النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الجزء السابع والعشرون
(( فارتقبهم، - أيها الرسول الكريم -، وانتظر ماذا سيصنعون بعد ذلك
(( واصطبر، على أذا هم صبرا جميلا، حتى يحكم الله بينك وبينهم ..
« وفبتهم)) أى: وأخبرهم خبرا ماما، هذا الخبر هو ((أن الماء، الذى
يستقون منه ((قسمة بينهم)، وبين الناقة، أى: مقسوم بينهم وبينها ، فهم
لا يشركونها فى يوم شربها، وهى لا نشاركهم فى يوم شربهم.
((كل شرب محتضر، أى: كل نصيب من الماء يحضره من هوله. فالناقة
تحضر إلى الماء فى يومها، وهم يحضرون إليه فى يوم آخر .
ففى هاتين الآيتين تعليم حكيم من الله - تعالى - لنبيه صالح، وإرشاد له
إلى ما يجب أن يسلكه معهم، بيقظة واعية يدل عليها قوله - تعالى -: ((فار تقبهم))
وبصبر جميل لا يأس مع، ولاضجر، كما يشير إليه قوله - تعالى -: (واصطبر).
وسياق القصة ينبىء عن كلام محذوف، يعلم من سياقها ، والتقدير :
أرسلنا الناقة، وقلنا له أخبرهم، أن الماء مقسوم بينهم وبين الناقة، واستمروا
على ذلك فترة من الزمان ، ولكنهم ملوا هذه القسمة ، ولم يرتضوها، وأجمعوا
على قتل الناقة ...
( فنادو! صاحبهم) وهو (قدار بن سالف) وهو المعبر عنه بقوله - تعالى-
فى آية أخرى : ( إذا نبعث أشقاها).
وعبر عنه - سبحانه - بصاحبهم ، لأنه كان معروفا لهم، وزعيما من
زعمائهم ...
والمقصود بنداتهم إياه: إغراؤه بعقر الناقة وقتلها، مخالفين بذلك وصية
نبيهم لهم بقوله ((ولا تمستوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم).
وقوله تعالى (فتعاطى فمقر) مفرع على ماقبله . وقوله . ( تعالى)
مطاوع الفعل عاطاه ، وهو مشتق من عطا يعطو، إذا تناول الشىء.
وهذه الصيغة ( تعاطى) تشير إلى تعدد الفاعل، فكأن هذا النداء بقتل

١٤٢
سورة القمر
الناقة ، تدافعوه فيما بينهم، وألقاه بعضهم على بعض ، فكان كل واحد منهم
بدفعه إلى غيره، حتى استقر عند ذلك الشقى الذى ارتضى القيام به، وتولى
بره، حيث عقر الناقة. فمفعول ((عقر)) محذوف للعلم به.
فال الآلوسي: قوله: ((فتعاطى)) العقر. أى: فاجتر أعلى تعاطيه مع
عظمه غير مكثرت به .
((فعقر، أى: فأحدث العقر بالناقة. وجوز أن يكون فتعاطى الناقة
نقرها .
أو: فتعاطى السيف فقتلها ، وعلى كل فمفعول تعاظى محذوف .. »(١).
ولا تعارض بين هذه الآية التى تثبت أن الذى عقر الناقة هو هذا الشقى،
وبير الآيات الأخرى التى تصرح بأنهم هم الذين عقروما، كما فى قوله - تعالى-
. فعقر وما فقال تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام ... )).
لأن المقصود أن القوم قد اتفقوا على هذا القتل للناقة، فنادوا واحدا
منهم لتنفيذه، فنفذه وهم له مؤيدون، فصاروا كأنهم جميعا قد عقروها،
لرضاهم بفعله والعقر : يطلق على القتل والذبح والجرح، والمراد به هنا:
قتلها ونحرها .
والتعبير بقوله - تعالى - بعد ذلك: «فكيف كان عذابى ونذر، يشير
إلى هول القعوبة التى نزلت بهم، بسبب مافعلوه من عقر الناقة، ومن تكذيبهم
لنبهم .
أى: انظر وتدبر - أيها العافل - كيف كان عذابى وإنذارى لهؤلاء
القوم ؟ لقد كان شيئا هائلا لا تحيط به العبارة .
ثم فصل - سبحانه - هذا العقاب فقال: « إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة،
فكانوا كشههم المحتظر ».
(١) تفسير الألوسى - ٢٧ ص ٧٩

١٤٣
الجزء السابع والعشرون
والهشيم: ما تهشم وتفتت وتكسر من الشجر اليابس ، مأخوذ من الهشم
بمعنى المكر للشىء اليابس ، أو الأجوف.
والمحتظر: هو الذى يعمل الحظيرة التى تكون مسكنا للحيوانات.
أى: إنا أرسلنا عليهم - بقدرتنا ومشيئتنا - صيحة واحدة صاحها بهم
جبريل - عليه السلام -، فصاروا بعدها كغصون الأشجار اليابه المكرة،
يجمعها إنسان ليعمل منها حظيرة لسكنى حيواناته.
والمقصود هذا التشبيه، بيان عظم ما أصابهم من عقاب مبين، جعلهم
كالأعواد الجافة حين تتحطم وتكسر. ويجمعها الجامع ليصنع منها حظيرته،
أو لتكون تحت أرجل مواشيه .
وهذا العذاب عير عنه هنا وفى سورة هود بالصيحة فقال: (( وأخذ الذين
ظلموا الصيحة ... ).
وعبر عنه فى سورة الأعراف بالرجفة فقال: «فأخذتهم الرجفة ... ،
وعبر عنه فى سورة فصلت بالصاعقة فقال: ((وأما نمود فهديناهم فاستحبوا
العمى على الهدى ، فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون،.
وعبر عنه فى سورة الحاقة بالطاغية ، فقال: ( فأما نمود فأهلكوا
بالطاغية .... .
٠٠
ولا تعارض بين هذه التعبيرات ، لأنها متقاربة فى معناها . ويكمل بعضها
بعضا، وهى تدل على شدة ما أصابهم من عذاب .
فكأنه - سبحانه - يقول: لقد نزل بهؤلاء المكذبين: الصيحة التى زلزلت
كيانهم، فصعقتهم وأبادتهم، وجعلتهم كعيدان الشجر اليابس ...
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة بما ختم به سابقتها فقال: ((ولقد يسرنا
القرآن للذكر فهل من مذكر» .
ه
٥

١٤٤
سورة القمر
وجاءت بعد قصة قوم صالح، قصة قوم لوط - عليهما السلام - فقال
- تعالى -:
(كَذَّبَت قومُ لوطٍ بالنُّذُرِ (٣٣) إذا أرْسَلنَا عَلَيهِم حاصِباً، إلاّ آل
لوطٍ تَجِينَهُ بِسحر (٣٤) نِمةً من عِندِناَ كذلكَ تَجزِى مَنْ شَكّر (٣٥)
ولقَدْ أَنذَرَمُ بَطَشْتَنَا فتحارَوْا بالنُّذُر (٣٦) ولقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيَقْهِ
فَطَمِسْاَ أْنَهم فَذُوقُوا عَذَبِي وَنُذُر (٣٧) ولقَدْ صَبَّحَهُم بُكرةً
عذَابٌ ◌ُستقِرٌ (٣٨) فذُقُوا عذَابِى ونُذُر (٣٩) ولقد يسَّرنا القرآنَ
للذُكْرِ فَلْ مِنْ مُذَكِرٍ (٤٠) » .
وقصة لوط - عليه السلام - قد وردت فى سور متعددة، منها : سور
الأعراف، وهود، والشعراء، والعمل، والعنكبوت ...
ولوط - عليه السلام - هو - على الراجح - ابن أخى إبراهيم - عليه
السلام -، وكان ق آمن به وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله - تعالى-
إلى أهل سدوم - وهى قرية بوادى الأردن -، وكانوا يأتون الفواحش التى
لم يسبقهم إليها أحد ...
وقوله - تعالى -: ((كذبت قوم لوط بالنذر، أى: كذبوا بالإنذارات
والتهديدات تى هددهم بها نبيهم لوط، إذا لم يستجيبوا لإرشاداته وأمره
ونهيه ...
فكانت نتيجة هذا التكذيب والنجور الذى انغمسوا فيه الهلاك والدمار،
كما قال - تعالى -: «إنا أرسلنا عليهم خاصبا ... ».
والحاصب: الريح التى تحصب ، أى: ترمى بالحصباء وهى الحجارة الصغيرة.
التى تهلك من تصيبه بأمر الله - تعالى -:

١٤٥
الجزء السابع والعشرون
فقوله: ((حاصبا)) صفة لموصوف محذوف وهو الريح، وجىء به مذ كرا
لكون موصوفه وهو الريح فى تأويل العذاب. أى: إنا أرسلنا عليهم عذابا
حاصبا أهلكهم ..
والاستثناء فى قوله - سبحانه -: ((إلا آل لوط نجيناهم بسحر، استثناء
متصل، لأنهم من قومه .
والسحر: هو الوقت الذى يختلط فيه سواد آخر الليل، ببياض أول النهار
وهو قبيل مطلع الفجر بقليل .
أى: إنا أرسلنا عليهم ربما شديدة ترميهم بالحصباء فتهلكهم، إلا آللوط
وهم من آمن به من قومه ، فقد نجيناهم من هذا العذاب المهلك فى وقت السحر ،
فالباه فى قوله ((يسحر، بمعنى فى الظرفية. أو هى للملابسة. أى: حال كونهم
ملتبسين بسحر .
وقوله - تعالى -: «نعمة من عندنا ... ، علة للإبناء. والنعمة بمعنى
الإنعام. أى: أنجينا آل لوط من العذاب الذى نزل بقومه، على سبيل الإنعام
الصادر من عندنا عليهم لا من عند غيرنا .
وقوله - تعالى -: ((كذلك نجزى من شكر، بيان لسبب هذا الإنعام
والإبجماء .
أى : مثل هذا الجزاء العظيم ، المتمثل فى إبخائنا للمؤمنين من آل لوط ،
وفى إنعامنا عليهم ... نجازى كل شاكر لنا، ومستجيب لأمرنا ونهينا .
فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين الشاكرين حتى يزدادوا من الطاعة لربهم،
وتعريض بسوء مصير الكافرين الذين لم يشكروا الله - تعالى - على نعمه.
وفى قوله - تعالى - : ((من عندنا، تنويه عظيم بهذا الإنعام ، لأنه مادر
من عنده - تعالى -، الذى لا تعد ولاتحصى نعمه .
( ١٠ - سورة القمر )

١٤٦
سورة القمر
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بقوم لوط إلى الدمار والهلاك فقال
« ولقد أنذرهم بشطتنا قماروا بالنذر ... )).
والبطشة: المرة من البطش، بمعنى الآخذ بعنف وقوة، والمراد بها هنا:
الإهلاك الشديد .
والتمارى: تفاعل من المراء بمعنى الجدال، والمراد به هنا : التكذيب
والاستهزاء، ولذا عدى بالباء دون فى .
أى: والله لقد أنذرهم لوط - عليه السلام - وخوفهم من عذابنا السديد
الذى لا يبقى ولايذر، ولكنهم كذبوه واستهزؤا به، وبتهديده وبتخويفه
أيام .
ثم حكى - سبحانه - صورة أخرى من نجورهم فقال: ((ولقد راودوه عن:
ضيفه، فطمسنا أعينهم ، فذوقوا عذابی ونذر ، .
والمراودة مفاعلة، من راد فلان يرود، إذا جاء وذهب، لكى يصل إلى
ما يريده من غيره، عن طريق المحايلة والمخادعة .
والمراد بضيفه: ضيوفه من الملائكة الذين جاؤا إلى لوط عليه السلام،
لإخباره بإهلاك قومه، وبأن موعدهم الصبح ...
أى: ووالله لقد حاول هؤلاء الكفرة الفجرة المرة بعد المرة، مع لوط
- عليهم السلام - أن يمكنهم من فعل الفاحشة مع ضيوفه ...
فكانت نتيجة محاولاتهم القبيحة أن ((طمسنا أعينهم)، أى: حجبناها عن
النظر ، فصاروا لايرون شيئا أمامهم ...
قال القرطبى: يروى أن جبريل - عليه السلام - ضربهم بجناحه فعموا.
وقيل : صارت أعينهم كسائر الوجه لايرى لها شق، كما تطمس الربح الأعلام
بما تسفى عليها من التراب. وقيل: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل(1).
(١) تفسير القرطبي = ١٧ ص ١٤٤

١٤٧
الجزء السابع والعشرون
وعدى - سبحانه - فعل المراودة بعض، لتضمينه معنى الإبعاد والدفع.
أى: حاولوا دفعه عن ضيوفه، ليتمكنوا منهم .
وأسند المراودة إليهم جميعا: أرضاهم عنها، بقطع النظر عمن قام بها.
وقوله: ((فذوقوا عذابى ونذر)، مقول لقول محذوف، أى طمسنا أعينهم
وقلنا لهم ذوقوا عذابى الشديد الذى سينزل بكم ، بسبب تكذيبكم لرسولى ،
واستخفافكم بما وجه إليكم من تخويف وإنذار .
والمراد من هذا الأمر: الخبر. أى: فأذقتهم عذابى الذى أنذرم به لوط
- عليه السلام - .
ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب فقال: ((ولقد صبحهم بكرة
عذاب مستقر ... » .
والبكرة: أول النهار وهو وقت الصبح، وجىء بلفظ بكرة للإشعار
بتعجيل العذاب لهم , أى: والله لقد نزل بهم عذابنا فى الوقت المبكرين
الصباح. نزولا دائما ثابتا مستقرا لا ينفك عنهم ، ولا ينفكون عنه ...
وقلنا لهم: ذوقوا عذابى ، وسوء عاقبة تكذيبكم الرسولى لوط - عليه
السلام - .
ثم ختم - سبحانه - قصتهم بما ختم به القصص السابقة فقال: (ولقد
· يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ، .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: مافائدة تكرير قوله: «فذوقوا عذائى
ونذر، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر،؟
قلت : فائدته أن يحددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين , ادكارا
وأتعاظا، وأن يستأنفوا ننبها واستيقاظ إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث
عليه، وأن يقرع لهم المصامرات، وبقهقن الهم والحمن ثمارات لئلا يغلبهم السهو

١٤٨
سورة القمر
ولا تستولى عليهم الغفلة، وهذا حكم التكرير، كقوله :. فبأي آلاء ربكا
تكذبان ، عند كل نعمة عدها فى سورة الرحمن :
وكقوله: «ويل يومئذ للمكذبين، عند كل آية أوردها فى سورة
المرسلات . وكذلك تكرير الأنباء والقصص فى أنفسها، لتكون تلك العهر.
حاضرة للقلوب ، مصورة للأذهان ، مذكورة غير منسية فى كل
أوان ... (١) .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما حل بفرعون وقومه،
وبتحذير مشركي قريش من سوء عاقبة كفرهم ، وبيان ما أعدلهم من عذاب
يوم القيامة , وتبشير المتقين بحسن العاقبة فقال - تعالى -:
((وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعونَ النُّذُرُ (٤١) كذّبُوا بِآيَاتِناَ كَلِّهَا فَأَخَذَنَمُ
أَخْذَ عَزيزٍ مُقتدِرٍ (٤٢) أَ كَفَّارُ كم خيرٌ مِنْ أُولِّكُمْ أمْ لِكُم براءةٌ
فى الرَّبْرِ (٤٣) أم يَقُولُونَ نحنُ جميعٌ مُنتَصِيرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الجُنْعِ
ويُولُونَ الدُّبِرَ (٤٥) بلِ السَّاعَةُ مَوعِدَمُ والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ (٤٦)
إِنَّ المجرِمِينَ فى ضَلالٍ وسَعْرٍ (٤٧) يومَ يُسْحُبُونَ فى النارِ عَلَى وُجُومِهِمْ
ذُوفُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شىءٍ خَلقنَهُ بِقَدرِ (٤٩) ومَاَ أمْرُنَاَ
إلاَّ واحِدةٌ كَلَحِ بِالبَصَرِ (٥٠) ولقَدْ أهْلكناَ أشْيَاعَكُم فَلْ من
مُذكرِ (٥١) وَكُلُّ شَىءٍ فَعَلُوه فى الزُّبِرِ (٥٢) وكلُّ صَغِيرٍ وَبِيرٍ
مُستَطَرَ (٥٣) إِنَّ المتقينَ فى جَنَّاتٍ ونَهر (٥٤) فى مَقْعَدٍ صِدقِ ندَ
مليك مقتدر (٥٥)» .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص

١٤٩
الجزء السابع والعشرون
لا وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور
متعددة، منها سور : الأعراف ، ويوأس ، وهود ، وطه ، والشعراء ،
ذ والقصص ...
وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين ، بين - سبحانه - ماحل بهم
! من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: ((ولقد
باءآل فرعون النذر » .
والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا بؤيدونه
زا ويناصرونه.
١
والنذر: جمع نذير، أسم مصدر بمعنى الإنذار ، وجىء به بصيغة الجمع،
لكثرة الإنذارات التى وجهها موسى عليه السلام - إليهم.
١٠٫
أى: «والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الإنذارات والتهديدات
على لسان نبينا موسى)) - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له ...
بل « كذبوا بآياتنا كلها، أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا
موسى - عليه السلام - بها ، والتى كانت قدل أعظم دلالة على صدقة فيما
بدهوم إليه .
وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله ، كلها للاشعار بكثرتها، وبأنهم
قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.
وقوله: ((فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر )) بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم،
إذ الأخذ مستعار. للانتقام الشديد، وانتصاب ((أخذ ... ) على المفعولية
المطلقة، وإضافته إلى عزيز مقتدر، من إضافة المصدر إلى فاعله.
والعزيز: الذى لا يغلبه غالب والمقتدر: الذى لا يعجزه شيء يريده.
أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا ، بل أهلكناهم جميعا ، لأن هذا
الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغليه غالب، ولا يعجزه شيء.

١٥٠
سورة القمر
ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى
فرعون وطغيانه وتبجحه ، فقد وصل به الحال أنه زعم أنه الرب الأعلى،
فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، يحق الحق ، ويهطل الباطل.
وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين ، التفتت السورة
الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين
ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: أكفاركم خير من أولتكم
أم لكم براءة فى الزبر ٠٠٠ ..
والاستفهام للنفى والإنكار. والمراد بالخيرية. الخيرية الدنيوية كالقوة
والغنى، والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة .
والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها هنا التخلص
من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين ، والسلامة منه .
والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه .
والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من أولشكم السابقين فى القوة
والغنى والتمكين فى الأرض ... ؟
أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لانؤاخذكم على كفركم
وشرككم .. ؟
كلا، ليس لكم شىء من ذلك ، فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود
. وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه. وأتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن
خبرتكم من العقوبة على كفركم ...
وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإصرار على الكفر
والجمود ؟ إن ما أنعم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شيء من العقل
السليم .

١٥١
الجزء السابع والعشرون
ثم إنتقل - سبحانه - إلى توبيخه على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال
, أم يقولون نحن جميع منتصر ... )
أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وستقتصر على من خالفنا وعادانا؟
ولقد توهموا ذلك فعلا . وجاهروا به.
وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: «سيهزم الجمع
ويولون الدبر، والتعريف فى ((الجمع، للعهد. والدبر: الظهر وما أدبر من
المتجه إلى الأمام.
أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين، ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون -
ويفرون من أمامكم ...
والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب وكما فى قوله:
- تعالى -: ((قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد)».
والآية الكريمة من باب الإخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم
قال الآلوسي: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث
لم يفرض جهاد، ولا كان قتال ، ولذا قال عمر يوم نزلت : أى جمع يهزم ،
أى: من جموع الكفار . فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يثبت فى الدرع وهو يقول: ((سيهزم الجمع وبولون الدبر، فعرفت
تأويلها يومئذ (١)
ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها وأنكى
فقال: «بل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر،
والمراد بالساعة: يوم القيامة . وأدهى: اسم تفضيل من الداهية ، وهى
الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه .
وقوله (، وأمر، أى: وأشد مرارة وقبحا .
(١) تفسير الألوسى = ٢٧ ص ٩٢

١٥٢
سورة القمر
أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل
يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيئء ، ويوم القيامة أعظم داهية ، وأشد
مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى .
ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: ((إن
المجرمين فى ضلال وسعر ،
أى : فى بعد عن الإهتداء إلى الحق بسبب إنطماس بصائرهم، وإيثارهم الفى
على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاه من فوقهم ومن تحتهم .
ويقال لهم, يوم يسحبون فى النار على وجوههم ، أى : يوم يجرون فى
النار على وجوههم، على سبيل الإهانة والإذلال .
(.ذوقوا مس سقر، أى: ويقال لهم: ذوقوامس جهنم التى كنتم تكذبون
بها، وقاسوا الآمها وعذابها.
فقوله - تعالى -: ((سقر، علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء
((وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته. وهو ممنوع من الصرف للعلمية
والتأنيث .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: « إنا كل
شيء خلقناه بقدر، وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ... »
وقوله (( كل)) منصوب بفعل يفسره ما بعده. والقدر: ما قدره الله - تعالى-
على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومدينته .
أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون ، بتقدير حكيم، وبعلم شامل،
وبإرادة قامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال -تعالى-
(وكل شىء عنده بمقدار))، وكما قال - سبحانه -: ((وإن من شىء إلا عندنا
خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ، وكما قال - عز وجل - : « وخلق كل شىء
فقدره تقديرا ،

١٥٣
الجزء السابع والعشرون
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة
السنة وعلى إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها ...
وردوايهذه الآية وبما شاكلها ، وبما ورد فى معناها من أحاديث ولى الفرقة
القدرية، الذين نبغوا فى أواخر عصر الصحابة .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن أبى
هريرة قال: جاء مشركوا قريش بخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فى القدر، ف زلت: « يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر.
إنا كل شىء خلقناه بقدر .... ،(١)
والباء فى قوله ((بقدر)) للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم،
اقتضته سنتنا ومشيئتنا ، فى وقت لا يعلمه أحد سوانا ...
وقوله - سبحانه -: ((وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر، بيان لكمال
قدر ته - تعالى - .
واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار . يقال:
لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع .. وقوله: ((واحدة، صفة
لموصوف محذوف .
أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة،
وهى قول: (( كن)) فتوجد هذه الأشياء كلمح البصرة فى السرعة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له
كن فيكون».
والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى -، وسرعة إيجاده
(١) راجع تفسير ابن كثير - ٤ ص ٢٦٧

١٥٤
سورة القمر
لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى مى أراده الله - تعالى ..
فان بدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة .
والتعبير بقوله ((واحدة)) لإفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده
فسيوجد فى أسرع وقت ، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها ، سواء أ كان ذلك
الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا.، .
ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال :. ولقد
أهلكنا أشياءكم فهل من مدكر ».
والأشباع: جمع شيعة. وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة.
من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو
الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار. والمراد به هنا :
الأشباه والنظائر .
أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم
السابقة ، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.
فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير ، والاستفهام فيها الحض على
الاتعاظ والاعتبار .
١
ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإنسان، هو مسجل عليه، فقال:
((وكل شىء فعلوه فى الزبر)).
أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ.
فى كتب الحفظة ، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين ، بدون زيادة
أو نقصان ...
كما قال - تعالى - بعد ذلك: وكل صغير وكبير مستطر، أى: وكل
صغير من الأقوال أو الأفعال ، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل
على صاحبه .

١٥٥
الجزء السابع والعشرون
فقوله: (( مستطر، بمعنى مسطور ومكتقب. يقال: سطر يسطر سطرا،
إذا كتب ، واستطر مثله. والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.
ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : وما عزب
عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك
ولا أ کبر إلا فی کتاب مبین ،(!) .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال:
((إن المتقين فى جنات ونهر. فى مقعد صدق عند مليك مقتدر)).
أى: إن المتقين الذين صافوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين
فى جنات عاليات المقدار، وفى ((نهر)) أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر
ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم . فالمراد بالنهر جنسه.
وقوله: (( فى مقعد صدق)، أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم،
لا لغو فيه ولا تأثم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه
الإنسان بأمان واطمئنان .
( عند مليك مقتدر)، أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.
فالمراد بالعندية هنا، عندية الرقبة والمكانة والتشريف .
وقال - سبحانه - عند مليك، المبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك
وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن
(((مليك، صيغة مبالغة بزنة فعيل.
وتنكير ((مقتدر)) للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة
المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.
(١) سورة يونس الآية ٦١.

١٥٦
سورة النجم
وبعد فهذا تفسير محرر لسورة ((القمر) نسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
۵٣ وصحبه وسلم ؟
الدوحة - قطر مساء الأربعاء
كتبه الراجي عفو ربه
٢ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ
محمد سيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية العربية
١٩٨٦/٢/١٢ م

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
سُورَة الرّحْمَنُ
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
معميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
جامعة الأزهر
( الجزء السابع والعشرون)
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

بْر ◌َبد الرحمن الرحيم
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الرحمن، سميت بهذا الاسم، لافتتاحها بهذا الاسم الجليل
من أسماء - تعالى -.
وقد وردت تسميتها بهذا الاسم فى الحديث الذى أخرجه الإمام الترمذى
عن جابر بن عبد الله قال خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه
فقرأ عليهم سورة («الرحمن» من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال - صلى الله
عليه وسلم -: لقد قر أنها على الجن ، فكانوا أحسن مردودا منكم كنت كلما
أتيت على قوله - تعالى -: ((فبأي آلاء ربكما تكذبان، قالوا: ولا بشىء من
نعمك ياربنا فكذب فلك الحمد .. ))(١).
وسميت فى حديث مرفوع أخرجه البيهقى عن على بن أبى طالب - رضى
الله عنه -: ((عروس القرآن)).
وقد ذكروا فى سبب نزولها، أن المشركين عندما قالوا: ((وما الرحمن))
نزلت هذه السورة لترد عليهم ، ولتثنى على الله - تعالى - بما هو أهله.
٢ - وهى مكية فى قول جمهور الصحابة والتابعين ، وروى عن ابن مسعود
وابن عباس أنها مدنيه، وقيل هى مكية إلا قوله - تعالى- , يسأله من فى
السموات والأرض ... )) .
قال القرطى: والقول الأول أصح، لما روى عن عروة بن الزبير قال :
أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - عبدالله بن مسعود،
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٦٩.

- ١٦ -
وذلك أن الصحابة قالوا: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر بهقط، فمن رجل
يسمعهم إياه ؟
فقال ابن مسعود: أنا . فقالوا: نخشى عليك، إنما تريد رجلا له عشيرة
يمنعونه، فأبى، ثم قام عند المقام فقال: بسم الله الرحمن الرحيم . الرحمن.
علم القرآن ... ، ثم تمادى رافعا بهاصوته وقريش فى أنديتها ، فتأملوا وقالوا:
ما يقول ابن أم عبد ؟
قالوا: هو يقول الذى يزعم محمد أنه أنزل عليه ، ثم ضربوه حتى أثروا
فى وجهه ... وفى هذا دليل على أنها مكية ... )،(!).
والحق أن ماذهب إليه الإمام القرطبى من كون سورة الرحمن مكية ،
هو ما تطمئن إليه النفس، لأن السورة من أولها إلى آخرها فيها سمات القرآن
المكى، الذى تغلب عليه الحديث المفصل عن الأدلة على وحدانية اه وقدرته
وعظم نعمه على خلقه ، والمقارنة بين حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة
الأشرار ...
٣ - وعدد آباتها ثمان وسبعون آية فى المصحف الحجازى، وست وسبعون
فى المصحف البصرى .
٤ - وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى، ثم بالثناء على
القرآن الكريم ، ثم ببيان جانب من مظاهر قدرة الله تعالى -، ومن جميل
صنعه، وبديع فعله ... قال - تعالى -: الرحمن. على القرآن. خلق الإنسان.
علمه البيان . الشمس والقمر بحسبان .