النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ الجزء الخامس والعشرون والمعنى بل أحسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصى ، أن تجعلهم متساوين مع الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات فى دار الدنيا أو فى الدار الآخرة ؟ كلا !! لا يستوون فيهما، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون فى الدنيا حياة طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإحمن ببركة إيمانهم ، وفى الآخرة ينالون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه ... أما الذين اجترحوا السيئات فهم فى شقاء الدنيا وفي الآخرة. قال الشوكانى: قرأ الجمهور ((سواء) بالرفع على أنه خبر مقدم. والمبتدأ محياهم وعمائهم . والمعنى إذكار حسبانهم أن محياهم وماتهم سواء. وقرأحمزة والكسائى وحفص « سواء«بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر فى الجار والمجرور فى قوله : ((كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو على أنه مفعول ثان لحسب ... ،(١) . وقوله: ((ساء ما يحكمون، أى بئس حكما حكمهم هذا الذى زعموا فيه تسويقنا بين الذين اجترحوا السيئات ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، توبيخهم على أحكامهم الباطلة ، وأفكارهم الفاسدة. قال الألوسى: قوله: « ساء ما يحكمون، أى: ساء حكمهم هذا، وهو الحكم بالتساوى، فا مصدرية، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود. ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم على (( ساء، بمعنى بئس، ((فما، فيه فكرة موصوفة، وقعت تمييزامفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف (أى: بئس شيئا حكموا به ذلك،(٢). (١) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٥ ص ٨. (٢) تفسير الآلوسى = ٢٥ ص ١٥١. ٢٠٢ سورة الجاثية ثم أكد - سبحانه - عدم المساواة بين الفريقين فقال: «وخلق الله السموات والأرض بالحق ... )) أى خلقهما خلفا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل .. . وقوله (( ولتجزى كل نفس بما كسبت ... ، معطوف على مقدر يفهم من سياق الكلام .. . أى : خلفهما بالحق ليبرهن بذلك على وحدانيته وقدرته، ولتجزى كل نفس يوم القيامة بسبب ما اكتسبته من أعمال . ويصح أن يكون معطوفا على قوله ((بالحق))، أى: خلقهما بالحق المقتضى للعدل بين العباد، ولتجزى كل نفس بما كسبت، فهو من عطف السبب. على السبب . ((وهم لا يظلون)) أى: الخلائق المدلول عليهم بقوله (( كل نفس، لا يلحقهم. شىء من الظلم يوم القيامة ، لأن الله - تعالى - قد كتب على نفسه أنه ذ يظلم أحدا. - والاستفهام فى قوله - سبحانه -: « أفر أيت من اتخذ إلهه هواه ... ، للتعجب من حال هؤلاء المشركين، ولتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من أذى . والمراد بهواه: ما يستحسنه من تصرفات، حتى ولو كانت تلك التصرفات فى نهاية القبح والصناعة والجهالة . والمعنى: انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم- فى أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم. لأنهم إذا حسن لهم هوأهم شيئا اتخذوه إلها. لهم، مهما كان قبح تصرفهم ، وانحطاط تفكيرهم ، وخضعوا له كما يخضع العابد لمعبوده . قال ابن عباس : كان الرجل فى الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، ٢٠٢ الجزء الخامس والعشرون فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثانى وترك الأول . وقوله: « وأضله أفقد على علم ( أى: وأضل الله - تعالى - هذا الشقى، بأن خلق فيه الضلالة ، على علم منه -سبحانه - بأن هذا الشقى أهل لذلك. لاستحيابه العمى على الهدى . ٠ فيكون قوله ((على على، حال من الفاعل. أى أضله - سبحانه - حالة كونه عالما بأنه من أهل الضلال . ويصح أن يكون حالا من المفعول، أى: وأضل الله - تعالى - هذا الشقى. والحال أن هذا الشقى عالم بطريق الإيمان، ولكنه استحب الغى على الرشد . وقوله:«وختم على سمعه وقلبه، والختم: الوسم بطابع ونحوه. مأخوذ من وضع الخاتم على الشىء، وطبعه فيه الاستيثاق، لكى لا يخرج منه مابداخله ولا يدخله ما هو خارج عنه . أى: وطبع على سمعه وقلبه، فجعله لا يسمع سماع تدبر وانتفاع ، ولا يفقه ما فيه هدايته ورشده . ((وجعل على بصره غشاوة)) أى: وجل على بصره غطاء، يحجب عنه الرؤية السليمة للأشياء ، وأصل الغشاوة ما يغطى به الشىء ، من غشاء إذا غطاء . .. والاستفهام فى قوله - تعالى -: « فمن يهديه من بعد أقلّه ... ، للافكار والنفى . : أى: لا أحد يستطيع أن يهدى هذا الإنسان الذى اتخذ إلهه هواه ... من بعد أن أضله الله - عز وجل - . ( أفلا تذكرون، أى: أفلا تتفكرون وتتأملون فيما سقت لكم من مواعظ وعبر، تفكرا يهديكم إلى الرشد ، ويبعتكم على الإيمان. ٢٠٤ سورة .جامعة فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم- عما أصابه من المشركين، وتعجيب من أحوالهم التى بلغت الغاية فى الجهالة والضلالة، ودعوة لهم إلى التذكر والاعتبار ، لأن ذلك ينقلهم من الكفر إلى الإيمان . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة فقال: ((وقالوا ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، .. ». أى: وقال هؤلاء المشر كون على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق ، ما الحياة إلا هذه الحياة الدنيوية التى نحياها فيها، وليس هناك حياة -وأها، فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين، أو نكون أمواتا فى أصلاب آبائنا، ثم نحيا بعد ذلك عند الولادة ... ((وما يهلكنا)، عند انتهاء آجالنا، إلا الدهر، أى: إلا مرور الزمان، وكر الأعوام وتقلب الشهور والأيام. قال ابن كثير ما ملخصه: يخبر - تعالى - عن قول الدهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركى المرب فى إنكار المعاد: ((وقالوا ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ... )، أى: ما تم إلا هذه الدار، بموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة ... ولهذا قالوا: (( وما يهلكنا إلا الدهر» - أى: إلامرور الأيام والليالي - ف.كابروا المعقول وكذنوا المنقول .. وفى الحديث الصحيح - الذى رواه الشيخان وغيرهما - عن أبى هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله - تعالى -: يؤذينى ابن آدم، يسب الدهر, وأنا الدهر، بيدى الأمر، أقلب ليله ونهاره)). والمقصود من هذا الحديث النهى عن سب الدهر، لأن الله - تعالى - ٢٠٥ الجزء الخامس والعشرون هو الخالق له، فمن يسب الدهر ، فكأنما سب الله - تعالى -، لأنه - سبحانه - هو الذى يقلب الليالى والأيام ... وقد كان العرب فى الجاهلية إذا ما أصابتهم شدة أو نكبة، قالوا : ياخيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى الدهر ويسبونه))(١). وقوله - تعالى -: ((وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون، رد عليهم فيما قالوه من أقوال باطلة تتعلق بإنكارهم للبعث والحساب . : أى: وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم مستند إلى نقل أو عقل، إن هم إلا يظنون ظنا مثنيا على الوهم والضلال. ((وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات)) أى: وإذا تليت عليهم آيات القرآن، الواضحة فى دلالتها على أن يوم القيامة حق، وأن الحساب حق ... ((ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين)) أى: ما كان ردهم على من يذكرهم بالبعت إلا أن قالوا لهم: أعيدوا إلينا آباءنا الدين ماتوا إن كنتم صادقين فى قولكم : إن هناك بعثا وحسابا وثوابا وعقابا . وقوله وحجتهم)) - بالنصب - خبر كان، واسمها قوله: ((إلا أن قالوا)). وسمى - سبحانه - أقوالهم مع بطلانها حجة، على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بهذه الأقوال . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة ؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته ، وساقوه مساقها ، فسميت حجة على سبيل التهكم، أولأنه فى حسبانهم وتقديرهم حجة ,أو لأنه فى أسلوب قول القائل : تحية بينهم ضرب وجيع ... كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ماليس بحجة، (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧. ص ٢٥٣ ٢٠٦ سورة الجائبة والمراد: نفى أن تكون لهم حجة البتة،(١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال: ((قل الله يحييكم، أى: وأنتم فى الدنيا ، ثم يمبتكم، عند انقضاء آجالكم فى الدنيا، «ثم يحمعكم)) إلى يوم القيامة بأن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء. وهذا اليوم وهو يوم القيامة آت « لاريب فيه، ولا شك فى حدوثه. ((ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ذلك، لاستيلاء الهوى والشيطان على قلوبهم ، ولو عقلوا لعلموا أن من أنشأ الإنسان من العدم، قادر على إعادته بعد موته من باب أولى . ٥٠0 ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها فى كير الناس بأهوال يوم القيامة لكى يستعدوا للقاء هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح، فذكرتهم بأحوال الأخيار والأشرار فى هذا اليوم العصيب ، وبيت لهم أن الندم لن ينفع فى هذا اليوم ... فقال - تعالى -: ((واللهِ ملكُ السّواتِ والأرضِ، ويومَ تقومَ السَّاعَةُ يومَئذٍ يُخَرُ المَطْلُونَ (٢٧) وترَى كل أمةٍ جائيةٍ، كلّ أُمةٍ تُدعى إلى كتابها، اليومَ تُجزونَ مَا كَثُم تَعملونَ (٢٨) هذَا كِتابُنَا يَنْطِقُ عليكُم بالحقّ، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كَثُم تسلُونَ (٢٩) فأمَّ الذينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالِحَاتٍ فَيَدْخِلَهِمْ رِبُّهم فى رَحْتِهِ، ذلِكَ هُو الفوزُ لُبِينُ (٣٠) وأمَّا (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٢٩١ ٠ ٢٠٧ الجزء الخامس والعشرون الذينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تسُكُنْ آيَاتِى تُلَى عليكُم فلسْتكبَرْتُمْ وَكُنتُم قوماً تُجْرِمين (٢١) وإِذَا قِيلَ إنَّ وَعْدَ الهِ حقٌّ وَالسَّاعَةُ لا ريْبَ فيهاَ، قَلْم . ما نَذْرى ما السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إلا ظنًّا وما نَحنُ بُمُسْفَيَقِينَ (٣٢) وبَدا لَهُم سبئاتُ مَا عَمِلُوا، وحاقَ بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتِهِزْتُونَ (٣٣) وقيلَ اليومَ تَفْسَاكُم كما نَسِبْتُمْ لقاءٍ يَوْمِكُمْ هذَا، وَمَأْوَاكُم النارُ ومَاَ لِكُم من نَصِرِين (٣٤) ذلِكُم بأنّكُمْ اتَّخَذْتم آياتِ اللهِ هُزُوًّا، وعَزَتكَم الحياةُ الدُّنْيَ، فَاليَوْمَ لاَ يُخْرَجُون منها ولا مُ يُسْتَعْبُونَ (٣٥) فَلْهَ الحمد ربُ السَّمواتِ وربِّ الأرضِ رب العالمينَ (٣٦) ولهُ الكبرياء فى السَّمواتِ والأرضِ وهُو العزيزُ الحَكِيمُ (٣٧)). قال الإمام الرازى: قوله: « ولله ملك السموات والأرض ... ): أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادرا على الإحياء فى المرة الثانية فى الآباب المتقدمة ، عمم بعد ذلك الدليل فقال: ((ولله ملك السموات والأرض، أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أ كانت من السموات أم من الأرض ... ،(١). أى: ((ولقه، - تعالى - وحده «ملك السموات والأرض، خلفا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: «ويوم تقوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون،. أى: ولله - تعالى - ملك السموات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت (١) تفسير الفحر الرازى جـ ٧ ص ٠٤٧٣ ٢٠٨ سورة الجائية قيام الساعة ، لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت وقت قيامها ، أو بتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم ، وكفروا به وقالوا: « ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ..... قال الشوكانى وقوله: ((ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون، أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل. يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار ((والعامل فى «يوم، هو الفعل , يخسر، ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه . فيكون التقدير: ويوم تقوم الساعة، يوم تقوم الساعة. فيكون بدلا تو کیدیا . والأحسن أن يكون العامل فى ((يوم، هو ((ملك)) - أى: ما يدل عليه. هذا اللفظ . أى: ولله - تعالى - ملك السموات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله « يومئذ، معمولا ليخسر ... ،(١). وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ( فإذا جاء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون، (٢). ۔۔ ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: « وترى كل أمة جائية ... )) وقوله : - سبحانه -: «جائية، من الجنو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف .. (١) تفسير فتح القدير ج ٥ ص ٠١٠ (٢) سورة غافر الآية ٧٨. ٢٠٩ الجزء الخامس والشرون يقال: بثا فلان على ركبتيه بحثو جثوا وجثيا، إذا بركب على ركبتيه وأنا مله فى حالة توفز، كأنه منتظر لما يكرمه. أى: ونرى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى قشيب من هو له الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها ، وجائية على ركبها، مترقبة لمصيرما فى تليف وخوف فالجملة الكريمة قصور أهواك هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه «يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. والأمر يومئذ فه». وقوله «كل أمة، مبتدأ، وقوله (« تدعى إلى كتابها، خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى- ملائكته بكتابته، لتحاسب عليه وقوله: ((اليوم تجزون ما كنتم تعملون، مقول القول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت : اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر، ويقال لهم - أيضا -: «هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق .. ، أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق ، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناما عليكم. قال القرطى: قوله - تعالى -: ((هذا كتابنا، قيل من قول الله لهم. وقيل من قول الملائكة . (((ينطبق عليكم بالحق)) أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين . وقيل: إنهم يقرمونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم. دليله قوله - تعالى -: ((ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة (١٤ - سورة الجالية) ٢١٠ سورة الجاثية ولا كبيرة إلا أحصاها، وقوله - سبحانه -: ((ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون)) . وقوله: (( ينطق)) فى موضع الحال من الكتاب .. ))(١). وقال الجمل فى حاشيته : فإن قيل : كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله : كل أمة تدعى إلى كتابها ، وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: ((هذا كتابنا، ؟ فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأن كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته)(١) وقوله - سبحانه -: إنا كنا نستنتج ما كنتم تعملون)، تعليل للنطق بالحق أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف ، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالفخ هنا : الإثبات لا الإزالة . ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: « فأما الذين :٠ آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ٠٠٠، أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه . , ذلك، العطاء الجزيل ((هو الفوز المبين، الذى لا يدانيه فوز. (( وأما الذين كفروا، فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر. (( أفلم تكن آباتى تتلى عليكم .. ، أى: أفلم تأتكم رسلى آباقى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآبائى. ,فاستكبرتم، عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم (١) تفسير القرطبى = ١٦ - ١٧٤ (٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ مـ ١٢٠ ٢١١ الجزء الخامس والعشرون ((وكنتم قوما مجرمين، أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإجرام، واجتراح السيئات ، واقتراف المنكرات . ((وإذا قيل، لكم فى الدنيا , إن وعد الله حق)، أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق, والساعة لا ريب فيها، أى: لاشك فيها . ((قلتم. على سبيل العناد والجحود ((ماندرى ما الساعة)) أى: قلتم على سبيل الإفكار لها، والاستبعاد لحصولها : لا نعرف أن هناك شيئاً اسمه الساعة ، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها. « إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين، أى: كنتم فى الدنيا تقولون، لانوقن ولا ؤمن بحدوث الساعة ، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة ، وما نحن بمسقيقنين ياتيانها . ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم ، هو كلام الماكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: « ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ..... ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: ، وبدالهم سيئات ما عملوا ... ، أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم عن حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها ... ((وحاق بهم)، أى: وأحاط ونزل بهم ((ما كانوا به يستهزئون، أى: فى الدنيا ، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك، فزل بهم العذاب المهين، جزاء استهرائهم وأفكارهم . ((وقيل، لهم على سبيل التأنيب والزجر, اليوم نفساكم)، أى: نهملكم ونترككم فى النار, كما نسيتم، أنتم فى الدنيا وأفكرتم، لقاء يومكم هذا)) وهو يوم القيامة ((ومأواكم النار)) أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار، وبئس القرار . ٢١٢ سورة الجاثية ((وما لمكم من ناصرين)) أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير الى. فقال : ((ذائكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ... ». أى: ذلكم الغذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنلكم استهز أتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها ، وكذلكم من جامبها ... ((وغرتكم الحياة الدنيا (( أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتها وشهواتها . («فااليوم لايخرجون منها، أى : من النار . ((ولا هم يستعتبون)) أى: ولاهم يطلب منهم أن يرضوا ربهم ، بأن يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها ... فقوله: ((يستعتبون) من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: معتب عليه يعتب ، إذا وجد عليه، فإذا فاوضته فيما عتب عليه فيه ، قيل : عاقبه ... والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ((فلله الحمد، أى: لقه - تعالى- وحده الحق والثناء («رب السموات ورب الأرض رب العالمين)» لا رب سواء ولا خالق غيره . ((وله الكبرياء، أى: العظمة والسلطان والجلال ,فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم .. قال ابن كثير : أى : هو العظيم الممجدّد الذى كل شىء خاضع ـيه، ٢١٣ الجزء الخامس والعشرون فقير إليه. وفى الحديث الصحيح يقول الله -تعالى -: العظمة إزارى، والكهرباء ردائی ، فمن نازعنی واحدا منهما أسكنته ناری)). ((وهو العزيز)) أى: الذى لا يغالب ولا يمانع))، ((الحكيم) فى أقواله وأنما ه ... (١) . وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة الجاثية،، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله محبه وسلم. د . محمد سيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية القاهرة - مدينة نصر الجمعة مساء: ٩ من ربيع الأول ١٤٠٦ هـ ١٩٨٥/١١/٢٢ م (١) تفسير ابن كثير =٧ ص ٢٠٧. التفسير الوسيط للقرآن الكريم. 1 تفسير سُورَةِ الأَحْقَافُ لفضيلة الدكتور محمد السيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية ( الجزء السادس والعشرون ) ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م مطبعة السَّعَادَة ميدان احمدماهر - شارع الجداوي في ١٢ جهات ٠١٠٧٣٧٩ ٠ ٠ ١١٩٩٧٠ ﴿ رَبََّ تَقَبَلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعِ العَلِيم﴾