النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٥
الجزء الخامس والعشرون
الذين قالوا ربنا الله ... ، أى: قالوا ذلك بألسنتهم ، وصدقت هذا القول
قلوبهم , ثم استقاموا)) بعد ذلك على صراط الله المستقيم، بأن فعلوا
بإخلاص وطاعة كل ما أمرهم - سبحانه - بفعله ، واجتنبوا بقوة كل أمرهم
بإجتنابه وقوله: ((فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) خبر ((إن،، وجىء
بالفاء فى خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط .
أى : إن الذين قالوا ذلك ، ثم استقاموا وثبتوا على طاعتنا ، فلا خوف
عليهم من لحوق مكروه بهم ، ولا هم يحزنون بسبب فوات محبوب لديهم ،
وإنما هم فى سعادة مستمرة، وفى سرور دائم ، لا يعكره خوف من مستقبل
مجهول ، ولا حزن على أمر قد مضى .
((أولئك)) الموصوفون بما ذكر من الإيمان والاستقامة، هم, أصحاب
الجنة خالدين فيها « خلودا أبديا.
((جزاء بما كانوا يعملون، أى: يحزن هذا الجزاء الطيب بسبب أعمالهم
الصالحة ، التى كانوا يعملونها فى الدنيا .
a
وبعد هذا الحديث عن حقيقة هذا الدين ، وعن حسن عاقبة الذين قالوا
ربنا الله ثم استقاموا، جاء الحديث عن وجوب الإحسان إلى الوالدين وعما
يترتب عليه هذا الإحسان من ثواب عظيم ، قال - تعالى -:
-
((ووصَّيْنَاَ الإِنسانَ بوَالدَيهِ إحساناً، حمَلْهُ أُمُّهُ كُرهاً وَقَضَعَنْه
كرهاً، وحلُهُ وفِصَالُه ثَلاثُونَ شَهراً ، حتى إذا أشدَّ، وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سِنَّةً
قالَ،َربِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِسِتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى والدَىَّ وأنْ
أعملَ صَلحَا تَرَمَاه، وأَصْلِحْ لى فى ذُرِيِ، إني تُبتُ إليكَ وإنى مِنَ
الُسلِبْنَ (١٥) أولئِكَ الذينَ تَتَقْبَّلٌ عِنْهُمْ أَحْسَنَّ ما عمِلُوا، وتَتَجَاوَزّ
عن سيِئَتهم فى أَصمَابِ الْجَنَّةِ وَعْدِ الصَّدْق الذى كَانُوا يُوعَدونَ (١٦)».

٢٦
سورة الأحقاف
قال الإمام ابن كثير: لما ذكر - تعالى - فى الآية الأولى التوحيد له،
وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف ، بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون
فى غير ما آية من القرآن ، كقوله: ((وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه
وبالوالدين إحسانا، وقال: « أن اشكر لى ولو الديك إلى المصير، إلى غير ذلك
من الآيات الكثيرة ،(١) .
وقوله - سبحانه -: ((ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ... ، من
الإيصاء بالشىء بمعنى الأمر به.
قال - تعالى -: ((وأوصافى بالصلاة والزكاة مادمت حيا، أى: أمرنى
بالمحافظة على أدائهما . .
وقوله: ((إحسانا، قراءة عاصم وحمزة والكائى. وقرأ غيرهم من بقية
السبعة (( حسنا)) وعلى القراءتين فانتصابهما على المصدرية. أى: ووصينا
الإنسان وأمرفاه بأن يحسن إلى والديه إحسانا أو حسنا ، بأن يقدم إليهما كل
ما يؤدى إلى برهما وإكرامهما ..
ويصح أن يكون وصينا بمعنى ألزمنا، فيتعدى لاثنين ، فيكون المفعول
الثانى منهما، قوله: ((إحسانا)، أو (( حسنا)).
وقوله - سبحانه -: ((حملته أمه كرها ووضعته كرها، تعليل الإيصاء
المذكور ولفظ(( كرما)، قرى بضم الكاف وفتحها, وهما قراء نان سبعيتان،
قالوا : وممناهما واحد كالضعف - بتشديد الضاد وفتحها أو ضمها - فهما
لغتان بمعنى واحد .
وهذا اللفظ منصوب على الحال من الفاعل. أى: حمته أمه ذات كره.
ووضعته ذات كره. أو هو صفة لمصدر مقدر، أى : حملته حملا ذا كره ،
ووضعته كذلك .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٦٣

٢٧
الجزء السادس والعشرون
ولا شك فى أن الأم تعانى فى أثناء حملها ووضعها لوليدها. الكثير من
المشاق والآلام والمتاعب ... فكان من الوفاء أن يقابل ذلك منها بالإحسان.
والإكرام.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية أخرى: «حملته أمه وهنا
على وهن ... ،(١),
أى: حملته أمه ضعفا على ضعف ، لأن الحمل كلما تزايد وعظم فى بطنها،
ازداد ضعفها ...
وقوله - تعالى -: ((وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، بيان لمدة الحمل والفطام،
والكلام على حذف مضاف . والفصال: مصدر فاصل، وهو بمعنى الفطام،
وسمى الفطام فصالا ، لأن الطفل ينفصل عن تدى أمه فى نهاية مدة الرضاع.
أى : ومدة حمل الطفل مع مدة فصاله عن ثدى أمه ، ثلاثون شهرا.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : المراد بيان مدة الرضاع لا الفطام ،
فكيف عبر عنه بالفصام ؟
قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال وبلابسه ، لأنه ينتهى به ويتم ،
سمى فصالا .. وفيه فائدة ، وهى الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال
ووقته ... ،(٢) .
وقال الشوكاني: وقد استدل بهذه الآية على أ أنّ قل الحمل ستة أشهر، لأن
مدة الرضاع سنتان . أى : مدة الرضاع الكامل، كما فى قوله - تعالى - :
((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)،،
فذكر - سبحانه - فى هذه الآية أقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع.
وفى هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم ، آ كد من حق الأب، لأنها هى
(١) سورة لقمان . الآية ١٤
(٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٠٢

٢٨
سورة الأحقاف
التى حملت وليدها بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب
ونصب ... )(١) .
وقوله - تعالى -: ((حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال رب أوزعنى
أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى ... )) غاية لمحذوف يفهم من
سياق الكلام .
والأشد : قوة الإنسان واشتعال حرارته ، من الشدة بمعنى القوة
والارتفاع. يقال: شد التهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ، ولا
وأحد له من لفظه .
والمراد ببلوغ أشده: أن يصل سنه على الراجح - إلى ثلاث وثلاثين سنة.
وقوله: (( أوزعنى، أى: رغبنى ووفقنى، منقولك: أوزعت فلانا بكذا،
إذا أغريته وحببته فى فعله .
أى: أن هذا الإنسان بعد أن بقى فى بطن أمه ماءتى، وبعد أن وضعته
وأرضعته وفطعته وتولته برعايتها، واستمرت حياته ((حتى إذا بلغ أشده))
أى : حتى إذا بلغ زمن استكمال قوته ، وبلغ أربعين سنة وهى تمام اكتمال
العقل والقوة والفتوة ...
((قال، على سبيل الشكر لخالقه، رب أوزعنى٠٠٠، أى: بارب وفقنى
وألهمنى « أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى، بأن وفقتنى ووفقتهما
إلى صراطك المستقيم ، وبأن رزقتهما العطف على، ورزقتنى الشكر لهما
ووفقتنى - أيضا - ((أن أعمل عملا صالحا ترضاه)) منى، وتقبله عندك
(( وأصلح لى فى ذريتى، أى: واجعل - يا إلهى - الصلاح راسخا فى ذريى،
وساريا فيها، لأن صلاح الذرية فيه السعادة الغامرة للآباء.
(( إنى تبت إليك، توبة صادقة نصوحا , وإنى من المسلمين الذين أخلصوا
(١) تفسير الشو کانی ج . ص ١٨

٢٩
الجزء السادس والعشرون
نفوسهم لطاعتك، وقلوبهم لمرضاتك .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوات ،
التى عن طريق إجابتها تتحقق السعادة الدنيوية والأخرويه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى ((فى) فى قوله: ((وأصلح لى
فی ذرہی ، ؟
قلت: معناه: أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنته، كأنه قال: هب لى
الصلاح فى ذرينى، وأوقعه فيهم ... ، (١)
وفى الآية الكريمة: تنبيه العقلاء ، إلى أن شأنهم - خصوصا عند بلوغ
سن الأربعين . أن يكثروا من التضرع إلى الله بالدعاء، وأن يتزودوابالعمل
الصالح، فإنها الن التى بعث الله - تعالى - فيها معظم الأنبياء، والتى فيها
يكتمل العقل، وتستجمع القوة، ويرسخ فيها خلق الإنسان الذى تعوده وألفه
ورحم الله القائل .
له دون ما یهوی حیاء ولا ستر
إذا المرءوا فى الأربعين ولم يكن
وإن جر أسباب الحياة العمر
فدعه، ولا تنفس علیه الذى مضى
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يسلك هذا الطريق القويم فقال :
(( أولئك الذين فتقبل عنهم أحسن ما عملوا ... ،
واسم الإشارة يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس . أى : أولئك.
الموصوفوّن بما ذكر من الصفات الجميلة، هم , الذين نتقبل عنهم أحسن
ما عملوا، من الأعمال الطيبة المتقبلة عندنا ...
(((ونتجاوز عن سياتهم، فلا نعاقبهم عليها، لكثرة توبتهم إلينا ... بل
تجعلهم (فى، عداد « أصحاب الجنة، الخالدين فيها, والمتنعمين بخير أنها.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٠٢

٣٠
سورة الأحقاف
فالجار والمجرور فى قوله ((أصحاب الجنة)) فى محل نصب على الحال، على
سييل القشريف والتكريم، كما تقول: أكرمنى الأمير فى أصحابه، أى: حالة
کونی معدودا من أصحابه .
وقوله - تعالى -: ((وعد الصدق الذى كانوا يوعدون)) تذبيل مؤكد لما
قبله . ولفظ (( وعد)) مصدر لفعل مقدر
أى: وعدهم الله - تعالى - وعد الصدق الذى كانوا يوعدون به على ألسنه
الرسل فى الدنيا .
هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتافى شأن أبى
بكر الصديق - رضى الله عنه -، وقد استجاب الله دعاءه، فأسلم أبواه
وأولاده جميعاً (١)
وبعد أن ساق - سبحانه - هذه الصورة الوضيئة لأصحاب الجنة ، أتبع ذلك
ببيان صورة سيئة لنوع آخر من الناس ، فقال - تعالى -:
(( والذى قالَ لوالدَيهِ أُفْ لُكُمَا، أَتَسِدَانِيِ أنْ أُخْرَجِ وَقَدْ غَلَتٍ
القرونُ مِنْ قَبِى، وهماَ يَسْتَغَيِثَنِ اللهَ وْلِكَ آمِنٌ، إنَّ وَعْدَ اللّهِ حقٌ
فيقولُ ما هذا إلَّ أساطيرُ الأوَّلِينَ (١٧) أولئِكَ الذينَ حقَّ عليهمُ
القَوْلُ فى أُممٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبَليِمْ من الجنِّ والإنْسِ إنّهم كانوا
خَسِرِينَ (١٨) ولكُلَّ دَرَجَاتٌ مِّمَا تَمِلُوا، ولْيُوَفِيهم أَعمالِهُمْ وَهَمٍ
لا يُظَونَ (١٩) ويومَ يعرَضُ الذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ، أَذْهِبْ
(١) راجع تفسير القرطبى = ١٦ ص ١٩٤

٣١
الجزء السادس والعشرون
◌َيَتِكُم فى حياتِكُم الدنيا واسْتَمْتَهُم بِهاَ ، فاليَوْم ◌ُجْزَوْنَ عذابَ
المونِ بما كنتُمُ تَسْتَكَبِرُونَ فى الأرْضِ بغيرِ الحقِّ وبماَ كتُم
تَفْقونَ (٢٠))).
والإسم الموصول فى قوله - تعالى -: ((والذى قال لوالديه أف لكما ....
بمعنى الذين، وهو مبتدأ وخبره قوله: «مولئك الذين حق عليهم القول .. ))
وهذا صريح فى أن المراد بقوله: (( والذى)) العموم وليس الإفراد، وهذا
يدل - أيضا - على فساد قول من قال إن الاية نزلت فى شأن عبد الرحمن بن
أبى بكر الصديق - رضى الله عنهما - ، والصحيح أنها فى حق كل كافر عاق
لوالديه ، منكر البعث.
قا ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا عام فى كل من قال هذا، ومن
زعم أنها نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر ، فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن
أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه ، وكان من خيار أهل زمانه :
أخرج البخارى عن يوسف بن مالك قال : كان مروان على الحجاز
استعمله معاوية بن أبى سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكى
یبا یع له بعد أبيه .
فقال له عبد الرحمن بن أبى بكر شيئا ... فقال مروان: إن هذا الذى
انزل فيه: ((والذى قال لوالديه أف لكما ... ،
فقالت عائشة من وراء حجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن
الله أنزل عذرى .
وفى رواية للنسانى أنها قالت : كذب مروان . واقه ما هو به، ولوشئت
أن أسمى الذى نزلت فيه لسميته ... ، (١)
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ٧ ص ٢٦٦ والالومى = ٢٦ ض ٢٠
.E.1

٣٢
سورة الأحقاف
ولفظ ((أف)): اسم صوت ينبى. عن الضجر، أو اسم فعل مضارع هو
أتضجر .
والمقصود به هنا: إظهار الملل والتأقف والكراهية لما يقوله أبواه من
نصح له .
وقوله: ((اتعداننى)) فعل مضارع من وعد الماضى، وخذف واوه فى
المضارع مطرد .
والنون الأولى فون الرفع ، والثانية نون الوقاية .
وقوله: (( أن أخرج): أن وما دخلت عليه فى تأويل مصدر هو المفعول
الثانى لقوله: ((أتعدانى)»
أى: والذى قال لوالديه - على سبيل الإنكار والإعراض عن نصحهما ..
((أف لمكما، أى: أقول بعدا وكرها لقولكما. أو إنى متضجر من قولكا
(( أتعداننى أن أخرج)) أى: أتعداننى الخروج من قبرى بعد أن أموت،
لكى أبعث وأحاسب على عملى، والحال أنه ، قدخلت، أى: مضت ((القرون))
الكثيرة ((من قبلى)) دون أن يخرج أحد منهم من قبره، ودون أن يرجع
بعد أن مات .
فالآية الكريمة تصور بوضوح ما كان عليه هذا الإنسان، من سوء أدب
مع أبويه، ومن إنكار صريح للبعث والحساب والجزاء.
ثم حكى - سبحانه - مارد به الأبوان فقال: ((وهما يستغيثان اقه ويلك
آمن . إن وعد الله حق .....
وقوله: ((يستغيثان الله، أى: يلتمسان غوئه وعونه فى هداية هذا
الإنسان إلى الصراط المستقيم والجملة فى محل نصب على الجال.
ولفظ. «ويلك، فى الأصل، يقال فى الدعاء على شخص بالملاك

٣٣
الجزء السادس والعشرون
والتهديد. والمراد به هنا: حض المخاطب على الإيمان والطاعة لله رب العالمين.
أى: هذا هو حال الإنسان العاق الجاحد، أما حال أبواه، فإنهما يفزمان
لما قاله وترتعش أفئدتهما لهذا التطاول والصدود عن الحق، فياجآن إلى اقه ،
ويلتمسان منه - سبحانه - الهداية لإبنهما، ويحضان هذا الابن على الإيمان
بوحدانيته الله - تعالى -، وبالبعث والحساب والجزاء. فيقولان له: «ويلك
آمن إن وعد الله حق ، ولا خلف فيه ، ولا راد له ..
والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة يراها تصور لهفة الوالدين على إيمان ولدهما
أكمل تصوير ، فهما يلتمسان من الله له الهداية، ثم يهتفان بهذا الابن العاق
بفزع أن يترك هذا الجحود، وأن يبادر إلى الإيمان بالحق ..
ولكن الابن العاق يصر على كفره، وباج فى جحوده: ((فيقول، فى
الرد على أبويه « ما هذا إلا أساطير الأولين)).
أى: ما هذا الذى تعداغنى إياه من البعث والحساب والجزاء .. إلا أباطيل
الأولین وخرافاتهم التى سطروها فى كتبهم ،
فالأساطير : جمع أسطورة، وهى ما سجله الأقدمون فى كتبهم من
خرافات وأكاذيب .
وقوله: «أولئك .. ، اسم الإشارة هذا يعود إلى العاقين المكذبين.
بالبعث والجزاء، المذكورين فى قوله - تعالى - قبل ذلك: ، والذى قال
لو الدیه أف لكا ...
أى: أولئك القائلون ذلك، هم «الذين حق عليهم القول، أى: وجب
عليهم العذاب الذى حكم به - سبحانه - على أمثالهم فى قوله - تعالى - لإبليس
((لأملأن جهنم منك ومن تبعك منم أجمعين، كما يفيده قوله - سبحانه - بعد ذلك.
٣٨ - سورة الأحقاف )

٣٤
سورة الأحقاف
((فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس».
أى: أولئك الذين وجب عليهم العذاب , حالة كونهم مندرجين فى أمم
قد مضت من قبلهم من طائفة الجن ومن طائفة الإنس « إنهم ((جميعاً، كانوا
خاسرين ، لأنهم استحبوا الكفر على الإيمان .
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدالته فى حكمه بين عباده فقال:
(( ولكل درجات مما عملوا. وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون).
والتنوين فى قوله ((ولكل، عوض عن المضاف إليه المحذوف والجار
والمجرور في قوله ((مما عملوا، صفة لقوله (( درجات))، و ((من، بيانية، و
« ما ، موصولة .
وقوله: (( وليوفيهم أعمالهم ، علة لمحذوف ..
والمعنى : ولكل فريق من الفريقين : فريق المؤمنين المعبر عنهم بقوله:
- تعالى - «أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا .. )) وفريق الكافرين
المعبر عنهم بقوله - تعالى -: ((أولئك الذين حق عليهم القول .. ))
لكل فريق من هؤلاء وهؤلاء , درجات، حاصلة من الذى عملوه من
الخير والشر، وقد فعل - سبحانه - ذلك معهم، ليوفيهم جزاء أعمالهم.
(((وهم)، جميعا(( لا يظلمون) شيئاً، بل كل فريق منهم يجازى على حسب
عمله، كما قال - تعالى -: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال.
ذرة شرا يره)).
ثم بين - سبحانه - ما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حال سيئة
فقال: ((ويوم يعرض الذين كفروا على النار، أذهبتم طيباتكم فى حياتكم
الدنيا ....
والظرف متعلق بمحذوف تقديره: أذكر. وقوله («يعرض، من
العرض بمعنى الوقوف على الشوء، وتلقى ما يترقب أعلى هذا الوقوف على هذا
الشىء من خير أو شر.

٣٥
الجزء السادس والعشرون
والمراد بالعرض على النار هنا: مباشرة عذابها، وإلقائهم فيها، ويشهد
لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك . ويوم يعرض الذين كفروا على النار، أليس
هذا بالحق ، قالوا : بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون».
.قال الآلومى: قوله: ((ويوم يعرض الذين كفروا على النار)).
أى: يعذبون بها من قولهم: عرض بنو فلان على السيف ، إذا قتلوا
به، وهو مجاز شائع .. ))(١)
وقوله: ((أذهبتم .. ألخ، مقول لقول محذوف. وهذا اللفظ قرأه ابن
كثير وابن عامر, الذهبتم)) بهمزتين على الاستفهام الذى هو التقريع
والتوبيخ وقرأه الجمهور , أذهبتم، بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام.
أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، يوم يقف الذين كفروا على
النار، فيرون سعيرها ثم يلقون فيها، ويقال لهم . على سبيل الزجر والتأنيب-
: أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا، أى: ضيعتم وأتلفتم الطيبات لى أنعم
اقه بها عليكم فى حياتكم الدنيا، حيث (( استمتعتم بها، استمتاعا دنيويا دون
أن تدخروا للآخرة منها شيئا ...
(( فاليوم تجزون عذاب الهون) أى: تجزون عذاب الهوان والخزى والذل.
( بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق، أى: بسبب استكباركم فى
الأرض بغير الحق ..
(((وبما كنتم تفسقون، أى: وبسبب خروجكم فى الدنيا عن طاعة انه ..
تعالى - ، وعن مدى أنبيائه .
(١) راجع تفسير الألوسى ج ٢٦ ص ٢٢

٣٦
سورة الأحقاف
وفيد - سبحانه - استكبارهم فى الأرض بكونه بغير الحق ، ليسجل
عليهم هذه الرذيله، وليبين أنهم قوم ديدنهم التبكهر والغرور وإيثار اتباع
الباطل على الحق .
قال الجمل: والحاصل أنه - تعالى - علل ذلك العذاب بأمرين:
أحدهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب .
والثانى: الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثانى. لأن
أحوال القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح ... )(١) .
١
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مصارع الغابرين
الذين كانوا أشد قوة وأکثر جمعا من مشرکی قریش ، لمکی یعتبروا بهم،
ويقلعوا عن كفرهم . حتى لا يكون مصيرهم كمصير من سبقوهم فى الكفر
والطغيان ، فقال - سبحانه -.
((واذكُر أخاَ مَدٍ إِنْ أَنذَرَ قومه بالأحقاَفِ وقد خلَتِ النُّذُر مِنْ
بينٍ يَدَيهِ ومِنْ خَلْفِهِ، ألاْ تَعبدوا إلَّاللهَ، إني أخافُ عَلَيْكُم عذابَ
يوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أجِئْتَنَاَ لتَأْفِكِّنَا عَنْ الْمِنَ فَأْتِنَ بمَا تَعِدُنَا إِنْ
لمُ عِنْدَ اللهِ، وأبلغكـ
كنتَ من الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنّما العـ
ما أُرسِلِتُ بهِ، ولكِنِى أَراءُم قوماً تجهلونَ (٢٣) فلمَّا رَأَوْهُ عارِضَاً
مسْتَقبلَ أَوْديتِهِمْ تَالُوا هذا عارِضٌ ممطِرُنَاَ، بلْ هُو ما اسْتَمجُمْ بِهِ،
ربحٌ فيهاَ عذابٌ أَلِيمٌ (٤٤) قَدَمَّرُ كلَّ شَىءٍ بِأمْرِ ربها فَأَصْبَحُوا لايُرَىه
إِلَّ مّساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِى القومَ المُجْرِمِينَ (٢٥) ولَقَدْ مَكْتَّام فياً
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ، ص ٠١٢٢

٣٧
الجزء السادس والعشرون
إنْ مكَّنَاكُ فيهِ، وجعلنا لهم ◌َمْاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً، فما أَغْنَى عَنهم
◌َمْتُم ولا أَبصارُمُ ولا أَفْئِدَتُهُم مِنْ شَىءٍ، إذْ كَانُوا يَحْحَدُونَ بَآياتٍ
الهِ، وحاقَ بِهِمْ ما كانوا به يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) ولقَدْ أَهْلكنا ما حَوْلِكُم
مِنَ القُرَى، وَصَرِّفَْ الآياتِ لعلّهم يَرْجِعُونَ (٢٧) فلولاَ نَصَرم الذينَ
اتَّخَذُوا مِنْ دونِ الهِ قُرْبَنا آلهةً، بل صَلُوا عَنْهُمُ ، وذلكَ إِكُم
وما كانوا يفتَرُونَ (٢٨) ».
والمقصود بقوله - تعالى -: أخا عاد،: هود - عليه السلام، فقد أرسله
أقه - تعالى - إلى قبيلة عاد ، 'بأمرهم بعبادة الله - تعالى-، وكانوا قوماجبارين
فلم يستمعوا إلى نصحه، فكانت عاقبتهم الهلاك والتدمير .
وقد وردت قصته معهم فى سور متعددة، منها : سورة الأعراف ،
وسورة هود ، وسورة الشعراء، وسورة الحاقة ...
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((واذكر أخا عاد، هو هود
ابن عبد الله بن رباح، كان أخاهم فى النسب لا فى الدين «إذ أنذر قومه
بالأحقاف، والأحقاف. ديار عاد ... وهى جمع حقف - بكسر الحاء-،
وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، ولم يبلغ أن يكون جبلا .. ))(١).
ويغلب على الظن أن مساكنهم كانت على مرتفعات من الأرض فى شمال
حضرموت، وعلى مقربة من المكان الذى يسمى الآن بالربع الخالى غربى
عمان.
والمعنى: واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك ليعتبروا ويتعظوا،
قصة هود - عليه السلام، وقت أن أنذر قومه، وهم يعيشون بتلك الأماكن
المرتفعة المسماة بالأحقاف .
(١) راجع تفسير القرطبى ج ١٦ ص ٠٢٠٣

٣٨
سورة الأحقاف
وقوله: ((وقد خلت الرسل من بين يديه ومن خلفه، جملة حالية فى
محل نصب .
أى: جاء هود إلى قومه فأمرهم بإخلاص العبادة الله - تعالى - وحده،
وخوفهم من سوء عاقبة مخالفته، والحال أنه قد أخبرهم بأن الرسل الذين
سبقوه، والذين يأتون من بعده , كليهم قد بمنهم الله - تعالى- هداية أقوامهم،
و لعبادته - سبحانه - وحده .
فالنذر : جمع نذير، والمراد بهم الرسل الذين يخوفون أقوامهم من سو.
عاقبة الإشراك مع الله - تعالى - آلهة أخوى فى العبادة.
والمراد بقوله: (( من يديه ومن خلفه، الرسل السابقون عليه،
والمتأخرون عنه
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من نصائح هود لقومه فقال: (( أن لا تعبدوا
إلا الله، إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)).
أى : أنذرهم قائلالهم: إنى أحذركم من عبادة أحد سوى الله - تعالى :.
وأمركم بإخلاص العبادة له - تعالى - وحده، لأنى أخاف عليكم عذاب يوم.
حائل عظيم ، وهو يوم القيامة ، «يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من
أتى الله بقلب سليم،.
فأنت ترى أن هودا - عليه السلام - بجانب أنه قد أمر قومه بما يسعدهم،
فإنه قد بين لهم - أيضا -، أنه ما حمله على هذا الأمر إلا خوفه عليهم،
وحرصه على نجاتهم من عذاب يوم القيامة .
ولكن قومه لم يقابلوا ذلك بالطاعة والإذعان ، بل قابلوا دعوة نبيهم
لحم بالإعراض والاستخفاف، وقد حكى القرآن ذلك بقوله :«قالوا أجئتنا
لتأفكنا عن آلهتنا، فأننا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ».
أى: قال قوم هود له - على سبيل الإنكار والسفاهة - أجئتنا بهذه الدعوة

٣٩
الجزء السادس والعشرون
(( لتأفكنا عن آلهتنا، أى: لتصرفنا وتبعدنا عن عبادة آلهتنا التى أاغناعبادتها
يقال : أفك فلان فلافا عن الشىء ، إذا صرفه عنه .
ثم أضافوا إلى هذا الإنكار، إنكارا آخر مصحوبا بالتحدى والاستهزاء
فقالوا : (( فأتنا بما تعدنا . .
أى: إن كان الأمر كما تقول فأتنا بما تعدنا به من العذاب العظيم، « إن
كنت من الصادقين ، فيما أخبرتنا به .
وهكذا فلس فى ردهم سوء الظن، وعدم الفهم ، واستعجال العذاب ،
والإصرار على الباطل الذى ألفوه ..
ولكن هودا - عليه السلام - قابل كل هذه الجهالات بالحلم والأناة، فرد
عليهم بقوله: « قال إنما العلم عند الله .. ))
أى : قال لهم: إنما علم وقت نزول العذاب بكم عند الله - تعالى - وحده
ولا مدخل لى فى ذلك .
وإنما أنا . أبلغكم ما أرسلت به، إليكم من ربي وربكم، وتلك هى وظيفتى ..
ثم عقب على هذا الرد بما يدل على حمقهم وغبائهم فقال: ((ولكنى أراكم
قوما تجهلون ، .
أى: أنا لا علم لى بوقت نزول العذاب عليكم، لأن رسالتى محصورة فى
التبليغ والإنذار ..
, وهذا كان يجب أن يكون مفهوما لديكم لوضوحه .. ولكنى أراكم قوما
تجهلون ما هو واضح، وتنكرون ما هو حق، وتصرون على ما هو باطل،
وتطالبو ننى بما لا أملك . ..
ثم يحمل السياق بعد ذلك ما كان بين هود وقومه من جدال طويل ،
ليصل إلى العذاب الذى استعجلوه فيقول: «فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم

٤٠
سورةالأحقاف
قالوا هذا عارض ممطرنا ... ، والفاء فى قوله، فلما رأوه ... ، فصيحة.
والضمير فى قوله («رأوه)) يعود إلى ، ما، فى قوله - تعالى - قبل ذلك:
,فأتنا بما تعدنا)، والمراد به العذاب.
قال الشوكاني: الضمير فى ((رأوه) يرجع إلى ((ماء فى قوله ((بما تعدنا)).
وقال المبرد والزجاج: الضمير فى «رأوه، يعود إلى غير مذكور، وبينه
قوله «عارضا،، فالضمير يعود إلى السحاب .
أى. فلما رأوا السحاب عارضا، فعارضا نصب على التكرير، أى: التفسير.
وسمى السحاب عارضا لأنه يبدو فى عرض السماء . قال الجوهرى : العارض
السحاب يعترض فى الأفق .... (١).
١٠٤
والمعنى : وأتى العذاب الذى استعجله قوم هود إليهم، فلما رأوه بأعينهم،
متمثلا فى سحاب يظهر فى أفق السماء ((ومتجها نحو أوديتهم ومساكنهم.
(((قالوا، وهم يجهلون أنه العذاب الذى استعجلوه ((هذا عارض ممطرنا))
أى: هذا سحاب ننتظر من ورائه المطر الذى ينفعنا ...
٠
قيل: إنها حبس عنهم المطر لفترة طويلة، فلما رأوا السحاب فى أفق السماء،
استبشروا وفرحوا وقالوا: ((هذا عارض ممطرنا).
وهنا جاءهم الرد على لسان هود بأمر ربه، فقال لهم: «بل هو ما استعجلتم
به ، ريح فيها عذاب أليم ... .
أى: قال لهم هود - عليه السلام - ليس الأمر كما توقعتم من أن هذا
العارض سحاب تنزل منه الأمطار عليكم، بل الحق أن هذا العارض هو العذاب
الذى استعجلتم نزوله، وهو يتمثل فى ربح عظيمة تحمل العذاب المهالك الأليم لكم.
فقوله: ((ريح، يصح أن يكون بدلا من «ماء أو من . هو ، فى قوله « بل
هو ما استعجلتم به، كما يصح أن يكون خبر المبتدأ محذوف، وجملة , فيها
عذاب أليم، صفة لقوله : «ريح) .
(١) تفسير فتح القدير للشو کانی - • ص ٢٣

٤١
الجزء السادس والعشرون
ثم وصف - سبحانه - هذه الريح بصفة أخرى فقال: « تدمر كل شىء
بأمر ربها ... ،.
أى: هذه الريح التى أرسلها الله - تعالى - عليهم، من صفاتها أنها قدمر ونهلك
كل شىء مرت به بتعلق بهؤلاء الظالمين من نفس أو مال أو غيرهما .
· التعبير بقوله: ((بأمر ربها، لبيان أنها لم تأنهم من ذاتها، وإنما أتهم
بأمر الله - تعالى - وبقضائه وبمدينته.
وإلغاء فى قوله: ((فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، فصيحة - أيضا ..
أى: هذه الريح أرسلتاها عليهم قدمرتهم ، فصار الناظر إليهم لا يرى شيئا من
آثارهم سوى مساكنهم، لتكون هذه المساكن عبرة لغيرهم ...
قال الجمل: وقوله: ((لايرى إلا مساكنهم (قرأ حمزة وعاصم (( لا يرى))
بضم الياء على البناء للمفعول، ومساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل. والباقون
من السبعة بفتح تاء الخطاب ، - على البناء للفاعل -، مساكنهم بالنصب على
أنه مفعول به ،(١) .
وقوله: (( كذلك نجزى القوم المجرمين)) أى: مثل ذلك الجزاء المهلك
المدمر ، نجازى القوم الذين من دأبهم الإجرام والطغيان .
وهكذا طوى - سبحانه - صفحة أولئك الظالمين من قوم هود - عليه
السلام - وما ظلمهم - سبحانه - ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
ولم تكتف السورة الكريمة بعرض مصارع هؤلاء المجرمين ، الذين
لا يخقى أمرهم على المشركين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم -، بل أخذت
فى تذكير هؤلاء المشركين، مما يحملهم على الزيادة من العظة والعبرة لو كانوا
يعقلون، فقال - تعالى -: ، ولقد مكناهم فيما إن مكنا كمفيه، وجعلنالهم سمعا
وأبصارا وأفئدة ... !
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ١٣٤

٤٢
سورة الأحقاف
و((ماء فى قوله: ((فيما إن مكناكم فيه، موصولة. و((إن، نافية. أى:
والله لقد مكنا قوم هود وغيرهم من الأقوام السابقين عليكم ـ يا أهل مكة -
فى الذى لم نتمكنكم فيه، بأن جعلناهم أشد منكم قوة ، وأكثر جمعا ، وأعطيناه
من فضلنا أسماءا وأبصارا وأفئدة .
فالمقصود من الآية بيان أن المشركين السابقين ، أعطاهم الله - تعالى - من
الأموال والأولاد والقوة ... أكثر مما أعطى الكافرين المعاصرين للنبى
- صلى الله عليه وسلم - .
ولكن هؤلاء الطغاة السابقين لما لم يشكروا الله - تعالى - على نعمه كانت
عاقبتهم الهلاك، كما يدل عليه قوله - سبحانه - بعد ذلك: « فما أغنى عنهم
سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شى .... ،
أى: أعطيناهم من النعم ما لم نعطكم يا أهل مكة، ولكنهم لما لم يشكرونا
على نعمنا، ولم يستعملوها فى طاعتنا، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، دون أن
تنفعهم شيئا أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم ، حين نزل بهم عذابنا ، بل كل
ما بين أيديهم من قوة أومن نعم ذهب أدراج الرياح وصار معهم هباء
منثورا .
و((من)) فى قوله. (( من شىء، لتأكيد عدم الإغناء. أى: ما أغنت.
عنهم شيئا حتى ولو كان هذا الشىء فى غاية القلة والحقارة .
ثم بين - سبحانه .. أن ما أصابهم من دمار كان بسبب جحودهم للحق
وأستهزائهم به، فقال: « إذكانوا بححدون بآيات الله، وحاق بهم ما كانوا
به يستهزئون)).
أى: هذا الهلاك والدمار الذى حاق بهم، كان بسبب جحودهم لآيات الله
الدالة على وحدانيته وكمال قدرته ، واستهزائهم بما جاءهم به رسلهم
من الحق .
.
١

٤٣
الجزء السادس والعشرون
ومن الآيات القرآنية التى وردت فى هذا المعنى، قوله - تعالى - :
, فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين، (١).
وقوله - سبحانه -: أفلم يسيروا فى الأرض. فينظر وا كيف كان عاقبة
الذين من قبلهم، كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا فى الأرض. فما
أُغنى عنهم ما كانوا يكسبون،(٢).
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التذكير والتخويف للمشر كين , تذ كيرا
وتخويفا آخر، فقال: ((ولقد أهلكنا ماحولكم من القرى، أى، واقه
لقد أهلكنا ما حولكم يا أهل مكة من القرى الظالمة ، كقوم هود وصالح
وغيرم
((وصرفنا الآيات)) أى: كررناها ونوعناها بأساليب مختلفة (« لعلهم
يرجعون ((عما كانوا عليه من الشرك والفجور، ولكنهم لم يرجعوا عما
كانوا فيه من ضلال وبغى . فدمر ناهم تدميرا .
(( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة، أى: فهلا نصرم
ومنعهم من الهلاك، هؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم من دون الله قربانا يتقربون
بهم إليه - سبحانه -، كما قالوا, ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)).
فلولا هنا حرف تحضيض بمعنى ((هلا، والمفعول الأول لإتخذو امحدوف
أى: الذين اتخذوهم، وآلهة هو المفعول الثانى. وقربانا حال. وهو كل
ما يتقرب به إلى أقه - تعالى - من طاعة أو نسك، والجمع قرابين.
وقوله - تعالى -: ((بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون))
إضراب انتقالى عن نفى النصرة إلى ما هو أشد من ذلك .
(١) سورة الزخرف الآتية ٨.
(٢) سورة غافر الآية ٠٨٢

٤٤
سورة الأحقاف
أى: أن هؤلاء الآلهة لم يكتفوا بعدم نصر أولئك الكافرين ، بل غابوا
عنهم وتركوهم وحدهم، ولم يحضروا إليهم ... وذلك الغياب الذى حدث
من آلهتهم عنهم ، مظهر من مظاهر كذب هؤلاء الكافرين وافترائهم على
الحق فى الدنيا ، حيث زعموا أن هذه الآلهة الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة،
وقالوا - كما حكى القرآن عنهم ـ: ((هؤلاء شفعاؤنا عند الله ... ، وها م اليوم
لايرون آلهتهم، ولا يجدون لهم شيئاً من التفع.
٠
وبعد هذا التذكير والوعيد للكافرين، بين - سبحانه - جانبا من مظاهر
تكريمه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - حيث أرسل له نفرا من الجن، يستمعون
القرآن ، ويؤمنون به ، فقال - تعالى - :
((وإذْ صَرِفْنَا إليكَ تَقَراً من الجِنِّ يَسْتِونَ القرآنَ، فلمَّا حضّرُوه
قَالُوا أَنْصِتُّوا فلمَّا فُضِىَ وَلَّوْا إِلى قَومِهِمْ مُنذِرِينَ (٢٩) قاُوا يا قَوْمنَاً
إِنَّا سِنَاَ كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى، مصَدِّقَالماَ بينَ يِدَيْهِ، يَهْدِى
إلى الحقُ وإِلى طَرِيقٍ مستقِيمٍ (٣٠) ياقَومَنَا أجِيبُوا دَاعِ اللهِ وَآمنُوا به
يَفِرْ لِكُمْ مِنْ ذُو بِكُمْ وُجِرْ كُمْ مِنْ عَذَابٍ أَليمٍ (٣١) ومَنْ لا يُحِبْ
دَاعِىِ اللهِ فليسَ بُجٍِ فى الأرض، وليْسَ لهُ مِنْ دُونِهِ أولِياً؛، أولئِكَ
فى ضلالٍ مُبِينٍ (٣٢))).
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: «وإذ صرفنا إليك تقرا من
الجن ... ، هذا توبيخ لمشركي قريش. أى: إن الجن سمعوا القرآن فآمنوا
به، وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرون على الكفر ...
قال المفسرون: لما مات أبو طالب. خرج النبي - صلى الله عليه وسلم -