النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
الجزء السابع والعشرون
التفسير
قال الله تعالى: ((والُورِ (١) وَكَتَبٍ مَسطورٍ (٢) فى رَقِّ
مَنْشورٍ (٣) والبَيتِ المعُمُورِ (٤) والسَّقْفِ المرفُوعِ (٥) والبَحرِ
السْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبكَ لوَاقِع (٧) مالهُ مِنْ دَافِع (٨) يومَ
تمورُ السَّماءِ مَوْرًا (٩) وقسِيرُ الجبالُ سَيْراً (١٠) فَويلٌ يومَئذٍ
للمكذّبِينَ (١١) الذينّ مُ فِى خَوضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يومَ يُدَعُون إلى نارِ
جَهِّ دعًا (١٣) هذه النّارُ التى كَثُم بها تكذِّبونَ (١٤) أَفَسِحْر هذا
أَمْ أَنتُم لا تُبْصِرُونَ (١٥) اسْلَوهاً فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا، سواء
عَلِيكُمْ إِنَّا تَجِزَونَ مَا كُنْتُمْ تعملُونَ (١٦)».
افتتح المه - تعالى - هذه السورة الكريمة ، بالقسم بخمسة أشياء هى من
أعظم مخلوقاته ، للدلالة على كمال قدرته، وبديع صنعته ، وتفرد ألوهيته ....
فقال - سبحانه -: ((والطور، والمراد به جبل الطور، المشار إليه فى
قوله - تعالى -: ((والتين والزيتون. وطور سينين ... ))
قال القرطبي: والطور: اسم الجبل الذى كلم الله - تعالى - عليه موسى.
أقسم الله به تشريفا وتكريما له، وتذكيرا لما فيه من الآيات ... وقيل:
إن الطور اسم لكل جيل أنبت، ومالا ينبت فليس بطور .... »(١).
((وكتاب مسطور)، أى مكتوب مقسق الكتابة ، منتظم الحروف، مرقب
المعانى، فالمراد بالكتاب : المكتوب . وبالمسطور : الذى سطرت حروفه
وكلماته تسطيرا جميلا حسنا .
(١) راجع تفسير القرطبي < ١٧ ص ٠٥٨

٤٢
سورة الطور
والأظهر أن المقصود به القرآن الكريم، لأن الله تعالى - قد أقسم به كثيرا،
ومن ذلك قوله - سبحانه - ((حم. والكتاب المبين)) ((بس والقرآن الحكيم)).
وقيل : المقصود به : جنس الكتب السماوية المنزلة . وقيل: صحائف
الأعمال .
قال الألوسى: قوله: (وكتاب مسطور، أى: مكتوب على وجه الإنتظام.
فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة، والمراد به على ما قال الفراء:
الكتاب الذى تكتب فيه الأعمال ، ويعطاه العبد يوم القيامة بيمينه أو بشماله
وقال الكلى: هو التوراة .. وقيل: القرآن. وقيل اللوح المحفوظ .. )(1)
وقوله: « فى رق منشور ، متعلق بمسطور. أى: مسطور فى رق. والرق.
- بالفتح - كل ما يكتب فيه من ألواح وغيرها. وأصله: الجلد الرقيق
الذى يكتب عليه .
والمنشور. المبسوط، ومنه قوله - تعالى -: (( ونخرج له يوم القيامة
کتابا يلقاه منشورا ،.
. أى : أن هذا الكتاب المسطور، كائن فى صحائف مبسوطة ظاهرة لكل
من ينظر اليها .
وقوله: « والبيت المعمور، هو بيت فى السماء السابعة تطوف به الملائكة
[بأمر الله - تعالى -.
قال ابن كثير: ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال فى حديث الإسراء والمعراج، بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: ثم رفع
فى إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله فى كل يوم سبعون ألفاً من
الملائكة ... »(٢)
(١) تفسير الآلوسى = ٢٧ ص ٢٧
(٢) تفسير الآلومى = ٢٨ ص ١٩

٤٣
الجزء السابع والعشرون
وقيل المراد بالبيت المعمورهنا: البيت الحرام، وسمى بذلك لأنه معمود
بالحجاج والعمار .. والسقف المرفوع)، أى: والسماء المرفوعة، وسميت
سقفا لكونها بمثابة السقف للأرض، كما قال - تعالى -: (وجعلنا الماء سقفا.
محفوظا وهم عن آياتها معرضون)).
(( والبحر المسجور، أى: أى المملوء بالماء. يقال: سجر فلان الحوض
إذا ملأه بالماء .
أو المسجور، بمعنى: المملوء بالنار، من السجر، وهو إيقاد النار فى
التنور ، ومنه قوله - تعالى -: «ثم فى النار يسجرون .
والمراد بالبحر هنا جنسه. قال ابن عباس: ثملأ البحار كلها يوم القيامة.
بالنار، فيزادبها فى نار جهنم .
وبهذا نرى أن الله - تعالى - قد أقسم بخمسة أشياء من مخلوقاته، للدلالة
على وحدانيته ، وعلى شمول قدرته ، وعلى بديع صنعته .....
وجواب هذا القسم قوله - سبحانه -: " إن عذاب ربك لواقع " أى:
وحق هذه المخلوقات الضخمة البديعة، إن عذاب ربك لواقع وفوعا لاشك.
فيه على الكافرين يوم القيامة .
وقوله: (( ما له من دافع، خبر ثان لإن فى قوله: «إن عذاب ربك
الواقع، أى: هو واقع دون أن يستطيع أحد أن يدفعه أو يرده.
عن جبير بن مطعم - رضى الله عنه - قال : قدمت المدينة على رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - لأ كله فى أسارى بدر، فجئت اليه وهو يصلى بأصحابه
صلاة المغرب، فسمعته يقرأ((والطور، إلى ((إن عذاب ربك لواقع. ما له
من دافع). فكأنما صدع قلبى ، فأسلمت خوفاً من نزول العذاب، وما كنت
أظن أن أقوم من مقامى ... (١)
تفسير الآلوسي جـ ٢٧ ص ٢٩

٤٤
سورة الطور
١٠
والظرف فى قوله: ، يوم تمور السماء مورا)، متعلق بقوله (( لواقع))
ومنصوب به. أى: إن هذا العذاب لواقع يوم تضطرب السماء اضطرابا
شديدا ، وتتحرك بمن فيها تحر كا تتداخل معه أجزاؤها .
فالمور: هو الحركة والإضطراب والدوران، والمجىء والذهاب، والتموج
يقال : مار الشىء مورا إذا تحرك واسطرب.
.
((وتسير الجبال سيرا، أى: عذاب ربك واقع يوم تضطرب السماء
بأهلها ، وتزول الجبال عن أماكنها، وتتطاير كالسحب، ثم تتفتتت کالرمال،
ثم تصير كالصوف المنفوش ...
قال - تعالى -: ((وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر من السماء، صنع
الله الذى أتقن كل شى. ،(١) .
وقال - سبحانه -: (( يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن.
ولا يسأل حميم حميماء(٢).
وقوله: (( فويل يومئذ للمكذبين، أى: فهلاك وحسرة فى هذا اليوم
للكذبين به .
((الذين هم فى خوض يلعبون، أى: إذا كان الأمر كما ذكرنالك
- أيها العاقل - ، فهلاك وحسرة فى هذا اليوم للمكذبين بالحق، الذين هم
عاشوا حياتهم الدنيا يلهون ويلعبون دون أن يذكروا حسابا ولا ثواباً
ولا عقابا .
وأصل الخوض: المشى فى عطاء، ثم غلب استعماله فى الاندفاع فى
كل باطل .
(١) سورة النمل الآية ٨٨.
(٢) سورة المعارج الآية ٠١٠،٨

٤٥
الجزء السابع والعشرون
ثم بين - سبحانه - حالهم يوم القيامة فقال: (( يوم يدعون إلى نار جهنم
دعاً . هذه النار التى كنتم بها تكذبون ... ،
والدع : الدفع بعنف وشدة. يقال: دع فلان فلانا دعا، إذا دفعه.
بجفوة وغلظة، ومنه قوله - تعالى -: ((أرأيت الذى يكذب بالدين . فذلك
الذى يدع اليقيم ... )).
أى: اذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، يوم يدفع هؤلاء المكذبون
إلى النار دفعة قويا، لا رحمة معه، ولا شفقة فيه ثم يقال لهم بعد هذا الطرد
الشديد : هذه هى النار التى كنتم بها تكذبون فى الدنيا ، ادخلوها فبئس
منوى المتكبرين .
ثم يقال لهم - أيضا - على سبيل التوبيخ والزجر: ((أفسحر هذا، أى:
أفحر هذا الذى ترونه من العذاب كما كنتم تزعمونه فى الدنيا ؟
, أم أنتم لا تبصرون)) أى: أم أنتم عمى عن مشاهدة العذاب المعد لكم
فلا تبصرونه؟ لا، إن هذا العذاب ليس سحرا، ولستم أنتم بمحجوبين
عن رؤيته، بل هو أمام أعينكم ، ومهيأ لاستقبالكم، وهذه النار تناديكم،
وملائكتنا نقول لكم :
(( أصلوها، أى: ادخلوها، وقاسوا حرها ((فاصبروا أو لا نصبروا،
أى: أدخلوها داخرين فاصبروا على سعيرها أو لا تصبروا، فهى مأواكم
لا محالة .
((سواء عليكم، الأمران، الصبر وعدمه، لأن كليهما لا فائدة لكم
من ورائه .
فقوله: ((سواء عليكم، خبر لمبتدأ محذوف. أى: الأمران سواء
بالنسبة لكم .
((إنما تجزون)) فى هذا اليوم عاقبة ,ما كنتم تعملون)، أى: فى الدنيا .

٤٦
سورة الطور
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله :
((إنما تجزون ما كنتم تعملون)»؟.
" قلت: لأن الصر إنما يكون له مزية على الجزع ، لنفعه فى العاقبة بأن
يجازى عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب هو الجزاء، ولاعاقبة.
ولا منفعة ( فلا مزية له على الجزع)) (١).
٠٠٠
وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين سوء عاقية المكذبين وحسن عاقبة
المؤمنين، جاء الحديث عن المتقين، بعد الحديث عن الكافرين، فقال - تعالى -:
((إِنَّ المَّقِينَ فى جَّاتٍ ونَعِيمٍ (١٧) فاكهِينَ بما آتَاهُ ربّهم ووقَمُ
ربْهُمُ عذابَ الْجَعيمِ (١٨) كُلُوا واشربوا هنيئً بما كنتم تَعمُلُونَ (١٩)
مُتْكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصِفُوفَةٍ وزَ وجِئَمُ بُحُورٍ عينٍ (٢٠) والذينَ آمَنُوا
واتَّبِعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهم بإيمانِ الْتَنَ بِهِمْ ذُرِّيَتَهُم ، وما أَلَتْنَمُ من ◌َملِم مِنْ
شَىءٍ، كُلُّ امرِئٍ بما كسَبَ رَهينٌ (٢١) وأَمْدَدْنَم بفاكهةٍ وَخْمِ
مِما يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهاَ كأساً لاَ لغوْ فيها ولا تَأْثِيمٌ (٢٣)
ويطوفُ عَليهم غِمَنٌ لَهُمْ كَأْنَهُم لؤلؤٌ مَكُنُونٌ (٢٤) وأقبلَ بعضَهم
عَلَى بَعضٍ يَتَساءُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كذا قبلُ فى أَهلِناً مُشْفِقِينَ (٢٦)
فِنَّ اللهُ عَلَيْاَ ووقاَنَ عذابَ السَّمومِ (٢٧) إنا كُنَّا من قبلُ ندُوه
إِنَّه هُو البرُّ الرحيمُ (٢٨))).
والمعنى: «إن المتقين ... ، الذين صافوا أنفسهم عن كل ما نهى الله
- تعالى - عنه .
(١) تغير الكفاف حـ ٤ ص ٠٤٠٩

٤٧
الجزء السابع والعشرون
((فى جنات)، عظيمة، وفى ((نعيم، دائم لا ينقطع.
(((فاكرين)) أى: متلذذين متنعمين بما يحيط بهم من خيرات . مأخوذمن
الفكاهة - بفتح الفاء - وهى طيب العيش مع النشاط. يقال: فكه الرجل
مكها وفكاهة فهو فكا وفا كه ، إذا طاب عيشه ((وزاد سروره، وعظم
نشاطه، وسميت الفاكهة بهذا الاسم لتلذذ الإنسان بها .
((بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم)) أى: متلذذين !. جب ما آتاهم
ربهم من جنات عظيمة، ووقاه - سبحانه - بفضله ورحمته العذاب الذى
يؤلمهم .
ويقال لهم فضلا عن ذلك على سبيل الت كريم: ((كلوا واشربوا هنيئا .. ))
أى: كلوا أكلامريتا، واشربوا شرباهنيتا. والهنىء من المأكول والمشروب
ما لا يلحقه تعب أو سو. عاقبة .
وقوله: (( متكئين على سرر مصفوفة ... ) منصوب على الحال من فاعل
((كلوا، أو من الضمير المستسكن فى قوله (( جنات)).
أى: هم فى جنات عظيمة. حالة كونهم متكئين فيها على سرر موضوعة على
صفوف منتظمة، وعلى خطوط مستوية. والسرر: جمع سرير وهو ما يجلس
عليه الإنسان للراحة .
وقوله: ((وزوجناهم بحور عين، بيان لنعمة أخرى من النعم التى
يتلذذون بها .
٠
أى: وفضلا عن كل ذلك، فقد زوجنام بنساء جميلات ..
وبذلك نرى أن هؤلاء المتقين. قد أكرمهم الله - تعالى - بكل أنواع
التنعيم ، من مسكن طيب، وما كل كريم، ومشرب هنىء، وأزواج مطهرات
من كل سوء .
ثم بين - سبحانه - أنواعا أخرى من تكريمه - تعالى - لهم، فقال:

٤٨
سورة الطور
((والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، وما التنام من
عملهم من شىء ... )).
والآية الكريمة بيان لحال طائفة من أهل الجنة - وهم الذين شار كتهم.
ذريتهم الأقل عملا منهم فى الإيمان - إثر بيان حال المتقين بصفة عامة.
والاسم الموصول مبتدأ، وخبره جمله , ألحقنا بهم ذريتهم،، والمراد
بالذرية هنا: ما يشمل الآباء والأبناء. وقوله: ((واقبعتهم)) معطوف على
(( آمنوا)). وقوله, بإيمان، متعلق بالاتباع، والباء للسببية أو بمعنى فى .
ومعنى: (( ألتناهم، أنقصنام. يقال: فلان ألت فلانا حقه بألته - من
باب ضرب - إذ بخسه حقه .
والمعنى: والذين آمنوا بنا حق الإيمان، وأنبعتهم ذريتهم فى هذا الإيمان.
ألحقنا بهم ذريتهم، بأن جمعناهم معهم فى الجنة ، وما نقصنا هؤلاء المتبوعين.
شيئا من ثواب أعمالهم ، بسبب إلحاق ذريتهم بهم فى الدرجة ، بل جمعنا بينهم
فى الجنة. وساوينا بينهم فى العطاء - حتى ولو كان بعضهم أقل من بعض فى
الأعمال - فضلا منا وكرما .
قال الإمام ابن كثير : يخبر - تعالى - عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه
بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم فى الإيمان، يلحقهم بآبائهم.
فى المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم فى منازلهم،
فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل،
ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للقاوى بينه وبين ذاك، ولهذا قال :
((ألحقنا بهم ذريتهم، وما ألتناهم من عملهم من شىء .. )).
عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن فى درجته، وإن كانوا.
دونه فى العمل ، لتقر بهم عينه، ثم قرأ هذه الآية .

٤٩
الجزء السابع والعشرون
وفى رواية أخرى عنه قال - عندما سئل عن هذه الآية - : هم ذرية
المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألقوا
بآبائهم ، ولم ينقصوا من أعمالهم التى عملوها شيئاً ... ، !! )
. وقال صاحب الكشاف : فإن قلت: مامعنى تنكير الإيمان ؟ قلت :
معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة . ويجوز أن يراد: إيمان الذرية
الدانى المحل. كأنه قال : بشىء من الإيمان ، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألجقناهم
بهم .... ،(٢).
وقال الجمل: ((والذرية هنا تصدق على الآباء والأبناء، فإن المؤمن إذا
كان عمله الصالح أكثر ألحق به من هو دونه فى العمل أبا كان أو ابنا، وهذا
منقول عن ابن عباس وغيره .
وعن ابن عباس - أيضا - يرفعه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -
قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، سأل أحدهم عن أبو به وعن زوجته وولده ،
فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: يارب إنى عملت لى ولهم ، فيؤمر
بإلحاقهم به ... ،(٣)
وقوله: ((كل امرئ بما كسب رهين، أى: كل إنسان مرهون بعمله
عند الله تعالى - ، فإن كان عمله صالحا سعد وفاز، وأطلق نفسه من كل
ما يسودها ويحزنها ، وإن كان غير ذلك ، جوزى على حسب عمله وسعيد.
والتعبير بقوله «رهين، للإشعار بأن كل إنسان مرتمن بعمله، حتى لكأن
العمل الصالح بمنزلة الدين ، وأن الإنسان لا يستطيع الفكاك منه إلا
بعد أدائه .
(١) راجع تفسير ابن كثير =٧ ص ٤٠٨
(٢) تفسير الكشاف - ٤ ص ٤١١
(٣) حاشية الجمل على الجلالين - ٤ ص ٢١٦
(٤ - سورة الطور )

٠٫٠
٥٠
سورة الطور
ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر فضله على عباده المؤمنين
فقال: ((وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ...
أى: وأمددنا هؤلاء المؤمنين - على سبيل الزيادة عما عنده بفاكهة
كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وبلحم لذيذ تشتهيه نفوسهم .
((يتنازعون فيها كأسا .. )، أى: يتجاذبون على سبيل المداعبة، ويتعاطون
على سبيل التكريم، الأوانى المملوءة بالخر التى هى لذة للشار بين ..
(((لا لغو فيها ولا تأثيم، أى: لا يصدر منهم فى أعقاب شربهم لتلك الخمر،
ماجرت به العادة فى أعقاب شرب خمر الدنيا ، من أن الشارب لها يصدر منه
كلام ساقط لا خير فيه ، ويأتى من الأقوال والأفعال ما يعاقب عليه ، وير تكب
الإثم بسببه .
قال صاحب الكشاف: (( لا لغو فيها، أى فى شربها (( ولا تأنيم، اى:
لا يتكلمون فى أثناء الشرب بسقط الحديث، ومالاطائل تحته ، كفعل المتنادمين
فى الدنيا على الشراب فى سفههم وعربدتهم ، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أى:
ينسب إلى الإثم لوفعله فى دار التمكليف من الكذب والشتم والفواحش، وإنما
يتكلمون بالحكم وبالكلام الحس متلذذين بذلك ، لأن عقولهم ثابتة غير زائلة
وم حكماء علياء ..... (١)
((ويطوف عليهم غلمان لهم ... أى: ويطوف عليهم بتلك الكئوس.
المليئة بالخمر ، غلمان لهم ، لمكى يكونوا فى خدمتهم .
((كأنهم لؤلؤ مكنون)) أى: كأن هؤلاء الغلمان فى صفائهم ونقائهم،
لؤلؤ مصون ومحفوظ فى صدفه لم نتله الأيدى .
يقال: كنت الشىء كنا وكنونا، إذا جعلته فى كن، وسترته عن الأعين.
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٤١٢

٠١
الجزء السابع والعشرون
ثم حكى - سبحانه - تساؤلهم وهم فى الجنة، فقال: ((وأقبل بعضهم
على بعض يتساءلون)) أى: وأقبل بعضهم على بعض وهم فى الجنة . يسأل أحدم
الآخر عن أحواله، وعن أعماله ، وعن حسن عاقبته ...
((قالوا، أى: قال كل مسئول السائله: ((إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين))
أى : إنا كنا فى الدنيا ونحن نعيش بين أهلنا خائفين من أهوال يوم القيامة ،
وكنا نقدم العمل الصالح الذى نرجو أن ننال بسببه رضا ربنا ...
فقبل - تعالى - بفضله منا هذا العمل , فمن الله علينا، أى: فتكرم علينا
بمغفرته ورضوانه .
((ووقانا عذاب السموم، أى: وأنقذنا من عذاب النار التى تنفذ بحرها
وسعيرها، إلى العظام والمسام، نفاذ الريح الحادة إلى الأجساد، فتؤثر فيها
تأثير السم فى البدن .
قال صاحب الكشاف : والسموم : الربح الحادة التى تدخل المسام ،
فسميت بها نار جهنم ، لأنها بهذه الصفة .
(( إنا كنا من قبل ندعوه .. )) أى منا كذا من قبل فى الدنيا ندعوه أن يحقبنا
هذا العذاب كما كنا - أيضا - نخلص له العبادة والطاعة.
((إنه) - سبحانه - (((هو البر الرحيم» أى: هو المحسن على عباده الرحيم بهم.
فالبر - بفتح الباء - مشتق من البر - بكبرها -، بمعنى المحسن، يقال:
بر فلان فى يمينه، إذا صدق فيها ، وأحسن أداءها .
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بشرت المتقين بشارات متعددة ،
وذكرت نعما متعددة أنعم بها - سبحانه - عليهم.
٠
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن الكافرين ، فأمرت
النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يمضى فى طريقه دون أن يهتم بأكاذيبهم،

٠٢
سورة الطور
وحكت جانبا من هذه الأكاذيب التى قالوها فى حقه - صلى الله عليه وسلم -
ولقته الجواب المزهق لها ... ، فقال - تعالى . :
((فَذَكِّرِ فَا أنتَ بنِمةٍ رَبِّكَ بِكَ مِنٍ ولا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يقولُونَ
شاعرٌ نترَبَّصُ بِهُ رَيْبَ الْمُنُونِ (٣٠) قُلْ تربّصُوا فإنّى معُكُم مِنَ
المتربَِّينَ (٣١) أمْ تَأْمُرُ أحلامهم بهذا، أمْ هُمُ قومٌ طاغُونَ (٣٢)
أُمْ يقولُونَ تَقَوَّلهُ بَلْ لا يؤمِنُون (٣٣) فَلِيأَنُوا بَحَدِيثٍ مِثلهٍ إن كانوا
صَدِّقِينَ (٣٤) أمْ خُلِقُوا مِنْ غيرٍ شَىءٍ أمْ مَ الْخَالِقُونَ (٣٥) أمْ خَلَقُوا
السَّمواتِ والأرضِ بَلْ لا يوقِنُونَ (٣٦) أمْ عِندَمْ خَزَائِنُ ربِّكَ أمْ م
المصَيَطِرُونَ (٣٧) أمْ لَهُمْ سُلَمْ يَسْتِعُون فيهِ ، فَلَيْتٍ مُستِعُهُم
بِسُلّطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ البنَاتِ وَلِكُم البُُّونَ (٣٩) أَمْ تَسَلَهُمْ أَجْراً
فَهم من مغرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَمَ الغَيْبُ فَهم يكتُبُونَ (٤١) أَمْ
يريدُونَ كيداً فالذينَ كفَروا مُ المكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُم إلهٌ غيرُ
الثّهِ، سُبحانَ اللهِ مما يُشْرِكُونَ (٤٣) وإنْ يِرَوْا كِشْفً من السَّماء ساِطَاً.
يقولوا سَحابٌ مَرْ كومٌ (٤٤))).
والفاء فى قوله - سبحانه -: ((فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن
ولا مجنون ، للإفصاح .
والكامن: هو الإنسان الذى يزعم أنه يخبر عن الأشياء المغيبة. والجنون:
هو الإنسان الذى سلب عقله، فصار لا يعى ما يقول .
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك قبل ذلك - أيها الرسول الكريم-،

٠٣
الجزء السابع والعشرون
فاثبت على ماأنت عليه من التذكير بما أوحيناه إليك ... فما أنت بسبب
إنعام الله عليك بكامن ولا مجنون كما بزعم أولئك الكافرون .
قال الجمل: والباء فى قوله (( بنعمة ربك)، للسببية، وهى متعلقة بالنفى الذى
أفادته , ما، أى: إنتفى كونك كاهنا أو مجنونا، بسبب إنعام الله عليك
بالعقل الراجح، وعلى الهمة ، وكرم الفعال، وطهارة الأخلاق، وهم معترفون
بذلك لك قبل القوة)، (١)
ثم أخذت السورة الكريمة فى تقريع هؤلاء الجاهلين بأسلوب إستنكارى
فيه ما فيه من التعجب من حالاتهم ، وفيه ما فيه من الرد الحكيم على أكاذيبهم
فسافت أقاويلهم بهذا الأسلوب الذى تكرر فيه لفظ «أم، خمس عشرة مرة
وكلها إلزامات ليس لهم عنها جواب. وبدأت بقوله - تعالى -: «أم يقولون
شاعر نتربص به ريب المنون. قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين). و((أم)
فى هذه الآيات بمعنى بل والهمزة .
وقوله: ((تربص، من التربص بمعنى الانتظار والترقب ...
و قوله : « ریب المنون ، يعنون به : حوادث الدهر التى تحدث ه - صلى
الله عليه وسلم - منها الموت، فالمنون: الدهر. وريبه: حوادثه التى يصيبه
بسببها الهلاك .
أى: بل أيقولون عنك - أيها الرسول الكريم - إنك شاعر، وأنهم
يترقبون موتك لكى يستريحوا منك، كما إستراحوا من الشعراء الذين من
قبلك، كزهير والنابغة .... قل لهم - على سبيل التبكيت والتهديد :
تربصوا وترقبوا موتى (إنى معكم من المنتظرين، وستعدون أينا خير مقاما،
وأحسن عاقبة .
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٢١٧

٥٤
سورة الطور
م
قال الآلوسي: ((يتربص به ريب المنون، أى: الدهر. وهــو فعول من
المن بمعنى القطع، لأنه بقطع الأعمار وغيرها. ومنه حبل منين أى : مقطوع
والريب: مصدر رابه إذا أقلقه، أريد به حوادث الدهر وصروفه ، لأنها
تفتق النفوس . وعبر عنها بالمصدر مبالغة ..... وأخرج ابن جرير وغيره
عن ابن عباس ، تفسيره المنون بالموت ...
روى أن قريشا إجتمعت فى دار الندوة، وكثرة آراؤهم فيه - صلى الله
عليه وسلم - حتى قال قائل منهم: تربصوا به ريب المنون ، فإنه شاعر سيهلك
كما هلك زهير والنابغة والأعشى، فافترقوا على هذه المقالة .... (١)
ثم وبخهم - سبحانه - على غفلتهم وعنادهم فقال: «أم تأمرهم أحلامهم
بهذا ، أم هم قوم طاغون ... ،
والأحلام: جمع حلم - بكسر الحاء - والمراد بها هنا: العقول، وكان
شيوخ قريش يدعون بذى الأحلام والنهى
ويطلق الحلم فى الأصل على ضبط النفس عن هيجان الغضب ، وأطلق هنا
على العقل لكونه منشأ له .
أى: بل أنأمرهم عقولهم التى زعموا سلامتها، بأن يقولوا فى شأنك - أيها
الرسول الكريم - إنك شاعر أم مجنون؟
لا، إن أى عقل سليم لم يأمرهم بذلك؛ وإنما هم قوم دأبهم الطغيان والعناد
وتجاوز الحدود التى لا يجوز تجاوزها ..
والعقول إذا إستعمات فى الشرور والآثام، ضاع رشدها ، وفقدت
سلامتها .
ولقد قيل لعمرو بن الغاض - رضى الله عنه -. مابال قومك لم يؤمنوا وم
أصحاب الأحلام؟ فقال: تلك عقول كادها الله - تعالى -. أى. لم يصبها
التوفيق والرشاد .
(١) تفسير الآلومى = ٢٧ ص ٣٦

٥٥
الجزء السابع والعشرون
((أم يقولون تقوله، بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا
صادقين » والتقول: تكلف القول وإختلاقه، وأكثر ما يكون إستعمالا فى
الكذب . يقال: فلان تقول على فلان. إذا إفترى عليه الكذب .
أى: بل أيقولون عنك - أيها الرسول - إنك إفتريت هذا القرآن،
وإختلقته من عند نفسك؟ لا إنك معصوم عن ذلك، وأنت ما نطقت إلا بما
أو حيناه إليك، ولكنهم هم المفترون للكذب عليك ، وما حملهم على ذلك
إلا عدد إيمانهم بالحق، وإنماسهم فى الباطل، إصرارهم على الجحود ..
وإذا كان الأمر - كمازعموا - فها هوذا القرآن أمامهم يسمعون آياته ...
فليأتوا بحديث يشابه القرآن فى بلاغته ، وهدايته، وسمو تشريعاته وآدابه .
وقد تحداهم - سبحانه - فى آيات أخرى أن يأتوابعشرسور من مثله فقال:
« أم يةولون إفتراه قل فأنوا بعشر سور مثله مفتريات، وأدعوا من
إستطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (١)
ثم تحدام - سبحانه - أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فقال: ((وإن كنتم
فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وأدعوا شهداءكم من دون
أنه إن كنتم صادقين ... ،(٢)
ولكنهم فى جميع مراحل التحدى، وقفوا عاجزين مبهوتين ، فثبت أن
هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا
ثم وبخهم - سبحانه - على عدم تفكرهم فى خلق أنفسهم فقال: «أم خلقوا
من غر شىء أم هم الخالقين. أم حلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون))
أى : بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة ، والهيئة القويمة ، من غير أن
(١) سورة هود. الآية ١٣
(٢) سورة البقرة الآية ٢٢

٥٦
سورة الطور
يكون هناك خالق لهم؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم بدون إحتياج لخالق؟
أم هم الذين قاموا بخلق السموات والأرض ؟
لا، إن شيئا من ذلك لم يحدث، فإنهم لم يخلقوا من غير شىء، وإنما الذى
خلقهم بقدرته - تعالى - هو وحده، كما خلق - سبحانه - السموات والأرض
بقدرته - أيضا -، وهم يعترفون بذلك، كما فى قوله - تعالى -: ((ولئن سألتهم
من خلقهم ليقولن الله .... ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
ليقولن الله ... .
.وقوله: « بل لا يوقنون، أى: هم ليسوا على يقين من أمرم، وإنماهم
يخبطون خبط عشواء، فهم مع إعترافهم بأن الله - تعالى - هو الذى خلقهم،
إلا أن هذا الإعتراف صار كالعدم، لأنهم لم يعملوا بموجبه، من إخلاص
العبادة له - تعالى - والإيمان بالحق الذى جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ، من عند خالقهم .
ثم قال - تعالى -: «أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون، أى: بل
أعند هؤلاء الغافلين (( خزائن ربك، أى: مفاتيح أرزاقه - تعالى - لعباده،
ومقدراته لهم، حتى يقسموها عليهم كما شاءوا ، أم هم المسيطرون على أحوال
هذا المكون ، المقسلطون عنى مقدراته، حتى لكأنهم أربابه المتغلبون عليه ؟
كلا لا شىء لهم من ذلك إطلاقا، وإنماهم فقراء إلى رزق الله - تعالى - لهم
«أم لهم سلم يستمعون فيه .. ، والسلم: هو مايتوصل به إلى الأمكنة العمالية
أى: بل ألهم سلم يصعدون بواسطته إلى السماء، ليستمعوا إلى وحينا
وأمرنا ونهينا ...
إن كان أمرم كذلك: «فليأت مستمعهم بسلطان مبين) أى: فليأت
من أستمع منهم إلى شىء من كلامنا أو وحينا بحجة واضحة تدل على صدقه
فیما ادعاه .

٥٧
الجزء السابع والعشرون
ومما لاشك فيه أنهم لاحجة لهم ، بل هم كاذبون إذا ما ادهوا ذلك، لأن
وحى الله - تعالى - خاص بأناس معينين ، لبسوا منهم قطعا.
, أم له البنات ولكم البنون، أى: بل أيقولون إن له .. تعالى - البنات
ولهم الذكور، إن قولهم هذا من أكبر الأدلة على جهلهم وسوء أدبهم ،
لأن الله - تعالى - هو الخالق للنوعین، وهو - سبحانه - «يهب لمن يشاء إنانا
ويهب لمن يشاء الذكور، .
(( أم قسألهم أجرافهم من مغرم مثقلون، أى: بل أنسالهم أجرا على دعوتك
إياهم إلى الحق، فهم بسبب ذلك قد أثقلتهم الديون والمغارم، فصاروا ينفرون ..
من دعوتك ؟ كلا إنك لم تطلب منهم شيئا من ذلك .
والمغرم: الدين الذى يكون على الإنسان . فيثقل كاهله، ويحزن نفسه.
((أم عندهم الغيب فهم يكتبون)) أى: بل أيزعمون أن عندهم علم الغيب
فهم يكتيونه للناس ، ويطلعونهم عليه ... ؟
كلا إنهم لا علم لهم بشىء من الغيب، لأن علم الغيب مرده إلى الله - تعالى -
وحده، كما قال سبحانه -: «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا . إلا من
أرقضى من رسول ... ،
(( أم يريدون كيدا، فالذين كفروا هم المكيدون، أى: بل أيريدون بك
- أيها الرسول الكريم - الكيد والأذى والهلاك، إن كانوا يريدون بك
ذلك فاعلم أن الذين كفروا بك وبدعوتك وأرادوا بك وبها السكيد والأذى،
هم المغلوبون الخاسرون الذين يحيق يهم كيدهم ، ويعود عليهم وباله .
فقوله: ((المكيدون) اسم مفعول من الكيد، وهو المكر والخبث ..
وقد عاد عليهم وبال مكرهم فعلا، فقد خرج - صلى الله عليه وسلم - من
بين جموعهم ليلة الهجرة ، دون أن يروه ، وكانوا محيطين بداره ليقتلوه ،
وأحبط الله - تعالى - مكرهم.

٠٨
سورة "طور
((أم لهم: إله غير أنته، سبحان الله عما يشركون)) أى: بل ألهم إله غير الله
- تعالى - يرزقهم من فضله، ويرعاهم بلطفه فى جميع أطوار حياتهم.
كلا إنهم لا إله لهم سواه - تعالى - ، ونزه - سبحانه - عن شركهم
و کفرهم .
((وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم)) والكسف
جمع كسفه وهى القطعة من الشى .. والمركوم: المتراكم الذى تجمع بعضه
فوق بعض .
أى: وإذا رأى هؤلاء الجاهلون قطعة عظيمة من العذاب نازلة عليهم
لتهديدهم وزجرهم ، قالوا: هذا النازل علينا سحاب متراكم، قد اجتمع بعضه
فوق بعض ليسقينا ، ولم يصدقوا أنه نذير عذاب شديد لهم .
وهذا شأن الطغاة المعاندين، وقد سبقهم إلى ذلك قوم عاد ، فإنهم حين
وأو العذاب مقبلا نحوهم قالوا هذا عارض ممطرنا، فرد الله - تعالى - عليهم
بقوله: ((بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم)).
هذا. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد حملت على المشركين
حملة شديدة، حيث وبختهم على جهالاتهم، وتحدتهم بأسلوب تعجيزى أن
يأتوا بمثل القرآن الكريم، وتهكمت بهم وبعقولهم الفارغة الى انقادوا لها
بدون تفكر أو تدبر، وبينت أنهم قوم متناقضون مع أنفسهم ، لأنهم يقرون
أن الله - تعالى - هو الخالق لهم ولغيرهم، ومع ذلك فهم يعبدون غيره،
وينسبون البنات إليه دون البنين ...
وقد ذكر بعض المفسرين أن ما أصابهم من هزيمة يوم بدر، كان فى السنة
الخامسة عشرة من بعثته - صلى الله عليه وسلم - وأن هذه الآيات قد تكرر
.

٥٩
الجزء السابع والعشرون
فيها لفظ «أم، خمس عشرة مرة، بعدد هذه السنين، ولذا قالوا: إن ذلك
فيه إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتوجيه الخصاب إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم -، على سبيل التسلية والتكريم ، حيث أمره - سبحانه -
بالإعراض عنهم، لأنه - سبحانه - هو الذى سيتولى حسابهم وعقابهم ...
فقال - تعالى - :
((فَذَرْمٍ حَتَّى يلاَقُوا يومَهم الذِى فيهِ يُصَّقُونَ (٤٥) يومَ لا يُنِى
عنهم كيدُمْ شَيّاً ولا م يُنْصَرُونَ (٤٦) وإنّ الذِينَ ظلموا عذاباً دُونَ
ذلكَ، ولكِنَّ أ كثَرمُ لا يعلَمُونَ (٤٧) واصْبِرْ لحْكُم رَبِّكَ فإنَّكَ
بأَمْيُنَاَ، وسَبْح بَحَمَدِ ربِّكَ حينَ تَقَومُ (٤٨) ومن الّيلِ فَسَبْحُهُ
وإذْبارَ النُّجوم. (٤٩))» .
والفاء فى قوله - سبحانه -: ((فذرهم ... ، واقعة فى جواب شرط مقدر.
أى إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكر نالك - أيها الرسول الكريم -
فاتركهم فى طغيانهم يعمهون ...
((حتى يلاقوا يومهم الذى فيه يصعقون، أى: فدعهم يخوضوا ويلعبوا
حتى يأتيهم اليوم الذى فيه يموتون ويهلكون .
قال القرطبى: قوله (( يصعقون، بفتح الياء قراءة العامة. وقرأ ابن عامر
وعاصم بضمها .
قال الفراء : هما لغتان : صعق وصعق مثل سعد وسبعد. قال قتادة : يوم

٦٠
سورة الطور
يموتون. وقيل: هو يوم بدر. وقيل: يوم النفخة الأولى. وقيل يوم
القيامة يأتيهم فيه من العذاب مايزبل عقولهم ... )(1).
وقوله: « بوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ... ، بدل من قوله: (( يومهم)).
أى ! اتركهم - أيها الرسول الكريم - ولا تكترث بهم، وامض فى دعوتك
إلى الحق، فعما قريب سيأتيهم اليوم الذى لن ينفعهم فيه مكرم السىء،
وكيدهم القبيح ...
((ولاهم ينصرون)) فيه من عقابنا من أى جهة من الجهات، أو من أى
شخص من الأشخاص .
((وإن للذين ظلموا)) وهم هؤلاء الكافرون ((عذابا دون ذلك، أى: عذابا
آخر دون ذلك العذاب الذى سينزل بهم عند موتهم وفى حياتهم ...
((ولكن أكثرهم لا يعلمون)) لا يعلمون ذلك، لجهلهم بما سينتظرهم من
عقاب .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك التسلية الرقيقة لنبيه - صلى
الله عليه وسلم - فقال: ((واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا .. )).
أى: واصبر - أيها الرسول الكريم - ((لحكم ربك)) إلى أن تنزل يهم
عقابنا فى الوقت الذى نشاؤه وتختاره ((فإنك بأعيننا، أى: فإنك بمرأى منا،
وتحت رعايتنا وحمايتنا وحفظنا ...
((وسبح بحمد ربك حين تقوم، أى: وأكثر من تسبيح ربك وتنزيهه
عن كل مالا يليق به ، حين تقوم من منامك، أو من مجلسك، أو حين تقوم
للصلاة ...
(((ومن الليل فسبحه، أى: ومن الليل فأكثر من تسبيح ربك «وإدبار
(١) تفسير القرطبى = ١٧ ص ٠٧٧