النص المفهرس
صفحات 401-420
١٨٠ الجزء السادس والعشرون قال صاحب الكشاف فإن قلت: فلم خص الإثنان بالذكر دون الجمع - فى قوله : «أصلحوا بين أخويكـ ـ؟ قلت لأن أقل من يقع بينهم الشقق اثنان ، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل ، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد فى شقاق الجمع أكثر منه فى شقاق الأثنين ،(١) . هذا، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين جمنة من الأحكام منها : أن الأصل فى العلاقة بين المؤمنين أن تقوم على التواصل والتراحم ، لا على التنازع والتخاصم، وأنه إذا حدث نزاع بين طائفتين من المؤمنين، فعلى بقية المؤمنين أن يقوموا بواجب الإصلاح بينهما حتى يرجعا إلى حكم الله - تعالى - قال الشوكانى: « إذا نقائل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم ، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدى من إحدى الطائفتين على الأخرى ، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه ، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين فى الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم، وتؤدى ما يجب عليها نحو الأخرى ،(٢). ثم وجه - سبحانه - إلى المؤمنين ندا. رابعا، نهاهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض ، أو أن يعيب بعضهم بعضا فقال : (يأيُّها الذينَ آمنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ من قَومٍ عسَى أنْ يكونُوا خيراً مِنْهِم، ولا نِسَاءٍ من نِسَاءِ عمَى أن يُكُنَّ خيراً مِنهن، ولا تلمِزُوا (١) تفسير البكشاف ج ٤ ص ٣٦٦. (٢) تفسير فتح القدير ج ٥ ص ٦٣ للشوكانى . ١٨٦ سورة الحجرات أنفُسَكُم، ولا تنَبِرُوا بالألقَبِ، بِئْسَ الاسْمُ الفُسوقُ بعدَ الإيمانِ، ومَنْ لم يَتُبْ فأولئِكَ مُ الظَّالِمُونَ (١١)). وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها نزلت فى قوم من بنى تميم ، سخروا من بلال ، وسلمان، وعمار، وخباب .... لما رأوا من رئائة حالهم ، وقلة ذات يدم . ومن المعروف بين العلماء، أن العبرة بعموم اللفظ ، لابخصوص السبب. وقوله: ((يسخر)) من السخرية، وهى احتقار الشخص لغيره بالقول أو بالفعل. يقال : سخر فلان من فلان ، إذا استهزأ به ، وجعله مثار الضحك، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن نوح مع قومه -: «قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون .. قال صاحب الكشاف : والقوم: الرجال خاصة، لأنهم القوام بأمور النساء ... واختصاص القوم بالرجال صريح فى الآية، وفى قول الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء ... وأما قولهم فى قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث ، فليس لفظ. القوم بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالطن،(١) . أى: يامن آمن آمنتم بالله حق الإيمان، لا يحتقر بعضكم بعضا ولا يستهزىء بعضكم من بعض . وقوله: «عسى أن يكونوا خيرا منهم، تعليل للنهى عن السخرية. أى: عسى أن يكون المسخور منه خيراً عند الله - تعالى - من الساخر، إذ أقدار (١) سورة هود. الآية ٢٨ (٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٦٧ ١٨٧ الجزء السادس والعشرون الناس عنده - تعالى - ليست على حسب المظاهر والأحساب .... وإنما هى على حسب قوة الإيمان ، وحسن العمل . وقوله: ( ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، معطوف على النهى السابق، وفى ذكر النساء بعد القوم قرينة على أن المراد بالقوم الرجال خاصة. أى: عليكم يامعشر الرجال أن تبتعدوا عن احتقار غيركم من الرجال ، وعليكن يا جماعة النساء أن تقلعن اقلاعما قاما عن السخرية من غير كن . ونكر - سبحانه - لفظ ((قوم)) و(نساء)، الإشعار بأن هذا النهى موجه إلى جميع الرجال والنساء، لأن هذه السخرية منهى عنها بالنسبة للجميع. وقد جاء النهى عن السخرية موجها إلى جماعة الرجال والنساء، جريا على ما كان جاريا فى الغالب ، من أن السخرية كانت تقع فى المجامع والمحافل، وكان الكثیرون یشتر کون فيها على سبيل التلهى والتلذذ . ثم قال - تعالى -: ((ولا ندزوا أنفسكم، أى : ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة سواء أكان على وجه يضحك أم لا، وسواء أكان بحضرة المدوز أم لا ، فهو أعم من السخرية التى هى احتقار الغير بحضرته، فالجملة الكريمة من باب عطف العام على الخاص . يقال: لمز فلان فلانا إذا عابه وانتقصه، وفعله من باب ضرب ونصر . ومنهم من يرى أن اللمز ما كان سخرية ولكن على وجه الخفية ، وعليه يكون العطف من باب عطف الخاص على العام، مبالغة فى النهى عنه حتى لكأنه جنس آخر. أى: ولا يعب بعضكم بعضا بأيوجه من وجوه العيب، سواء أكان ذلك فى حضور الشخص أم فى غير حضوره . وقال - سبحانه -،ولا تلمزوا أنفسكم، مع أن اللامز يلز غيره الإشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم، فمكانما عاب نفسه، كما قال - تعالى -: ((فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم، تحية من عند الله مباركة طيبة ... ». ١٨٨ سورة الحجرات وقوله ولاتنابزوا بالألقاب، أى: ولا يخاطب أحدكم غيره بالألفاظ التى يكرهها، بأن يقول له يا أحمق، أو يا أعرج، أو بامنافق ... أو ما يشبه ذلك من الألفاب السيئة التى يكرهها الشخص . فالتنابز: التعاير والتداعى بالألقاب المكروهة، يقال: نبزه بنيزه - كضربه يضربه - إذا ناداه بلقب يكرهه، سواء أ كان هذا اللقب للشخص أم لأ بيه أم لأمه أم لغير هما وقوله - تعالى -: ((بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، تعليل للنهى عن هذه الرذائل والمراد بالاسم : ماسبق ذكره من السخرية واللبز والتنابز بالألقاب، والخصوص بالذم محذوف . أى: بئس الفعل فعلكم أن تذكروا إخوانكم فى العقيدة بما يكرهو نهوبما يخرجهم عن صفات المؤمنين الصادقين، بعد أن هداهم الله - تعالى - وهداكم إلى الايمان . وعلى هذا فالمراد من الآية نهى المؤمنين أن ينسبوا إخوانهم فى الدين إلى الفسوق بعد أنصافهم بالايمان . قال صاحب الكشاف: الاسم ههنا بمعنى الذكر ، من قوهم: فلان طار أسمه فى الناس بالكرم أو باللوم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته .... كأنهقيل بئس الذكر المرتفع للمؤمنين .... أن يذكروا بالفسق ... ))(١). ويصح أن يكون المراد من الآية الكريمة فهى المؤمنين عن ارتكابهم لهذه الرذائل لأن ارتكابهم لهذه الرذائل، يؤدى بهم إلى الفسوق والخروج عن طاعة الله - تعالى - ، بعد أن اتصفوا بصفة الإيمان. وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام ابن جرير فقال ماملخصه: وقوله ( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان». (١) راجع تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٧٠ ١٨٩ الجزء السادس والعشرون يقول - تعالى -: ومن فعل مانهينا عنه، وتقدم على معصيتنا بعد إيمانه ، فسخر من المؤمنين ، ولمز أخاه المؤمن ونزه بالألقاب، فهو فاسق، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان . يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه، أن تسموا فساقا - بعد أن وصفتم بصفة الإيمان - ... ،(١) . وقال الإمام الفخر الرازى ما ملخصه: هذا أى قوله - تعالى -. بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان - من تمام الزجر، كأنه - تعالى - يقول: بأيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم، ولا تلمزوا أنفسكم؛ ولا تنابزوا، فإن من يفعل ذلك يفسق بعد إيمانه، والمؤمن يقبح منه أن يأتى بعد إيمانه بفسوق ... وبصير التقدير: بئس الفسوق بعد الإيمان ... )،(٢). ويبدو لنا أن هذا الرأى أنسب للسياق، إذ المقصود من الآية الكريمة نهى المؤمنين عن السخرية أو المز أو التنابز بالألقاب، لأن تعودهم على ذلك يؤدى بهم إلى الفسوق عن طاعة الله - تعالى -، والخروج عن آدابه، وبئس الوصف وصفهم بذلك أى: بالفسق بعد الإيمان . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) أى: ومن لم يتب عن ارتكاب هذه الرذائل، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم . حيث وضعوا العصيان موضع الطاعة ، والفسوق موضع الإيمان .. هذا . ومن الإحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية: وجوب الابتعاد عن أن يعيب المسلم أخاه المسلم، أو يحتقره، أو يناديه بلقب سى .. قال الألوسى: أتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره ، سواء أكان صيغة له أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما ..... (١) راجع تفسير ابن جرير ج ٢٦ ص ٨٥ (٢) راجع تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ١٩٠ سورة الحجرات ويستثنى من ذلك نداء الرجل بلقب قبيح فى نفسه ، لا على قصد الاستخفاف به ، كما إذا دعت له الضرورة لتوقف معرفته، كقول المحدثين: سليمان الأعمش، وواصل الأحدب ... ((١). ثم وجه - سبحانه - إلى عباده المؤمنين نداء خامسا، نها هم فيه عن أن يظن بعضهم ببعض ظنا سيئًا بدون مبرر، كما نهاهم عن التجسس وعن الغبية، حتى تبقى للمسلم حرمته وكرامته ... فقال - تعالى -: ((يَأيُّها الذينَ آمنُوا اجتِبُوا كثيراً مِنَ الظَّنَّ، إنَّ بَعضَ الظَّنُ إثْمٌ، ولا تَجَُّوا، ولاَ يَعْتَبْ بَعَصُكُمْ بَعْضًا، أَيُحِبُ أحَدِيثُ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيًْ فكرهْتُمُوه. واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ نَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢))). وقوله - تعالى - ((اجتنبوا)) من الاجتناب يقال: اجتنب فلان فلانا إذا ابتعد عنه، حتى لك أنه فى جانب والآخر فى جانب مقابل. والمراد بالظن المنهى عنه هنا: الظن الى بأهل الخير والصلاح بدون دليل أو برهان . قال بعض العلماء ما ملخصه: والظن أنواع: منه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، ومنه ماهو مباح. فالمحرم: كسوء الظن بالمسلم المستور الحال ، الظاهر العدالة ، ففى الحديث الشريف: « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ... ، وفى حديث آخر: ((إن الله حرم من المسلم ومن وعرضه وأن يظن يه غظن السوء،. وقلنا: كسوء الظن بالمسلم المستور الحال ... لأن من يجاهر بارتكاب. (١) راجع تفسير الألوسى = ٢٦ ص ٠١٥٤ ١٩١ الجزء السادس والعشرون الخبائث ... لا يحرم سوء الظن به، لأن من عرض نفسه التهم كان أهلا لسوء الظن به . والظن الواجب يكون فيما تعبدنا الله - تعالى - بعلمه، ولم ينصب عليه دليلا قاطعا ، فهنا يجب الظن للوصول إلى المعرفة الصحيحة ، كقبول شهادة العدل ، وتحرى الفيل ... والفان المباح مثلوا له بالشك فى الصلاة حين استواء الطرفين ... وحرمة سوء الظن بالناس، إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدى إلى الغير، وأما أن تظن شرا لتقفيه. ولا يتعدى أثر ذلك إلى الغير وذلك محمود غير مذموم، وهو محمل ماورد من أن الحزم سوء الظن ... ، (١). أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، ابتعدوا ابتعادا قاما عن الظنون السيئة بأهل الخير من المؤمنين ، لأن هذه الظنون السيئة التى لا تستند إلى دليل أو أمارة صحيحة إنما هى مجردتهم ، تؤدى إلى قوله الشكوك والمفاسد ... فيما بينكم. وجاء - سبحانه - بلفظ « كثيرا: منكرا، لكى يحتاط المسلم فى ظنونه، فيبتعد عما هو محرم منها، ولا يقدم إلا على ما هو واجب أو مباح منها - كما سبق أن أشرنا .. وقوله - سبحانه -: ((إن بعض الظن إثم، تعليل للأمر باجتناب الظن. والإثم : الذقب الذى يستحق فاعله العقوبة عليه. يقال: أثم فلان - كعلم - یأتم إنما فهو آ ثم إذا ارتكب ذنبا. والمراد بهذا البعض المدعوم من الفان ما عبر عنه سبحانه - قبل ذلك بقوله: ((اجتنبرا كثيرا من الظن). (١) تفسير آيات الأحكام ج ٤ ص ٩٢ لفضيلة الشيخ محمد على السايس. ١٩٢ سورة الحجرات أى: إن الكثير من الظنون يؤدى بكم إلى الوقوع فى الذنوب والآثام فابتعدوا عنه . قال ابن كثير : ينهى الله عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للاهل والأقارب والناس فى غير محله، لأن بعض ذلك يكون إنما محضا، فليجتذب كثيرا منه احتياطا ... عن حارثة بن النعمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث لازمات لأمنى:« الطيرة والحسد وسوء الظن)): فقال رجل: ما الذى يذهبهن يارسول الله ممن هن فيه؟ قال: «وإذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظنفت فلا تحقق، وإذا تطيرت فأمض))(١). وأخرج البيهقى فى شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب قال : كتب إلى بعض إخوانى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ضع أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أمرى. مسلم شرا وأنت تجد لها فى الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه ... ))(١). وقوله - سبحانه -: ((ولا تجسسوا، أى: خذوا ما ظهر من أحوال الناس ولا تبحثوا عن بواطنهم أو أسرارهم، أو عوراتهم ومعايبهم ، فإن من تقبع عورات الناس فضحه الله - تعالى -. فالتجسس مأخوذ من الجس ، وهو البحث عما خفى من أمور الناس، وقرأ الحسن وأبو رجاء: ((ولا تحسسوا، من الحس. وهما بمعنى واحد. وقيل هما متغايران التجسس - بالجيم - معرفة الظاهر، وأن التحسس - الحاء. قتبع البواطن وقيل بالعكس ... (١) راجع تفسير ابن كثير < ٧ ص ٠٢٥٧ (٢) تفسير الألومى خـ ٢٦ ص ١٥٦. ١٩٣ الجزء السادس والعشرون وعلى أية حال فالمراد هنا من التجسر والتحسس: النهى عن تتبع عورات المسلمين أخرج أبو داود وغيره عن أبي برزة الأسلى قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه . لا تتبعوا عورات المسلمين ، فإن من تتبع عورات المسلمين ، فضحه اله - تعالى - فى قعر بيته ). وعن معاوية بن أبى سفيان قال: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدم)، (١). ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الغيبة فقال: ((ولا يغتب بعضكم بعضا) والغيبة - بكر الغين - أن تذكر غيرك فى غيابه بما يسوءه يقال: أغتاب فلان فلانا ، إذا ذكره بسوء فى غيبته، سواء أكان هذا الذكر بصريح اللفظ أم بالكتابة ، أم بالإشارة، أم بغير ذلك . روى أبو داود وغيره عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما بما يكره. قيل: أرأيت إن كان فى أخر ما أقول ؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد أغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته،(٢). ثم ساق - سبحانه - تشبيها ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال: «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه)). والاستفهام للتقرير لأنه من الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم أخيه حيا فضلا عن أكله ميتا . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ض ٣٠٧ (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٥٩ ( ١٣ - سورة الحجرات) ١٩٤ سورة الحجرات والضمير فى قوله:« فكرهتموه)) يعود على الأكل المفهوم من قوله (((بأكل)، و« ميتا، حال من اللحم أو من الأخ. أى: اجتنبوا أن تذكروا غيركم بسوء فى غيبته، فإن مثل من يغتاب أخاه المسلم كمثل من بأكل جه وهو ميت ، ولا شك أن كل عاقل بكره ذلك وينفر منه أشد النفور . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة: قوله - تعالى- (« أيحب أحدكم أن يأكل .. ، تمثيل وتصوير لما بناله المغتاب من عرض غيره على أفظع وجه وأفحشه . وفيه مبالغات شتى: منها الاستفهام الذى معناه التقرير ، ومنها: جعل ماهو الغاية فى الكراهة ،وصولا بالمحبة، ومنها: إسناد الفعل إلى أحدكم، والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك. ومنها: أنه - سبحانه - لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، وإنما جعله أخا، ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ وإنما جعله ميتا .. وانتصب ((ميتا، على الحال من اللحم أو من الأخ ... وقوله: (((فكرهتموه، فيه معنى الشرط . أى: إن صح هذا فقد كرهتموه - فلا تفعلوه - وهى الفاء الفصيحة»(١). والحق أن المتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد نفرت من الغيبة بأبلغ أسلوب وأحكمه، لأنها من الكبائر والقبائح التى تؤدى إلى تمزق شمل المسلمين، وإيقاد فار الكراهية فى الصدور. قال الآلوسى ماملخصه: وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة، وتنحصر فى ستة أسباب : (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٣٧٣ ١٩٥ الجزء السادس والعشرون الأول: التظلم ، إذ من حق المظلوم أن يشكو ظالمه إلى من يتوسم فيه إزالة هذا الظلم . الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته . الثالث. الاستفتاء، إذ يجوز للمستفى أن يقول للمفتى: ظلمنى فلان ېكذا ... الرابع : تحذير المسلمين من الشر، كتجريح الشهود والرواة والمتصدين للإفتاء بغير علم .. الخامس: المجاهرون بالمعاصى وبارتكاب المنكرات ، فإنه يجوزذكره بما تجاهروا به .. السادس: التعريف باللقب الذى لا يقصد به الإساءة كالأعمش والأعرج(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بدعوة المؤمنين إلى التوبة والإنابة فقال: ((واتقوا الله إن الله قواب رحيم)). أى: وانقوا الله - أيها المؤمنون -، بأن تصوفوا أنفسكم عن كل ما أمركم - سبحانه - باجتنابه، إن الله - تعالى - كثير القبول لتوبة عباده، الذين يتوبون من قريب ، ويرجعون إلى طاعته رجوعا مصحوبا بالندم على مافرط منهم من ذنوب، ومقرونا بالعزم على عدم العودة إلى تلك الذنوب لا فى الحال ولا فى الاستقبال، ومستوفيا لكل ماتستلزمه التوبة الصادقة من شروط . وهو - أيضا - واسع الرحمة لعباده المؤمنين ، المستقيمين على أمره. وبذلك نرى هده الاية الكريمة قدنهت المسلمين عن رذائل ، يؤدى (١) راجع تفسير الآلوسى = ٢٦ ص ٠١٦١ ١٩٦ سورة الحجرات تركها إلى سعادتهم ونجاحهم، وفتحت لهم باب التوبة لكى يقلع عنها من وقع فيها ... ٠٠٠ وبعد هذه النداءات الخمسة للمؤمنين، التى اشتملت على الآداب النفسية والاجتماعية .. وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا، ذكرهم فيه بأصلهم وبميزان قبولهم عنده ، فقال - سبحانه -: (يأيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَا لُ مِنْ ذَكرٍ وأنتى، وجَعْنَا ثُمْ شُعوباً وقبائِلَ لِمَرِفُوا، إنَّ أكرَمُكُم عِندَ الهُهِ أَتَقَكُمْ إِنَّ اللّهَ عليمٌ غَبِيرٌ (١٣)». وقد ورد فى سبب نزول هذه الاية روايات منها: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بنى بياضة أن يزوجوا امرأة منهم لأبى هند - وكان حجاما للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا يارسول الله: تزوج بناتنا موالينا - أى: عبيدنا -، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية(١). والمراد بالذكر والأنثى: آدم وحواء. أى: خلقنا كم جميعا من أب واحد ومن أم واحدة، فأنتم جميعا تنقسبون إلى أصل واحد، ويجمعكم وعاء واحد ومادام الأمر كذلك فلا وجه للتفاخر بالأحساب والأنساب . قال الآلوسي : أى: خلقناكم من آدم وحواء، فالكل سواء فى ذلك، فلا وجه للتفاخر بالنسب ، كما قال الشاعر : = الناس فى عالم التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء وجوز أن يكون المراد هنا: إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، (١) تفسير القرطبى : ١٦ ص ٣٤٠ ١٩٧ الجزء السادس والعشرون ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه ، والكلام مساق له ... ،(١) . وقوله: ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ... )) بيان لما ترقب على خلقهم على تلك الصورة ، وللحكمة من ذلك . والشعوب: جمع شعب ، وهو العدد المكثير من الناس يجمعهم - فى الغالب - أصل واحد . والقبائل: جمع قبيلة وتمثل جزءا من الشعب، إذ أن الشعب مجموعة القبائل . قال صاحب الكشاف: والشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التى عليها العرب. وهى: الشعب ، والقبيلة ، والعمارة، والبطن ، والفخذ، والفصيله ... وسميت الشعوب بذلك. لأن القبائل تشعبت منها .. )، (٢). والمعنى: خلقناكم ـ أيها الناس - من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل ((لتعارفوا، أى، ليعرف بعضكم نسب بعض، فينتسب كل فرد إلى آبائه، ولتتواصلوا فيما بينكم وتتعاونوا على البر والتقوى، لا لبتفاخر بعضكم على بعض بحسبه أو نسبه أو جاهه . وقوله - سبحانه -: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)): تعليل لما يدل عليه الكلام من النهى عن التفاخر بالأنساب . أى: أن أرفعكممنزلة عند الله، وأعلاكم عنده - سبحانه - درجة ... هو أكثركم تقوى وخشية منه - تعالى - هإن أردتم الفخر ففاخروا بالتقوى وبالعمل الصالح . (١) تفسير الآلوسى - ٢٩ ص ٠١٦١ ١٩٨ سورة الحجرات «إن الله عليم، بكل أحوالكم , خبير، بما ترونه وتعلنو نه من أقول وأفعال . وقد ساق الإمام ابن كثير - رحمه اله - عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث التى تنهى عن التفاخر ، وتحض على التقوى ، فقال: جميع الناس فى الشرف بالنسبة الطيفية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية ، وهى طاعة الله ورسوله ... روی البخاری ۔ بسنده عن أبى هريرة قال: سئل رسول الله - صلی اقه عليه وسلم - أى الناس أكرمكم؟ قال: ((أكرمهم أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف فى الله، أبن فى الله، ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألونى»؟ قالوا: نعم. قال: , خياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام إذا فقهوا)). وروى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((( إن أقه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم فتح مكة فقال: (( يأيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عية الجاهلية - أى تكبرها، وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقى كريم علی الله ، وفاجر شقی مین علی الله ، إن اقه - تعالى - يقول: ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى .. الآية، ثم قال: أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم،(١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالرد على الأعراب الذين قالوا آمنا ، دون أن يدر كو حقيقة الإيمان، وبين من هم المؤمنون الصادقون . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٣٧٤ ١٩٩ الجزء السادس والعشرون فقال تعالى : (( قَالَتِ الأعرابُ آمَنَّا قُلْ لم تؤمِنُوا واسكِنْ قُولُوا أسْلَمئناً ولمّا يدخُلِ الإيمانُ فى قُلُوبِكُم، وإنْ تُطِعُوا الله ورَسولُهُ لاَ يَلِتِكُم من أَعمالِكُمْ شَيْئًا، إنّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ (١٤) إنَّما المؤمِنُونَ الذِينَ آمَنُوا بالغُهِ ورسُولهِ ثُم لم يرتَبُوا وجاهَدُوا بَأَمو الهِمْ وأَنفُسِهِم فى سبيلِ القُر أولئِكَ مَ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُّونَ اللهَ بِدِينَكُمْ، وَاللهُ يعلَمُ ما فى السَّمواتٍ ومَا فِىِ الأرْضِ، واللّهُ بكل شىءٍ عَلِيمٌ (١٦) يُتُونَ عليكَ أنْ أَسْلَموا قلْ لا تمتُوا علىَّ إِسْلاَمَكُم، بَلِ اللهُ مِنَّ عليكُمْ أَنْ هَداكُ للإيمانِ إِنْ كُنََّ صَدِقِينَ إنّ اللهَ يعلَمُ غَيْبَ السَّمواتِ والْأرْضِ، واللهُ بصيرٌ بما تَمْلُونَ (١٨)». والإعراب : اسم جنس ليدو الغرب، واحده أعرابى، وهم الذين يسكنون البادية . والمراد بهم هنا جماعة منهم لا كلهم ، لأن منهم ((من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات قربات عند الله وصلوات الرسول ، ألا إنها قربة لهم سيدخلهم فى رحمته ... قال الآلوسي: قال مجاهد: نزلت هذه الآيات فى بنى أسد ، وهم قبيلة كانت تسكن بجوار المدينة، أظهروا الإسلام، وقلوبهم دغلة، إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا . ويروى أنهم قدموا المدينة فى سنة مجدبة ، فأظهروا الشهادتين ، وكانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: جئناك بالأثقال والعيال. ولم ٢٠٠ سورة الحجرات نقاتلك كمامالك بنوفلان ... يمنون بذلك على النبى - صلى الله عليه وسلم ... (١) وقوله - سبحانه -: ((قالت الأعراب آمنا، من الإيمان. وهو التصديق القلى، والإذعان النفسى، والعمل بما يقتضيه هذا الإيمان من طاعة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: « أسلمنا، من الإسلام بمعنى الاستسلام والانقياد الظاهرى بالجوارح، دون أن يخالط الإيمان شغاف قلوبهم . أى قالت الأعراب لك - أيها الرسول الكريم - آمنا وصدقنا بقلوبنا لكل ما جئت به، وإمتثلنا لما تأسرنا به، أو تنهانا عنه. قل لهم، لم تؤمنوا، أى: لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن إعتقاد قلب، وخلوص فية ... ,ولكن قولوا أسلمنا، أى: ولكن قولوا نطقنا بكلمة الإسلام، وإستسلمنا لما تدعونا إليه إستلاما ظاهريا طمعا فى الغنائم، أو خوفا من القتل . قال صاخب الكشاف: فان قلت: ما وجه قوله - تعالى -: ((قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، والذى يقتضيه نظم المكلام أن يقال : قل لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا ..... قلت : أفاد هذا لنظم تكذيب دعواهم أولا، ودفع ما إنتحلوه ، فقيل قل: لم تؤمنوا. وروعى فى هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه، حيث لم يقل: كتبتم، ووضع ((لم تؤمنوا، الذى هو نفى ما إدعوا إثباته موضعه ... وإستغنى بالجملة التى هى «لم تؤمنوا، عن أن يقال: لا تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهى عن القول بالايمان ... ، (٢) (١) سورة التوبة الآية ٩٩ (٢) تفسير الآلوسى ج ٢٦ ص ٧. ٢٠١ الجزء السادس والعشرون وقوله: (( ولما يدخل الايمان فى قلوبكم، جملة حالية من ضمير (« قولوا)) و((لما، لفظ يفيد توقع حصول الشىء الذى لم يتم حصوله. أى: قولوا أسلمنا والحال أنه لم يستقر الايمان فى قلوبكم بعد، فإنه أو استقر فى قلوبكم لما سلكم هذا المسلك، ولما مننتم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - اسلامكم . قال الامام ابن كثير ما ملخصه : وقد استفيد من هذه الآية الكريمة : أن الايمان أخص من الاسلامكما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ويدل عليه حديث جبريل، حين سأل عن الاسلام . ثم عن الايمان ... فترقى من الأعم إلى الأخص . كما يدل على ذلك حديث الصحيحين عن سعد بن أبى وقاص . أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعطى رجلا ولم يعط آخر فقال سعد: يا رسول الله . مالك عن فلان إن لأراه مؤمنا. فقال: أو مملا ..... فقد فرق - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمن والمسلم. فدل على أن الايمان أخص من الاسلام . كما دل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين فى هذه الآية . إنماهم مسلمون لم يستحكم الايمان فى قلوبهم . فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى ما وصلوا اليه. فأدبوا بذلك .... ، (٢) ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ما يكمل إيمانهم فقال: ((وأن تطيعوا الله ورسوله لا یلتکم من أعمالیکم شیئا إن الله غفور رحيم» ومعنى: (( لا يلتكم، لا ينقصكم. يقال: لات فلان فلانا حقه - كباع - إذا نقصه . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٣٧٦ ٢٠٢ سورة الحجرات أى: وإن تطيعوا الله - تعالى - ورسوله، بأن تخلصوا العبادة، وتتركوا المن والطمع، لا ينقصكم - سبحانه - من أجور أعمالكم شيئا، إن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لعباده التائبين نوبة صادقة نصوحا . ثم بين - سبحانه - صفات عباده المؤمنين الصادقين فقال: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرقابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل اقه أولئك هم الصادقون» . أى: إنما المؤمنون حق الإيمان وأكمله، هم الذين آمنوا بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، « ثم لم يرقابوا، أى: لم يدخل قلوبهم شى. من الريبة أو الشك فيما أخبر هم به نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. وأتى - سبحانه - بثم التى للتراخى، للتنبيه على أن نفى الريب عنهم ليس مقصورا على وقت إيمانهم فقط، بل هو مستمر بعد ذلك إلى نهاية آجالهم، فكأنه - سبحانه - يقول: إنهم آمنوا عن يقين، واستمر معهم هذا اليقين إلى النهاية . ثم أتبع ذلك ببيان الثمار الطيبة التى ترتبت على هذا الإيمان الصادق فقال: ((وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله. أى : وبذلوا من أجل إعلاء كلمة الله - تعالى - ، ومن أجل دينه أموالهم وأنفسهم . قال الألوسى : وتقديم الأموال على الأنفس من باب الترقى من الأدنى إلى الأعلى . ويجوز بأن يقال: قدم الأموال لحرص الكثيرين عليها ، حتى إنهم يملكون أنفسهم بسببها ... ، (1). (( أولئك هم الصادقون)) أى: أولئك الذين فعلوا ذلك هم الصادقون فى إيمانهم . ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يخبرهم بأن الله (١) تفسير الآلوسى = ٢٦ ص ١٢٦ ٢٠٣ الجزء السادس والعشرون - تعالى. لا يخفى عليه شيء من أحوالهم فقال: ((قل أتعلمون الله بدينكم)). وقوله: « أتعلمون، من الإعلام بمعنى الإخبار، فلذا تعدى بالتضميف. لواحد بنفسه، وإلى الثانى بحرف الجر . أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الأعراب على سبيل التوبيخ: أتخبرون الله - تعالى - بما أنتم عليه من دين وتصديق حيث قلتم آمنا، على سبيل التفاخر والتباهى ... والحال أن الله - تعالى - ,يعلم مافى السموات وما فى الأرض، دون أن يخفى عليه شيء من أحوال المخلوقات الكائنة فيهما . وقوله - سبحانه -: (( والله بكل شىء عليم، مقرر لما قبله ومؤكد له. ثم أشار - تعالى - إلى نوع آخر من جفائهم وقلة إدراكهم فقال « يمنون عليك أن أسلموا ... ». والمن : تعداد النعم على الغير ، وهو مذموم من الخلق، محمود من أنته. - تعالى -. أى: هؤلاء الأعراب يعدون إيمانهم بك منة عليك، ونعمه أسدوما إليك حيث قالوا لك : جئناك بالأموال والعيال، وقاتلك الناس ولم نقاتلك ... وقوله: (( أن أسلموا، فى موضع المفعول لقوله: ((يمنون)) لتضمينهمعنى الاعتداد، أو هو بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوبا بنزع الخافض أو مجرورا بالحرف المقدر. أى: يمنون عليك بإسلامهم ... ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يدل على غفلتهم فقال: ((قل لا تمنوا على إسلامكم ..... أى : قل لهم لا تتفاخروا على بسبب إسلامكم، لأن ثمرة هذا الإسلام يعود نفعها عليكم لا على. ثم بين - سبحانه - أن المنة له وحده فقال: « بل الله يمن عليكم أن هداكم الإيمان ..... ٢٠٤ سورة الحجرات أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر كمازعمتم من أن إسلامكم يعتبر منة على ، بل الحق أن الله - تعالى - هو الذى يمن عليكم أن أرشدكم إلى الإيمان ، وهداكم إليه، وبين لكم طريقة، فادعيتم أنكم آمنتم مع أنكم لم تؤمنوا ولكنكم أساتم فقط . قال صاحب الكشاف: وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة ، وذلك أن الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلاما، ونفى أن يكون - كمازعموا - إيمانا فلما منوا علی الرسول - صلی الله علیه وسلم - بما کان منهم، قال الله-تعالى -. لرسوله: إن هؤلاء يعتدون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به ... ثم قال : بل الله يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه، حيث هداكم للإيمان- على مازعمتم ـ وادعيتم أنكم أرشدتم إليه، ووفقتم له إن صح زعمكم، وصدقت دعواكم ... وفى إضافة الإسلام عليهم، وإيراد الإيمان غير مضاف، مالا يخفى على المتأمل ... ، (١) . وجواب الشرط فى قوله: ((إن كنتم صادقين، محذوف، يدل عليه ما قبله. أى: إن كنتم صادقين فى إيمانكم فاعتقدوا أن المنة إنما هى فه - تمالى - عليكم، حيث أرشدكم إلى الطريق الموصل إلى الإيمان الحق. وشبيه فى المعنى بهذه الآية قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأنصار فى إحدى خطبه: يامعشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى، وكنتم متفرقين فألفكم الله بى. وكنتم عالة فأغناكم الله بى؟ وكان - صلى الله عليه وسلم - كلما قال شيئا، قالوا : الله ورسوله أمن . والحق أن هدايه الله - تعالى - لعبده إلى الإيمان، تعتبر منة منه - سبحانه - لا تدانيها منة، ونعمة لاتقار بها نعمة، وعطاء ساميا جليلا منه - تعالى - لا يساميه عطاء فله - عز وجل - الشكر الذى لا تحصيه عبارة على هذه النعمة، ونسأله - تعالى - أن يديمها علينا حتى نلقاه .. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٧٨.