال الألوسى: أخرج جماعة عن ابن عباس أنها نزلت بالمدينة . وقال
النقاش وغيره: هى مدنية بإجماع المفسرين . ولم يسلم له ذلك ، فقد قال قوم
إنها مكية ...
وقال ابن عطية : لا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا، لكن يشبه أن يكون
صدرها مكيا ... ويشهد لهذا ما أخرجه البزار فى مسنده، والطبرانى، وابن
مردويه ... عن عمر - رضى الله عنه - أنه دخل على أخته قبل أن يسلم،
فإذا صحيفة فيها أول سورة الحديد ، فقرأه حتى بلغ قوله - تعالى -: «آمنوا
بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ... فأسلم،(١).
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٠١٦٤

- ٢٤٨ -
والذى يبدو لنا - بعد تدبرنا لهذه السورة الكريمة - أنها يغلب عليها
طابع القرآن المدنى، الذى يتحدث عن الجهاد فى سبيل الله، وعن الإنفاق
من أجل إعلاء كلمته ، وعن سوء مصير المنافقين، وعن إرشاد المؤمنين إلى
كيفية إقامة الدولة القوية العادلة ... وهذا لا يمنع من أن يكون من بين آياتها
ماهو مكى، متى ثبت ذلك عن طريق النقل الصحيح .
٣ - وقد افتتحت السورة الكريمة ببيان أن الله - تعالى - قد نزهه عن
کل مالا يليق به ، جميع مافى السموات ومافی الأرض ، وأنه - عز وجل - هو
مالكهما، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والمحى والمميت، والخالق
لكل شىء ، والعليم بكل شى . ...
قال - تعالى -: سبح لله ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم.
له ملك السموات والأرض يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. هو الأول
والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم ...
٤ - ثم حضت السورة الكريمة المؤمنين على الثبات على إيمانهم، وعلى
الإنفاق فى سبيل الله، ووعدتهم على ذلك بأجزل الثواب ...
قال - تعالى -: ((من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له، وله
أجر كريم،.
٥ - ثم تتحدث السورة الكريمة بعد ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر، عن
حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المنافقين ، فتحكى جانبا ما يدور بين
الفريقين من محاورات فتقول : يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا
انظرونا نقتبس من نوركم . قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ، فضرب بينهم
بسور له باب باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب . ينادونهم ألم نكن
معكم؟ قالوا: بلى . ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارت بتم ، وغرتكم
الأمانى ، حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور .

- ٢٤٩ -
٦ - وبعد أن تنتقل السورة الكريمة إلى حث المؤمنين على الخشوع لله،
وعلى تذكر الموت، وعلى البذل فى سبيل الله ... بعد كل ذلك تبين لهم
مصير الحياة الدنيا، وتدعوهم إلى إيثار الآجلة على العاجلة، والباقية على
الفانية فتقول: «اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو، وزينة وتفاخر بينكم
وتكاثر فى الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج
فتراه مصفرا ثم يكون حطاما، وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله
- ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . سابقوا إلى مغفرة من ربكم،
وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للذين آمنوا باقه ورسله،
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم ... )).
٧ - ثم تقرر السورة بعد ذلك أن كل شىء بقضاء الله وقدره، وأنه
- سبحانه - قد أرسل رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرم بنشر العدل بين
الناس ، كما أمرهم بإعداد القوة لإرهاب أعداء الحق، لأن الناس فى كل زمان
ومكان فيهم المهتدون، وفيهم الضالون ، كما قال - تعالى -: ((فمنهم مهند وكثير
منهم فاسقون)).
٨ - ثم ختم - سبحانه - السورة بهذا النداء الحكيم للمؤمنين فقال:
(( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته، ويجعل
لكم نورا تمشون به، ويغفر لكم والله غفور رحيم. لئلا يعلم أهل الكتاب
ألا يقدرون على شىء من فضل الله، وأن الفضل بيد أنه يؤتيه من يشاء ،
والله ذو الفضل العظيم» .
٩ - وبعد، فهذا عرض مجمل لسورة ((الحديد)) ومنه نرى أنها زاخرة
بالحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى -، وعن صفاته الجليلة ... وعن
دعوة المؤمنين إلى التمسك بتعاليم دينهم، تمسكا يكون مقدما على كل شىء
· من زينة هذه الحياة الدنيا، لأن هذا التمسك يجعلهم يعيشون سعداء فى

- ٢٥٠ -
دقيام ، وينالون بسببه الفوز والفلاح فى أخراهم. وذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .؟
الدوحة - قطر
د . محمد سيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية
مساء الأربعاء ١٦ من رجب سنة ٥١٤٠٦
والعربية - جامعة الأزهر
١٩٨٦/٣/٢٦ م

٢٥١
الجزء السابع والعشرون
التفسير
قال الله - تعالى - سَبَّحَ للهِ ما فى السَّمواتِ والْأرْضِ وَهُوَ
العَزِيزَ الحكيمُ (١) لهُ مُلْكُ السَّاتِ والأرْضِ، يُحي ويميتُ وهو
عَلَى كَلِّ شَىءٍ قديرٌ (٢) هو الأوَّلُ والْآخِرُ، والظاهرُ والباطِنُ، وهو
بكلِّ شَىءٍ عَليمٌ (٣) هو الذى خلَقَ السَّواتِ والْأرْضَ فى سنَّةِ
أيّامٍ ثم اسْتوَى على العَرْش، يَعلم ما يَلجُ فى الأرْضِ، وما يَخرِجُ
منهاَ، وما ينْزِلُ من السماء وما يَعْرِجُ فيها، وهو مَمَّكُم أينَمَا كُنتَّ
والهُ بما تَعملونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ والْأرْضِ، وإِلى اللهِ
تَرَجَعُ الأمورُ (٥) ولِجُ الَّيلَ فِى الَّارِ ، ويولَجُ النهارَ فِى الَّيلِ ،
وهو علِيمٌ بِذَاتِ الصُّدور (٦))).
افتتحت سورة ((الحديد)) بتنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق به،
وبالثناء عليه - تعالى - بما هو أهله، وببيان جانب من صفاته الجليلة، الدالة
على وحدانيته . وقدرته ، وعزته ، وحكمته، وعلمه المحيط بكل شىء .
افتتحت بقوله - عز وجل -: ((سبح لله ما فى السموات والأرض وهو
العزيز الحكيم» .
وقوله: (( سبح، من التسبيح)) وأصله الإبعاد عن السوء، من قولهم
سبح فلان فى الماء، إذا توغل فيه ، وسبح الفرس ، إذا جرى بعيد أو بسرعة.
قالوا: وهذا الفعل ((سبح)) قد يتعدى بنفسه، كما فى قوله - تعالى -:
((وسبحوه بكرة وأصيلا)، وقد يتعدى باللام كما هنا. وهى للتأكيد والتبيين
أى : سبح لله لا لغيره ...

٢٥٢
سورة الحديد
والمراد بالتسبيح هنا: تنزبه الله - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله
و کاله .
والمعنى : نزه الله - تعالى - وعظمه وخضع له، وانقاد لمشيته ... جميع
ما فى السموات والأرض من كائنات ، ومخلوقات ... لا يعلمها إلا هو
- سبحانه - .
وقد جاء التسبيح تارة بصيغة الفعل الماضى كما فى هذه السورة ، وكما فى
سورتى الحشر والصف، وقارة بصيغة المضارع كما فى سورتى الجمعة والتغابن،
وقارة بصيغة الأمر كما فى سورة الأعلى ، وتارة بصيغة المصدر كما فى سورة
الإسراء ...
جاء التسبيح بهذه الصيغ المتنوعة، للإشعار بأن تسبيح هذه المخلوقات
لله - تعالى - شامل لجميع الأوقات والأحوال ...
قال - تعالى: ((تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن
من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، إنه كان حلما
غفورا ،(١) .
وختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((وهو العزيز الحكيم،،
والعزيز: هو الغالب على كل شىء ، إذ العزة معناها: الغلبة على الغير، ومنه
قوله تعالى -: ((وعزنى فى الخطاب، أى: غلبنى فى الخصام.
وفى أمثال العرب: "مَن ◌َزَّ برَّ، أى: من غلب غيره تفوق عليه ...
والحكيم مأخوذ من الحكمة، وهى وضع الأمور فى مواضعها
اللائقة بها ...
أى: وهو - سبحانه - الغالب الذى لا يغلبه شىء. الحكيم الذى يضع
الأمور فى مواضعها السليمة .
(١) سورة الإسراء الآية ٤٤.

٢٥٣
الجزء السابع والعشرون
ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال: , له ملك.
السموات والأرض يحي ويميت ، وهو على كل شىء قدير،
أى : له - سبحانه - وحده دون أن يشار كه مشارك . ملك السموات
والأرض. إذ هو - تعالى - المتصرف فيهما، والخالق لها، إِن شاء أبقاهما،
وإن شاء أزالهما ...
وملكه - سبحانه - السموات والأرض، ملك حقيقى، لأنه لا ينازعه
فيه منازع، ولا يشاركه مشارك ... بخلاف ملك غيره لبعض متاع الدنيا،
فإنه ملك زائل مهما طال، ومفتقر إلى من يحميه ويدافع عنه .
وقوله: ((يحي ويميت)، صفة أخرى من صفاته - عز وجل -، أى: هو
الخالق للحياة لمن شاء أن يجيبه، وهو الخالق للموت لمن أراد أن يميته.
وهذه الجملة خبر لمبتدأ محذوف، وهى فى الوقت نفسه بدل إشتمال ما قبلها
إذ الإحياء والإماتة، مما يشتمل عليه ملك السموات والأرض.
وخص - سبحانه - هاتين الصفتين بالذكر ، لأنه هو المتفرد بهما،
ولا يستطيع أحد أن يدعى أن له عملا فيهما ، ومن إدعى ذلك كانت دعواه
من قبيل المغالطة والمجادلة بالباطل، إذ الموجد الحقيقى لهما هواقه - عزوجل-
_ما سواه فهو سبب لها.
وقوله - تعالی ۔ : «وهو کل شیء قدیر، تذييل مؤ كد لما قبله . أى: وهو
- سبحانه - على كل شىء من الأشياء - الى من جملتها ما ذكر - قدير على إيجادها
أو إعدامها .
ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال: ((هو الأول
والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شىء عليم،
أو: هو - سبحانه - الأول والسابق على جميع الموجودات، إذ هو

٢٥٤
سورة الحديد
مو جدها ومحدثها إبتداء ، فهو موجود قبل كل شىء وجودا لا حد ولا وقت
لبدايته .
وهو الآخر ، أى : أى الباقي بعد هلاك وفناء جميع الموجودات ، كما قال
- تعالى -. (كل شىء هالك إلا وجهه)»
وأوثر لفظ «الآخر، على لفظ الباقى، ليتم الطباق بين الوصفين المتقابلين
وهو ((الظاهر)) أى: الظاهر وحوده عن طريق مخلوقاته التى أوجدها بقدرته
إذ من المعروف عند كل عاقل، أن كل مخلوق لابد له من خالق، وكل موجود
لابد له من موجد ..
فلفظ (( الظاهر)) مشتق من الظهور الذى هو ضد الخفاء. والمراد به هنا
ظهور الأدلة العقلية والنقلية على وجوده ووحدانيته وقدرته وعله ...
وبحوز أن يكون مشتقا من الظهور، بمعنى الغلبة والعلو على الغير ، كما فى
قوله - تعالى -: (( إنهم إن يظهروا عليكم ير جموكم أو يعيدوكم فى ملتهم .:..
وعليه يكون المعنى: وهو الغالب العالى على كل شىء.
وهو ((الباطن، من البطون بمعنى الخفاء والاستتار، أى: وهو - سبحانه -
المحتجب بكنه ذاته عن أن تدركه الأبصار ، أو أن نحيط بحقيقة ذاته العقول،
كما قال - تعالى -,لاتدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف
الخبير ، (١)
ويصح أن يكون ((الباطن)) بمعنى العالم بما بطن وخفى من الأمور. يقال:
فلان أبطن بهذا الأمر من غيره، أى: أعلم بهذا الشىء من غيره.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((وهو بكل شىء عليم)) أى: وهو
- سبحانه - عليم بكل مافى هذا الكون، لا تخفى عليه خافية من شئونه، کما فال
- تعالى -: «إن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا في السماء .. »(٢)
(١) سورة الأنعام. الآية ١٠٤
(٢) سورة آل عمران الآية ٣

٢٠٥
الجزء السابع والعشرون
قال ابن كثير : وهذه الآية هى المشار اليها فى حديث عرباض بن سارية
أنها أفضل من ألف آية ...
وقد إختلفت عبارات المفسرين فى هذه الآية على نحو بضعة عشر قولا
وقال البخارى: قال يحيى: الظاهر على كل شىء علما. والباطن على كل شىء علما
وروى الإمام مسلم - فى صحيحه -، والامام أحمد - فى سنده - عن أبى
هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو عند النوم فيقول
«اللهم رب السموات ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شىء ، منزل
التوراة والإنجيل والقرآن، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك
من شر كل شىء أنت آخذ بناصيته. أنت الأول فليس قبلك شى .. وأنت
الآخر فليس بعدك شىء وأفت الظاهر فليس فوقك شىء. وأقت الباطن
فليس دونك شيء . اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر ... ، (١)
ثم ساق - سبحانه - ألوانا أخرى من الأدلة التى تدل على وحدانيته
وقدرته فقال: « هو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام، ثم إستوى
على العرش ...
والأيام: جمع يوم . واليوم فى اللغة مطلق الوقت. أى: فى ستة أوقات
لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى -. وقيل: هذه الأيام من أيام الدنيا ...
والاستواء فى اللغة: يطلق على الاستقرار ، كما فى قوله - تعالى -:
((واستوت على الجودى)، أى استقرت سفينة أوج - عليه السلام - عند
ذلك الجبل المسمى بذلك الاسم، كما، يطلق بمعنى القصد، ومنه قولهم: إستوى
إلى بخاصمنى. أى: قصد لى، كما يطلق بمعنى الاستيلاء والقهر، ومنه قول
الشاعر : قد استوى بشر العراق ...
وعرش الله، ما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، أما حقيقته وكيفيته فلا يعلمها
إلا الله - تعالى -
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ض ٢٠٢

٢٥٦
سورة الحديد
وقد ذكر العرش فى إحدى وعشرين آية من القرآن الكريم، كما ذكر
الاستواء على العرش فى سبع آيات.
أى: هو - سبحانه - الذى خلق السموات والأرض فى ستة أوقات،
ثم إستوى على العرش، إستواء يليق به - سبحانه -، بلا كيف ، ولا تمثيل،
ولا شبيه، لاستحالة إنصافه - تعالى - بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه
عما لا يليق به (( ليس كمثله شىء وهو السميع والبصير)).
قال الإمام مالك - رحمه الله -: الكيف غير معقول، والاستواء غير
مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .
ثم بين - سبحانه - شمول علمه فقال: « يعلم مايلج فى الأرض وما يخرج
منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ....
وقوله: ((يلج)) من الولوج بمعنى الدخول . يقال: ولج فلان بيته ،
إذا دخله .
وفوله: (( يعرج، من العروج وهو الذهاب فى صعود. والسماء : جهة
أملو مطلقا .
أى أنه - سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض، وما يدخل فيها من ماء نازل.
من السماء ، ومن جواهر وكنوز قد طويت فى باطنها، ومن بذور ومعادن
فى طياتها .
ويعلم - أيضا - (( ما يخرج منها، من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك"
من أنواع الخيرات. ويعلم - كذلك - ((ما ينزل من السماء ((من أمطار،
وثلوج؛ وبرد، وصواعق ، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.
( ويعلم - أيضاً - ما يصعد فيها من الملائكة، ومن الأعمال الصالحة، كما
قال - تعالى -: اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ....

٢٥٧
الجزء السابع والعشرون
وعدى العروج بحرف فى، لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل
بعدی بحرف إلى ، كما فى قوله - تعالى -: ( تعرج الملائكة والروح إليه فى
يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ... )).
وقوله - سبحانه -: ((وهو معكم أينما كنتم)، أى: وهو معكم بعلمه
ولطفه ورحمته ... أينما كنتم، وحيثما وجدتم ...
قال: الآلوسي: قوله - تعالى -: ((وهو معكم أينما كنتم، تمثيل لإحاطة
عليه - تعالى - بهم، وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا . وقيل المعية مجاز
مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السباق واللحاق مع استحالة
الحقيقة .
وقد أول السلف هذه الآية بذلك ، أخرج البيهقى فى الأسماء والصفات
عن ابن عباس أنه قال فيها : عالم بكم أينما كنتم.
وأخرج - أيضا - عن سفيان الثورى أنه سئل عنها فقال: علمه معكم.
وفى البحر: أنه أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها لا تحمل على
ظاهرها من المعية بالذات ... »(١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «والله بما تعملون بصير، أى:
والله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أقوالكم أو أفعالكم ... بل هو مطلع
عليكم إطلاعا تاما .
ثم أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال: «له ملك السموات والأرض ...
أى: له - سبحانه - التصرف الكلى فى السموات والأرض، وفيما فيهما من
موجودات ، من حيث الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات ....
((( وإلى الله ترجع الأمور، أى: وإلى الله - تعالى - وحده لا إلى غيره،
(١) تفسير الآلوسي = ٢٧ ص ٠١٦٨
(١٧ - سورة الحديد)

٢٥٨
سورة الحديد
مرد الأمور كلها، والحكم عليها ، والتصرف فيها ... وليس إلى أحد غيره
لا على سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الاشتراك.
(( يوج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ... أى: يدخل - سبحانه-
طائفة من الليل فى النهار ، فيقصر الليل ويز بد النهار ، ويدخل طائفة من النهار
فى الليل ، فيقصر النهار، ويزيد الليل ، ثم يسيران على هذا النظام البديع ،
دون أن يسبق أحدهما الآخر ...
(((وهو عليم بذات الصدور)، و ((ذات) هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب.
أى: وهو - سبحانه - علم علما تاما بمكنونات الصدور، وما تضمره
من خير أو شر وما يتردد فيها من خواطر وأفكار ...
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، يراها قد
اشتملت على بضع عشرة صفة، من صفات الله - عز وجل - الدالة على وجوب
إخلاص العبادة له ، والانقياد لأمره ونهيه .
٠٠٠
ثم دعا - سبحانه - عباده المؤمنين إلى التمسك بهذا الإيمان، وإلى تنفيذ
١ تكاليفه، ووعدهم على ذلك بأجزل الثواب، فقال - تعالى -:
((آمِنُوا باللهِ ورسوله وأَنفِقُوا مِمَا جَعَلِكُم مُسْتَخْلِفِيِنَّ فيهِ، فالدينّ"
آمنُوا منكُم وأَنفقُوا لهم أجرٌ كَبِيرٌ (٧) وما لكُم لا تؤمِنُونَ بالقهر
والرَّسُولِ يَدْعُولُ لِتُؤْمِنُوا بِرِبُّكُم، وقد أَخذَ مِثَقَكُم إن كُنتُمْ
مؤمنِينَ (٨) هو الذى ينزّلُ علَى عَبدِه آیاتٍ بِيِّنَاتٍ لِيُخْرِجُكُم من
الْظُلُماتِ إلى النُّور، وإنَّ اللهَ بُكُم لرءوفٌ رَحِيمٌ (٩) وماَّكُم ألاّ
تُفِقِوا فى سَبِيلِ الله، وللُّهِ مِيرَاتُ السَّمواتِ والأَرْضِ، لا يَسْتَوِىِ

٢٥٩
الجزء السابع والعشرون
مِنكُم مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبلِ الفَتَحِ وقاتَل، أُولِكَ أَعْظَمَ درجةً من الذين
أَفَقُوا مِنْ بعدُ وقَتَلُوا، وكلاً وعَد اللهُ الْحُسْنَى، والله بما تَسلونَ
خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذا الَّذِى يقرِضُ الله قَرَضَاً حَسَناً، فيضَعِفَهُ لهُ ولَهُ
أجرٌ كريمٌ (١١))).
والخطاب فى قوله - تعالى -: ((آمنوا بالله ورسوله .. ، إلى الناس جميعا
ويدخل فيه المؤمنون دخولا أوليا، ويكون المقصود بدعوتهم إلى الإيمان ،
"المداومة عليه والتمسك بتعاليمه، وتنفيذ توجيهاته ... كمافال - تعالى -:
(( يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي نزل على رسوله ،
. والكتاب الذى أنزل من قبل ... )،(!).
وقوله: «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، بيان لما يقتضيه هذا الإيمان
وقوله: ((مستخلفين)) اسم مفعول من الاستخلاف، بمعنى أن يخلف
الإنسان غيره، أو أن يخلفه غيره من بعده .
أى: آمنوا - أيها الناس - بالله - تعالى - وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -
إيمانا حقا، وإن من مقتضيات هذا الإيمان، أن تنفقوا من أموالكم فى وجوه
الخير، فإن هذه الأموال هى عارية فى أيديكم «فقد ورثتموها عن غيركم،
وغيركم سيرتها عنكم. وهى فى جميع الأحوال ملك يته - تعالى- وحده على الحقيقة.
قال القرطبى: قوله: ((وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)) دليل على أن
أصل الملك لله - سبحانه - وأن العبد ليس له فيه التصرف الذى يرضى الله
فيئيه على ذلك بالجنة)، فمن أنفق منها فى حقوق الله، وهان عليه الإنفاق
منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الأجر
الجزيل ...
وقال الحسن: ((مستخلفين فيه)): ورّئتكم إياه عمن كان قبلكم.
(١) سورة النساء الآية ١٣٦.

٢٦٠
سورة الحديد
وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم فى الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة النواب
والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق، قبل أن توال عنكم إلى من
بعدكم ... ).
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المنفقين فقال: ((فالذين آمنوا منكم).
إيمانا حقا ... (( وأنفقوا، أموالهم فيما يرضى الله - تعالى - ((هم ) منه -عز
وجل - (( أجر كبير) لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -.
ثم - رغبهم - سبحانه - فى الثبات على الإيمان بالله ورسوله فقال: ((ومالكم
لا تؤمنون بالله، والرسول بدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم
مؤمنين .
أى: وأى مانع يمنعكم من الثبات على الإيمان، ومن القيام بتكاليفه ،
ومن إخلاص العبادة له - تعالى - وحده، والحال أن الرسول - صلى الله عليه
وسلم - بيتكم صباح مساء، يدعوكم إلى الإيمان بربكم، وقد أخذ - سبحانه.
عليكم العهود والمواثيق على هذا الإيمان ، عن طريق ما ركب فيكم من عقول
تعقل ، وعن طريق ما نصب لكم من أدلة متنوعة كلها تدل على وجوب
إخلاص العبادة لله الواحد القهار .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: أى وأى شىء يمنعكم من
الإيمان، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ( ويبين لكم الحجج والبراهين.
على صحة ما جاءكم به ، وقد روینا فى الحدیث من طرق، فى أوائل شرح كتاب
الإيمان من صحيح البخارى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوما
لأصحابه: ((أى المؤمنين أعجب إلكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة.
قال: ((وما لهم لا يؤمنون وثم عند ربهم،؟ قالوا: فالأنبياء. قال:
((وما لهم لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم،؟ قالوا: فنحن. قال: فمالكـ
(١) تفسير القر طبى = ١٧ ص ٢٣٨