النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الجزء السابع والعشرون
وهذه القصة التى تحكى لنا هنا مادار بين إبراهيم - عليه السلام - وبين
الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق، ولإخباره بإهلاك قوم لوط ،
:قد وردت قبل ذلك فى سورتى هود والحجر ....
وقد افتتحت هنا بأسلوب الاستفهام ((هل أتاك حديث ضيف إبراهيم
المكرمين ، للإشعار بأهمية هذه القصة، وتفخيم شأنها، وبأنها لا علم بها إلا
عن طريق الوحى ... وقيل إن هل هنا بمعنى قد .
والمعنى: هل أتاك - أيها الرسول الكريم - حديث ضيف إبراهيم المكرمين؟
إننا فيما أنزلناه عليك من قرآن، نقص عليك قصتهم بالحق الذى لا يحوم
حوله باطل، على سبيل التثبيت لك ، والتسلية لقلبك.
والضيف فى الأصل مصدر بمعنى الميل ، يقال ضاف فلان فلا ما إذا مال
كل واحد منهما نحو الآخر، ويطلق على الواحد والجماعة. والمراد هنا: جماعة
الملائكة الذين قدموا على إبراهيم - عليه السلام - ، وعلى رأسهم جبريل،
ووصفهم بأنهم كانوا مكرمين، لإكرام الله - تعالى - لحم بطاعته وامتثال
أمره، ولإ كرام إبراهيم لهم، حيث قدم لهم أشهى الأطعمة وأجودها ...
قال الآلوسى : قيل: كانوا اثنى عشر ملكا. وقبل كانوا ثلاثة: جبريل
وإسرافيل ومیکائيل.
وسمواضيفا لأنهم كانوا فى صورة الضيف، ولأن إبراهيم - عليه السلام -
حسبهم كذلك ، فالقسمية على مقتضى الظاهر والحسبان .
وبدأ بقصة ابراهيم وإن كانت متأخرة عن قصة عاد ، لأنها أقوى فى غرض
التسلية (١) .
والظرف فى قوله: (( إذ دخلوا عليه .... ، متعلق بلفظ ((حديث))
السابق .
=
أى: هل بلغك حديثهم الواقع فى وقت دخولهم عليه ... أو يمحذوف
.(١) تفسير الآلوسي - ٢٧ ص ١١

٢٢
سورة الذاريات
تقديره: أذكر أى: اذكر وقت أن دخلوا عليه «فقالوا سلاما، أى: فقالوا
تسلم عليك سلاما .
((قال سلام قوم منكرون)) أى: قل ابراهيم فى جوابه عليهم: عليكم
سلام، أنتم قوم منكرون، أى : غير معروفين لى قبل ذلك.
قال صاحب الكهاف: أنكرهم للسلام الذى هو علم الإسلام. أو أراد
أنهم ليسوا من معارفه، أو من جنس الناس الذين عهدهم ... أو رأى لهم
حالا وشكلا ، خلاف حال الناس وشكلهم. أو كانهذا سؤالا لهم، كأنه قال :.
أنتم قوم منكرون فعرفونى من أنتم ... ،(١)."
وقيل : إن ابراهيم قد قال ذلك فى نفسه والتقدير: هؤلاء قوم منكرون،
لأنه لم يرحم قبل ذلك.
ـوهـ
وقال ابراهيم فى جوابه عليهم (( سلام، بالرفع ، لإفادة الدوام والثبات
عن طريق الجملة الاسمية ، التى تدل على ذلك، وللاشارة إلى أدبه معهم ، حيث
رد على تحيتهم بأفضل منها ...
.
نم بين - سبحانه - ما فعله إبراهيم بعد ذلك فقال: « فراغ إلى أهله جا.
بعجل سمين ، أى: فذهب إلى أهله فى خفية من ضيوفه، فجاء إليهم بعجل متلى.
لحما وشحما. يقال: راغ فلان إلى كذا، إذا مال إليه فى استخفاء وسرعة.
«فقربه إليهم ... ، أى: فذهب إلى أهله فذبح عجلا وشواه، فقربه إلى
ضيوفه وقال لهم: (( ألا تأكلون)) أى: حضهم على الأكل شأن المضيف الكريم،
فقال لهم على سبيل التلطف وحسن العرض : ألا تأكلون من طعامى .
قال ابن كثير : وهذه الآيات انتظمت آداب الضيافة ، فإنهجاء بطماءه من
حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: نأنيكم بطعام؟ بل جاء به بسرعة
وخفاء، وأتى بأفضل ماوجد من ماله، وهو مجل سمين مشتوى، فقر به إليهم لم يضعه.
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠١)

٢٣
الجزء السابع والعشرون
وقال: إقتربوا، بل وضعه بين أيديهم ، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه
بصيغة الجزم، بل قال: «ألا تأكلون، على سبيل العرض والتلطف، كما يقول
القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل ونحسن وتتصدق، فافعل)) (١)
ولكن ابراهيم مع هذا العرض الحسن ، والكرم الواضح: لم يحد من
ضيوقه إستجابة لدعوته ، ، فأوجس منهم خيفة .. ، أى فأضمر فى نفسه خوفا
منهم حين رأى إعراضا عن طعامه ، مع حضهم على الأكل منه، ومع جودة
هذا الطعام ...
وهنا كشف الملائكة له عن ذواتهم، فقالوا (، لا تخف)) أى: لا نخففإنا
رسل الله ، وبشروه بغلام عليم)، أى وبشروه بغلام سيولد له، وسيكون
كثير العلم عندما يبلغ سن الرشد. وهذا الغلام إسحاق - عليه السلام -
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما كان من أمر أته بعد أن سمعت بهذه البشرى
فقال: (( فأقبلت أمر أنه فى صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم)).
أى: فأقبلت أمرأة إبراهيم - عليه السلام - وهى تصيح فى نعجب
وإستغراب من هذه البشرى، فضربت بيدها على وجهها وقالت : أنا عجوز
عقيم فكيف ألد .. ؟
والصرة: من الصرير وهو الصوت، ومنه صرير الباب ، أى : صوته .
والصك الضرب الشديد على الوجه، وعادة ما تفعله النساء إذا نعجبن من شى.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة هود: «قالت يا وبلتا أ ألد
وأنا عجوز، وهذا بعلى شيخا، إن هذا الشىء عجيب،
وهنا رد عليها الملائكة بما يزيل تعجبها وإستغرابها وإستبعادها لأن يكون
لها ولد مع كبر سنها ويحكى القرآن ذلك فيقول: «قالوا كذلك قال ربك إنه
هو الحكيم العليم ،
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٩٧

٢٤
سورة الذاريات
أى: قال الملائكة لامرأة إبراهيم: لا تتعجبى من أن يكون لك غلام فى
هذه السن ، فإن هذا الحكم هو حكم ربك، وهذا القول الذى بشرناك به هو
هو قوله - سبحانه - وقوله لامرد له؛ إنه - تعالى - هو الحكيم فى كل أقواله
وأفعاله ، العليم بأحوال خلقه .
وهنا عرف إبراهيم - عليه السلام - حقيقة ضيوفه، فأخذ يسألهم: ((قال
فماخطبكم ايها المرسلون، والخطب: الأمر الهام، والعأن الخطير، وجمعه خطوب
أى: قال لهم ابراهيم بعد أن اطمأن اليهم، وعلم أنهم ملائكة: فما شأنكم
الخطير الذى من أجله جئتم إلى أيها المرسلون بعد هذه البشارة؟
((قالوا، فى الإجابة عليه , إنا أرسلنا، بأمر ربنا, إلى قوم مجرمين))
قوم لوط, لنرسل عليهم حجارة من طين)) أى: لنرسل عليهم بعد قلب قراهم
حجارة من طين متحجر، حالة كون هذه الحجارة ((مسومة عندربك المسرفين)
أى معلمة عند الله - تعالى - وفى علمه ، وقد أعدها - سبحانه - لرجم هؤلاء
الذين أسرفوافى عصيانهم له - تعالى -، وأتو ابفاحشة لم يسبقهم اليها أحد من العالمين
فقوله: (( مسومة) حال من الحجارة، والسومة. العلامة ؛ ومنه قوله
- تعالى -: «والخيل المسومة».
والفاء فى قوله - تعالى - بعد ذلك: «فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ، هى الفصيحة ، لأنها قد أفصحت عن
كلام محذوف ..
حـ
والمعنى : ففارق الملائک ابراهیم ذاهبینإلی قوم لوط لاهلا کهم، و جری
بينهم وبين لوط - عليه السلام - ما جرى ثم أخذوا فى تنفيذ ما كلفنام به ،
فأخرجنا - بفضلنا ورحمتنا - من كان فى قرية لوط من المؤمنين دون أن بمسهم
عذابنا ، فما وجدنا فى تلك القرية غير أهل بيت واحد من المسلمين، أما بقية
سكان هذه القرية فقد دهر نام تدميرا.
ووصف - سبحانه - الناجين من العذاب - وهم لوط واهل بيته إلا

٢٥
الجزء السابع والعشرون
امرأته - بصفتى الإيمان والإسلام، على سبيل المدح لهم، أى: أنهم كانوا
مصدقین بقلوبهم ، ومنقادین لأحكام الله - تعالى - جوارحهم.
قال ابن كثير ، احتج بهاتين الآيتين من ذهب إلى رأى المعتزلة ، ممن
لا يفرقون بين معنى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين.
. وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل
مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الإسمان هنا لخصوصية الحال ، ولا يلزم ذلك
فی کل حال ، (!).
ثم بين - سبحانه- أنه قد ترك من وراء هلاكهم ما يدعو غيره إلى الاعتبار
بهم فقال: ((وتر كنا فيها)، أى: فى قرية قوم لوط التى جعل الملائكة عاليها
سافلها . آية، أى: علامة تدل على ما أصابهم من هلاك قيل هى تلك الأحجار
الى أهلكوا بها ..
وهذه الآية إنماهى ((للذين يخافون العذاب الأليم)) لأنهم هم الذين يعتبرون
ويفتفون بها، أما غيرهم من الذين استحوذ عليهم الشيطان، فإن هذه الآيات
لا تزيدهم إلا رجسا على رجسهم .
ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصص موسى وهود وصالح
ونوح - عليهم السلام - مع أقوامهم ، فقال - سبحانه - :
((وفى مُوسَى إِذ أَرْسَلناَ، إلى فِرِعونَ بسُلطانِ مُبينٍ (٣٨) فَتَولَى
بِرُكنِهِ وقالَ ساحِرٌ أَو تَجنونٍ (٣٩) فَأَخذنَهُ وجُنُودَه فَنبذْ نَم فى اليمُ
وهُو مُليمٌ (٤٠) وفى مَدٍ إِذْ أَرْسِنَا عَلَيهِمُ الريحَ العقيمَ (٤١) ما تذَرُ
من شَىءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلَّ جمَلَتْهُ كَالرَِّيمِ (٤٢) وفى تَمودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ
عَتَّعُوا حتى حِينٍ (٤٣) فَتَوْا عنْ أَمْرِ رَبِّهِم فأخَذَتْهُمْ الصامِقَةُ ومُ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠٣٩٩

٢٦
سورة الذاريات
يَنْظُرُونَ (٤٤) فما اسْتَطَاءُوا فِنْ قِيامٍ وما كانوا مُنْتَصِرينَ (٤٥)
وقومَ نوحٍ مِنْ قَبلُ إنّهم كانوا قوماً فَاسِقِينَ (٤٦) )).
وقوله - سبحانه -: وفى موسى .... معطوف على قوله - تعالى - قيل
ذلك: («وتر كنا فيها ... ، والكلام على حذف مضاف ...
والظرف فى قوله: « إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين، متعلق
بمحذوف هو تعت لقوله « آية)) قبل ذلك.
أى: وتركنا فى قصة موسى - أيضا - آية، هذه الآية كائنة وقت أن
أرسلناه إلى فرعون , بسلطان مبين)، أى: بمعجزة واضحة بينة هى اليدوالعصا
وغيرهما ،
وقوله - سبحانه -: ((فتولى بركته وقال ساحر أو مجنون، بيان لموقف.
فرعون من موسى - عليه السلام - أى: أرسلنا موسى بآياتنا الدالة على صدقة
إلى فرعون وقومه. فما كان منه إلا أن أعرض عن دعوة الحق، وتعاظم على
موسی ملکه وجنوده و قو ته ... وقال فى شأن موسى - عليه السلام - هو.
ساحر أو مجنون .
والركن جانب البدن. والمرادبه هنا : جنوده الذين ير كن إليهم، وقوته
التی اغتر بها .
قال الآلوسي: قوله: (( فتولى بر كنه، أى: فأعرض عن الإيمان بموسى،
على أن ركنه جانب بدنه وعطفه، والقولى به كتابة عن الإعراض ، والباء
للتعدية ، لأن معناه ثنى عطفه ...
وقال قتادة: أولى بقومه على أن الركن بمعنى القوم، لأنه يركن إليهم.
ويتقوى بهم، والباء المصاحبة أو الملابسة ... وقيل: تولى بقوته وسلطانه،
فالركن يستعاد للقوة ١١،٠٠٠) .
(١) تفسير الالوسى = ٢٧ ص ١٥.

٢٧
الجزء السابع والعشرون
ثم بين - سبحانه - نتيجة إعراض فرعون عن الحق فقال: « فأخذناه
وجنوده فنبذناهم فى اليم وهو مليم) .
والنبذ: الطرح للشىء بدون اكتراث أو اهتمام !.. وقوله ,مليم، من
ألام. إذا أتى ما يلام عليه، كأغرب إذا أتى أمرا غريبا، وجملة (وهو مليم))
حال من المفعول فى قوله « فأخذفاه)).
أى: فأخذنا فرعون هو وجنوده الذين ارتكن إليهم أخذ عزيز مقتدر،
فألقينا بهم جميعا فى البحر بدون اعتداد بهم، بعد أن أتى فرعون بما يلام عليه.
من الكفر والطغيان.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصف فى الله يونس - عليه
السلام - بما وصف به فرعون فى قوله - تعالى -: ((فالتقمه الحوت
وهو مليم ، ؟
قلت : موجبات اللوم تختلف، وعلى حسب أختلافها تختلف مقادير اللوم.
فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها ، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى إلى
قوله - تعالى - : « وعصوا رسله)، و قو له (( وعصی آدم ربه فغوى ، لأن
الكبيرة والصغيرة بجمعهما اسم العصيان، كما يجمعهما اسم القبيح والسيئة،(١).
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان ماحل بقوم هود - عليه السلام -
فتقول: « وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم. ما تذر من شىء أقت
علیه إلا جعلته کائر میم ،
أى: وتركنا فى قصة عاد - أيضا - وهم قوم هود - عليه السلام - آية.
وعبرة. وقت أن أرسلنا عليهم الريح العقيم . أى: الريح الشديدة التى لاخير
فيها من إنشاء مطر، أو تلقيح شجر، وهى ريح الهلاك، وأصل العقم: اليبس
المانع من قبول الأثر .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣

٢٨
سورة الذاريات
شبه - سبحانه - الريخ التى أهلكتهم وقطعت دابرهم، بالمرأة التى انقطع
تسلها، بجامع أنغدام الأثر فى كل .
ثم وصف - سبحانه - هذه الريح التى توهموا أنها تحمل لهم الخير، بينما
هى تحمل لهم الهلاك، وصفها بقوله:(( ما تذر من شىء أقت عليه، اى: ما تترك
من شىء مرت عليه ..
(((إلا جلته كالرسم)، أى: إلا جعلته كالشىء الميت الذي رم وتحول
إلى فئات . مأخوذ من رم الشىء إذا تفتت وتهشم. ويقال للنبات إذا يبس
وتفتت رميم وهشيم .
· كما يقال للعظم إذا تكسر وبلى: رميم، ومنه قوله - تعالى -: (قال
من یحی العظام وهی رمیم ، .
ثم أنتقلت السورة بعد ذلك إلى بيان ماحل بقوم صالح - عليه السلام -
فقال - تعالى -: «وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين .... )).
أى: ولنا - كذلك - فى قصة صالح - عليه السلام - مع قومه آية وعظة،
وقت أن قال لهم - على سبيل الإنذار والتحذير من المداومة على الكفر ..
تمتعوا بحياتكم التى تعيشونها فى هذه الدنيا، حتى وقت معين فى علم الله - تعالى
تنتهى عنده أعماركم ...
وهذا التمتع بالحياة حتى حين، يحتمل أن المقصود به: ما أشار إليه
- سبحانه - فى سورة هود بقوله: ((فمقروها - أى الناقة - فقال تمتعوا فى داركم
ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب ، ويحتمل أن يكون المقصود به : ماقدره
الله - تعالى - من عمرهم منذ أن بلغهم صالح رسالة ربه، إلى أن عقروا الناقة،
وحق عليهم العذاب .
قال القرطبى: قوله :. وفى ثمود)، أى: وفيهم - أيضا - عبرة وعظة، حين
قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا( حتى حين)) أى: إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة

٢٩
الجزء السابع والعشرون .
أيام، كما فى سورة هود ... وقيل: معنى «تمتعوا، أى: أسلموا وتمتعوا إلى
وقت فراغ آجالكم ،(١).
ثم بين - سبحانه - ما كان منهم من كفر وبجور فقال: فعتوا عن أمرربهم
أى: فتمكبروا واستهافوا بما أمرهم الله -تعالى - به. على لسان فيهم صالح - عليه السلام.
(«فأخذتهم الصاعقة، وهى كل عذاب مهلك ، من الصعق بمعنى الإهلاك.
((وهم ينظرون، أى: وهم يرونها عيانا، لأن العذاب - كما تشير الآية -
نزل بهم نهارا.
((فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين)، أى : أنه حين نزل بهم
عذابنا ، أعجزهم عن الحركة ، وشل حواسهم، فما استطاعوا أن يهربوا منه،
وما قدروا على القيام بعد أن كانوا قاعدين ، وما نصرهم من بأسنا ناصر .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآبات بلمحة عن قصة نوح - عليه السلام -فقال
((وقوم نوح من قبل ... ، أى: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء جميعا.
بالطوفان .
((إنهم كانوا قوما فاسقين، أى: خارجين عن طاعتنا، منغمسين فى
الكفر والعصيان .
وهكذا ساقت السورة الكريمة جانبا من قصص هؤلاء الأنبياء، ليكون
فى ذلك تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم -- ، وتذكرة للتذكرين.
.
وبعد هذا الحديث عن هؤلاء الأقوام ... جاء الحديث عن مظاهر قدرة
الله - تعالى - وسعة رحمته، ووافر نعمه، وحض الناس على شكره -تعالى-
وطاعته ، فقال - عز وجل - :
(( والسَّمَاء بَيْآَها بِأَبِدٍ وإنَّ لموسِعونَ (٤٧) والْأرْضَ فَرَشتَها
. (١) تفسير القرطبي ج ١٧ ص ٥١

٣٠
سورة الذاريات
فَنِمِ المَآَهِدونَ (٤٨) ومِنْ كلِّ شَىءٍ خَلَقَْا زَوْجِينٍ لَمَلِكُم
تَذْكَرُونَ (٤٩) فَقِيرُّوا إلى اللهِ إنّى لكُم مِنْهُ نذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)
ولا تَجَعُلُوا مَعَ اللهِ إلهاً آخرَ إنّى لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ مبينٌ (٥١))):
ولفظ: «السماء ... ، منصوب على الاشتغال. أى: وبنينا السماء
بنيناها (( بأيد)، أى: بقوة وقدرة. يقال: آد الرجل يشيد - كباع -، إذا
اشتد وقوى .
. ((وإنا لموسعون)) أى: وإنا لقادرون على توسعتها بتلك الصورة العجيبة
من الوسع بمعنى القدرة والطاقة، يقال: أوسع الرجل، أى : صار ذا سعة،
والمفعول محذوف، أى: وإنما لموسعون السماء، أو الأرزاق.
فالجملة تصوير بديع لمظاهر قدرة الله ، وكمال قوته ، وواسع فضله ..
((والأرض فرشناها ... ، أى: وفرشنا الأرض بقدرتنا - أيضا -،
بأن مهدفاها وبسطناها وجعلناها صالحة لمنفعتكم وراحتكم ...
((فنعم الماهدون)) نحن، يقال: مهدت الفراش، إذا بطته ووطأته
وحسنته ...
وفى هاتين الآيتين مافيهما من الدلالة على قدرة الله - تعالى - ورحمته
بعباده، حيث أوجد هذه السماء الواسعة التى تعتبر الأرض بما فيها كحلقة فى
فلاة بالنسبة لها، فهى تحوى مئات الملايين من النجوم المتناثرة فى أرجائها ..
وأوجد - سبحانه - الأرض لتكون موطنا الإنسان ، ومنزلا لراحته ..
ثم قال - تعالى -: ((ومن كل شىء خلقنا زوجين.)) أى: أوعين
متقابلين كالذكر والأنثى، والليل والنهار، والسماء والأرض ، والغنى والفقر،
والهدى والضلال ...
«لعلكم تذكرون، أى: فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون ونتعظون وتتذكرون
ما يجب عليكم نحونا من الشكر والطاعة وإخلاص العبادة لنا وحدنا ..

٣١
الجزء السابع والعشرون
والفاء فى قوله: ((ففروا إلى الله ... )) التفريع على قوله - تعالى -
• لعلكم تذكرون،. أى: مادام الأمر كما ذكرت لكم من وجود التذكر
والاعتبار، ففروا إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن كفره إلى شكره،
ومن السيئات إلى الحسنات .
قال الإمام الرازى ما ملخصه: وفى هذا التعبير لطائف: لأنه ينبىء عن
سرعة الإهلاك، كأنه يقول: الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب، من أن
يحتمل الحال الإبطاء فى الرجوع ، فافزعوا سريعا إلى الله - تعالى - وفروا
إلى طاعته ، فإنه لا مهرب منه ... ،(!) .
وقوله: (( انى لكم منه نذير مبين، تعليل الأمر بالفرار. أى: أسرعوا
إلى طاعة الله - تعالى - أنى لكم من عقابه المعد لمن يصر على معصيته نذير
بين الإنذار ..
ثم أكد - سبحانه - هذا الإنذار، ونهى عن التقاعس فقال: ((ولا نجعلوا
مع الله إلها آخر)) أى: واحذروا أن تجعلوا مع الله - تعالى - إلها آخر،
فى العبادة أو الطاعة. (( إنى لكم منه ) - سبحانه -(( نذير مبين)).
فالآية الأولى - كان التعليل فيها الأمر بالعرار إلى الله - تعالى -، والثانية
كان التعليل فيها للنهى عن الإشراك به - سبحانه -..
وبذلك زى أن هذه الآيات الكريمة ، قد بينت جانبا من الدلائل على
قدرة الله - تعالى -، وأمرت الناس بإخلاص العبادة لله. ونهت عن الإشراك به.
١
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان موقف الأقوام من رسلهم،
وببيان الوظيفة التى أو جد الله - تعالى - الناس من أجلها فقال :
((كَذلِكَ ما أتَى الذِينَ مِنْ قَبلِم من رَسُولٍ إِلاَّ قَاُوا ساحر
. (١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٧ ص ٦٥٥

٣٢
سورة الذاريات
أو مَجْنُونٍ (٥٢) أتَوَاصِوْا به، بلْ م قومٌ طاغُونَ (٥٣) فتولَّ عنهم
فما أنتَ بمُومِ (٥٤) وذَكَرّفإنّ الذَكْرَى تَنَفْع المؤمِنِينَ (٥٥)
ومَآَ خِلَقَت الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ ليعبدونِ (٥٦) ما أُرِيد مِنهم من رِزْق
وما أريدُ أن يُطْعُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُو الرزّاقُ ذُو القوةِ المتينِ (٥٨)
فإنَّ لَّذِينَ ظَلّمُوا ذَوباً مِثْلَ ذَوبٍ أَصمابِهِمْ فلا يَسْتُعجِلون (٥٩)
فَويلٌ الذِينَ كَفَرَوا من يومِهِمُ الذى يوعَدُون (٦٠))).
وقوله: ( كذلك)) خبر لمبتدأ محذوف، أى: الأمر كذلك، واسم الإشارة
مشار به إلى الكلام الذى سيتلوه، إذ أن مابعده وهو قوله: ((ما أتى الذين
من قبلهم من رسول .. ، تفسير له .
أى: الأمر - أيها الرسول الكريم - كما نخبرك، من أنه ما أتى الأقوام.
الذين قبل قومك من رسول يدعوهم إلى عبادتنا وطاعتنا ، إلا وقالوا له - كما
قال قومك فى شأنك - هو ساحر أو مجنون.
والمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه
من مشركي قريش، حيث بين له - سبحانه - أن الرسل السابقين قد كذبتهم
أمهم ، فصبروا حتى أقام نصره - سبحانه ..
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية تسلية أخرى فقال: ((أتواصوا به،؟
والضمير المجرور يعود إلى الفول المذكور، والاستفهام للتعجيب من أحوالهم.
أى : أأوصى السابقون اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم من ربهم،
أنت - أيها الرسول - ساحر أو مجنون؟
وقوله - سبحانه -: «بل هم قوم ضاغون، إضراب عن قواصيهم إضراب
إبطال، لأنهم لم يج معهم زمان واحد حتى يوصى بعضهم بعضا، وإنما الذى
جمعهم تشابه قلوب، والالتقاء على الكفر والفوق والعصيان.
-

٣٣
الجزء السابع والعشرون
أى: أوصى بعضهم بعضا بهذا القول القبيح ؟ كلا لم يوص بعضهم بعضا
لأنهم لم يتلاقوا، وإنما تشابهت قلوبهم ، فاتحدت ألسنتهم فى هذا
القول المنكر .
ثم تسلية ثالثة زاما فى قوله - تعالى -: ((فتول عنهم .. )) أى: فأعرض
عنهم وعن جدالهم ، وسر فى طريقك الذى رسمه الحكيم الخبير لك ...
,فما أنت، أيها الرسول الكريم - «بعلوم، على الإعراض عنهم، وما
أنت بمعاقب منا على ترك مجادلتهم .
(((وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، أى: أعرض عن هؤلاء المشركين،
وداوم على التذكير والتبشير والإنذار مهما تقول المتقولون ، فإن التذكير بما
أو حيناه إليك من هدايات سامية، وآداب حكيمة ... ينفع المؤمنين ، ولا
ينفع غيرهم من الجاحدين .
ثم بين - سبحانه - الوظيفة التى من أجلها أو جد الله - تعالى - الجن والإنس
فقال: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ... ))
وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال منها : أن معناها : إنى ما أوجدتالجن
والإنس إلا وهم مهيئون لعبادتى واعتى، بسبب ماركبت فيهم من عقول
تعقل ، وبسبب ما أرسلت إليهم من رميل يهدونهم إلى الخير، فمنهم أطاع
الرسل، وجرى على مقتضى ما تقتضيه الفطرة، فآمن بالرسل، واتبع الحق
والرشد، ففاز وسعد، ومنهم من أعرض عن دعوة الرسل، وعائد فطرته
وموجب استعداده نفر وغاب ...
ومنهم من يرى أن معناها: إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليقروالى
بالعبودية طوعا أو كرها، لأن المؤمن يطيع باختياره، والكافر مذعن
منقاد لقضاء ربه، كمافى قوله - تعالى -: «ولله يسجد من فى السموات والأرض.
طوعا وكرها .. )).(١)
(١) سورة الرعد . الآية ١٤
( ٣ - سورة الذاريات )

٣٤
سورة الذاريات
ومنهم من يرى أن معناها: إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفونى ..
"قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -:. وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون)، قيل: إن هذا خاصر فيمن سبق فى علم اللّه أنه يعبده، فجاء بلفظ
العموم ومعناه الخصوص ... فالآية فى المؤمنين منهم.
وقال على - رضى الله عنه -: أى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأمرم
بعبادتى، قال - تعالى -: ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
حنفاء ،.
وقيل: إلا ليعبدون، أى: إلا ليقروا لى "العبادة طوعا أو كرها)،(١).
ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال هو ما اشرنا إليه أولا، من أن ،منى
الآية الكريمة، أن الله - تعالى - قد خلق الثقلين لعبادته وطاعته، ولكن
منهم من أطاعه - سبحانه - ، ومنهم من عصاه، لاستحواذ الشيطان عليه .
قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر جملة من الأقوال: ومعنى الآية أنه
- تعالى - خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء
ومن عصاه عذبه أشد العذاب ...
وفى الحديث القدسى : قال الله - عز وجل - يابن آدم، تفرغ اسبادنى
أملاً صدرك غنى، وأسد تقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا؛ ولم أسد
فقرك ، . .
وفى بعض الكتب الإلهية: يقول الله - تعالى - : يا بن آدم ، خلفتك لعبادتى
فلا تلعب ، وتكفلت برزقك فلا تتعب ، فاطلبنى تجدنى فإنوجدتنى وجدت
كل شىء، وإن فتك فانك كل شىء، وأنا أحب إليك من كل شىءَ))(٢).
(١) راجع تفسير القرطبى ح١٧ ص ٥٦
(٢) راجع تفسير ابن كثير حـ٧ ص ٤٠١
1

٣٥
الجزء السابع والعشرون
ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن العالمين فقال: «ما أريد منهم من رزق وما
أريد أن يطعمون، أى: ما أريد منهم منفعة أو رزقا كما يريد الناس بعضهم من
بعض ... وما أريد منهم طعام ولاشرابا، فأنا الذى أُطعيم ولا أُطعم كما قال
- سبحانه -: ((قل أغير الله أتخذ وليا، فاطر السموات والأرض وهو يطعم
ولا يطعم ... ، (١) .
قال الآلوسي: والآية لبيان أن شأنه - تعالى - مع عباده، ليس كشأن
السادة مع عبيدهم ، لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم فى تحصيل معايشهم
وأرزاقهم، ومالك العبيد نفى أن يكون ملكه إياهم لذلك، فأنه - سبحانه -
يقول: ما أريد أن أستعين بهم، كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم ، فليشتغلوا
بما خلقوا له من عبادتى ... ،(٢).
ثم بين - سبحانه - أنه هو صاحب القوة والرزق فقال: ((إن الله هو
الرزاق ذو القوة المتين ، أى: إن الله - تعالى- هو الرزاق لغيره دون أحد سواه،
وهو - سبحانه - صاحب القوة التى لاتشبهها قوة، وهو المتين أى: الشديد
القوة - أيضا - فهو صفة الرزاق، أو لقوله: ((ذو))، أو خبر مبتدأ محذوف.
وهو مأخوذ من المتانة بمعنى القوة الفائقة ...
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الظالمين فقال: «فإن الذين ظلموا ذنوبا مثل
ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ، ..
والذنوب فى الأصل: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ولا يقال لها ذنوب إدا
كانت فارغة . وجمعها ذنائب، كقلوص وقلائص، وكانوا يستقون الماء
فيقسمونه بينهم على الأنصباء. فيكون لهذا ذنوب. ولهذا ذنوب . فالمراد
بالذنوب هنا : النصيب والمعنى : فإن للذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم لغير الله ،
وبظلمهم لغيرهم، نصيبا من العذاب ، مثل نصيب نظرائهم فى الظلم والكفر ،
فلا يستعجلون عذابى ، فإنه نازل بهم فى الوقت الذى أريده ..
(٢) تفسير الآلومى جـ ٢٧ ص ٢٢
(١) سورة الأنعام الآية ١٤

٣٦
سورة الذاريات
((فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون)) أى : فهلاك للذين
كفروا، هذا الهلاك سيكون فى اليوم الذى توعدتهم بالهلاك فيه، والذى هو
ڤازل بهم بلا ریب أو شك.
وبعد. فهذا تفسير لسورة ((الذاريات))، فسأل الله - تعالى - أن يجعله
عالما لوجهه، ونافعا لعباده .
وصلى أقه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
کتبه الراجي عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
١٤٠٦/٥/٢١هـ
د. محمد سيد طنطاوى
صمياه السبت :
١٩٨٦/٢/١ م
L
=

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
يُودَة الطُّورُ
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
( الجزء السابع والعشرون)
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

بِسْ مَه الرحمن الرحيم
مقدمة ومهيد
١٠ - سورة ((الطور، من السور المكية الخالصة، وعدد آباتها تسع
وأربعون آية فى الكوفى والشامى ، وثمان وأربعون فى البصرى، وسبع
وأربعون فى المصحف الحجازى .
وهذه السورة من السور التى كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها
کثیرا فى صلاته .
روى الشيخان عن جبير بن مطعم قال . . سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -
يقرأ فى المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه)،.
وروى البخارى عن أم سلمة قالت : شكوت إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إنى اشتكى. فقال: «طوفى من وراء الناس وأنت راكبة.
فطفت ورسول الله - صلى اته عليه وسلم - يصلى إلى جنب البيت ، يقرأ بالطور
وكتاب مسطور ،(١).
٢ - وتفتتح سورة ((الطور، بقسم من الله - تعالى - ببعض مخلوقاته على
أن البعث حق ، وعلى أن الجزاء حق، وعلى أن كل ذلك كائن يوم تبدل
الأرض غير الأرض والسموات ...
تفتتح بهذا الافتتاح الذى يبعث الوجل والخوف فى النفوس فتقول :
والطور. وكتاب مسطور. فى رق منشور. والبيت المعمور. والسقف
المرفوع. والبحر المسجور. إن عذاب ربك لواقع. ماله من دافع ...
٣ - وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأخيار والأشرار ، يأتى
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠٤٠٤

- ٤٠ -
الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين، بعد الحديث عن سوء عاقبة المكذبين ،
فيقول - سبحانه -: ((إن المتقين فى جنات ونعم. فاكرين بما آتاهم ربهم،
ووقام ربهم عذاب الجحيم . كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ...
٤ - ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مفتريات المشركين
وأكاذيهم ، فتحكيها بأمانة، وتقذف بالحق الذى أوحاه - سبحانه - إلى نبيه
- صلى الله عليه وسلم - فإذا بتلك المفتريات والأ كاذيب زاهقة وباطلة، وتسوق
ذلك بأسلوب ساحر خلاب فتقول: (( أم يقولون شاعر نتربص به ريب
المنون. قل تربصوا، فإنى معكم من المتربصين . أم تأمرهم أحلامهم بهذا،
أم هم قوم طاغون . أم يقولون تقوله ، بل لا يؤمنون . فليأتوا بحديث مثله
إن كانوا صادقين ...
٥ - ثم تختتم السورة الكريمة بما يسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وبما
يرسم له العلاج الشافى فتقول: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، وسبح بحمد
ربك حين تقوم . ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
د. محمد سيد طنطاوى
٣ من جمادى الآخرة سنة ١٤٠٦ هـ
١٢ من فبراير سنة ١٩٨٦ م