النص المفهرس

صفحات 221-240

بتِه عبدالرحمن الرحيم
مقدمة وتمهيد
١ - سورة الأحقاف هى السورة السادسة والأربعون فى ترتيب المصف
أما ترتيبها فى النزول فقد كان بعد سورة («الجائية)).
والذى يراجع ما كتبه العلماء فى ترتيب سور القرآن الكريم ، يجد أن
أن الحواميم قد نزلت مرتبة كترتيبها فى المصحف .
٢ - وسورة ( الأحقاف، عدد آياتها خمس وثلاثون آية فى المصحف
الكوف، وأربع وثلاثون آية فى غيره. وهى من السور المكية .
قال الإلوسى : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها
تؤلت بمكة، فأطلق غير واحد القول بمكينها من غير استثناء ...
واستثنى بعضهم قوله- تعالى -: (قل أرأيتم إن كان من عند اقه، وكفرتم
به، وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله ... ،
واستثنى بعضهم قوله - تعالى -: ((والذى قال لوالديه أف لكما أتعدافئ
أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى .... إلى قوله - تعالى -: « إنهم
كانوا خاسرين».
٣ - وقد أفت حت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم ، وبيان
جانب من مظاهر قدرة الله - تعالى-، وبتلقين النى - صلى الله عليه وسلم -
الجواب السديد الذى يرد به على المشركين، فقال - تعالى -: ((قل أرأيتم
ماتدعون من دون الله. أروى ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك

- ٦ -
فى السموات ، انتونى بكتاب من قبل هذا، أو أثارة من علم إن كنتم
صادقين ... )).
ثم تحكى السورة الكريمة بعض الأعذار الزائفة التى.اعتذر بها الكافرون
وردت عليهم بما يبطلها ، فقال - تعالى -: ((وقال الذين كفروا للذين آمنوا
أو كان خيرا ما سبقونا إليه . وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك
قديم .....
٤ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله
ثم استقاموا. وعن الوصايا الحكيمة التى أوصى الله - تعالى - بها الأبناء نحو
آبائهم، وعن حسن عاقبة الذين يعملون بتلك الوصايا، فقال - تعالى -:
أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ونتجاوزعن سيئاتهم فى أصحاب
الجنة، وعد الصدق الذى كانوا يوعدون ... )).
١
كما بينت السورة الكريمة سوء عاقبة الكافرين، الذين أعرضوا عن
دعوة الحق، قال - تعالى -: ((ويوم يعرض الذين كفن وا على النار، أذهبتم
طيباتكم فى حياتكم الدنيا ، واستمتعتم بها ، فاليوم تجزون عذاب الهون بما
كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق، وبما كنتم نفسقون)،.
٥٠ - ثم حذرت السورة المشركين مر الإصرار على شركهم ، وذكرتهم
بما حل بالمشركين من قيلهم كقوم عاد وثمود ... ، وبينت لهم أن هؤلاء
التكافرين لم تغن عنهم أموالهم ولا قوتهم شيئا ، عندما حاق بهم عذاب الله
- تغالى -، فقال - سبحانه -: ((ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، وجملنا لهم
سمعا وأبصارا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أمئدتهم من شىء ،
إذ كانوا يجحدون بآيات الله ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . ولقد
أهلكنا ماحولكم من القرى، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ... ».
٦ - ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها، فى تسلية الرسول ،
١

- ٧ -
- صلى الله عليه وسلم - وفى إدخال السرور على قلبه بأن ذكرته بحضور نفر
من الجن إليه، للاستماع إلى القرآن الكريم ، وكيف أنهم عندما استمعوا
إليه أوصى بعضهم بعضا بالإنصات وحسن الاستماع ، وكيف أنهم عندما
عادوا إلى قومهم، دعوهم إلى الإيمان بالحق الذى استمعوا إليه، وبالتى الذى
جاء به، فقال - تعالى - حكاية عنهم: «ياقونا أجيبوا داعى اللّه وآمنوا به،
يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم
ثم ختمت السورة الكريمة بأمره - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على
أذى قومه ، فقال - تعالى - :
, فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم . كأنهم يوم
يرون مايوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار : بلاغ، فهل يهلك إلا القوم
الفاسقون » .
٧ - والمتأمل فى سورة (الأحقاف، يراها، قد أقامت الأدلة على
وحدانية الله - تعالى -، وعلى كمال قدرته . وعلى صدق الرسول - صلى الله
عليه وسلم- فيما يبلعه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، وعلى أن
يوم القيامة حق .
أقامت الأدلة على كل ذلك. بابلغ الأساليب وأحكمها، ومن ذلك أنها
ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله - تعالى - فى خلقه، كماذكرت شهادة شاهد
من بنى إسرائيل على أن الإسلام هو الدين الحق كما لوفت بالناس فى أعماق
التاريخ لتطلعهم على مصارع الغابرين، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، كما
عقدت عدة مقارنات بين مصير الأخيار ومصير الأشرار ...
وبذلك تكون السورة قدساقت من الأدلة مافيه الكفاية والإقناع

- ٨ -
لأولى الألباب ، على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه
عن ربه .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
کتبه الراجی عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
د. محمد سيد طنطاوى
صباح السبت ١٤٠٦/٢/١٠ه
الأستاذ بجامعة الأزهر
١٩٨٠/١١/٢٣ م

٩
الجزء السادس والمشرون
التفسير
1
قال الله تعالى: (( حَم (١) تنزيلُ الكتاب من ألمو العزيز
الحكيم (٢) ما خلقناَ السَّمواتِ والأرضَ وما بيْنَهُما إلاّ بالحقِّ وأجل
مُسَّعِى، والذينَ كَفَرُوا مِمَّ أُنذِرُوا مُعرِضُونَ (٣) قلْ أرأْ يُمْ ما تدعُونَ
من دونِ اللهِ، أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا من الأرْضِ ، أم لَهُمْ شِرْكٌ فى
الشمواتِ، الْتُونى بكتابٍ مِنْ قَلِ هذا، أَوْ أَثَرةٍ مِنْ على، إنْ كنتُم
صادِقِينَ (٤) ومَنْ أضَلُّ مَمَّنْ يدْعُو من دُونِ اللهِ مَن لا يَستجيبَ لهُ
إلى يوْمِ القِيّمةِ، وهُمْ عِن دُعَائِهِمْ غَفِلُونِ (٥) وإذا حُثِرِ الناسُ كانوا
لهم أعداء وكانوا بِبَادَتِهِم كافِرِينَ (٦))).
سورة (( الأحقاف، من السوة التى افتتحت بعض الحروف الهجائية،
وأقرب الأقوال إلى الصواب فى معناها أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة،
قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى به
ألله - تعالى - المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف
التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان
بسورة من مثله، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة فصحاؤهم وبلغاءهم
دونها بمراحل شاسعة .
وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور، بمثل هذه الحروف المقطعة
بجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إلى الإنصات
والتدبر . لأنه يطرق أسماءهم فى أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة فى مجارى
کلامیم .

١٠
سورة الأحقاف
وذلك ما يلفت أنظارهم، ليبتغواما يرادمنها، فيسمعوا حكما و حججا ومواعظ
من شأنها أنها تهديهم إلى الحق ، ثم كانوا يعقلون .
وقد سبق أن بينا - بشىء من التفصيل - آراء العلماء فى هذه الحروف.
المقطعة(١).
وقوله - تعالى -: ((تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، بيان لمصدر
هذا القرآن ، وأنه من عند الله - تعالى -، لامن عند غيره.
أى: أن هذا القرآن منزل من عند الله - تعالى - «العزيز، أى: صاحب
العزة الغالية، والسلطان القاهر ((الحكيم)، فى كل أقواله وأفعاله وتصريفه
لشئون خلقه ...
ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق هذا الكون عبثا، فقال: ((ما خلقنا السموات.
والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ... )
قوله: (( إلا بالحق، استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وهو صفة لمصدر
محذوف، وقوله: ((وأجل مسمى، معطوف على الحق، والكلام على تقدير
مضاف محذوف .
أى: ما خلقنا هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها
إلا لقه، ما خلقنا كل ذلك إلا خلقا ملتبسا بالحق الذى لا بحوم حوله باطل
وبالحكمة التى اقتضتها إرادتنا ومشيئتنا ...
وما خلقنا كل ذلك - أيضا - إلا بتقدير أجل معين، هو يوم القيامة الذى
تفنى عنده جميع المخلوقات .
فالمراد بالأجل المسمى: يوم القيامة الذى ينتهى عنده آجال الناس،
ويقفون بين بدى الله - تعالى - للحساب والجزاء.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما
(١) راجع تفسيرنا لسور: البقرة والأعراف ويونس

١١
الجزء السادس والعشرون
باطلا ، ذلك ظن الذين كفروا، فويل الذين كفروا من النار، (!).
وقوله - سبحانه -: «وما خلقنا السموات والأرض وما بينهذا لاعبين.
ماخلقناهما إلا بالحق، (٢).
ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من خالقهم فقال: ((والذين كفروا
عما أنذروا معرضون)) والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد. فكل إنذار
إعلام ، وليس كل إعلام إنذارا .
و ((ماء فى قوله: ((عما أنذروا)) يصح أن تكون موصولة والعائد محذوف.
ويصح أن تكون مصدرية .
والإعراض عن الشىء: الصدود عنه، وعدم الإقبال عليه: وأصله من
العرض - بضم العين - وهو الجانب، لأن المعرض عن الشىء يعطيه جانب
عنقه ، مبتعدا عنه .
أى: نحن الذين خلقنا بقدرتنا وحكمتنا، السموات والأرض وما بينهما،
بالحق الذى اقتضته مشيئتنا، وبتقدير أمد معين، عند انتهائه، تبدأ الأرض
والسموات ، ...
ومع كل هذه الدلائل الساطعة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، فالذين
كفروا بالحق ، عن الذى أنذروه من الحساب والجزاء معرضون، وفى
طغيانهم يعمهون ...
فالآية الكريمة قد وضحت أن هذا الكون لميخلقه الله - تعالى - عبثا، وأن
لهذا الكون نهاية ينتهى عندها، وأن الكافرين - لجهلهم وعنادهم ـ لم يستجيبوا
لمن دعاهم إلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار ، ولم يستعدوا لاستقبال يوم
القيامة بالإيمان والعمل الصالح .:.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ هؤلاء الكافرين.
(١) سورة «ص، الآ ية ٢٧
(٢) سورة ,الدخان الآية ٣٨

١٢
سورة الأحقاف
على جهالاتهم وعنادهم، فقال: ((قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ، آرونى
ماذا خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك فى السموات» ...
وقوله: ( أرأيتم، بمعنى أخبرونى، ومفعوله الأول قوله ((ماتدعون))،
وجملة (( ماءا خلقوا، سدت مدً مفعوله الثانى.
وجملة: (( أرونى)) مؤكدة لقوله: ((أرأيتم، لأنها - أيضا - بمعنى أخبرونى.
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين - على سبيل التوبيخ
والتأنيب - أخبرونى عن هذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله - تعالى -، أى
شىء من الأرض أوجدته هذه الآلهة؟ إنها قطها لم تخلق شيئا من الأرض .
فالأمر فى قوله (( أرونى)) للتعجيز والتبكيت.
و((أم، فى قوله: «أم لهم شرك فى السموات، للإضراب عن أن يكونوا
قد خلقوا شيئاً، إلى بيان أنهم لامشاركة لهم مع الله فى خلق السموات أو
الأرض أو غيرهما. فقوله: ((شرك، بمعنى مشاركه ...
أى: بل ألهم مشاركة من لقه - تعالى - فى خلق شىء من السموات ؟ كلا،
. لا مشاركة لهم فى خلق أى شىء، وإنما الخالق لكل شىء هو الله رب العالمين.
فالاستفهام للتوبيع والتقريع .
فالمراد من الآية الكريمة ففى استحقاق معبوداتهم لأى لون من ألوان
العبادة بأبلغ وجه، لأن هذه المعبودات لا مدخل لها فى خلق أى شىء لامن
العوالم المقلية ولا من العوالم العلوية، وإنما الكل مخلوق لله - تعالى - وحده.
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: «هذا خلق الله
قارونی ماذا خلق الذین من دونه ،(١) .
وبعد أن أخمهم - سبحانه - من الناخية المقلية ، أتبع ذلك بإخامهم
بالأدلة النقلية، فقال - تعالى -: «انتونى بكتاب من قبل هذا، أو أثارة من
علم، إن كنتم صادقين».
(١) سورة لقمان الآية ١١

١٣
الجزء السادس والعشرون
والأمر فى قوله - تعالى - ((انتونى، للتعجيز والتهكم - أيضا - كما فى قوله:
((أرونی).
وقوله: «أثارة من على، أى: بقية من على يؤثر عن الأولين، وينسب إليهم.
قال القرطبى: وفى الصحاح: (( أو أثارة من علم، أى: بقية منه. وكذلك.
الأثرة - بالتحريك - ويقال: سمنت الإبل على أثارة ، أى : على بقية من
شحم كان فيها قبل ذلك ...
والأثارة: مصدر كالسماحة والشجاعة. وأصل الكلمة من الأثر؛ وهى
الرواية. يقال: أثرت الحديث آثره أثراً وأثارة وأثرة فأما آثر، إذا ذكرته
عن غيرك، ومنه قيل: حديث مأثور، أى: نقله الخلف عن السلف،(١).
أى: هاتوالى. أيها المشركون - كتابا من قبل هذا القرآن بدل على صحة
ما أنتم عليه من شرك، فإن لم تستطعو ذلك - ولن تستطيعوا-، فأتوفى ببقية.
من علم يؤثر عن السابقين ، ويسند إليهم ، ويشهد لكم بصحة ما أنتم فيه من كفر.
((إن كنتم صادقين، فيما تزعمونه من أفكم على الحق.
وهكذا أخذ عليهم القرآن الحجة ، وألزمهم ببطلان ماهم عليه من سلال،
بالأدلة العقلية المتمثلة فى شهادة هذا الكون المفتوح، وبالأدلة النقلية المتمثلة
فى أنه لا يوجد عندهم كتاب أو ما يشبه الكتاب ، يستندون إليه فى استحقاق
تلك المعبودات للعبادة.
والحق أن هذه الآية الكريمة على رأس الآيات التى تخرس أصحاب الأقوال
التى لا دليل على صحتها، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح، الذى يوصلهم
إلى الحق والعدل ...
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين قد بلغوا الذروة فى ضلالهم وجهلهم.
فقال: ((ومن أضل من يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة)).
(١) تفسير القرطبي =١٦ ص ١٨٢

٢٤
سورة الأحقاف
1
أى لا أحد أشد ضلالا وجهلا من هؤلاء المشركين الذی يعبدون من دون
الله - تعالى - آلهة، هذه الآلهة لاتسمع كلامهم، ولا تعقل نداءهم، ولا تشعر
بعبادتهم لها منذ أن عبدوما ، إلى أن تقوم الساعة .
. فإذا ما قامت الساعة، تحولت هذه الآلهة - بجانب عدم شعورها بشيء
إلی عدوة لهؤلاء العابدین لها .
قال بعض العلماء: وفى قوله: ((إلى يوم القيامة، نكتة حسنة، وذلك أنه
جعل يوم القيامة غاية لعدم الإستجابة ، ومن شأن الغاية انتهاء المعيا عندها.
لكن عدم الإستجابة مستمر بعد هذه الغاية، لأنهم فى يوم القيامة
لا يستجيبون لهم .
فالوجه - والله أعلم - أنها من الغابات المشعرة، بأن ما بعدها وإن وافق
ما قبلها ؛ إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثانى، حتى كأن الحالتين وإن
كانتا نوعا واحدا، لتفاوت ما بينهما كالشىء وضده. وذلك أن الحالة الأولى
التى جعلت غايتها القيامة لا تزيد على عدم الإستجابة، والحالة الثانية التى فى القيامة
زادت على عدم الإستجابة، بالعداوة بالكفر بعبادتهم إيام .... (١)
ثم أكد - سبحانه - عدم إحساس الأصنام بعا بديها فقال: دوم عن
دعٹهم غافلون )
أى: وهذه الأصنام عن عبادة عابديها غافلة، لا تدرك شيئا ، ولا تحس
من حولها .
قال صاحب الكشاف: إنما قيل ((من)، و((هم) لأنه أسند اليهم
ما يسند إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز
جهلا وغباوة .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٩٥
(٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٢٩٦

١٥
الجزء السادس والعشرون
ثم بين ما يكون بين العابدين والمعيودين من عدارة يوم القيامة فقال :
(( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانو بعبادتهم كافرين،
أى: وإذا جمع الله - تعالى - الناس للحساب والجزاء يوم القيامة، صار
الكفار مع من عبدوهم من دون الله أعداء، بلعن بعضهم بعضا،,وكانوا،
أى: المعبودون (( بعبادتهم، أى: بعبادة الكفرة إياهم (( كافرين)) أى:
جاحدین مكذبین ،
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا
لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضاء (١)
وقرله - سبحانه - : وقال إنما اتخذتم من دون أنه أونانا مودة بينكم فى
الحياة الدنيا ، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا، وما واكم
النار ومالكم من ناصرين ، (٢)
ثم لقن الله - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أجوبة أخرى، ليرد
بها على الأقوال الزائفة التى تقوم بها المشركون، فقال - تعالى -:
(( وإذَا تُلَى عَلَيْهِمْ آيَاتَنا بيناتٍ قَالَ الذينَ كَفَرُوا الحقَّ لَمَّا جاءَهُ
هذا سِحْرٌ مِينٌ (٧) أَمْ يَقولُونَ افترَاءُ، قلٍ إنِ افترَيْتُهُ فلا ملِكُونَ
لى مِنَ اللهِ شيئاً، هوَ أعْلَمُ بما تُفِيضونَ فيهِ، كَفَى به شهيداً ينى
ويَيَنْكُمْ ، وَهوَ الغفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كنتُ بِدْعاً مِنَ الرَّسلِ
وما أَذْرِى ما يُفْلُ بِى ولا بُكُم، إن أنَّبِع إلاَّ ما يوحَى إِلىّ وما أناَ
(١) سورة مريم . الآية ١ ٨٢٠٨
(٢) العنكبوت الآية ٢٠

١٦
سورة الأحقاف
إلاَّ نذيرٌ مبينٌ (٩) قلْ أرأَيتُمْ إنْ كانَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ،
وشَهِدَ شَأَمِدٌ مِنْ بِ إسرائيلَ عَلَى مِثلِهِ فَآَمَن واستكَبَّرْتَ ، إِنَّ الهَ
لا يَهْذِى القومَ الظَّالِنَ (١٠)».
وقوله ((تثلى)) من التلاوة بمعنى بتمهل وترقبل . أى: وإذا تتلى على هؤلاء
الكافرين ، آياتنا الواضحة الدالة على وحد أنيتنا وقدرتنا، قال الذين كفروا
للحق لما جاءهم، أى: قالوا للآيات المتلوة عليهم، والتى اشتملت على الحق
الذى يهديهم إلى الصراط المستقيم .
« هذا سحر منين، أى: قالوا: هذا الذى جئنا به يا محمد سحر واضح ،
و قمويه ظاهر ..
والتعبير بقبوله - سبحانه -: ((قال الذين كفروا للحق لما جا.هم،: يشعر
بأن هؤلاء الجاحدين الجاهلين ، قد بادروا إلى وصف ما جاءهم به الرسول
- عدلى الله عليه وسلم - بأنة سحر، بدون تفكر أو تأمل أو انتظار.
وفى وصفهم لما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه سحر،دليل
على عجزهم عن الإتيان بمثله ، أو بسورة من مثله .
ثم حكى - سبحانه - جانبا من أكاذيبم فقال: «أم يقولون إفتراه ... ))
و((أم، هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة، وتفيد الإضراب والانتقال من
حكاية أقوالهم الباعلة السابقة، إلى أقوال أخرى أشد منها بطلانا وكذبا.
والاستفهام الإنكار والتعجب من حالهم .
والافتراء: أشنع الكذب. أى: بل أيقول هؤلاء الكافرون لك - أيها
الرسول الكريم - إنك إفتريت هذا القرآن وإختلفته من عند نفسك.؟
ثم لفن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الرد الذى يخر سهم فقال
((قل إن إفتريته فلا تملكون لى من اته شيئًا .. ،

١٧
الجزء السادس والعشرون
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - فى الرد على زعمهم أنك اقتريت هذا
القرآن: إن كنت على سبيل الفرض والتقدير قد افتريته من عند نفسى ،
حاقبنى ربى، ولا تستطيعون أنتم أو غيركم أن تمنعوا عنى شيئا من عذابه
وعقابه، وما دام الأمر كذلك فكيف أفتريه، وأنا أعلم علم اليقين أن
افتر أ. شیء منه يؤدى إلى عقابى ؟
جواب ((إن)) فى قوله: (( إن افتريته، محذوف، وتقديره : عاجلنى
بالعقوبة، وقوله: (( فلا تملكون لى من الله شيئا)) قام مقامه.
قال - تعالى -. ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين .
ثم لقطنعا منه الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين ... ،
وقوله: «هو أعلم بما تفيضون فيه، أى: الله - تعالى - الذى زعتم أنى
أفترى عليه الكذب، هو أعلم منى ومنكم ومن كل المخلوقات، بما تندفعون
فيه من القدح فى آياته، والإعراض عن دعوته ، وسيجازيكم على ذلك بما
تستحقونه من عقاب .
فقوله: (( تفيضون)) من الإفاضة، وهى الأخذ فى الشىء باندفاع وعنف
وأصله من فاض الإناء إذا سال بشدة .
وقوله - سبحانه -: (( كفى به شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم»
ترهيب لهم من الإنسياق فى كفرهم ,وترغيب لهم فى الدخول فى الايمان
اینالوا مغفرة الله - تعالى - ورحمته .
أُی : کفی بشهادة اللّه ۔ تعالی ۔ بینی وبینکم شهادة، فهو الذی یعلم انى صادق
فيما أبلغه عنه ، ويعلم أنكم الكاذبون فيما تزعمونه، وهو - سبحانه - الواسع
المغفرة والرحمة ، لمن تاب اليه وأناب .
ٹم أمره الله - تعالی ۔ أن یبین لهم أن ما جاءم به من هدایه ، قد جاء بها
( ٢ - سورة الأحقاف )

١٨
سورة الأحقاف
الرسل من قبله لأقوامهم، وأنه رسول كسائر الرسل السابقين فقال - تعالى.
(( قل ما كنت بدعا من الرسل ... ))
والبدع من كل شىء: أوله ومبدؤه. يقال: فلان بدع فى هذا الأمر، أى:
هو أول فيه دون أن يسبقه فيه سابق ، من الإبتداع بمعنى الاختراع.
أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لست أول رسول أرسله الله
- تعالى - إلى الناس، وإنما سبقنى رسل كثيرون أنتم تعرفون شيئا من أخبارهم
ومن أخبار أقوامهم، ومادام الأمر كذلك فكيف تنكرون نبونى، وتشككون
فی دہرئی؟
'۔۔ ۔۔
وقوله - سبحانه -: ((وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم، إن أتبع إلا ما يوحى
إلى، وما أنا إلا نذير مبين، بيان لوظيفته - صلى الله عليه وسلم-
أى: وإنى وأنا رسول الله لا أعلم ما سيفعله الله - تعالى - بى أو بكم فى
المستقبل من أمور الدنيا، هل سأبقى معكم فى مكة أو سأهاجر منها، وهل
سيصيبكم العذاب عاجلا أو آجلا؟ فإنى ما أفعل معكم، ولا أقول لكم إلا،
ما أوحاه الله - تعالى - إلى، وما أنا إلا نذير مبين، أوضح لكم الحق من
الباطل، وأخوفكم من سوء المصير، إذا ما بقيتم على كفركم وشرككم .
فالمقصود بقوله - تعالى -: ((وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم)) أى: فى
دار الدنيا، أما بالنسبه للآخرة، فالله - تعالى - قد بشره وبشر أتباعه بالثواب
العظيم فى آيات كثيرة ، ومن ذلك قوله - تعالى -: «ولسوف يعطيك ربك
فترضى)). وقوله - سبحانه -: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا
کبیرا،م,
قال الامام ابن كثير ماملخصه: قال الحسن البصرى فى قوله:« وماأدرى
ما يقعل بى ولا بكم، أى: فى الدنيا، أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلى؟ أم

١٩
الجزء السادس والمشرون
أنقل كما قتلوا، ولا أدرى أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة. أما فى الآخرة
فمعاذ الله ، قد علم أنه فى الجنه .
وهذا القول هو الذى عول عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولاشك
أن هذا هو اللائق به - صلى الله عليه وسلم -، فإنه بالنسبة للآخرة ، جازم
أنه يصير إلى الجنة ومن اتبعه ، وأما فى الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه
أمره وأمر المشركين. أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون
بكفرم ، (١)
والمتدير فى هذه الآية الكريمة، راها قد اشتملت على أسمى ألوان
الأدب من النبى - صلى الله عليه وسلم - مع خالقه - عزوجل -، فقد فوض
- صلى الله عليه وسلم - أمره إلى خالقه! وصرح بأنه لا يتبع إلا ما يوحى
الیه - سبحانه - وأنه لا علم له بالغیب،وإنما علم ذلك إلى الله - تعالى - وحده
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى، أن
يذكرهم بإيمان العقلاء من أهل الكتاب بهذا الدين ، لعلهم عن طريق هذا
التذكير يقلعون عن كفرهم وعنادهم فقال: ((قل أرأيتم إن كان من عند الله
وكفرتم * .. ،
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين: أخبرونى إن كان
هذا الذى أو حاه الله - تعالى - إلى من قرآن، هو من عنده - تعالى -
وحده، والحال أنكم كفرتم به، ألستم فى هذه الحالة تكونون ظالمين لأنفسكم
وللحق الذى جئتكم به من عند خالفكم؟ لاشك أنكم فى هذه الحالة تكونون
ظالمين جاحدين .
وقوله :- سبحانه -: «وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله، فآمن
واستكبرتم .. ، معطوف على ما قبله على سبيل التأكيد لظلمهم.
(١) تفسير ابن کثیر س ٧ ص ٢٦٠

٢٠
سورة الأحقاف
أى : أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله، والحال أنكم قد كفرتم
به، مع أن شاهدا من بنى إسرائيل الذين تثفون بشهادتهم ، قد شهد على معل
القرآن بالصدق ، لاتفاق التوراة والقرآن على وحدانيته الله - تعالى -
وعلى أن البعث حق ، وعلى أن الجزاء حق ... فآمن هذا الشاهد بالقرآن
وبمن جاء به وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - ((واستكبرتم أنتم
من الإيمان .. .
ألستم فى هذه الحالة تكونون على رأس الظالمين الجاحدين لكل ما هو
حق وصدق ؟!
نجواب الشرط فى الآية محذوف . أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا ومع
ذلك لم تؤمنوا فقد كفرتم وظلمتم ، والله - تعالى - لا يهدى القوم الذين من
شأنهم استحباب الظلم على العدل ، والعمى على الهدى .
وشبيه بهذه الآية قوله : - تعالى -: «قل أرأيتم إن كان من عند اله
ثم كفرتم به، من أضل ممن هو فى شقاق بعيد)».
قال صاحب الكشاف - رحمه الله -: جواب الشرط محذوف تقديره.
إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به، ألستم ظالمين، ويدل على هذا
المحذوف قوله - تعالى -: ((إن الله لا يهدي القوم الظالمين».
.. لاعد.
والشاهد من بنى إسرائيل: عبد الله بن سلام ... وفيه نزل : . وشهد
شاهد من بنى إسرائيل على مثله ....
والضمير للقرآن . أى: على مثله فى المعنى، وهو ما فى التوراة من المعانى
المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك ... (١)
وعلى رأى صاحب الكشاف تكون الآية مدنية فى سورة مكية، لأن إيمان
عبد الله بن سلام - رضى الله عنه - كان بالمدينة ولم يكن بمكة .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٩٩

٢١
الجزء السادس والعشرون
ومن المفسرين من يرى أن الآية الكريمة نزلت فى شأن كل من آمن من
أهل الكتاب، وأنها لم تنزل فى عبد الله بن سلام بصفة خاصة .
قال الإمام ابن كثير : وهذا الشاهد اسم جنس ، يعم عبد الله بن سلام
وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام. وهذه كقوله
- تعالى -: ((وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا، إنا كنا من
قبله مسلمين » ..
قال مسروق والشعبى: ليس بعبد الله بن سلام. هذه الآية مكية،
وإسلامه كان بالمدينة ..
وقال مالك عن أبى النضر ، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال : ما سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشى على الأرض: «إنه من
أهل الجنة ، إلا لعبد الله بن سلام. قال: وفيه نزلت: ((وشهد شاهد من انى
إسرائيل على مثله، .. وكذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة .. (١)
وعلى أية حال فالمقصود بالآية الكريمة إثبات أن هذا القرآن من عند
لفه - تعالى -، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن
ربه، وأن العقلاء من أهل الكتاب قد شهدوا بذلك ، وآمنوا بالنبى -
صلى الله عليه وسلم - .. فكان من الواجب على المشركين - لو كانوا
يقلون - أن يقلعوا عن عنادهم، وأن يتبعوا الحق الذى جاءهم به الني - صلى
الله عليه وسلم . .
٠٠ ٠
ثم حكى - سبحانه - بعض الأعذار الفاسدة، التى اعتذر بها الكافرون
عن عدم دخولهم فى الإسلام، ورد عليهم بما يكبتهم، وبشر المؤمنين الصادقين
بما يشرح صدورهم فقال :
(١) راجع تفسير ابن کثیر ح٧ ص ٢٦٢
۔۔۔

٢٢
٣,ــ
((وقالَ الذينَ كَفَرُوا للذينَ آمَنُوا لو كانَ خيراً ما سبقوناَ إليهِ،
وإذْ لم يَهْتَدُوا بهِ فسيقولُونَ هذا إنْكٌ قديمٌ (١) ومِنْ قَبَهِ كتابُ
موسَى إماماً ورَحمةً وهذا كتابٌ مصِدْقُ لسَانًا عربيًّا، ليُنذِرَ الذينَ
ظلموا وبُشْرَى المُحسِنِينَ (١٣) إنّ الذينَ قَالُوا رَبُّنَ الُهُ ثُمُ استقَمُوا،
فلا خَوْفٌ عَلَيهم ولا مَ يحزّنون (١٣) أولئِكَ أضمَبُ الجَنَّة خَدِينَ.
فيهاَ جزاء بما كانوا يعملونَ (١٤))).
وقد ذكر المفسرون فی سبب نزول قوله - تعالى - : « وقال الذین کفروا
للذين آمنوا .. )، روايات منها: أن شركى مكه حين رأوا أن أكثر المؤمنين
من الفقراء ، كعمار، وبلال، وعبد الله بن مسعود .. قالوا ذلك.
وسبب قولهم هذا، اعتقادهم الباطل ، أنهم هم الذين لهم عند الله العظمة.
والجاه والسبق إلى كل مكرمة، لأنهم هم أصحاب المال والسلطان. أما أولئك.
الفقراء فلا خير فيهم ، ولا سبق لهم إلى خير ..
أى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا - على سبيل السخرية والاستخفاف
بهم -، لو كان هذا الذى أنتم عليه من الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه
وسلم - حقا وخيرا، لما سبقتمونا إليه، ولما سبقنا إليه غير كم من المؤمنين،
لأننا نحن العظماء الأغنياء ... وأنتم الضعفاء الفقراء ..
فهم - لانطماس بصائرهم وغرورهم - توهموا أنهم لغناهم وجاههم م.
المستحقون للسبق إلى كل خير ، وأن غيرهم من الفقراء لا يعقل ما يعقلونه ،
ولا يفهم ما يفهمونه ..
ومن الآيات الكريمة التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى -: وكذلك فتنا
بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا .. ))(١)
(١) سورة الأنعام الآية ٥٣

٢٣
الجزء السادس والعشرون
وقوله - سبحانه -: ((وإذ لم يهتدوا به فيقولون هذا إنك قديم، تعجيب
من غرورهم وعنادهم ، ورميهم الحق بما هو برىء منه.
و«إذا» ظرف لكلام محذوف دل عليه الكلام، أى: وإذا لم يهتدوا بما
جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، ظهر عنادهم واستكام،
وقالوا هذا القرآن كذب قديم من أخبار السابقين ، نسبه محمد - صلى الله عليه
وسلم - إلى ربه .
وشبيه بهذه الآية - قوله - تعالى -: ((وفالوا أساطير الأولين اكتتبها
فهى تملى عليه بكرة وأصيلا ... (٢)
ثم بين - سبحانه - أن هذه القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية التى
سبقته فقال - تعالى -: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمته .. ))
أى: ومن قبل هذا القرآن الذى أنزلناه على نبينا محمد - صلى الله عليه
وسلم -، كان كتاب موسىوهو التوراة (( إماما، يهتدى به فى الدين ((ورحمة))
من الله - تعالى - لمن آمن به .
وقوله: (( ومن قبله، خبر مقدم، و« كتاب موسى)) مبتدأ مؤخر،
وقوله: (( إماما ورحمة)، حالان من (( كتاب موسى)) ..
والمقصود من هذه الجملة الكريمة، الرد على قولهم فى القرآن,هذا إفك
قديم،، فكأنه - تعالى - يقول لهم: كيف تصفون القرآن بذلك ، مع
أنه قد سبقه كتاب موسى الذى تعرفونه، والذى وافق القرآن فى الأمر بإخلاص
العبادة لله - تعالى - وحده ، وفى غير ذلك من أصول الشرائع:
ثم مدح - سبحانه - هذا القرآن بقوله: «وهذا كتاب مصدق لمانا
عربيا، لينذر الذين ظلوا وبشرى للمحسنين ».
(١) سورة الفرقان الآية .

٢٤
سورة الأحقاف
أى: وهذا القرآن الذى أنزلناه على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -
مصدق لكتاب موسى الذى هو إمام ورحمته ، ومصدق لغيره من الكتب
السماوية السابقة وأمين عليها ، وقد أنزلناه بلسان عربى مبين ، امتنانا منا
على من بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم بـ فيهم وهم العرب ..
وقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من وظيفة هذا الكتاب : الإنذار الظالمين
بسوء المصير إذا ما أصروا على ظلمهم، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم ،
بسبب إيمانهم وإحسانهم .
قاسم الإشارة فى قوله: ((وهذا، يعود للقرآن الكريم، وقوله ((مصدق،
صفه لكتاب .
وقوله « لسانا عربيا)، حال من الضمير فى مصدق الذى هو صفة للكتاب
والضمير فى ((لينذر)) يعود إلى الكتاب، (و«الذين ظلموا، مفعوله.
أى: لينذر الكتاب الذين ظلوا. وقوله: ((وبشرى للمحسنين)) !، محل
نصب عطفا على محل ((لينذر)).
:
وقال - سبحانه - فى صفة هذا الكتاب (( مصدق لسانا عربيا)) ولم يقل:
مصدق لكتاب موسى، للتنبيه على أنه مصدق لكتاب موسى ولغيره من
الكتب السماوية السابقة .
والتعبير بقولة «لسانا عربيا، فيه تكريم للعرب، وقذكير لهم بنعمة
ألقه عليهم، حيث جعل القرآن الذى هو أجمع الكتب السماوية للهدايات
والخيرات بلسانهم، وهذا يقتضى إيمانهم به، وحرصهم على اتباع إرشاداته.
وقوله - تعالى -: « لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين، بيان لوظيفة
هذا الكتاب، وتحديد لمصير كل فريق، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى
من حى عن بينة . /
ثم فصل - سبحانه - ما أعده للمحسنين من جزيل الثواب فقال: «إن