النص المفهرس
صفحات 341-360
١٢٥ الجزء السادس والعشرون والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم ـ ولأمته، كقوله - تعالى -: ((يأيها النى إذا طلقتم النساء ... )) والقراءة بتاء الخطاب، هى قراءة الجمهور من القراء . قال الآلوسي: وهو من باب التغليب، غلب فيه المخاطب على الغائب، فيفيد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مخاطب بالإيمان برسالته كلمته .. ))(١). أى: أرسلناك - أيها الرسول الكريم - شاهدا ومبشرا ونذيرا، لتكون على رأس المؤمنين بما أرسلناك به. وليقنعك فى ذلك أصحابك ومن سيأنى بعدهم، بأن يؤمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا، ولينصروك ويعظموك، وليسبحوا الله - تعالى - فى الصباح والمساء. وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى -،وتعزروه وتوقروه)) يعود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله (( وتسبحوه)) يعود إلى الله - تعالى -. قال القرطب ما ملخصه: قرأ ابن كثير وأبو عمرو « ليؤمنوا، وكذلك « يعزروه ويوقروه ويسبحوه، كله بالياء على الخبر ... وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ... والهاء فى قوله: ((وتعزروه وقوقروه، النبى - صلى الله عليه وسلم - وهنا وقف تام. ثم تبتدى. بقوله: ,وتسبحوه، أى تسبحوا الله بكرة وأصيلا. وقيل الضمائر كلها فقه - تعالى-، فعلى هذا يكون تأويل: «تعزرؤه وقوقروة، أى: تثبتوا له صحة الربوبية، وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك .... (٢) . ثم مدح - سبحانه - الذين عاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ع. (١) تفسير الآلوسي ج ٢٦ ص ٠٩٠ (٢) راجع تفسير القرطبي ج١١ ص ٠٢٦٦ سورة الفتح ووفوا بعمودهم أكمل وفاء، فقال: (( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اق ... » . وقوله - سبحانه -: « يبا يعونك، من المبايعة أو من البيعة، بمعنى المعاهدة أو العود، وسميت المعاهدة مبايعة، لاشتمال كل واحدة منهما على معنى المبادلة، وعلى وجوب الصدق والوفاء . والمراد بهذه المبايعة، ما كان من المؤمنين فى صلح الحديبية، عندما عاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الثبات وعلى مناجزة المشركين بعد أن اشيع أنهم قتلوا عثمان - رضى الله عنه .. أى : إن الذين يبايعونك على الموت أو على عدم الفرار عند لقاء المشركين، إنما يبايعون ويعاهدون الله - تعالى - على ذلك قبل أن يباعوك أفت، لأن المقصود من هذه البيعة إنما هو طاعته - سبحانه - وامتثال أمره، كما قال - تعالى -: «من يطع الرسول فقد أطاع الله». فالمقصود بقوله: (( إنما يبابعون الله، تأكيد وجوب الوفاء بما عاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه من الثبات وعدم الفرار، والطاعة له فى كل ما يأمرهم به . و قوله -سبحانه -: « يد القه فوق أيديهم، زيادة فى تأكيد وجوب الوفاء. ومذهب السلف فى هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات : أنه يجب الإيمان بها، وتفويض علم معناها المراد منها إلى الله - تعالى -، وترك تأويلها مع تنزيهه - تعالى - عن حقيقتها، لاستحالة مشابهته - تعالى - بالحوادث ، کا قال - سبحانه - (( ليس كمثله شىء وهو السميع البصر)) .. أما الخلف فذهبهم تأويل هذه الصفات على معنى بليق بجلاله ، فيؤولون اليدهنا بالقوة أو القدرة، أى: قوة الله - تعالى - وقدرته ونضرته فوق ١٢٧ الجزء السادس والعشرون قوتهم ونصرتهم، كما يقال: اليد فى هذه المسألة لفلان، أى : الغلبة والنصرة له . أو المعنى: يد الله - تعالى - بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم ... والمقصود بهذه الجملة - كما أشرنا - زيادة التأكيدعلى وجوب الوفاء والثبات. قال صاحب الكشاف: لما قال - سبحانه -: ((إنما يبايعون الله، أكده تأ كيدا على سبيل التمثيل، فقال: ((يد الله فوق أيديهم)) يريد أن يد رسول الله - اللّه صلى الله عليه وسلم - التى تعلو أيدى المبايعين: هى يد الله، والله - تعالى - منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام .. وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - كعقده مع الله ـ تعالى - ... ،(١) . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الناكثين فقال: ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، أى: فمن نقض العهد بعد إبرامه وتوثيقة، بإنما عاقبة نقضه يعود وبالها وشؤمها عليه . فقوله ((مكث، مأخوذ من النكث - بكسبر النون - وهو فك الخيوط المغزولة بعد غزلها، وقوله: ((ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما، أى: ومن ثبت على الوفاء بما عاهد القه - تعالى - عليه، فسيعطيه - سبحانه - من فضله أجرا عظيما على ذلك. والهاء فى قوله: ((عليه، قرأما حفص بالضم، توصلا إلى تفخم لفظ الجلالة ، الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام. وقرأها الجمهور بالكر. هذا، وقد وردت أحاديث متعددة، تصرح بأن الذين كانوا مع الغبي را (١) تفسير الكهاف جـ ٤ ص ٠٣٣٥ : ١٢٨ سورة الفتح - صلى الله عليه وسلم - فى صلح الحديبية قد بايعوا جميعا النبى - صلى الله عليه وسلم - على الموت أو على عدم الفرار، سوى جماعة من المنافقين، امتنعوا عن هذه البيعة ، لمرض قلوبهم ، وسوء طويتهم ... ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن سلمة بن الأكوع قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة. قيل: على أى شىء؟ قال : على الموت . وروى مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله أنه مثل : كم كان عددكم يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فيأيعنا الرسول - صلى الله عليه وسلم- على أن لا نفر - سوى الجد بن قيس فإنه اختفى تحت بطن بعيره ، ولم يسرع مع القوم ... )) . وهكذا فاز المؤمنون الصادقون بشرف هذه البيعة وحرم منها المنافقون لمرض قلوبهم . ٠ ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المتخلفين ، الذين لم يخرجوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى صلح الحديبية، فتحكى أعذاره الزائفة، وتفضحهم على رؤوس الأشهاد، وترد على أقوالهم الباطلة، وتأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عنهم، وإعمل أمرهم، فهم قوم استحوذ عليهم. الشيطان فأنام ذكر الله ... ( سَيَقُولُ لكَ المخلّقُونَ من الأعرابِ شَغْلَتْنَا أموالُنا وأهْلُونَاَ فاسْتَغَفِرْ لنا يقولُونَ بِأَلْسِفِهِم ما ليسَ فى قُلُوبهم، قُلْ فَى عِكُ الحُم مَنْ الِّ شَيْئًا إِنْ أرادَ بِكُمْ ضَرًّا أو أرَادَ بِكُمْ نَفْعاً، بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا" تَعَمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ مَنْتُ أَنْ لَنْ يَتَقِبَ الرَّسُول والمؤمِنونَ إلى ١٢٩ الجزء السادس والعشرون أَهْلِيهِم أبداً، وزُيْنَ ذلِكَ فى قُلُوبُكُمْ وَظَنْتُ ظَنَّ السّوهُ وكُنتُم قَومًا بوراً (١٢) ومَنْ لم يؤمِنْ باللهِ ورسُولِهِ فإنّا أعْتَدْنَاَ للكاَفِرِينَ سَعِيراً (١٣) وقُرٍ مُلكُ السَّمواتِ والأرضِ، يغفِرُ إِمَنْ يِشَآءِ ويُعَذِّبُ من بشَ، وَ كَانَ اللهُ غَفُوراً رحِيماً (١٤) سيقُولُ الحُلَّفُونَ إذا انْطَلِقُ إلى مِنَايِ لتأخذُهَا ذَرُونَ تَنْبِعُكُم، يُرِيدُونَ أنْ يُبْدُلُوا كلامَ اللهِ ، قُلْ أن تَتْبِعُونَ كَذلِكُم قَالَ الله مِنْ قَبلُ. فَسَيَقُولُونَّ بل تَحَسِدُ ونَناَ بِلْ كانوا لا يَفَقَهُونَ إِلَّ قُليلاً (١٥) قُلْ للمخلّفِينَ من الأعرابِ سَتَدْعُونَ إلى قومٍ أُولى بأسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُم أو يُسلمُونَ، فإنْ تُطِعُوا يؤتِّكُم الله أَجراً حَسِنَا، وَإِنْ تَتَولَّوا كما تولَّيْتُم مِنْ قَبل يُعْدُ بُكُم عَذَابً ألياً (١٦) لبسَ على الأعْمَى حَرَجٌ ولا على الأرج حرَجٌ ولا عَلَى المريضِ حرَّجٌ، ومَنْ يُطِع الله ورسُولُهُ يُدخِلُه جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تحتها الأنهارُ، ومَنْ يَتَولَّ يُعذّ بَه عَذاباً أليماً (١٧))). قال الإمام الرازى ما ملخصه: لما بين - سبحانه - حال المنافقين، ذكر المتخلفين - بعد ذلك - فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول أنه - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة، لظنهم أنه يهزم، فإنهم قالوا: أمل مكة قاتلوه على باب المدينة ... فكيف يذهب إليهم ... واعتذروا عن الخروج معه - صلى الله عليه وسلم .... (١). والمخلفون: جمع مخلف ، وهو المتروك فى مكان خلف الخارجين من البلد كالنساء والصبيان ، فإنهم فى العادة لا يخرجون مع الرجال للجهاد. وعبر عنهم بالمخلفين على سبيل الذم لهم. (١) تفسير الفخر الرازى = ٧ صر ١ ( ٩ - سورة الفتح ) ١٣٠ سورة الفتح والأعراب: اسم جنس لبدو العرب، واحده أعرابى، والأنثى أعرابية، . والمقصود بهم منا سكان البادية من قبائل غفار، ومزينة، وجهينة ، وأشجع وأسلم، والديل، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد دعاهم إلى الخروج معه إلى مكة ، ليساعدوه على إقناع قريش فى الإذن بدخول مكة للطواف بالبيت الحرام ... ولكنهم اعتذروا. وقوله - سبحانه - سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا واحلونا فاستغفر لنا ... )، إعلام من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بما سيقوله هؤلاء المتخلفون له، بعد عودته إليهم من ملح الحديبية . أى: سيقول المخلفون لك - أيها الرسول الكريم -: إننا مانخلفنا عنك باختيارنا، ولكن انشغالنا بحفظ ورعاية أموالنا ونسائنا وأولادنا الصغار، حال بيننا وبين الخروج معك إلى الحديبية، ومادام الأمر كذلك ((فاستغفر لنا، القه - تعالى - لكى يغفر لنا ذنوبنا التى وقعنا فيها بسبب هذا التخلف الذى لم يكن عن تكاسل أو معصية لك . ولما كان قولهم هذا لم يكن صحيحا، فقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله « يقولون بألسنتهم ماليس فى قلوبهم . . أى : هم ليسوا صادقين فيما يقولون، والحق أنهم يقولون قولا من أطراف ألسنتهم ، دون أن تؤيده قلوبهم، فإن السبب الحقيقي لعدم خروجهم معك، هو ضعف إيمانهم، ومرض قلوبهم، وتذبذب نفوسهم .. فالجملة السكريمة تكديب لهم فيما قالوه ، وفضيحة لهم على رءوس الأشهاد . ثم أمر الله - تعالى- أن يجابهم بقوله: (قل فمن يملك لكم من إنه شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم تفعا ... ، والاستفهام للانكار والنفى. ١٣١ الجزء السادس والعشرون أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المتخلفين من الأعراب، لا أحد يستطيع أن يمنع عنكم قضاء الله - تعالى -، إن أراد بكم ما يضركم من قتل أو هزيمة ، أو إن أراد بكم ما ينفعكم، من نصر أو غنيمة لأن قضاء الله - تعالى -، لا دافع له، كما قال - سبحانه -: ((ما يفتح الله الناس من رحمته فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ... » ثم أضرب - سبحانه - عن ذلك وقال: « بل كان اله بما تعملون خبيرا، أى: إن تخلفكم ليس سببه مازعمتم، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ضعف إيمانكم، والله - تعالى - مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما، وسيجازيكم بما تستحقون. - ثم أكبـ ـ سبحانه ـ كذبهم بإضراب آخر عن أقوالهم فقال: « بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك فى قلوبكم، وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بورا، والبور فى الأصل مصدر كالهلك، يوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وهو هنا مستعمل بمعنى اسم الفاعل. وقيل هو جمع بار، كحائل وحول .. قال صاحب الكشاف: والبور من بار، كالهلك من ملك بناء ومعنى ، ولذلك وصف بذ الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . وبحوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ،(!). والمعنى: ليس الأمر كما زعمتم - أيها المخلفون - من أن أموالكم وأولادكم هى التى شغلتكم عن الخروج مع رسولكم ـ صلى الله عليه وسلم -، ولكن الحق أنكم ظفتم أن العدو سيستأصل شافة المؤمنين بالفتل والإهلاك. وانهم لن يعودوا بعد ذلك إلى أهليهم أبدا ... زين الشيطان هذا الظن العاد فى قلوبكم، ومكنه من نفوسكم. فقعتم (١) تفسير بكتاب ج ، ص ٠٢٢٧ ١٣٢ سورة الفتح فى دياركم ، (( وظننتم، فى كل ما يتعلق بالرسول - صلى الله عليه وسلم-وبأتباعه الصادقين (ظن السوء، أى: الظن الذى كله سوء وشر ومنكر ... (( وكنتم، فى علم الله - تعالى - وحكمه ( قوماً بورا، أى: قوما مالكين فاسدين ، لا تصلحون لشىء من الخير ، ولا تستحقون إلا الخزى والعقاب .. فأنت ترى أن الله، تعالى ، قد ذم هؤلاء المتخلفين وفضحهم وتوعدم بسوء المصير، لأسباب متعددة، منها : سوء ظنهم ياقه ، تعالى، وبرسوله، صلى الله عليه وسلم، فقد توهموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون على بد أعدائهم ، وأنهم لن يعودوا إلى أهليهم أبدا . ومنها: اعتذارهم الكاذب ، بانشغالهم بأموالهم وأهليهم .. . ومنها: تعمدهم الكذب ، وتفوههم بالكلام الذى لا تؤيده قلوبهم. ثم ختم، سبحانه، هذا الذم والتهديد للمتخلفين بقوله: «ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكفرين سعيرا)). أى: ومن لم يؤمن بالله، تعالى, إيمانا حقا، ويصدق الرسول، صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به من عندربه، ويطيعه فى كل ما آمر به أونهى. عنه ، عاقبناه عقابا شديدا ، فإنا قد ميأنا للكافرين فارا مسعرة ، تحرق الأبدان، وقشوى الوجوه ... ثم بين، سبحانه أنه هو المالك لكل شىء فقال: «ولله ملك السموات. والأرض)) خلقا وتصرفاً(( يغفر لمن يشاء، أن يغفر له ((ويعذب من يشاء)) أن بعد به . , وكان) - سبحانه - وما زال «غفورا، أى: (( واسع المغفرة «رحيماء أى: أى واسع الرحمة . ثم عادت السورة الكريمة إلى حكاية أقوال هؤلاء المنافقين، وإلى الرى. عليها ، فقال تعالى : سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها. فرونا نتبعكم ..... ١٣٣ الجزء السادس والعشرون والمراد بالمخلفين هنا : السابقون الذين وصفوا بأنهم من الأعراب، فاللام للعهد . أى: سيقول المخلفون عن الخروج معك يامحمد إلى مكة ، بعد أن عاب ظنهم فرجعتم سالمين إليهم بعد صلح الحديبية، سيقولون لك ولأصحابك: « ذرونا نتبعكم، أى: اتركونا لنسير معكم، لنشارككم فى جمع الغنائم التى تنالونها من أعدائكم. فقوله ((ذرونا، بمعنى اتركونا ودعونا . قال الآلومى: والمراد بالمغائم هنا: مغانم خيبر - كما عليه عامة المفسرين - ولم تقف على خلاف فى ذلك ، وأيد بأن السين تدل على القرب ، وخيبر أقرب المغانم التى انطلقوا إليها من الحديبية - كما علمت -، فإرادتها كالمتعينة، وقد جاء فى الأخبار الصحيحة أن الله - تعالى- وعد أهل الحديبية أن يعوضهم عن مغانم مكة مغاقم خيبر ، إذا قفلوا مواد عين لا يصيبون شيئًا .. (١). وقد كان رجوع النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من صلح الحديبية فى ذى الحجة من السنة السادسة ، وخروجهم إلى خيبر كان فى المحرم من السنة السابعة ، وقد أصاب المسلمون من خيبر غنائم كثيرة، وقد جعلها - صلى الله عليه وسلم - لمن شهد معه صلح الحديبية دون غيرهم . وقوله: ((يريدون أن يبدلوا كلام الله، أى: يريد هؤلاء المخلفون بقولهم « فرونا نتبعكم، أن يغيروا حكم الله - تعالى - الذى حكم به، وهو أن غنائم خيير خاصة لمن شهد صلح الحديبية، أما هؤلاء المخلفون فلا نصيب لهم فيها. ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يفرسهم فقال: « قل لن تقبعونا کدلكم قال الله من قبل ... ». " (١) تفسير الآلوسى = ٢٦ ص ٠١٠١ ١٣٤ سورة الفتح أبى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين - على سبيل الإقاط والتيئيس والزجر - لا تتبعونا ونحن متجهون إلى خيبر لفتحها. فالنفى فى قوله« لن تتبعونا، بمعنى النهى للمبالغة فى منعهم من الخروج مع المؤمنين إلى خير . وقوله: (( كذلكم قال الله من قبل، أى: مثل هذا النهى الصادر ٠ فى قد قاله الله - تعالى - من قبل رجوعنا من الحديبية، فقد أمر نى بمنعكم من الخروج معى إلى خيبر، وبحر مانكم من غنائمها. عقابا لكم على معصيتكم لى، وعلى سوء ظنكم بي وبأصابى ... ثم حكى - سبحانه - ماسيقوله هؤلاء المنافقون بعد مجابتهم بتلك الحقيقة فقال: ((فسيقولون بل تحسدوننا، بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا)». أى: فسيقولون لك - أيها الرسول الكريم - بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى خبير، وبعد أن ذكرت لهم حكم الله فيهم ... سيقولون لك على سبيل السفاهة وسوء الأدب: أقم أيها المؤمنون تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى خير ، أن تحدوننا وتمنعوننا حقنا فى الغنيمة، واقه - تعالى - لم يأمركم بمنمنا، وإنما أنتم الذين فعلتموه حسدا لنا . وقوله: « بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا، إضراب عن قولهم هذا على سبيل التسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - أى: ليس الحق كمازعموا، بل الحق أنهم قوم دأبهم الحق والجهالة ، ولا يفقهون من أمور الدين إلا فتها قلبلا ، لا يسمن ولا یغنی من جوع . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما "فرق بين حر فى الإضراب ؟قلت: الأول إضراب معناه: رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوم وإثبات الحسد. والثانى: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم بما ١٣٥ - الجزء السادس والعشرون هو أطم منه ، وهو الجهل وفلة الفقه،(١). ثم فتح - سبحانه - أمام هؤلاء المخلفين من الإعراب باب التوبة، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى الجهاد معه، فإن صدقوا أفلحوا، وإن أعرضوا خسروا فقال: (( قل للمخلفين من الإعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد، تقاتلونهم أو يسلمون ..... أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين من الإعراب عن الخروج معك ، ستدعون فى المستقبل إلى القتال معى، لقوم أصحاب قوة وشدة فى الحرب، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما: إما القتال لهم، وإما الإسلام منهم. فاوفى قوله (( أويسلمون)) للنوبع والحصر. وجملة (( تقاتلوهم أويسلمون)، مستأنفة للتعليل، كمافى قوله: سيدعوك الأمير للقائه، يكر مك أو يخزى عدوك. وقد اختلف المفسرون فى المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد، فمنهم من قال : فارس والروم ، ومنهم من قال: بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب. والذى عليه المحققون من العلماء أن المقصود بهم: هوازن وثقيف الذين التقى بهم المسلمون فى غزوة حنين بعد فتح مكة . وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل المتخلفة قد اشتركت فى تلك الغزوة، حتى لقد بلغ عدد المسلين فيها مايقرب من اثنى عشر ألفا، ولأن أهل هوازن وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية والكر والفر، فاستطاعوا فى أول المعركة - بعد أن اغتر المسلمون بقوتهم - أن يفرقوابعض صفوف المسلمين، ثم تجمع المسلمون بعد ذلك وانتصروا عليهم، ثم كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام هوازن وثقيف، كما هو معروف فى كتب السيرة. ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوازن وثقيف من قتال فى قوله - تعالى -: «لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، (١) تفسير الكشاف <ـ ٤ ص ٣٢٨ ١٣٦ سورة الفتح ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم تروها ، وعذب للذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. ثم يتوب لله من بعد ذلك على من يشاء، والله غفور رحيم)،(١). وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود. بالقوم أولى البأس الشديد هو ازن وثقيف، فقال ماملخصه: وتكاد تتفق کتب السيرة على أن الجيش الذى ذهب لفتح مكة، فم ذهب بعد ذلك إلى غزو هوازن وثقيف يوم حنين ، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل: أسلم وأشجع وجهينة وغفار ومزينة ... وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية ، ساهمت فى الجهاد بقسط وافر يوم فتح مكة ، ويوم حنين ..... . وقد أقام المسلمون بمكة بعد أن فتحوها - بدون قتال يذكر - خمسة عشر يوما ... ثم ذهبوا لقتال هوازن وثقيف .... وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية، ودراية بفنون القتال. فهزموا المسلمين فى أول الأمر، ثم هزمهم المسلمون. ومن كل ذلك يترجح الحكم بأن هؤلاء القوم هم هوازن، وأن كثيرا من المخلفين أسلم إسلاما خالصا، وحسنت توبته ... )(٢). وقوله - سبحانه - « فإن تطيعوا بؤتكم الله أجرا حسنا، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليماء بيان للثواب العظيم الذى أعده - سبحانه - للطائفين، وللعذاب الأليم الذى توعد به الفاسقين . أى: فإن تطيعوا - أيها المخالفون - رسولكم - صلى الله عليه وسلم - يؤتكم أقله من فضله أجرا حسنا، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة، كما أعرضتم من قبل فى صلح الحديبية عن طاعته ، يعذبكم - سبحانه - عذابا أليما . (١) سورة التوبة الآيات ٢٠ - ٢٧ (٢) راجع تفسير سورة الفتح ص ٨٩ وما بعدها لفضيلة أستاذنا الدكتور أحمد الكومى. ے ١٣٧ الجزء السادس والعشرون ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات برفع الحرج عن الذين تخلفوا الأعذار حقيقية فقال: (( ليس على الأعمى حرج ,ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج ٤٠٠٠. أى: ليس على هؤلاء إثم فى التخلف عن الجهاد، لما بهم من الأعذار والعاهات المرخصة لهم في التخلف عنه . « ومن يطع الله ورسوله، فيما أمرا به أو نهیا عنه، يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، ومن يتول عن طاعتهما (( يعذبه، الله - تعالى - «عذابا أليما، لا يقادر قدره . ٥٥٠ ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة ، ومدحهم مدحا عظيما، وبين - سبحانه - أن سنته فى خلقه لن تتخلف ، فقال - تعالى - : ((لَقَدْ رضِىَ اللهُ عَنِ المؤْمِنِينَ إذ يُبايعُونَك ◌َحتَ الشَّجرةِ فَعَلِمَ مافى قُلوبهم، فأنزلَ السَّكِينَةَ عليهم وأثَبهم فتحاً قَرِيباً (١٨) ومغَاتِمَ كثيرةً تأخذَونَها وكانَ الله عَزِيزاً حكيماً (٩) وعدم الله منآتِمٍ كثيرةٌ تأخذُونَهَا فعجَّلَ لكُم هذه، وَكَفَ أَيْدِىَ النَّاسِ عنْكُم، ولِتُكُونَ آيةَ للمؤمِنِينَ ويهدِيَكُمْ صِرِطاً مستقيماً (٣٠) وأُخْرَى لم تقدِرُوا عَلَيْها قد أحاطَ الله بها، وكانَ الله عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيراً (٢١) ولو قاَتلكُم الذينَ كَفَوُوَا لَولَّوا الأدبارَ ثم لا يَجِدُونَّ وليّا ولا نَصِيراً (٢٢) سنَّةَ الله التى قد خَلَتْ مِن قبلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبديلاً (٢٣) وهُوَ الذى كفَ أيدِيَهُم عنُكُم وأَيديُكُم عَنهم بِبَطْنِ مكَّ مِنْ بعدٍ أنْ أَظفرَ كُمْ عَلَيهم وكانَّ الله بما تعملونَ بصيراً (٢٤))) . ١٣٨ سوره الفتح واللام فى قوله - تعالى -: «لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك محتد الشجرة ... ، هى الموطئة للقسم . وتسمى هذه البيعة ببيعة الرضوان . والشجرة: كانت بالحديبية ، وقد جلس - صلى الله عليه وسلم - تحتها ليبايع أصحابه على الموت أو على عدم الفرار ، فبايعوه على ذلك - ما عدا بعض المنافقين -، وقد كان الناس: عد ذلك يترددون على ذلك الشجرة ويصلون تحتها، ويدعون الله - تعالى -... فأمر عمر - رضى الله عنه - قطعها خشية الافتتان بها . أى: والله لقد رضى الله - تعالى - عن المؤمنين الذين بايعوك - أيها الرسول الكريم - تحت الشجرة، على الموت من أجل إعلاء كلمة ربهم ... وفى هذه الجماء أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان، وهو رضا الله - تعالى- عنه. ودخوله فى زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته - سبحانه - ورحمته. قال الألوسى - رحمه الله -: والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايعة. وقوله - سبحانه - ، تحت الشجرة، متعلق بيبا مونك ... وفى .. التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة فى النفوس .. ولذا استوجبت رهما الله - تعالى - الذى لا يعادله شىء، ويستتبع ما لا يكاد يخطر على البال. ويكفى فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر. ومسلم عن أم بشر عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال :. لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة .... وصح برواية الشيخين وغيرهما فى أولئك المؤمنين من حديث جابر ، أنه. - صلى الله عليه وسلم -قال لهم(أتم خير أهل الأرض ... (١). وقوله - تعالى -،فلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم. وأنابهم فتجد قريبا، بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين الصادقين . (١) تفسير الألوسى ج ٢٦ ص ٠١٠٨ ١٣٩ الجزء السادس والعشرون أى: لقد رضى - سبحانه - عن الذين بايعوك تحت الشجرة - أيها الرسول الكريم -، حيث علم ما فى قلوبهم من الصدق والإخلاص وإيثار الآخرة على الأولى، فأنزل السكينة والطمأنينة والأمان عليهم، ,وأنابهم ، أى: وأعطاهم ومنحهم فتحا قريبا، وهو فتح خيبر ، الذى كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين : وقيل المراد به: فتح مكة. والأول أرجح، لأن فتح خير لم يكن فتح أقرب منه، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة . وقد أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال: «ومغانم كثيرة يأخذونها .... أى: وأثابكم مغانم كثيرة تأخذونها من خير . (( وكان الله)) - تعالى - وما زال ((عزيزا، أى: غالبا (( حيماء فى كل أفعاله وأحكامه . . وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ... ، أيها المؤمنون من أعدائكم فى فى مستقبل أيامكم . وقد صدق الله - تعالى - وعده معهم ، فلقد غنموا بعد ذلك من بلاد. فارس والروم وغيرهما . والإشارة فى قوله (( فجعل لكم هذه ، تعود إلى مغانم خيبر، كما روى عن مجاهد - وعليه يكون المراد بالناس فى قوله: ((وكف أيدى الناس عنكم» أهل خيبر وحلفائهم من بنى أسد وغطفان حين جاؤا لنصرة يهود خيبر، فألقى الله الخوف فى قلوبهم جميعا . ويرى بعض المفسرين أن الإشارة فى قوله: ( فجعل لكم هذه، إلى صلح الحديبية وقد روى ذلك عن ابن عباس . وعليه يكون المراد بالناس فى قوله: «وكف أيدى الناس عنكم، مشر كو قريش، أى : منعهم من حربكم ، بأن قذف فى قلوبهم الرعب منكم . ١٤٠ سورة الفتح ويبدو لنا أن هذا الرأى الذى قاله ابن عباس - رضى الله عنهما - هو الأقرب إلى الصواب، لأنه يتسق مع سياق الآيات، ولأنه يؤكد أن صلح الحديبية كان فتحا ومغتما ، كان فتحا بدليل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم ـ لمن شك فى ذلك: «أى والذى نفسى بيده إنه لفتح، وكان مغنما، لأن المسلمين غنموا من ورائه انتشار الدعوة الإسلامية فى آفاق الأرض . واللام فى قوله: ((ولتكون آية للمؤمنين، متعلقة بمحذوف، أى: فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون تلك النعم والبشارات علامات للمؤمنين على رعاية الله - تعالى - لهم، ورضاه عنهم .. ((ويهديكم، أيها المؤمنون , صراطا مستقيما، أى: طريقا واضحا قويما، به تصلون إلى ما تبغونه من عزة وأمان . وقوله: ((وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها .... ، معطوف على , هذه ». أى : فعجل لكم هذه المنائم، وعجل لكم مغانم أخرى ، لم تقدروا على الحصول عليها قبل ذلك لبعدها عن أن تنالها أيديكم. وقد أحاط الله بها لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء , وكان الله على كل شىء قديرا)). وتختلف الأقوال فى هذه المغافم الأخرى، فمنهم من يرى أنها فتح مكة ، ومنهم من يرى أنها فتح خيبر ، ومنهم من يرى أنها مغانم هوازن وثقيف، ومنهم من يرى أنها مغانم المسلمين من الفرس والروم .... ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال أولها، لأنه ترقب على هذا الصلح فى . الحديبية أن فتحت مكة بعد سنتين عنه، بسبب نقض المشركين له ، وقد تم فتحا بدون قتال يذكر ، بعد أن حدث ما حدث بين المسلمين وبين مشركى مكة من قتال انتصر فيه المسلمون تارة كغزوة بدر ، وانتصر فيه المشركون أخرى كغزوة أحد .... فالمسلمون لم يقدروا على دخول مكة إلا فى عام الفتح، وبعد أن أخاط ١٤١ الجزء السادس والعشرون أقه - تعالى - بها بقدرته التى لا يغلبها شىء، وبعد أن استعصت على المسلمين زمنا طويلا، وقد سلمها - سبحانه - لهم بأقل أنواع القتال , وكان الله على کل شیء قدیرا ،. والذى يتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى أن الله - تعالى -، قد بشر المسلمين الذين شهدوا صلح الحديبية بإشارات متعددة. بشرهم - أولا - برضاه عنهم - وهذه أسمى بشارة وأعلاها .. وبشرهم - ثانيا - بتفضله عليهم بمنحهم السكينة والطمأنينة التى تجعلهم فى ثبات وأمان .. وبشرهم - ثالثا - بفتوحات وتنائم منها القريب العاجل، ومنها الآجل المتحقق، الذى يكاد لتحققه أن يشاهدوه بأعينهم، لأن الله - تعالى - وعد به ووعده لا يتخلف . ثم بشرم - رابعا - بأنهم هم المنصورون لأن سنته قد اقتضت ذلك، فقال: (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ... ، وتولية الأدبار كناية عن الهزيمة ، لأن المنهزم يعطى ظهره لمن انتصر عليه . أى ولو قالكم الذين كفروا وأنتم على تلك الحالة من قوة الإيمان، وصدق العهد، وإخلاص النية، وحسن الاستعداد ، ومباشرة الأسباب .. لولوا الأدبار أمامكم ,ثم لا يجدون وليا، يعينهم ،ولا نصيرا، ينصرم. وقوله (( سنة الله التى تدخلت من قبل٠٠٠، زيادة فى تثبيتهم وفى إدخال السرور على قلوبهم ..: ولفظ «سنة، منصوب على المصدرية بفعل محذوف. أى: من القه انتصار أهل الحق على أهل الباطل سنة قديمة وممتدة إلى أن يرث اله الأرض ومن عليها . ١٤٢ سورة الفتح ,( ولن نجد)) - أيها العاقل -((لسنة الله) - تعالى- ,تبديلا، أو تغييرا أو تحويلا .. وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون،(١). ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة من نعمه التى أنعمها عليهم فى رحلتهم هذه التى انتهت بصلح الحديبية فقال: «وهو الذى كف أيديهم عنكم، وأيديكم عنهم، بيطن مكة ، من بعد أن أظهركم عليهم ... ». والمراد ببطن مكة: الحديبية، وسميت بذلك لأنها قريبة من مكة . ◌ُی : وهو - سبحانه - الذی منع المشر کین - بقدرته وحكمته- من مهاجمتكم والاعتداء عليكم، ومنعكم من مهاجمتهم وقتالهم، فى هذا المكان القريب من مكة، وكان ذلك بعد أن نصركم عليهم، وجعلكم أعلى منهم فى القوة والحجة والثبات، وكان - سبحانه - ومازال (( بما تعملون بصيرا)). وقد ذكروا فى هذا الظفر روايات منها ما أخرجه الإمام مسلم وغيره عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه . ثمانون رجلا من أهل مكة فى السلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليهم، فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية ... )) (٢). فالآية الكريمة تذكير من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بجانب من نعمه. علیهم، ورحمته بهم. وهو تذكير يتعلق بأمور شاهدوها بأعينهم ، وعنشوا أحداثها ، (١) سورة الصافات. الآيات ١٧١ - ٠١٧٣ (٢) راجع تفسير ابن كثير ــ٧ ص ٣٢٣ وتفسير الالومى = ٢٦ص١١١ ١٤٣ الجزء السادس والعشرون وعندما يأتى التذكير بالأمور المشاهدة المحسوسة، يكون أدعى إلى الشكر له - عز وجل -. ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه عليهم ، وكشف لهم عن جانب من حكمته فى منع القتال بينهم وبين مشركي مكة ، وفى هدايتهم إلى هذا الصلح فقال : ((مُ الذينَ كَفَرَوا وصَدُّوكُم عن المسجِدِ الحرامِ والحَدى معْكُوفًاً أنْ يِلُغّ مَحِلَّه، ولوْلاَ رجالٌ مُؤْمِنِونَ ونِساءِ مُؤْمِنَاتٌ لم تعدُّومَ أنْ تَطَّأَومُ فَيَصِبكُم ◌ِنِهِمِ معَّةٌ بَغَيرِ عِلْمِ، لِيُدخِلَ الله فى رَحَتِهِ مَنْ يشَآء لو تَزَيَّلُوا لِذَّبْنَا الذِينَ كَفَرُوا مِنهم عذابا أليماً (٢٥) إذ جَعَل الذينّ كَفَرُوا فى قلوبِهِمُ الْميةَ حِيةَ الجاهِلِيةَ، فَأَنزَلَ الله سكِيفَتّه على رسوله وَعَلَى المؤمِنِينَ، وأَلْزَمهم كلمةَ الثّقْوى، وكانوا أحَقُّ بِهاَ وأهلها، وكانَ اللهُ بِكلِّ شىءٍ عِلِيماً (٢٦))). والمراد بالذين كفروا فى قوله - تعالى -: هم الذين كفروا وصدوكم.، مشركو فريش، الذين منعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - من دخول مكة، ومن الطواف بالبيت الحرام . والهدى: مصدر بمعنى المفعول . أى: المهدى . والمقصود به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإبل والبقر والغتم، ليذبح تقربا إلى الله - تعالى - وكان مع المسلمين فى رحلتهم هذه التى تم فيها صلح الحديبية سبعين بدنه - على المشهور -. ولفظ الهدى قرأه الجمهور بالنصب عطفا على الضمير المنصوب فى قوله. صدوكم، وقرأه أبو عمرو بالجر عطفا على المسجد. ١٤٤ سورة الفتح وقوله: « ممكونا، أى: محبوسا. يقال: عكفه يمكنه عكفا، إذا حبسه ومنه الاعتكاف فى المسجد، بمعنى الاحتباس فيه ، وهو حال من الهدى. وقوله: (( أن يبلغ محله)) منصوب بنزع الخافض، أى: عن أن يبلغ محله، أی : مكانه الذی یذبح فيه وهو منی . والتعبير بقوله: «هم الذين كفروا -.. ، نصريج بذمهم وتوبيخهم على موقفهم المشين من المؤمنين ، الذين لم يأتوا إلى مكة لحرب، وإنما أتوا لآداء شعيرة من شعائر الله . أى: هم فى ميزان الله واعتباره الكافرون حقا . لأنهم صدوكم ومنعوكم - أيها المؤمنون - عن دخول المسجد الحرام، وعن الطواف به ، ولم يكتفوا بذلك . بل منعوا الهدى المحبوس من أجل ذبحه على سبيل التقرب به إلى الله - تعالى - من الوصول إلى محله الذى يذبح فيه فى العادة وهو منى . قال القرطبى ما ملخصه: قوله: ((والهدى معكوفا)، أى: مخبوسا ... أن يبلغ محله .. أى: منحره ... والمحل - بالكسر - غارد الشىء. وبالفتح: هو الموضع الذى يحله الناس. وكان الهدى سبعين بدنه، ولكن الله - تعالى- بفضله جعل ذلك الموضع - وهو الحديبية - له محملا . وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: نحر نا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة ... وفى البخارى عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتمرین، فال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنة وحلق رأسه ... )،(!). (١) تفسير القرطبى : ١٦ ص ٢٨٣: