النص المفهرس
صفحات 261-280
٤٠ الجزء السادس والعشرون إلى الطائف، يلتمس من أهلها النصرة، ويدعوهم إلى الإيمان ... فأغروا. به سفهاءهم وعميدهم يسبونه ويضحكون به ... فانصرف - صلى الله عليه وسلم - عنهم. حتى إذا كان ببطن نخلة - وهو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل ، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام ... فاستمعوا إليه وقالوا: أنصتوا .. ،(١)، وهناك روايات أخرى كثيرة فى عدد هؤلاء الجن، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبي - صلى أقه علية وسلم - وفيما قرأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم، وفيمن كان مع النبى - صلى الله عليه وسلم - خلال النقائه بهم ... (٢) . ويبدو لنا من مجموع هذه الروايات أن إلقاء النبى - صلى الله عليه وسلم - بالجن قد تعدد، وأن هذه الآيات تحكى لقاء معينا، وسورة الجن تحكى لقاء آخر . قال الآلوسى: وقد أخرج الطبرانى فى الأوسط، وابن مردويه عن الخبر: أى: عن ابن عباس أنه قال: صرفت الجن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين . وذكر الخفاجى أنه قد دلت الأحاديث، على أن وفادة الجن كانت سيت مرات ، ويجمع بذلك اختلاف الروايات فى عددهم ، وفى غير ذلك،(٣) . و(«النفر» على المشهور - ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال ، وهو مأخوذ من التغير «لأن الرجل إذا حز به أمر نفر بعض الناس الذين يهتمون بأمره لإغائته . (١) راجع تفسير القرطى ج ١٦ ص ٢١٠ (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ٧ ص ٢٧٢ وما بعدها طبعة دار الشعب. (٣) راجع تفسير الآلوسى = ٢٦ ص ٣٠. ٤٦ سورة الأحقاف والمعنى: وأذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك، وقت أن صرفنا إليك ، ووجهنا نحوك، نفراً من الجن، يستمعون القرآن منك . ((فلما حضروه، أى: فحين حضروا القرآن عند تلاوته منك ، أو يفين حضروا مجلسك (( قالوا) على سبيل التناصح - ((أنصتوا، أى: قال بعضهم لبعض : اسكتوا لأجل أن نستمع إلى هذا القرآن، وهذا يدل على سمو أدبهم وحرصهم على تلقى العلم. (( فلما قضى)، أى: فين انتهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قراءته . ,(ولوا إلى قومهم منذرين، أى: انصرفوا إلى قومهم ليخوفوهم من عذاب الله تعالى - ، إذا ما عصوه أو خالفوا أمره - سبحانه - . قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ... ، أىَ: وبعد أن انصروا إلى قومهم متذرين ، ووصلوا إليهم، قالوا لهم: يا قومنا إنا سمعنا كتابا عظيم الشأن، جليل القدر، أنزل من بعد فى الله - تعالى - موسى - عليه السلام - : وهذا الكتاب، مصدقا لما بين يديه، أى: مصدقا لما قبله من الكتب وهو - أيضا - ((يهدى إلى الحق)) الذى لا يحوم حوله الباطل، ويهدى - أيضا - إلى . طريق مستقيم)، أى: إلى طريق قويم واضح يصل بأتباعه إلى السعادة. اقال الآلوسي: قوله: ((أنزل من بعد موسى، ذكروه دون عيسى - عليهما السلام - لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين، ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب قبل القرآن، وكان عيسى مأمورا بالعمل بمعظم ما فيه أو بكله . ١ وقال عطاء: لأنهم كانوا على اليهودية. وهذا القول يحتاج إلى نقل محبح . ٤٧ الجزء السادس والعشرون وعن إبن عباس : أن الجن لم تكن سمعت بعيسى ، فلذا قالوا ذلك . وفى هذا القول بعد، فإن اشتهار أمر عيسى، وانتشار أمر دينه، أظهر من أن يخفى، لاسيما على الجن، ومن هنا قال أبو حيان: إن هذا لايصح عن ابن عباس ، (١) ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على إيمانهم بما سمعوه فقال : «يا قومنا أجيبوا داعى اله .... أى: وقالوا لقومهم - أيضا -: يا قومنا أجيبوا داعى الله الذى دعاكم إلى الحق وإلى طريق مستقيم. ((وآمنوا به، أى: وآمنوا بهذا الرسول الكريم وبما جاء مر عند ربه . « يغفر لكم من ذنوبكم، أی: أجيبوا داعی اقه وآمنوا به ، يغفر لكم وبكم من ذنوبكم التى وقعتم فيها، ويبعدكم بفضله ورحمته من عذاب أليم . والتعبیر بقوله: «من ذقو یکم، بدل على حسن أدبهم، وعلى أنهم يفوضون المغفوة إلى ربهم، فهو- سبحانه - إن شاء غارها جميعاً، وإن شاء غفر بعضها ثم ختموا الترغيب فى الإيمان بالترهيب من الإصرار على الكفر والمعاصى فقالوا - كما حكى القرآن عنهم -: «ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الآرض ». أى: قالوا لقومهم إنكم إذا أجبتم داعى الله، غفر لكم - سبحانه - ذنوبكم أما الذى يعرض عن هذا الداعى الصادق الأمين ، فإنه لن يستطيع أن يفلت من عذاب الله، ولن يقدر على الهرب من عقابه، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء ، ولا يخفى عليه شيء فى الأرض ولا في السماء. « ليس له من دونه من أولياء، أى: وليس لهذا المعرض من أنصار يستطيعون دفع عذاب الله عنه . (١) تفسير الآلوسي جـ ٢٦ ص ٣٢ ٤٨ سورة الأحقاف ((أولئك، أى: الذين لم يجيبوا داعى الله . فى ضلال مبين. أى: فى ضلال واضح لا يخفى على أحد من العققلا .. هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات . ١ - أن رسالة النبى - صلى الله عليه وسلم - كانت إلى الإنس والجن، لأن هذه الآيات تحكى إيمان بعض الجن به - صلى الله عليه وسلم -، ودعوتهم غيرم إلى الإيمان به . ٢ - أن هذه الآيات تدل على أن حكم الجن كحكم الإنس فى الثواب والعقاب وفى وجوب العمل بما أمرهم الله - تعالى - به، وفى وجوب الإنتهاء عما نهام عنه، لأن قوله - تعالى -: «يا قومنا أجيبوا داعى اللّه وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويحركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعى الله فليس بممجز فى الأرض، وليس له من دونه أولياء، أولئك فى ضلال مبين » أقول: هاتان الآبتان اللتان حكاهما الله - تعالى - على ألسنة بعض الجن تدلان على ثواب المطيع، وعذاب العاصى . قال بعض العلماء ما ملخصه: وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة وهی قوله - تعالى - فى سورة الرحمن: « ولمن خاف مقام ربه جنتان . فبأى آلاء ربكما تكذبان ،. ويستأنس لهذا - أيضا- بقوله - تعالى -: ((لم يطمعهن إنس قبلهم ولاجان)) فإنه يشير إلى أن فى الجنه جنا يطمئون النساء كالإنس وبهذا يعلم أن ماذهب إليه بعض العلماء. أن يفهم من قوله - تعالى - : يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ، أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم، وإجابتهم. ٤٩ الجزء السادس والعشرون داعى الله، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط ... هذا الفهم إنما هو خلاف التحقيق، وأن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة ،(١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتوبيخ المشركين على جهلهم وعدم تفكيرهم، وبين ما سيكونون عليه من خزى يوم القيامة، وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذاهم. فقال : ((أَوَلم يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذى خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ، ولم يَعْى ◌ُخَلْقِنَّ بَقَدرِ عَلَى أن يُحِ المَوْتَى، بِلَى إِنَّه عَلَى كُلِّ شَىءٍ قديرٍ (٣٣) ويومَ يعرَضُ الذينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، أَلَيْسَ هذا بالحقِّ، قَالُوا بَى وَرَبّاً، قالَ فذوقوا العذابَ بما كنتُم تكفُرونَ (٣٤) فاصْبِرْ كما صبرّ أولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسلِ، ولا تَسْتَعجلْ لهم، كأنَّهم يومَ يرونَ ما يوعَدُونَ لم يَلِبُوا إِلاَّ ساعةً مِنْ نَهَارٍ، بلَغٌ، فَهَلْ يُهلَكَ إلاّ القَوْمُ الفَاسِقُونَ (٣٥))). والهمزة فى قوله: ((أو لم يروا أن القه ... ، للاستفهام الإنكارى، والواو العطف على مقدر يستدعيه المقام ... أى: أبلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى خلق السموات والأرض بقدرته «ولم يَعنى بخلقين، أى: ولم يتعب ولم يغضب بسبب خلقهن ، من قولهم عى فلان بالأمر - كفرح- إذا تعب، أو المعنى: إذا تعب، أو المعنى: ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، مأخوذ من قولهم : عى فلان بأمره ، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعله (١) راجع تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ٤٠١ !. ( ٤ - سورة الأحقاف ) ٥٠ سورة الأحقاف وقوله:( بقادر على أن أن يحيى الموتى، فى محل رفع خبر (( أن))، والباء فى قوله - تعالى - ((بقادر، مزيدة للتأكيد. فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وأنطاس بصائرهم، حيث لم يسرفوا أن الله - تعالى- الذى أوجد الكون، قادر على أن يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم . وأورد القرآن ذلك فى أسلوب الاستفهام الإنكارى ، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد . وقوله: (( بلى إنه على كل شيء قدير، تقرير وتا كيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى، لأن لفظ «بلى، يؤتى به فى الجواب لإبطال النفى السابق، وتقرير نقيضه، بخلاف لفظ . . نعم، فإنه يقرر النفى نفسه. أُی : بلی إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى . لأنه- تعالى - على كل شىء قدير . ثم كرر - سبحانه - التذكير للناس بأحوال الكافرين يوم الحساب يعتبروا ويتعظوا فقال : (( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ... ، أى: واذكر - أيها العاقل. يوم يلقى الذين كفروا فى النار ، بعد مشاهدتها ورؤيتها .. ثم يقال لهم على سبيل الزجر والتهكم (( أليس هذا بالحق)) أى: أليس هذا العذاب كنتم تنكرونه فى الدنيا، قد ثبت عليكم ثبوتا لا مفر لكم منه ، ولا محید لکم عنه .. ((قالوا بلى وربنا، أى: قالوا فى الجواب : بلى يا ربنا إن هذا العذاب. جق، وإنكارنا له فى الدنيا إنما كان عن جهل وغفلة وغرور منا ... فهم قد اعترفوا بأن الحساب حق ، والجزاء حق ... فى وقت لا ينفع فيه الاعتراف . ٠١ ٠الجزء السادس والعشرون .ولذا جاء الرد عليهم بقوله - تعالى -: ((قال)) - سبحانه - «فذوقوا "المقااب، أى: فتذوقوا طعمه الأليم، ووقعه المهين، بما كنتم تكفرون) أى : بسبب كفركم وجحودكم . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على مكرهم فقال: «فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ... )). أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم، فاصبر على أذى قومك، كما صبر إخوانك أولوا العزم من الرسل، أى: أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد والبلاء .. . وهم ـ على أشهر الأقوال - نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم جميعا .. وقوله: ((ولا تستعجل لهم، نهى منه - تعالى - لنبيه عن استعجال العذاب لهم. أى: ولا تستعجل لهم العذاب . فالمفعول محذوف للعلم به. ثم بين - سبحانه - ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال: ((كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ... )) . أى: اصبر - أيها الرسول - على أذى قومك كما صبر إخوانك أولو العزم . من الرسل ، ولا تستعجل العذاب لهؤلاء الكافرين فإنه آ تيهم لا ريب فيه ، وكأنهم عندما يرون هذا العذاب ويحل بهم، لم يلبثوا فى الدنيا إلا وقتا قليلا وزمنا يسيرا، لأن شدة هذا العذاب قنسيهم كل متع الدنيا وشهواتها . وقوله - تعالى - ((بلاغ، خبر لمبتدأ محذوف أى: هذا الذى أندرنكم به، أو هذا القرآن، بلاغ كاف فى وعظكم وإنذاركم إذا تدبر نم فيه ، وتبليغ من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليكم . (« فهل يهلك القوم الفاسقون، كلا، إنه لا يهلك بعذاب الله - تعالى - إلا القوم الخارجون عن طاعته، الواقعون فى معصيته فالاستفهام للنفى: سورة الأحقاف . وبعد فهذا تفسير لسورة ((الأحقاف، نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه و نافعا لعباده، والحمد قه الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر صباح الجمعة ٢٥ من ربيع الأول سنة ٠١٤٠٦ الموافق ١٩٨٥/١١/٦ م کتبه الراجی عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية. التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَة محمّد صلى الله عليه وسلم لفضيلة الدكتور محمد السسيد طنطاوى حميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية ( الجزء السادس والعشرون) ٠١٤٠٦ - ١٩٨٦ م ﴿ رَبَّاَ تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع العَلِيم﴾﴾ بِنْيـ مقدمة وتمهيد . ٠ ١ - هذه السورة تسمى بسورة محمد - صلى الله عليه وسلم - لما فيها من الحديث عما أنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - وتسمى - أيضا - بسورة القتال ، لحديثها المستفيض عنه . وهى من السور المدنية التى يغلب على الظن أن نرولها كان بعد غزوة بدر وقبل غزوة الأحزاب، وقد ذكروا أن نزولها كان بعد سورة ((الحديد))(١) وعدآياتها أربعون آية فى البصرى، وثمان وثلاثون فى الكوفى ، وتسع وثلاثون فى غيرهما . ٢ - وتفتتح السورة الكريمة ببيان سوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين، ثم تحضُّ المؤمنين على الإغلاظ فى قتال الكافرين ، وفى أخذهم أسارى، وفى الإعلاء من منزلة المجاهدين فى سبيل الله ... قال - تعالى -: ((والذين قتلوا فى سبيل أفقه فلن يضل أعمالهم . سيهديهم -ويصلح بالهم ، ويدخلهم الجنة عرفها لهم .... )) ٣ - ثم وجه - سبحانه -- نداء إلى المؤمنين وعدهم فيه بالنصر متى نصروه وتوعد بالكافرين بالتعاسة والخيبه، ووبخهم على عدم اعتبارهم واتعاظهم، كما بشر المؤمنين - أيضا - جنة فيها ما فيها من نعيم. قال - تعالى -: مثل الجنة التى وعد المتقون ، فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهر من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار (١) راجع الإتقان في علوم القرآن ج ١ ص ٢٧ للسير طى - ٥٨ - من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات ، ومغفرة من ربهم ، کمن هو خالد فى النار , وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم،. ٤ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المنافقين، فذكرت جانبا من مواقفهم السيئة من النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن دعوته، ووبخصم على خداعهم وسو. أدبهم . قال - تعالى -: ((ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا الذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوائهم ... ے ٥ - ثم صورت السورة الكريمة ما جبل عليه هؤلاء المنافقون من جبن وهلع ، وكيف أنهم عند ما يدعون إلى القتال يصابون بالفزع الخالع . قال - سبحانه -: ﴿ويقول الذين آمنوا لولا أنزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القال ، رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون اليك. نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم. طاعة وقول معروف، فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ... ٦ - وبعد أن بينت السورة الكريمة أن نفاق المنافقين كان بسبب استحواذ الشيطان عليهم ، وتوعدتهم بسوء المضير فى حياتهم وبعد مماتهم . بعد كل ذلك أخبرت النبى - صلى الله عليه وسلم - بأوصافهم الذميمة، فقال - تعالى -: أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأربنا كهم، فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنم فى لحن القول، والله يعلم أعمالكم ...... ٧ - ثم عادت السورة إلى الحديث عن الكافرين وعن المؤمنين، فتوعدت. الكافرين بحبوط أعمالهم. وأمرت المؤمنين بطاعة الله ورسوله . ونهتهم عن - ٥٩ - اليأس والقنوط ، وبشرتهم بالنصر والظفر، وحذرتهم من البخل، ودعتهم إلى الإنفاق فى سبيل الله . قال - تعالى - «ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغنى وأنتم الفقراء. وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم. ثم لا يكونوا أمثالكم. ٨ - هذا والمتدبر فى هذه السورة الكريمة - بعد هذا العرض الإجمالى لها . يراها . تهتم بقضايا من أهمها ما يأتى: ٠ ١ ١ - تشحيع المؤمنين على الجهاد فى سبيل الله - تعالى - وعلى ضرب رقاب الكافرين، وأخذهم أسرى ، وكسر شو كتهم. وإذلال نفوسهم ... كل ذلك بأسلوب قد اشتمل على أسمى ألوان التحضيض على القتال. نرى ذلك فى قوله - تعالى -: «فإذا لقيتم الذين كفرو فضرب الرقاب. حتى إذا أتختموهم فشدوا الوثاق، فإما منابعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ... وفى قوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ... ب - بيان سوء عاقبة الكافرين فى الدنياوالآخرة. ودعوتهم إلى الدخول فى الدين الحق، وإبراز الأسباب التى حملتهم على الجحود والعناد. ٠ نرى ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: «وكأبن من قرية هى أشد قوة من قريك التى أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم. أفن كان على بينهمن ربه کن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ... حـ- كشفها عن أحوال المنافقين وأوصافهم . بصورة تميزهم عن المؤمنين وتدعو كل عاقل إلى احتقارهم ونبذهم . بسبب خداعهم وكذبهم . وجبنهم. واستهزائهم بتعاليم الإسلام. - ٦٠ - ولقد توعدهم الله - تعالى - بأشد ألوان العذاب، فقال: « أولئك الذين لعنهم أنقه فأصمهم وأعمى أبصارهم .... نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة - مدينة نصر - د . محمد سيد طنطاوى الأحد ٥١٤٠٦/٣/٢٥ ١٢/٨ / ١٩٨٥ م ٦١ الجزء السادس والعشرون التفسير قال الله تعالى: ((الذينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَّلَّ أعمالهُم (١) والذينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالحاتِ وَآمَنُوا بما نُزِّلَ على محمدٍ، وهو الحقُّ مِنْ رِبِهِم، كَفْر عنهُمَ سَبِئَاتِهِم وأَضْلَح بالهم (٢) ذلكَ بأَنَّ الذينَ كَفَرُ وا اتَّبِعُوا الباطِلَ، وأنَّ الذِينَ آمَنُوا اتَّبُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِهم كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أمثالهُم (٣))) . افتتحت سورة القتال بهذا الذم الشديد للكافرين ، وبهذا الثناء العظيم على المؤمنين . افتتحت بقوله - سبحانه -: «الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم . والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم. كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ... وقوله: ( الذين كفروا ... )) مبتدأ، خبره قوله - سبحانه: ((أضل أعمالهم، . . والمراد بهم كفار قريش، الذين أعرضوا عن الحق وحرضوا غيرم على الإعراض عنه . فقوله: ((صدوا)) من الصد بمعنى المنع، والمفعول محذوف. وقوله: ((أضل أعمالهم، أى: أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة ذاهبة لا أثر لها ولا وجود، والمراد بهذه الأعمال : ما كانوا يعملونه فى الدنيا من عمل حسن، كإكرام الضيف ، وبر الوالدين، ومساعدة المحتاج .. أى: الذين كفروا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإيمان به، ومنعوا ٦٢ سورة محمد غيرهم من أتباع الدين الحق الذى أمر الله - تعالى - باتباعه (( أضل) - سبحانه- أعمالهم، بأن جعلها ذاهبة ضائعة غير مقبوله عنده، كما قال - تعالى - :«وقدمنا إلى ما عملوا من عمل إلى عمل جعلناه هباء منثورا، (١) قال صاحب الكثافى: ((أضل أعمالهم، أى: أبطلها وأحبطها. وحقيقته جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها ، كالضالة من الإبل ،التى هى مضيعة لا رب لها يحفظها ويعتنى بأمرها . أو جعلها ضائة فى كفرم ومعاصيهم ومغلوبة بها، كما بضل الماء اللبى. وأعمالهم ما كانوا يعملونه فى كفرهم مما بسمونة مكارم: من صلة الأرحام، وفك الأسرى ... وقيل: أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصد. عن سبيل الله، بأن نصره علیهم وأظهر دينه على الدين كله ، (٢) ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين من ثواب فقال: والذين آمنوا وعملوا الأعمال ((الصالحات) التى توافر فيها الإخلاص والاتباع لهدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقوله: (( وآمنوا بما نزل على محمد، من باب عطف الخاص على العام، فقد أفرده بالذكر مع أنه داخل فى الايمان والعمل الصالح، للإشارة إلى أنه شرط فى صحة الايمان، وللاشعار بسمومكانة هذا المنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - وبعلو قدرد . وقوله: ((وهو الحق من ربهم، جمله معترضة، لتأكيد حقية هذا المنزل على النبى - صلى الله عليه وسلم - وتقرير كماله وصدقه . أى: وهذا المنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الحق الكائن من عند الله - تعالى - رب العالمين، لا من عند أحد سواه. (١) سورة الفرقان. الآية ٢٣ (٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢١٥ ٦٣ الجزء السادس والعشرون وقوله: «كفر عنهم سيتابهم، خبر الموصول. أى والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة، محا عنهم - سبحانه - ما عملوه من أعمال سيئة، ولم يعاقبهم عليها . فضلا منه وكرما . فقوله: « كفر، من الكفر بمعنى الستر والتغماية. يقال: "كفر الزارع زرعه إذا غطاه وستره حماية له مما يضره. والمراد به هنا: المحو والازالة على سبيل المجاز . وقوله: ((وأصلح بالهم، معطوف على ما قبله. أى: محا عنهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح، ما اقترفوه من سيئات، كما قال - تعالى -: «إن الحسنات -أيدهبن السيئات)) ولم يكتف - سبحانه - بذلك، على وأصلح أحوالهم وأمورهم وشئونهم. بأن وفقهم للتوبة الصادقة فى الدنيا، وبأن منحهم الثواب الجزيل فى الآخرة . فالمراد بالبال هنا : الحال والأمر والشأن . قال القرطبى: والبال كالمصدر . ولا يعرف منه فعل، و تجمعه العرب إلا فى ضرورة الشعر، فيقولون فيه بالات ... (١) وهذه الجملة الكريمة وهى قوله: ((وأصلح بالهم، نعمة عظمى لا يحربها إلا من وهبه الله - تعالى - إياها، فإن خزان الأرض لاتنفع صاحبها إذا كان مشقت القلب، ممزق النفس، مضطرب المشاعر والأحوال. أما الذى ينفعه فهوراحة البال، وطمأنينة النفس. ورضا القلب. والشعور بالأمان والسلام . والإشارة فى قوله: ((ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ٠٠٠، تعود إلى ما مر من ذم الكافرين ، ومدح المؤمنين . أى: ذلك الذى حكمنا به من ضلال أعمال الكافرين، ومن إصلاح بال (١) تفسير القرطبى ج ١٦ ص ٢٢٤ ٠ ٦٤٠ سورة محمد المؤمنين ، سببه أن تذين كفروا اتبعوا فى دنياهم الطريق الباطل الذى لا خير فيه ولا فلاح. وأن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحه فى دنياهم ، اتبعوا طريق الحق الكائن من ربهم. فالمراد بالباعل هنا . الكفر وما يتبعه من أعمال قبيحة، والمراد بالحق: الإيمان والعمل الصالح . وقوله (( ذلك، مبتدأ، وخبره ما بعده. وقوله: «كذلك يضرب الله للناس أمثالهم، أى: مثل ذلك البيان الرائع الحكيم، يبين الله - تعالى - للناس أحوال الفريقين، وأوصافهما الجارية فى الغرابة مجرى الأمثال ، وهى اتساع المؤمنين الحق يفوزم . وأتباع الكافرين الباطل وخسرأنهم . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أين ضرب الأمثال ؟ قلت: فى جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين. أو فى أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين ، (١) . ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند لقائهم لأعدائهم وبعد انتصارهم عليهم، كمابين لهم الحكمة من مشروعية القتال. والجزاء الحسن الذى أعده للمجاهدين . فقال - تعالى -: ((فإذَا لَقِيتُم الذينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرَّقَابٍ، حتى إذَا أَنْخَتْمُوم فَشُدُّوا الوثاقَ ، فإِمّا مَّا بعدُ وإِمَّا فِدَاءٍ حتى تَضَع الحربُ أَوْزَارهاَ، ذلكَ ولو بِشَاءِ اللهُ لا تَتَصَرِمِنْهِم ولكِنْ لِيَتْلُو بعضْكُم بِبَعضٍ، والذينَ (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٫٦