النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الجزء السابع والعشرون وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((بعثت أنا والساعة هكذا)، وأشاربإ صبعيه السبابة والوسطى(١). وشبيه بهذا الافتتاح قوله - تعالى - فى مطلع سورة الأنبياء: «اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون ..... وقوله - سبحانه - فى افتتاح سورة النحل: « أتى أمر الله فلا تستعجلون، سبحانه وتعالى عما يشر كون)). والمقصود من هذا الإفتتاح المتحدث عن قرب يوم القيامة، تذكير الناس بأهوال هذا اليوم، وحضهم على حسن الاستعداد لإستقباله . عن طريق الإيمان والعمل الصالح . وقوله - تعالى -: «وانشق القمر، معطوف على ما قبله عطف جملة على جملة . وقوله: «وانشق، من الانشقاق بمعنى الافتراق والانفصال. أى: اقترب وقت قيام الساعة، وانفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض فلقتين . معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وكان ذلك بمكة قبل هجرته - صلى الله عليه وسلم - ينحو خمس سنين، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من الناس ... وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث فى هذا الشأن ، وقد بلغت هذه الأحاديث مبلغ التواتر المعنوى .. قال الإمام ابن كثير: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء - أى: انشقاق القمر - ، فقد وقع فى زمان النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات . (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٦١. ١٢٢ سورة القمر ومنها مارواه الشيخان عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبى - صلى الله عليه وسلم - آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: ((اقتربت الساعة وانشق القمر )). وأخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال : انشق القمر على ٠ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فلقتين: فلقة على هذا الجبل، وقلقة على هذا الجبل . فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرفا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم . وروى الشيخان عن ابن مسعود قال: أنشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقتين، حتى نظروا إليه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « اشهدوا،(!) . وقال الآلوسى - بعد أن ذكر عدداً من الأحاديث فى هذا الشأن -: والأحاديث الصحيحة فى الانشقاق كثيرة: واختلف فى قواتره: فقيل: هو غير متواتر : وفى شرح المواقف أنه متواتر . وهو الذى اختاره العلامة السبكى ، فقد قال : الصحيح عندى أن انشقاق القمر متواتر ، منصوص عليه فى القرآن، مروى فى الصحيحين وغيرهما من طرق شتى، لا يمترى فى قواتره. وقد جاءت أحاديثه فى روايات صحيحة ، عن جماعة من الصحابة ، منهم على بن أبى طالب، وأنس ، وابن مسعود .. ٠٠ ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر شبهات المفكرين لحادث الانشقاق -: والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد ، ولا يستطيع أن يأتى بدليل على الاستحالة الذاتية ولو انشق، والاستبعاد فى مثل هذه المقامات قريب من الجنون، عند من له عقل سليم ... ,(٢) . (١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٢٦١ (٢) راجع تفسير الألوسى «١٧ ص ٧٦ ١٢٣ الجزء السابع والعشرون ثم بين - سبحانه - موقف خؤلاء المشركين من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((وإن يرواآية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)). أى: وإن يرهؤلاء المشركون آية ومعجزة تدل على صدقك - أيها الرسول الكريم - يعرضوا عنها جحودا وعنادا، ويقولوا - على سبيل التكذيب لك . ما هذا الذى أتيتنا به يامحمد إلا سحر مستمر . أى: سحر دائم نعرفه عنك. وليس جديدا علينا منك . قال صاحب الكشاف: ((مستمر)، أى: دائم مطرد. وكل شىء قد انقادت طريقته، ودامت حاله، قيل فيه قد استمر ، لأنهم لما رأوا نتابع المعجزات، وترادف الآيات، قالوا: ((هذا سحر مستمر)). وقيل : مستمر ، أى: قوى محكم ـ من المرة بمعنى القوة -، وقيل هو من استمر الشىء إذا اشتدت مرارته، أى: مستبشع عندنامر على لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ الشىء المر. وقيل: مستمر: أى مارّ ذاهب زائل عما قريب - من قولهم: مر الشىء واستمر إذا ذهب - (!). ثم أخبر - سبحانه - عن حالهم فى الماضى، بعد بيان حالهم فى المستقبل، فقال - تعالى -: « وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر)). أى: أن هؤلاء الجاحدين جمعوا كل الرذائل ، فهم إن يروا معجزة تشهد لك بالصدق - أيها الرسول الكريم - بعرضوا عنها، ويصفوها بأنها سحر، وهم فى ماضيهم كذبوادعوتك «واتبعوا أهواءهم الفاسدة، ونفوسهم. الأمارة بالسوء : وجملة: ((وكل أمر مستقر، معثرضة، وهى جارية مجرى المثل: أى: وكل أمر لابد وأن يستقر إلى غاية، وينتهى إلى نهاية ، وكذلك أمر هؤلاء الظالمين ، سينتهى إلى الخسران، وأمر المؤمنين سينتهى إلى الفلاح. (١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص٣٦ ٣.٠٠ ١٢٤ سورة القمر وفى هذا الاعتراض تسلية وتبشير النبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه بحسن العاقبة، وتيئيس وإقناط لأولئك المشركين من زوال أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - كما كانوا يتمنون ويتوهمون. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون)). ثم بين - سبحانه - أنهم قوم لا تتأثر قلوبهم بالمواعظ والنذر ، فقال: ((ولقد جاءهم من الأنباء مافيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغنى النذر). والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر المشتمل على أمور هامة، من شأنها أن يتأثر بها السامع . ومزدجر: مصدر ميمى، وأصله مزتجر ، فأبدلت تاء الافتعال دالا ، وأصله من الزجر، بمعنى المفع والانتهار . أى: ولقد جاء هؤلاء المشركين فى القرآن الكريم، من الأنباء، الهامة ومن أخبار الأمم البائدة، مافيه إزدجار وانتهار لهم عن الارتكاس فى القبائح، وعن الإصرار على الفسوق والكفر والعصيان . و «ما، فى قوله - سبحانه - «ما فيه مزدجر، الوصولة، وهى فاعل لقوله ((جاءهم)، وقوله: (( من الأنباء، فى موضع الحال منها ... وقوله - تعالى - (( حكمة بالغة، بدل من (ماء، أو خبر لمبتدأ محذوف. والحكمة : العلم النافع الذى يترتب عليه تحرى الصواب فى القول والفعل. أى : هذا الذى جاءهم من أنباء الماضين، ومن أخبار السابقين فيه ما فيه من الحكم البليغة ، والعظات الواضحة التى لا خلل فيها ولا اضطراب . و((ماء فى قوله: فما تعنى النذر)) نافية، والنذر: جمع نذير بمعنى منذر. أى: لقد جاء إلى هؤلاء المشركين من الأخبار ومن الحكم البليغة . مايزجرم عن ارتكاب الشرور؛ ومافيه إنذارلهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا فى غيهم ولكن كل ذلك لاغناء فيه، ولا نفع من وراءه، لهؤلاء الجاحدين المعاندين الذين عمو أوصموا ... ١٢٠ الجزء السابع والعشرون ويصح أن تكون دماء هنا، للاستفهام الإن كارى. أى: ما الذى تغنيه النذر بالنسبة لهؤلاء المصرين على الكفر؟ إنها لا تعنى شيئا ماداموا لم يفتحوا قلوبهم للحق . والفاء فى قوله - تعالى -: ((فتولُ عنهم يوم يدع الداع إلى شىء ذكر.) للتفريع على ما تقدم ، وهى تفيد السببية . وقوله: (( يوم يدع الداع، ظرف لقوله: ((يخرجون من الأجداث))، والداع: هو إسرافيل - عليه السلام - الذى ينفخ فى الصور أمرالله - تعالى -. والمراد بالفكر: الأمر الفظيع الهائل ، الذى لم تألفه النفوس، ولم تر له مثيلا فى الشدة . أى: إذا كان هذا حالهم من عدم إغناء النذر فيهم ، فقول عنهم - أيها الرسول الكريم - ، ولا تبال بهم، واتركهم فى طغيانهم يعمهون، وانتظر عليهم إلى اليوم الذى يدعوهم فيه الداعى ، إلى أمر فظيع عظيم ، تنكره النفوس ، لعدم عهدهم بمثله ، وهو يوم البعث والنشور . قال الجمل: وقوله: (( يوم يدع الداع، منصوب إما با ذكر مضمرا ... وإما يخرجون .... وحذفت الواو من «يدع، لفظا لالتقاء الساكنين ، ورسما تبعا للفظ ، وحذفت الياء من («الداع) للتخفيف ... والداع هو إسرافيل ... ) (١) وقوله: ((خشعا أبصارهم، حال من الفاعل فى قوله «يخرجون ... ))! أى: ذليلة أبصارهم بحيث تنظر إلى أمامها من أهوال نظرة البائس الذليل ، الذى لا يستطيع أن يحقق نظره فيما ينظر إليه . قال القرطبى: الخشوع فى البصر: الخضوع والذلة . وأضاف - سبحانه- الخضوع إلى الأبصار، لأن أثر العز والذل يتبين فى ناظر الإنسان . (١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٢٤٢ ١٢٦ سورة القمر قال - إتعالى -: ((أبصارها خاشعة، وقال - تعالى -: ((وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذلّ ينظرون من طرف خفي ... )). ويقال: خشع واختشع إذا ذل. وخشع ببصره إذا غضه ... وقرأ حمزة والكسائى خاشعا أبصارم ... ،(١). وقوله: (( يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منقشر، أى: يخرجون من القبور. وعيونهم ذليلة من شدة الهول، وأجسادهم تملأ الآفاق ، حتى لكأنهم جراد منتشر، قد سد الجهات. واستقر بعضه ببعض. فالمقصود بالجملة الكريمة تشبيهم بالجراد فى السكثرة والتموج ، والاكتظاظ والانتشار فى الأقطار وهم يسرعون الخطا نحو أرض المحشر. وقوله: « مهطعين إلى الداع ، أى: مسرعين نحوه، وقد مدوا أعناقهم إلى الإمام. مأخوذ من الإقطاع ، وهو الإسراع فى المشى مع مد العنق إلى الأمام. يقال: أمطع فلان فى جريه، إذا أسرع فيه مع الخوف ، فهو ممطع . «يقول الكافرون، وقد رأوا من أهوال يوم القيامة ما يدهشهم: «هذا يوم عسر ، أى : يقولون هذا يوم صعب شديد، بسبب ما يما ينون من أهواله ويتوقعون فيه من سوء العاقبة . " والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد وصفت أحوال الكافرين فى هذا اليوم ، وصفا تقشعر من هو له الأبدان ... - - فهم أذلاء ضعفاء ينظرون إلى ما يحيط بهم نظرة الخائف المفتضح ، وم (١) تفسير القرطي ج ١٧ ص ٠١٢٩ ١٢٧ الجزء السابع والعشرون فى حالة خروجهم من قبورهم كأنهم الجراد المنتشر، فى الكثرة والنموج والاضطراب، وهم يسرعون نحو الداعى بذعردون أن يلووا على شىء،ودون أن يكون فى إمكانهم المخالفة أو التأخر عن دعوته. ثم هم بعد كل ذلك يقولون على سبيل التحسر والتفجع: هذا يوم شديد الصعوبة والمسر . ٥٠٠ (كذَّبتْ قِبَلَهُم قومُ نوحِ فَكَذْبُوا عبدَنَاَ وقَالُوا تَخْونٌ وازْدُجِرٍ (٩) فدَهَاَ ربَّه أَنِّى مغلوبٌ فانتَصِرْ (١٠) ففتحناً أبواب السماء بماءٍ مُنْهَمِرِ (١١) وفجَّرناَ الأرْضَ عُيونَا فالتَّقَى الماء علَى أَمرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وتَحْنَهُ عَلَى ذاتٍ ألواحٍ ودُسُرٍ (١٣) تجرِى بأعينناَ جزاء لمنْ كانَ كُفِرِ (١٤) ولقَدْ تركناها آيَةً فَهَل مِنْ مُدَّ كرِ (١٥) فكيفَ كانَ عَذَابِى ونُذُرِ (١٦) ولقَد يسَّرنا القرآنَ الذِّكْرِ فَلْ مِنْ مُدَّكِر (١٧) )). وقصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سور أخرى، كسورة هود، والمؤمنون، وفوح، والأعراف. ولكنها جاءت هنا - كغيرها من القصص- بصورة حاسمة قاصمة، تزلزل النفوس، وتفتح العيون على مصارع الغابرين، لكى يعتبر الكافرون ، و بتهوا عن كفرم ، قال الألوسى: قوله: (( كذبت قبلهم قوم نوح ٠٠٠، شروع فى تعداد ١٢٨ سورة القمر بعض ماذكر من الأنبياء الموجبة للانزجار ، ونوع تفصيل لها وبيان لعدم. تأثرهم بها، تقريرا لفحوى قوله: « فما تغنى النذر،. والفعل (( كذبت)) منزلة اللازم. أى فصل التكذيب قبل قومك قوم. نوح ... )) (١) وفى هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لأن المصيبة إذا عمت خفت، وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه -: «وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ... ، وأسند - سبحانه - التكذيت إلى جميع قوم نوح - عليه السلام-، لأن الذين آمنوا به منهم عدد قليل ، كما قال - تعالى - فى سورة هود: «وما آمن معه إلا قليل ،. وقوله - تعالى -: (فكذبوا عبدنا، تأكيد لتعكذيبهم له - عليه السلام-، فكأنه - سبحانه - يقول: إن قوم نوح - عليه السلام - قد أصروا على تكذيبهم لعبدنا ونبينا، وتواصوا بهذا التكذيب فيما بينهم ، حتى لكأن الكبار قد أوصوا به الصغار . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله: ((فكذبوا عبدنا)، بعد قوله: (( كذبت)، ؟ قلت معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا. أى : كذبوه تکذیبا على عقب تكذیب ، کلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعهم قرن مكذب . أو معناه: كذبت قوم نوح الرسل ، فكذبوا عبدنا، أى : لما كانوا مكذبين بالرسل، جاحدين للنبوة رأسا، كذبوانوحا لأنه من جملة الرسل ،(٢) وة.وله - سبانه -: ((وقالوا مجنون وازدجر» بيان لما كانوا عليه من إنطماس بصيرة، ومن سوء خلق .. (١) تفسير الآلوسي = ٢٧ ص ٨١ (٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٧ ١٢٩ الجزء السابع والعشرون أى: أنهم لم يكتفوا بتكذيب نبيهم ومرشدهم وهاديهم إلى الخير ... بل أضافوا إلى ذلك وصفة بالجنون، والاعتدا عليه بأنواع الأذى والترهيب فقوله: ((وازدجر)) معطوف على قوله, قالوا، وهو مأخوذ من الزجر بمعنى المنع والتخويف. وصيغة الإفتعال للمبالغة فى زجره وإيذائه. وقد حكى القرآن فى آيات أخرى ألوانا من هذا الزجر والإيذاء ومن ذلك قو له ، تعالی ۔ كما حكى عنهم -: ((قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين)). ثم حكى - سبحانه - ما فعله نوح - عليه السلام - بعد أن صبر على إيذاء قومه فقال: « فدعا ربه أبى مغلوب فانتصر .. )) . أى: وبعد أن يتس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه ... نضرع إلى وبه قائلا: يارب إن قومى قد غلبونى بقوتهم وتمرده ... فانتصر لى منهم ، فأنت أقوى الأقوياء، وأعظم نصير للمظلومين والمغلوبين على أمرهم من أمثالى . 1 وحذف متعلق, فانتصر، الإيجاز. أى: فانتقم لى منهم. ولقد كانت نتيجة هذا الدعاء، الإجابة السريعة، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر: ) أى: فأجبنا لنوج دعاءه، ففتحنا أبواب السماء بماء كثير منهمر ، أى : منصب على الأرض بقوة وبكثرة وتتابع. يقال: همر فلان الماء بهمر بكسر الميم وضمها - إذا صبه بكثرة: وقراءة الجمهور, ففتحنا، بتخفيف التاء. وقرأ ابن عامر بتشديدها على المبالغه . قال الجمل: والمراد من الفتح والأبواب والسماء: حقائقها، فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق . ( ٩ - سورة القمر ) ١٣٠ سورة القمر والباء فى قوله: ( بماء للتعدية على المبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التى يفتح بها، كما تقول: فتحت بالمفتاح ... ، (١) وقولة: ((وفجرنا الأرض عيونا ... ، معطوف على قوله: ( ففتحنا)) وتفجير الماء: إسالته بقوة وشدة وكثرة، ومنه قوله - تعالى -: ((وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا)). وقوله: (( عيونا، تميز محول عن المفعول به. والأصل: وفجرنا عيون الأرض ، ولكن جىء به على هذا الأسلوب المشتمل على التمييز للمبالغة، حتى لكان الأرض جميعها قد تحولت إلى عيون متفجرة : وقوله - سبحانه: (( فالتقى، الماء على أمر قدر، بيان لكمال حكمته - تعالى - بعد بيان مظاهر قدرته . أز فاجتمع الماء النازل من السماء، مع الماء المتفجر من الأرض، على أمر قد قدره الله - تعالى - وقضاه أزلا، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان. فالمراد بالماء : ماء السماء وماء الأرض. وقال - سبحانه -، فالتقى الماء) بالإفراد، لتحقيق أن التقاء الماءين لم بكن بطريق المجاورة، بل كان بطريق الاتحاد والاختلاط، حتى لكأن الماء. النازل من السماء، والمتاجر من الأرض ، قد التقيا فى مكان واحد كما يلتقى الجيشان المعدان لإهلاك غيرهما . و((على، فى قوله - تعالى - على أمر قد قدر للاستعلاء المفيد لشدة التمكن والمطابقة أو : التقى الماء بعض ببعض على الحال والشأن الذى قدرناه وقضيناه له دون أن يحيد عن ذلك قيد شعره , إذ كل شىء عندنا بمقدار. ثم بين - سبحانه .. بعض مظاهر فضله على عبده نوح - عليه السلام - فقال. (( وحملناه على ذات ألواح ودسر . وتجرى بأعيننا ... )) (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٢٤٣ ١٣١ الجزء السابع والعشرون والدسر: جمع دسار - ككتاب وكتب - أى: مسامير تربط بعض الأشب ببعض . وأصل الدسر : الدفع الشديد بقوه ، سمى به المسمار ، لأنه يدق فى الخشب فيدفع بقوة . وقيل : الدسر : الخيوط التى تشد بها ألواح السفينة ، وقيل الدسر: صدرها ومقدمتها . وقوله: (( ذات ألواح ودسر، صفة لموصوف محذوف .. أى: وحملنا نوحاومن معه من المؤمنين، على سفينة ذات ألواح من الخشب ومسامير يشد بها هذا الخشب ويربط ... قال صاحب الكشاف: قوله: ( وحملناه على ذات ألواح ودسر، أراد السفينة، وهو من الصفات التى تقوم مقام الموصوفات، فتنوب منابها، وتؤدى مؤداها، بحيث لا يفصل بينها وبينها . وهـا من فصيح الكلام وبديعه .. ، (١) وعدى فعل «وحملناه)» إلى نوح وحده، مع أن السفينة حملت معه المؤمنين ، لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته، وقد جاءت أخرى أخبرت بأن المؤمنين كانوا معه فى السفينة، ومن هذه الآيات، قوله - تعالى -: «فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ، فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين ..... وقوله («تجرى بأعيننا، أى تجرى هذه السفينة بمر أى منا، وتحت رعايتنا وقدر تنا . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت قوم نوح محل غضب الله - تعالى- وفقمته فقال : «جزاء لمن كان كفر. وقوله: ((جزاء)) مفعول لأجله، لقوله: «فتحنا، وما عطف عليه. أى: فعلنا ما فعلنا من فتح السماء بماء منهمر، جزاء لكفرهم بالله - تعالى - (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٨ ١٣٢ سورة القمر وبنبيه نوح - عليه السلام - الذى كان نعمة لهم، ولكنهم كفروها ولم يشكروا الله عليها، فاستحقوا الغرق والدمار. وحذف - سبحانه - متعلق, كفر) لدلالة الكلام عليه. أى : كفر به. قال الآلوسي: قوله: (( جزاء لمن كان كفر، أى: فعلنا ذلك جزاء لنوح - عليه السلام -، فإنه كان نعمة أنعمها الله - تعالى - على قومه فكفروها، و کذا کل فی نعمة من الله - تعالى - على أمته . وجوز أن يكون على حذف الجار، وإيصال الفعل إلى الضمير، واستتارة فى الفعل، بعد انقلابه مرفوعا. أى: من كفر به، وهو نوح - عليه السلام - جحدت نبو ته . ـى فالكفر عليه ضد الإيمان، وعلى الأول كفران النعمة ... (١) والضمير المنصوب فى قوله - تعالى -: (ولقد تركناها آية .. » يعود إلى الفعلة المهلكه التى فعلها الله - تعالى - بقوم نوح - عليه السلام -. أى: ولقد تم كنا فعلتنا بقوم نوح، وإهلا كنا لهم، آبة وعلامة لمن بعدهم ، وعظه وعبرة لمن يعتبر ويتعظ بها. ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى -: وقوم فوح لما كدبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آبه ... ، (٢) ويصح أن يكون الضمير يعود إلى السفينة. أى: ولقد أبقينا هذه السفينة من بعد إهلاك قوم نوح، علامة وعبرة لمن يشاهدها . ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى -: ((فأنجيناه وأصحاب السفينة، وجعلناها آية للعالمين ، (٣) (١) تفسير الآلوسى = ٢٧ ص ٨٣ (٢) سورة الفرقان. الآية ٣٧ (٣) سورة العنكبوت. الآية .. ١٣٣ الجزء السابع والمشرون قال القرطى: قوله: ولقد تركناها آية .. )) بريد هذه الفعلة عبرة. وقيل: أراد السفينة ، تركها آية لمن بعد قوم نوح يستبرون بها فلا يكذبون الرسل قال قتادة : أبقاها الله - تعالى - (( بيا قردى ، من أرض الجزيرة - قرب الموصل بالعراق - لتكون عبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة بعدها صارت رمادا (١). ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للرأيين فهذه العقوبة التى أنزلها - سبحانه - بقوم نوح - عليه السلام - بقيت عبرة لمن بعدها لينزجروا، ويكفوا عن تكذيب الرسل، كما أن السفينة قد أقاما - سبحانه بعد إغراقهم إلى الزمن الذى قدره وأراده، لتكون - أيضا عبرة وعظة لغيرهم . والإستفهام فى قوله: « فهل من مذكر ، للحض على التذكر والاعتبار. ولفظ (( مذكر، أصله مذتمكر من الذكر الذى هو ضد النسيان، فأبدلت التاء دالا مهملة، وكذا الذال المعجمة ثم أذغمت فيها، ومنه قوله - تعالى -: ((وقال الذى محامنهما واد كر بعدأمة ... ( أى: وتذكر بعد نسيان. أى: ولقد تركنا ما فعلناه بقوم نوح عبرة، فاعتبروا بذلك - أيها الناس-، وأخلصوات - تعالى - العبادة والطاعة، لتنجوا من غضبه وعقابه . والاستفهام فى قوله - سبحانه - .. فكيف كان عذابى ونذر، للتهويل والتعجيب من شدة هذا العذاب الذى حاق بقوم نوح - عليه السلام - أى: فكيف كان عذابى لهم، وإنذارى إياهم؟ لقد كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف , ولا تحدها العبارة . والنذر: مفردة نذير، وجمع لتكرر الإنذار من نوح - عليه السلام- لقومه . (١) تفسير القرطبى = ١٧ ص ١٣٣ ١٣٤ سورة القمر قال الجمل : وقرى. فى السبع بإثبات الياء وحذفها وأما فى الرسم فلا نثبت لأنها من ياءات الزوائد، وكذا يقال فى المواضع الآتية كلها .. ،(١) . : ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله ورحمته لى هذه الأمة ، حيث جعل كتابه ميسرا فى حفظه وفهمه، فقال - تعالى -: (ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر » . أى: والله لقد سهلنا القرآن , للذكر، أى: التذكر والحفظ، بأن أنزلناه فصيحا فى ألفاظه، بليغا فى تراكيبه، ورضما فى معانيه، سهل الحفظ لمن أراد أن يحفظه ... فهل من معتبر ومتعظ، بقصصه، ووعده، ووعيده، وأمره، ونهيه؟ .. ٠ وقد وردت هذه الآية فى أعقاب قصة قوم نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام -، لتأكيد مضمون ماسبق فى قوله - تعالى -: ((ولقد جاءم من الأنباء مافيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغنى النذر). والتنبيه والإشعار بأن كل قصة من تلك القصص جديرة بإيجاب الاتعاظ، وكافية فى الاعتبار والازدجار، ((لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد ). ٠ والمقصود بالآية الكريمة التحضيض على حفظ القرآن الكريم، والاعتبار بمواعظه، والعمل بما فيه من تشريعات حكيمة، وآداب قويمة، وهدايات سامية ... ٠٠٠ ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن قصة قبيلة عاد مع نبيهم هود - عليه السلام -، فذكرت ماحل بهم من عقاب بسبب كفرهم ودغيانهم، فقال -تعالى -: (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٠٨٤ ١٣٥ الجزء السابع والعشرون ((كَذَّبَتْ عَادٌ فكيفَ كانَ عذّابِى ونُذُر (١٨) إِنَّ أَرْسَلْنَ عليهِم ريحاً صَرْصَرًا فى يومٍ محسٍ مُستَر (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كأَنَّهم أعجازُ تَخْلٍ مِنقَرِ (٢٠) فَكَيفَ كانَ عِذَابى ونُذُر (٢١) ولقّدْ يسَّرنا القرآنَ الذِّكْر فَلْ من مُذّكرٍ (٢٣)». والمراد بعاد، تلك القبيلة التى ينتهى نسبها إلى جدهم عاد، وكانت مساكنهم بالأحقاف فى جنوب الجزيرة العربية. وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - لكى يأمرهم بعبادة أقه - تعالى - وحده، وينهاهم عن عبادة غيره ... وقد جاء الحديث عنهم بصورة أكثر تفصيلا، فى سور: الأعراف، وهود، والشعراء، والأحقاف .. ولم تعطف قصتهم هنا على قصة نوح التى قبلها، للإشعار بأنها قصة مستقلة جديرة بأن يعتبر بها المعتبرون ، ويتعظ بها المتعظون ... وحذف المفعول فى قوله: ((كذبت عاد) للعلم به، وهو نبيهم هود - عليه السلام - أى: كذبت قبيلة عاد نيها هودا - عليه السلام -. والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ((فكيف كان عذابى ونذر، للتهويل، ولتشويق نفوس السامعين إلى معرفة العذاب الشديد الذى حل بهم . أى: كذبت قبيلة عاد نبيها، فهل علمتم ماحل بها من دمار وهلاك؟ إن كنتم لم تعلموا ذلك فما كم خبره ... ((إنا أرسلنا عليهم ربحا صرصرا ... ، أى: إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة البرودة والقوة ، ذات صوت هائل . (((فى يوم نحس مستمر)) أى: فى يوم مشئوم عليهم، وشؤ ٨٠ دائم ومستمر لم ينقطع عنهم حتى دمرم . ١٢٦ سورة القمر قال ابن كثير: قوله :. مستمر، أى: مستمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوى بالأخروى ... »(١). وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((فأرسلنا عليهم ربحا صرصرا فى أيام نحسات ، لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخرى وم لاينصرون ... »(٢). وإضافة ((يوم)) إلى ((نحس)) من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه، كقولهم: يوم فتح خيبر ... والمراد أنه يوم منحوس ومشئوم بالنسبة لهؤلاء المهلكين ، وليس المراد أنه يوم منحوس بذاته، لأن الأيام بداولها الله - تعالى - بين الناس، بمقتضى إرادته وحكمته . وقوله: ((تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر، بيان لقوة هذه الريح وشدتها .. والنزع : الإزالة للشىء بعنف، حتى يزول عن آخره، وينفصل عما كان متصلا به . والمراد بالناس: هؤلاء المهلكين من قوم هود - عليه السلام .. والأعجاز: جمع عجز، وهو مؤخر الشىء وأسفله . وأعجاز الدخل : أصولها التى تقوم عليها. والمراد بها هنا: النخل بتمامه ماعدا الفروع. وقوله: ((منقعر، اسم فاعل انقعر، مطاوع قمره، أى: بلغ قعره بالحفر، يقال : قعر فلان البثر إذا بلغ قعرها فى الحفر، وهو صفة النخل . أى: أن الربح لشدّتها وقوتها، كانت تقتلهم من أماكنهم ، وتلقى بهم (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٣٦٤ (٢) سورة فصلت الآية ١٦. ١٣٧ الجزء السابع والعشرون بعيداً وهم صرعى، فكأنهم وهم مددون على الأرض ملكى، أعجاز نخل قد انقلع عن أموله. وسقط على الأرض ... قال ابن كثير: ((وذلك أن الريح كانت قأن أحدهم، فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه. فيسقط على الأرض ، فتتحلع رأسه، فيبقى جثة بلا رأس، ولهدا قال: ، كأنهم أعجاز بخر منقعر، (١). الآية الكريمة فيها مافيها من التفظيع لما أصابهم من ملاك واستئصال. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:. وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عائية سخّرها عليهم سبع ليال، وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية ... )). ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء الطغاة، بمثل ماختم به قصة قوم نوح، من تن كير الناس بما أصاب هؤلاء الظالمين من عذاب أليم، ومن دعوتهم إلى الاعتبار بقصص القرآن، وزواجره، ووعده ووعيده ... فقال - تعالى -: ((فكيف كان عذابى ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مذكر،. ٠٠٠ ثم جاءت بعد قصة قوم هود قصة قوم صالح : - عليهما السلام - فقال - سبحانه - : ((كذّبَتْ مُودُ بالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أبشَرمِنًا واحداً تَبِه، إنَّا إذاً لفِ ضْلاَلٍ وسُمُر (٢٤) أأُلقِىَ اللَّ كْرُ عَلَيهِ من ◌َينِنَاَ بَلْ هَوَ كذّابٌ أَشِرِ (٣٥) سيَعَلَونَ غداً مَنِ الكَذَّابُ الْأشِرْ (٢٦) إنَّا مُرسِلُوا النَّاقَةَ فِثَةً لهم ◌َرتقبْهم واصْطِرٌ (٢٧) ويُثْهُ أنَّ الماءِمةُ (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٦٢. ١٣٨ سورة القمر بَيْنَهُم كلُّ شِرْبٍ مُحَتَفَرٌ (٢٨) فنآدَوْا صَاحِيَهم فَتَماطى فَقَّرَ (٢٩) فكيفَ كانَ عِذَابِي وَنُذُر (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَ عليْهِم مَيْحةٌ واحِدةً فكانُوا كَشِيمِ المختظِرِ (٣١) ولقد يسَّرْنَاَ القرآنَ للِذِّ كُرٍ فَلْ مِنْ مُدَّ كِرِ (٣٢) )). وقصة قبيلة نمود مع نبيهم صالح - عليه السلام - قد وردت فى سور متعددة، منها سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة النمل. وينتهى نسبهم إلى جدهم نمود، وقيل سموا بذلك لقلة ماء المكان الذى كانوا يعيشون فيه، لأن التمد هو الماء القليل. و كانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم -، وهو مكان يقع بين الحجاز والشام، ومازال معروفاً إلى الآن . ونهيهم صالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام -. وقوله: « كذبت نمود بالنذر، أى: كذبت قبيلة نمود بالنذر التى جاءتهم عن طريق رسولهم صالح - عليه السلام -. فالنذر بمعنى الإنذارات التى أنذرم بها صالح - عليه السلام - ثم حكى - سبحانه - مظاهر تكذيهم فقال: « فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ..... و((بشرا)) منصوب على المفعولية بالفعل («نتبعه) على طريقة الاشتغال، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام، لأن حقها التصدير. والاستفهام للإنكار، وواحدا صفة لقوله. بشرا). أى: أن قوم صالح - عليه السلام - حين جاءهم برسالته التى تدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -، أنكروا ذلك، وقالوا: أنتبع واحدا من أفناء البشر جاءنا بهذا الكلام الذى يخالف ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا ؟ ((إنا إذا أفى ضلال وسعر)) أى: إنا إذا لو اتبعناه، لصرنا فى ضلال عظيمفى وفى (( سعر، أى وفى جنون واضح. ومنه قولهم: ناقة مسعورة، إذا كانت لاتستقر على حال ، وتفرط فى سيرها كالمجنونة . ١٣٩ الجزء السابع والعشرون أو المعنى: إنا لو اتبعناه لمكنا فى ضلال، وفى نيران عظيمة. فالسعر بمعنى النار المسعرة ثم أخذوا فى تفنيد دعوته، فقالوا: « أألقى الذكر عليه من بيننا .. )) والاستفهام الإنكار والنفى. والمراد بالإلقاء: الإنزال . وبالذكر: الوحى الذى أوحاه الله - تعالى - إليه، وبلغه لهم. أى: أانزل الوحى على صالح وحده دوننا؟ لا لم ينزل عليه الوحى دوننا، فهو واحد من أفنائنا ، وليس من أشرافنا ... ((بل هو كذاب أشر)، أى: بل صالح فيما يدعونا إليه كذاب، أشر، أى: بطر متكبر، معجب بنفسه، يقال: أشر فلان، إذا أبطرته النعمة، وصار مغرورا متكبرا على غيره ، ولا يستعمل نعم الله فيما خلقت له . وهكذا الجاهلون الجاحدون ، يقلبون الحقائق، وتصير الحسنات فى عقولهم سيئات، فصالح - عليه السلام - الذى جاءهم بما يسعدهم أصبح فى نظرهم كذابا مغرورا، لا يليق بهم أن يتبعوه ... وقد رد - سبحانه - عليهم ردا يحمل طم التهديد والوعيد، فقال - تعالى -: « سيعلمون غدا من الكذاب الأشر .. أى: سيعلم هؤلاء الكافرون، فى الغد القريب يوم ينزل بهم المذاب المبين، من هو الكذاب فى أقواله، ومن هو المغرور المتكبر على غيره، أصالح - عليه السلام - أم هم !! والتعبير بالسين فى قوله ((سيعلمون)، لتقريب مضمون الجملة وتأكيده. والمراد بقوله: ((غدا)) الزمن المستقبل القريب الذى سينزل فيه العذاب عليهم ... ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، ما أمر به نبيه صالحا - عليه السلام - فقال: ( إنا مرسلو الناقة فتنة لهم، فار تقبهم واصطبر. ونبتهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب مختضر». ١٤٠ سورة القمر وقوله: « مر سلو الناقة)، أى: مخرجوها وباعثوها، لأنهم اقترحوا على نبيهم صالح أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقه، لكى يتبعوه، فأخرج الله - تعالى - لهم تلك الطاقة، من مكان مرتفع قريب منهم . وإلى هذا المعنى أشار - سبحانه - فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: (( قالوا إنما أنت من المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا، فأت بآية إن كنت من الصادقين. قال هذه فاقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ... ) (١). وقوله ((فتنة، أى: اختبارا وامتحانا لهم، فهو مفعول لأجله. وقوله (( فارتقبهم)) من الارتقاب بمعنى الانتظار، ومثله ((واصطبر)) فهو من الاصطبار وأل فى قوله: « وفبتهم أن الماء قسمة بينهم .. )) للعهد. أى: الماء المعهود لهم، وهو ماء قريتهم الذى يستعملونه فى حوائجهم المتنوعة . وقوله (( قسمة، بمعنى المقسوم، وعُبر عنه بالمصدر للمبالغة . و"ضمير فى ((بينهم، يعود عليهم وعلى الناقة، وجىء ضمير العقلاء على سبيل التغليب . وقوله: (( مختضر)) اسم مفعول من الحضور الذى هو ضد الغيبة وحذف المتعلق لظهوره. أى: محتضر عنده صاحبه . والشرب : النصيب والمرة من الشرب . أى: وقلنا لنبينا صالح على سبيل الإرشاد والتعليم، بعد أن طلب منه قومه معجزة تدل على صدقه: قلنا له . أخبرهم إننا سنرسل الناقة، وسنخرجها لهم أمام أعينهم ، لتكون دليلا على صدقك ، ولتكون امتحانا واختبارا لهم، حتى يظهر لك وللناس أيؤمنون أم يصرون على كفرهم . (١) سورة الشعراء الآيات ١٥٣ - ١٥٥