النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
الجزء الخامس والعشرون
خلقهما، كما صرح - سبحانه - بذلك فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -:
إن فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولى
الألباب ، (١)
والمراد بالآيات : الدلائل والبراهين الدالة على قدرته - سبحانه -
ووحدانيته .
والدليل الثانى والثالث قوله - تعالى -: «وفى خلفكم وما يبث من دابة
آيات لقوم يوقنون ،
قوله: ((وفى خلقكم، جار ومجرور خبر مقدم، وقوله: « آيات،
مبتدأ مؤخر .
أى: وفى خلقكم - أبها الناس - من نطفة، فعلقة: فمضغة .... إلى أن
نخرجكم من بطون أمهاتكم ... وفيز قبقته وننشره و أو جده من دواب لاتعد
ولا تحصى على ظهر الأرض ،
فى كل ذلك « آيات، بينات، وعلامات واضحات، على كال قدرتنا،
لقوم يوقنون بأن القادر على هذا الخلق، إنما هو الله - تعالى - وحده .
والدليل الرابع قوله - تعالى -: ((واختلاف الليل والنهاو .. ، والمراد
باختلافهما: تفاوتهما طولا وقصرا، وتعاقبهما دون أن يسبق أحدهما الآخر
كما قال - تعالى -: ((لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، ولالليل سابق
النهار ، وكل فى فلك يسبحون، (٢)
وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذى لا ينخرم
دليل على أن هذا الإختلاف ، تدبير من إله قادر حكيم، لا يدخل أفعاله
تفاوت أو اختلال .
(١) سورة آل عمران . الآية ١٩٠
(٢) سورة بس . الآية ٤٠

١٨٢
سورة الجاثية
والدليل الخامس قوله - تعالى -: « وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا
به الأرض بعد موتها ،
وقوله: (( وما أنزل ... ، معطوف على واختلاف)، والمراد من
السماء . جهة العلو .
والمراد بالرزق: المطر الذى ينزل من السحاب، وسمى رزقا لأن المطر
سبب لأرزاق العباد .
أى: ومن الآيات الدالة على قدرته - سبحانه -: إنزاله المطر من السماء.
فينزل على الأرض ، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهج ، بعد أن كانت
جدباء هامدة .
وأما الدليل السادس فهو فى قوله - تعالى -: ((وتصريف الرياح)» :
والمراد بتصريفها: تقليبها فى الجهات المختلفة، ونقلها من حال إلى حال،
وتوجيهها على حسب مشيئته - سبحانه -، فتارة تراها حارة، وتارة تراها
باردة . ..
أى: ومن الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، تقليبه - سبحانه -
للرياح كما يشاء ويختار .
وفى ذلك الذى بيناه لكم. آيات، واضحات على قدر تناء لقوم يعقلون، ذلك
قال الجمل فى حاشيته: وحاصل ماذكر هنا من الدلائل سته، على ثلاث
فواصل: الأولى ((للمؤمنين))، والثانية ((يوقنون)، والثالثة ، يعقلون)).
ووجه التغاير بينها، أن المنصف من نفسه إذا نظر فى السموات والأرض
وأنه لابد لهما من صانع آمن . وإذا نظر خلق نفسه ونحوها، ازداد إيمانا
فأيقن. وإذا نظر فى سائر الحوادث عقل واستحكم عليه. فاختلاف
الفواصل الثلاث، لاختلاف الآيات فى الدقة والظهور، (١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١١٢

١٨٣
الجزء الخامس والعشرون
وما ذكر فى هذه الآيات الكريمة من أدلة ساطعة على قدرة اله ووحدانيته
جاء فى آيات كثيرة، من أجمعها قوله - تعالى -: (إن فى خلق السموات والأرض
واختلاف الليل والنهار، والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس ، وما أزل
ألقه من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها مب كل دابة ،
وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ، لآيات لقوم
يعقلون ،(١).
٥ ٠٥ ٠ C
وبعد أن ذكر - سبحانه - هذه الأدلة الكونية الساطعة التى تحمل الناس
على إخلاص العبادة له وحده ، أتبع ذلك بتهديد الذين عموا عنها ، والذين
اتخذوا آيات الله هزوا ... فقال - تعالى -:
(( تَلَكَ آيَاتُ اللهِ تَتَلُوهَا عليكَ بالحقِ، فِأَىِّ حَديثٍ بَعَدَ اللهِ
وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) ويْلٌ لكُلِّ أفْاكِ أثيمٍ (٧) يَسْعُ آيَاتِ الهِ ثْلَى
عليهِ ثم يُصِرُ مُستكبِراً كَأَنْ لم يَسْمَعْها، فبشِّرَهُ بِعَذَابٍ أَليم (٨) وإذا
عِلِمَ من آياتِنَ شَيْئًاَ اتَخْذَهَا هُزُواً، أولئِكَ لَهُم عَذَابٌ مُبِينٍ (٩) من
ورَائِهِمِ جَهنّمُ ولا يُعْنِى عِنْهُم ما كسبُوا شَيْئًا ولا ما انَخَذُوا من دُوزِ
اللهِ أَوْلياء ولهم عَذَابٌ عَظيمٌ (١٠) هذَا هُدَى والذينَ كَفَرُوا بآياتٍ
اللهِ لهُمْ عِذَابٌ من رِجْز أليمٌ (١١))).
والمراد بالآيات فى قوله - سبحانه -: « تلك آيات الله تتلوها عليك
بالحق ... ،آيات القرآن الكريم، كما فى قوله - تعالى -: «تلك آيات الله
تتلوها عليك بالحق، وإنك لمن المرسلين»(٢).
(١) راجع تفسيرنا لهذه الآية فى سورة البقرة ص ٤٢٦ وما بعدها.
(٢) سورة آل عمران الآية ١٠٨

١٨٤
سورة الجمائية
و «تلك، مبتدأ، و«آيات الله ، خبر و« نتلواها عليك، حال عاملها
مادل عليه, تلك)) من معنى الإشارة.
وقوله (( بالحق)) حال من فاعل ((فتلوها)) أو من مفعوله. أى: فتلوها
محقين ، أو ملتبسة بالحق .
أى: تلك - أيها الرسول الكريم - آيات الله - تعالى - المنزلة إليك،
تتلوها عليك تلاوة ملتبسة بالحق الذى لا يحوم حوله باطل .
وكانت الإشارة للعيد ، لما فى ذلك من معنى الاستقصاء للآيات، ولعلو
شأنها ، وكال معانيها ، والوفاء فى مقاصدها .
وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لأنه هو الذى أنزلها على نبيه - صلى الله
عليه وسلم -، وفى هذه الإضافة ما فيها من التشريف لها , والسمو لمنزلتها.
وجعل - سبحانه - تلاوة جبريل للقرآن تلاوةله، للإشعار بشرف جبريل،
وأنه ما خرج فى تلاوته عما أمره الله - تعالى - به، فهو رسوله الأمين ، إلى
رسله المكرمين.
وقوله - سبحانه -: ((فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون)، تعجيب من
حالهم، حيث أصر هؤلاء الكافرون على كفرهم، مع وضوح البراهين والأدلة
على بطلان ذلك .
أى: فبأى حديث بعد آيات الله المتلوة عليك يؤمن هؤلاء الجاهلون؟
إن عدم إيمانهم بعدظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله ، دليل على أنطماس بصائرهم، واستيلاء العناد والجحود
على قلوبهم .
قال الآلوسی : وقوله : « فبأی حدیث بعد الله وآياته يؤمنون، هو من
باب قولهم : أعجینی زید و کر ،ہ ، یریدون أعجبنی کرم زيد ، إلا أنهم عدلوا
عنه للمبالغة فى الإعجاب ،

١٨٥
الجزء الخامس والعشرون
أى: فبأى حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق يؤمنون. وفيه دلالة
على أنه لا بيان أزيد من هذا البيان، ولا آية أدل من هذه الآية ...
وقال الواحدى: فبأى حديث بعد حديث الله ، أى: القرآن . وقد جاء
إطلاقه عليه فى قوله - تعالى -: ((الله نزل أحسن الحديث ... )، وحسن
الإضمار لقريفة تقدم الحديث .
وقوله , وآياته، عطف عليه لتغايرهما إجمالا وتفصيلا ... والفاء فى جواب
شرط مقدر. والظرف صفة ((حديث))(1).
ثم حدد - سبحانه - هؤلاء المشركين بقوله: «ويل لكل أفاك أثيم).
والويل: لفظ يدل على الشر أو الهلاك . وهو مصدر لا فعل له من لفظه،
وقد يستعمل بدون حرف النداء كماهنا. وقد يستعمل معه كما فى قوله - تعالى -:
(( ياويلنا من بعثنا من مرقدنا ..
والأفاك: هو الإنسان الكثير الإفك وهو أشنع الكذب وأقبحه.
والأثيم: هو الإنسان المرتكب الذنوب والآثام بقلبه وجوارحه، فهو
سىء الظاهر ومىء الباطن.
أى هلاك وعذاب وحسرة يوم القيامة لكل إنسان ينطق بأقبح الأ كاذيب
ويفعل أسوأ السيئات.
هذا الإنسان - أيضا - من صفاته أنه « يسمع آيات الله قتلى عليه))
صباح مساء .
وثم، بعدذلك ديصر، على كفره «مستكها، أى: متكبرا عن الإيمان.
, كأن لم يسمعها، أى: كأنه لم يسمع هذه الآيات، لأنها لم توافق هو أه
أوشهواته. والتعبير بقوله: ( ثم يصر مستكبرا .. )) للتعجيب من حاله ، حيث
يصر على كفره، بعد سماع ما يدعو إلى التخلى عن الكفر ، ويحمل على الدخول
فى الإيمان .
(١) تفسير الآلوسى = ٢٥ ص ١٤٢

١٨٦
سورة الجاثية
والإصرار على الشىء: ملازمته ، وعدم الانفكاك عنه ، مأخوذ من
المصر - بفتح الصاد - وهو الشد. ومنه صرة الدراهم، لأنها مشدودة على
ما بداخلها ...
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى ((ثم)، فى قوله: ((ثم بصير مستكبر)،؟
قلت : كمعناه فى قول القائل: يرى غمرات الموت ثم يزورها :
وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفرار عنها.
وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها، فأمر مستبعد. فمنى (( ثم)):
الايذان بأن فعل المقدم عليها بعدمارآها وعاينها، شىء يستبعد فى الغايات والطباع.
وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من قليت عليه وسمعها: كان
مسبعدا فى العقول إصراره على الضلالة عندها، واستكباره عن الإيمان
وقوله - تعالى -: «فبشره بعذاب أليم، تهكم بهذا الأفاك الأثيم ...
واستهزاء به، لأن البشارة فى الأصل إنما تكون من أجل الخبر السار، الذى
تتهلل له البشرة .
أى فيشره بعذاب أليم ، بسبب إصراره على كفره، واستحبابه العمى
على الهدى .
ثم بين - سبحابه - صفة أخرى من صفات هذا الأفاك الأثيم فقال:
(( وإذا علم من آياتنا شيئا الخها هزوا ... )).
أى: وإذا بلغ هذا الانسان شئ من آباتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا،
بادر إلى الاستهزاء بها والسخرية منها، ولم يكتف بالاستهزاء بما سمعه، بل
استهزأ بالآيات كلها ، الرسوخه فى الكفر والجحود.
والتعبير بقوله: ((وإذا علم ... )) زيادة فى تحقير، وتجهيله، لأن اتخاذه
الآيات هزوا بعد عليه بمصدرها ، يدل على إيفاله فى العناد والضلال .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٨٦

١٨٧
الجزء الخامس والعشرون
وقوله: (( أولئك لهم عذاب مهين، بيان لسوء عاقبته. أى: أولئك الذين
يفعلون ذلك لهم فى الآخرة عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل سخرية العقلاء
واحتقارهم .. من ورائهم جهنم، أى: من قدامهم جهنم لأنهم متوجهون إليها
بعد موتهم ، أو هى من خلفهم لأنهم معرضون عنها ، ومهملون لما يعدهم
عن دخولها ...
والوراء : اسم يستعمل بمعنى الأمام والخلف، لأنه يطلق على الجهة التى
يواريها الشخص ، فتعم الخلف والأمام .
(( ولا يغنى عنهم ماكسبوا شيئا، أى: ولا يدفع عنهم ما كسبوه فى الدنيا
من أموال شيئا من العذاب، ولو كان هذا الشىء يسيرا، كما قال - تعالى -:
(( إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، وأولئك
هم وقود النار )) .
فقوله(( ولا يغنى)) من الغناء - بفتح الغير - بمعنى الدفع والنفع، ومنه
قول الشاعر :
إذا صار ميراثا وواراك لاحد
وقل غناء عنك مال جمعته
((ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء، أى: ولا يغنى عنهم - أيضا -
ما اتخذوه من دون الله - تعالى - من معبودات باطلة.
و((ما، فى قوله « ماكسبوا)، و«ما اتخذوا، موصولة والعائد محذوف.
ويصح أن تكون فى الموضعين مصدرية .
(( ولهم عذاب عظيم، لا يعلم مقدارشدته وهو له إلا القه - تعالى - وحده .
والإشارة فى قوله - تعالى - ((هذا هدى، تعود إلى القرآن الكريم.
والهدى مصدر هداه إلى الشىء إذا دله وأرشده إليه .
أى: هذا القرآن الذى أوحينا إليك يا محمد، فى أعلى درجات الهداية وأكملها.
((والذين كفروا بآيات ربهم، الدالة على وجوب إخلاص العبادد له.
« لهم عذاب مزرجز أليم، والرجز: يطلق على أشد أنواع العذاب ..

١٨٨
سورة الجاثية
أى : لهم أشد أنواع العذاب، وأكثره إيلاما وإهانة.
وجمهور القراء قرأ(( أليم، بالخفض على أنه نعت لقوله ((رجزء وقرأ
ابن كثير وحفص عن عاصم, أليم، بالرفع، على أنه صفة لعذاب.
وهذه الآيات تهديد لكل من كانت فيه هذه الصفات التى منها: كثرة
الكذب ، وكثرة اقتراف السيئات، والإصرار على الباطل ... ويدخل فى هذا
التهديد دخولا أوليا، النضر بن الحارث، الذى كان يشترى أحاديث
الأعاجم ليشغل بها الناس عن سماع القرآن ، والذى قبل إن هذه الآيات قد
نزلت فيه
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد هذا التهديد الشديد للأفاكين ... إلى بيان
جانب من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على عباده، ودعت المؤمنين إلى
الصبر والصفح ، فقال - تعالى - :
(اللهُ الذى سخّرَ لكُمُ البحرَ نِجرىَ الفلكُ فيه بِأَمْرِهِ، وَلِتَدْلَغُوا
مِنْ فضلهِ، ولعلكُمْتَشْكُرُونَ (١٢) وسخّر اكُم ما فى السمواتِ وما فى
الْأرْضِ جَمِيعاً منهُ، إنَّ فى ذلكَ لَآياتٍ لَقَوْمٍ يتفكّرُونَ (١٣) قُلْ
لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَنَفِرُ واللَّذِينَ لايرِجُونَ أَيَّامَ اللهِ، لِيَجزىَ قوماًبما كانوا
يكسِبُونَ (١٤) مَن ◌َمِلِ صَلَاً فِلِنَفَسِه، ومَن أساء فعلَيْهَاَ، ثُمَّ إلى
رَبِكُمْ تُجَّعُونَ (١٥))).
وقوله - تعالى -: ((سخر)، من التسخير بمعنى التذليل والتفسير. يقال:
سخر الله - تعالى - الإبل للإنسان، إذا ذلتلها له، وحعلها منقادة لأمره.
أى: الله - تعالى- وحده، هو الذى بقدرته ورحمتة ((سخر لكم البحر))

١٨٩
الجزء الخامس والعشرون
بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته ، وبأن جعله على هذه الصفة التى
تستطيعون معها استخراج ما فيه من خيرات .
وقوله: ((لتجرى الفلك فيه بأمره، ولتبتغوا من فضله ... )) بيان لبعض
الأسباب التى من أجلها جعل الله - تعالى - البحر على هذه الصفة.
أى: جعل لكم البحر على هذه الصفة ، لكى تتمكن السفن من الجرى فيه
بأمره - تعالى - وقدرته، ولتطلبوا ما فيه من خيرات، تارة عن طريق
استخراج ما فيه من كنوز، ونارة عن طريق التجارة فيها ... وكل ذلك
بتیسیر الله - تعالی ۔ و فضله ورحمته بكم
وقوله: (( ولعلكم تشكرون، متعلق بمحذوف. أى: أعطاكم ما أعطاكم
من النعم ، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجري فيه وأنتم فى
سفنكم، ومن إستخراج ما فيه من خيرات ... لعلكم بعد ذلك تشكرون الله
- تعالى - على هذه النعم، تستعملونها فيما خلقت من أجله .
وقوله - تعالى -: ((وسخر لكم ما فى السموات وما في الأرض جميعاً
منه ... ، تعميم بعد تخصيص .
أى : يسر لكم الانتفاع بما فى البحر من خيرات، ويسرلكم - أيضاً -
الانتفاع بكل ما فى السموات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى ، وكلها منه
- تعالى - وحده، لا من أحد سواه .
فقوله: ((جميعا، حال من ((وما فى الأرض،، أو تأكيد له. والضمير
فى قوله - تعالى - ((منه ، يعود إلى الله - عز وجل -، والجار المجرورحال من
, ماء - أيضا، أى: جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى «منه، فى قوله: «جميعا
منه ، ؟ وما موقعها من الإعراب؟

١٩٠
سورة الجائيه
قلت: هى واقعة موقع الحال . والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه
وحاصلة من عنده . يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها
لخلقه. ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هى جميعا منه.) (١)
(( إن فى ذلك، المذكور من تسخير البحر وما فى السموات والأرض
لكم ، لآيات، ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بينات، على وحدانية
الله - تعالى - وقدرته وفضله لقوم يتفكرون)) فى هذه النعم، ويحسنون
شكرها .
وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من
نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الفان، إلى مرحلة اليقين ،
التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو أن رب العالمين.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحض المؤمنين على
التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة، ومن أفعال
قبيحة، حتى بأنى الله بأمره ... فقال - تعالى -: ((قل للذين آمنون يغفروا
للذين لا يرجون أيام الله ... ،
وقد ذكر المفسرون فی سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما روى عن
ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب ، شتمة مشرك بمكة قبل الهجرة فهم
أن يبطش بة ، فنزلت ... (٢)
ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه. والرجاء هنا : بمعنى
الخوف. والمراد بأيام الله: وقائعه بأعدائه .
أى: قل - أبها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين، على سبيل النصح
والإرشاد، قل لهم: اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله
(١) تفسير الكشاف - ٤ ص ٢٨٨
(٢) راجع تفسير الألوسى = ٢٥ ص ١٤٦

١٩١
الجزء الخامس والعشرون
وفقمه بأعدائه ، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرم، وأن هناك
نوابا عظيما سينتظر المؤمنين
فالآية الكريمة توجيه حكيم المؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد
أعدائهم ، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره، الذى فيه النصر للمؤمنين ، والخسران
للكافرين .
وقوله - سبحانه -: ((ليجزى قوما بما كانوا يكسبون)) علة للأمر بالصفح
والمغفرة، وهو متعلق بما قبله، والمراد بالقوم: المؤمنون الذين أمروا
بالتسامح والعفو ... والتنكير فى لفظ ((قومه، للتعظيم.
أى : أمر الله المؤمنين بذلك، ليجزبهم يوم القيامة بما كسبوا فى الدنيا
من الأعمال الصالحة ، التى منها الصبر على أذى أعدائهم، والإغضاء عنهم،
وإحتمال المكروه منهم .
قال صاحب الكشاف: قوله: ((ليجرى قوما .. ، تعليل للأمر بالمغفرة
أى إنما أمروا بأن يغفروا، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم
القيامة .
فإن قلت: قوله: ((قوما، ما وجه تفكيره، وإنما أراد الذين آمنوا وم
معارف ؟
قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم . كأنه قيل: ليجزى ايما قوم . أو
أو قوما مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى
ما كانوا يجرعونهم من القصص ، (١)
ثم عقب - سبحانه - على ذلك بما يؤكد عداله الجزاء، واحتمال كل نفس
لما تعمله فقال: ((من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ... »
أى: من عمل عملا صالحا، فتواب هذا العمل يعود إلى نفسه، ومن عمل
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٢٨٨

١٩٢
سورة الجاثية
عملا سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها - أيضا -
ثم إلى ربكم ترجعون) يوم القيامه فترون ذلك رأى العين، وتشاهدون
أن كل إنسان -وف يجازى على حسب عمله، إن خبرا فخير، وإن
شراً قدر .
ثم إنتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - تعالى - على بنى
إسرائيل، وعن موقفهم منها، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن
يتمسك بالشريعة التى أنزلها الله - تعالى - عليه ... فقال
((ولقَدْ آتَيْنَ بِى إِسْرَائِيلَ الكتابَ والحكْمَ والنُّبُوَّةَ، ورزَفَنَمٌ
من الطَّيباتِ وفضَّلِنَهُ عَلَى العالمينَ (١٦) وآتيناَمُ بيِّنَاتٍ من الأمرِ،
فَ اخْتَلِفُوا إِلاَّ مِنْ بعدِ ما جاءهُ العِلْمُ بَغَيّاً بِينَهُم ، إنَّ ربْكَ يَقْضِى
بِعْتْهُم يَوْمِ القيامةِ فيماَ كانُوا فِيهِ يَخْتلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جملنَكَ على شريعةٍ
من الأمرِ فاتَِّها، ولا تَتَّبِع أهواء الذين لا يعلمونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ
يُغْنُوا عَنْكَ من اللّهِ شَيئاً، وإنَّ الَّالمينَ بعضُهُمْ أَولياءِ بَعضٍ، والله
ولىُ المتقينَ (١٩) هذا بصائِرَ للنَّاسِ وهُدَى ورَحمةٌ لَقَومِ يوقِنَوزَ (٢٠)»
والمراد بإسرائيل: يعقوب - عليه السلام، وببنية: ذريته من بعده.
والمراد بالكتاب: التوراة. أو جف الكتاب فيشمل التوراة والإنجيل
والزبور .
أى: والله لقد أعطينا بنى إسرائيل , الكتاب، ليكون مداية لهم،
وآتيناهم - أيضا -(( الحكم)، أى: الفقه والفهم الأحكام حتى يتمكنوا من
القضاء بين الناس، وأعطيناهم كذلك «الخبوز، بأن جعلنا عددا كبرا من
الأنبياء فيهم ومنهم .

١٩٣
الجزء الخامس والعشرون
وهكذا منحهم - سبحانه - فيما عظمى تتعلق بدينهم ، أما النعم التى تتعلق
بدفياهم فقد بينها - سبحانه - فى قوله: (( ورزقناهم من الطيبات، أى: ورزقنام
من المطاعم والمشارب الطيبات التى جعلناها حلالا لهم:
وقوله:, وفضلناهم على العالمين)) بيان لنعمة أخرى. والمفسرين فى معنى
هذه الجملة اتجاهان: أحدهما : أن المقصود بها فضلناهم على العالمين بأمور معينة
حيث جعلنا عددا من الأنبياء منهم، وأنزلنا المن والسلوى عليهم .
قال الآلوسي: قوله : . وفضلناهم على العالمين، حيث آتيناهم ما لم تؤت
غيرهم من فلق البحر، وإظلال الغمام، ونظائرهما، فالمراد تفضيلهم على العالمين
مطلقا من بعض الوجوه، لا من كلها، ولا من جهة المرتبة والثواب . فلا ينافى
ذلك تفضيل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم .. عليهم من وجه آخر، ومن جهة
المرتبة والثواب ... ، (١)
والثاني : أن المقصود بها : فضلناهم على عالمى زمانهم ...
قال الإمام الرزاى ، ما ملخصه : فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين ،
يقتضى تفضيلهم على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهذا باطل، فكيف
الجواب ؟
قلنا : الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على .
عالمى ومانكم، وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس
بموجود، لم يكن من جملة العالمين حال عدمه، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم-
لم تكن موجودة فى ذلك الوقت ، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل
العالمين فى ذلك الوقت، أنهم أفضل من الأمة الإسلامية ... ، (٢).
(١) تفسير الآلوسي ج ٢٥ ص ٠١٤٨
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠٣٥٥
(١٣ - سورة الجاثية)

١٩٤
سورة الجاتيه
وقال الشيخ الشنقطيطى ما ملخصه: قوله - تعالى -: «وفضلناهم على
العالمين ) .
ذكر - سبحانه - فى هذه الآية أنه فضل بنى إسرائيل على العالمين، كماذكر
ذلك فى آيات أخرى ... ولكن الله - تعالى - بين أن أمة محمد - صلى الله عليه
وسلم - خير من بنى إسرائيل، وأكرم على الله، كماصرح بذلك فى قوله :
· كنتم خير أمة أخرجت للناس ... ،
غير صيغة تفضيل، والآية نص صريح فى أنهم خير من جميع الأمم
بنى إسرائيل وغيرهم .
ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيرى، أن النى - صلى الله
عليه وسلم - قال فى أمته: أنتم توفون سبين أمة. أنتم خيرها وأكرمها على افه،
وقدراه عند الإمام أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وهو حديث
مشهور ...
واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإسلامية أفضل من بنى إسرائيل
وغيرهم ، لا يعارض ما ورد من آيات فى تفضيل بنى إسرائيل .
لأن ذلك التفضيل الوارد فى بنى إسرائيل ، ذكر فيهم حال عدم وجود
أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمعدوم فى حال عدمه ليس بشىء حتى يفضل
على غيره، أو يفضل غيره عليه .
ولكنه - تعالى - بعد وجود الأمة الإسلامية صرح بأنها خير الأمم.
فثبت أن كل ما جاء فى القرآن من تفضيل بنى إسرائيل ، إنما يراد به ذكر
أحوال سابقة ... » (١) .
وهذا الاتجاه الثانى هو الذى ترجحه، لأن المقصود بالآية الكريمة
وأمثالها، تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - بنعم الله
عليهم وعلى آبائهم ، حتى يشكروه عليها .
(١) راجع تفسير أضواء البيان - ٧ ص ٥١

١٩٥
الجزء الخامس والعشرون
ومن مظاهر هذا الشكر - بل على رأسه - إيمانهم بما جاءهم به التي
- صلى الله عليه وسلم -...
« ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا تلك النعم بالشكر، بل قابلوها بالجحود
والحسد للنى - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله - تعالى - من فضله، فكانت
نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير
وعبد الطاغوت ...
ولقد سبق أن قلنا عند تفسير نا لقوله - تعالى - فى سورة البقرة: ((وأنى
فضلتكم على العالمين ).
٠
((والعبرة التى تستخلصها من هذه الآية وأمثالها: أن الله - تعالى - فضل
بنى إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية، ومنحهم الكثير
من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر ... فسلب الله عنهم ما حباهم به من
نعم . ووصفهم فى كتابه بنقض العهد، وقسوة القلب ...
وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله، كفرا، لأن الميزان عند الله التقوى
والعمل الصالح. وليس الجنس أو اللون أو النسب،(١).
ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من النعم التي أنعم بها على بنى إسرائيل فقال:
(( وآتيناهم بينات من الأمر ... )) والبينات جمع بينة، وهى الدليل الواضح
الصريح . و «من، بمعنى فى .
أى: وأعطيناهم - فضلا عن كل ماسبق - دلائل واضحة، وشرائع بينة
تتعلق بأمر دينهم، بأن فصلنا لهم الحلال والحرام، والجمن والقبيح ، والحق
والباطل ، فصاروا بذلك على علم قام بشريمتهم ، بحميت لا يخفى عليهم فى ما
اشتملت عليه من أوامر أو فواهى، أو جلال أو حرام ...
(١) راجع تفسيرنا لسورة البقرة ص ١٤٥

١٩٦
سورة الجاثية
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة أن الله - تعالى - قد أعطاهم شريعة واضحة
لا غموض فيها ولا التباس ، ولا عوج فيها ولا انحراف .
بل إن شريعتهم قد أخبرتهم عن طريق رسلهم بمبعث النبي - صلى الله
عليه وسلم -، وبوجوب إيمانهم به عند ظهوره، ومن ذلك قوله - تعالى -
( وإذ قال عيسى ابن مريم يابنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم، مصدقا لما بين
يدى من التوراة ، ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد ؛ فلما جاءهم
بالبينات قالوا هذا سحر مبين))(١) .
ثم بين - سبحانه - الموقف القبيح الذى وقفه بنوا إسرائيل من نعم الله
عليهم فقال : فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ... »
والبغى: تجاوز الحق إلى الباطل فى كل شىء. يقال بغت المرأة إذا أتت
مالا يحل لها ، وبغى فلان على فلان إذا اعتدى عليه، ومنه قوله - تعالى - :
(فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تنى إلى أمر الله)).
والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات، وقوله « بنيا)
مفعول لأجله .
أى : أن بنى إسرائيل أفعمنا عليهم بتلك النعم الدينية والدنيونية ، فا
اختلفوا فى أمور دينهم التى وضحناها لهم، إلا عن على لا عن جهل ، ولم يكن
خلافهم فى حال من الأحوال إلا من أجل البغى والحسد فيما بينهم ، لا من
أجل الوصول إلى الحق .
فأنت ترى أن الجملة الكريمة توبخ بنى إسرائيل توبيخاً شديدا، لأنها
بينت أن خلافهم لم يكن عن جهل؛ وإنما كان عن على، والاختلاف بعد العلم
بالحق أقبح وأشنع، وأن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ،
وإنما كان سببه البغى والحسد ...
(١) سورة الصف . الآية ٦

١٩٧
الجزء الخامس والعشرون
فهم قد اختلفوا فى الحق مع علمهم به ، لأن العلم كالمطر، لا تستفيد منه
إلا الأرض الطيبة النقية ، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس
الصافية، والقلوب الواعية ... والنفوس عندما يستولى عليها الهوى ، تحول
المقتضى إلى مانع.
ورحم الله الإمام الرازى فقد قال عند، تفسيره لهذه الآية ١٠ ملخصه:
والمقصود من هذه الجملة، التعجب من أحوالهم ، لأن حصول العلم يوجب
ارتفاع الخلاف، وها هنا صار مجىء العلم سببا لحصول الاختلاف ، وذلك
لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود منه صلب الرياسة
والبغى .... (١) .
وقوله - تعالى -: ((إن ربك يقصى بينهم يوم القيامة .... بيان لحكم الله
العادل فيهم .
. أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - يقضى بين هؤلاء المختلفين يوم
القيامة ، بقضائه العادل ، بأن ينزل بهم العقاب الذى يستحقونه بسبب ما كانوا
يختلفون فيه من أمر الدين ، الذى جعل الله أحكامه واضحة لهم ، ولا تحتمل
الاختلاف أو التنازع .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالدين
الذى أو حاه إليه، فقال: (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها .. )).
والشريعة فى الأصل تطلق على المياه والأنهار التى يقصدها الناس للشرب
منها ، والمراد بها هنا: الدين والملة ، لأن الناس يأخذون منهما ما نحيا به
أرواحهم , كما يأخذون من المياه والأنهار ما تحيا به أبدانهم.
قال القرطبى : الشريعة فى اللغة : المذهب والملة . ويقال لمشرعة الماء
- وهى مورد الشاربة - شريعة. ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد.
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٤٦٧

١٩٨
سورة الجاثية
فالشريعة : ماشرع الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع. والشرائع فى الدين
المذاهب التى شرعها الله - تعالى - لخلقه،(١).
أى : ثم جعلناك - أيها الرسول الكريم - على شريعة ثابتة، وسنة قويمة،
وطريقة حميدة، من أمر الدين الذى أوحيناه إليك، ((فاتبعها، اتباعا قامه
لا انحراف عنه ((ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، من أهل الكفر
والضلال والجهل ...
وقد ذكروا أن كفار قريش قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - ارجع إلى
دين آبائك ، فإنهم كانوا أفضل منك ، فتزات هذه الآية.
وقوله - سبحانه -: ((إنهم أن يغنو عنك من الله سيئا ... ، تمليل للنهى
عن اتباع أهوائهم ...
أى: إنك - أيها الرسول الكريم - إن اتبعت أهواء هؤلاء الضالين،
صرت مستحقا لمؤاخذتنا ، ولن يستطيع هؤلاء أو غيرهم، أن يدفع عنك
شيئا ما أراده الله - تعالى - بك ...
(( وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض أى: بعضهم نصرا. بعض فى الدنيا،
أما فى الآخرة فولايتهم تنقلب إلى عداوة .
(((والله)) - تعالى - هو « ولى المتقين، الذين أنت إمامهم وقدرتهم،
ثأثبت على شريعتنا التى أوحيناها إليك ، لتنال ما أنت أهله من رضانا
وعطائنا ...
ثم أثنى - سبحانه - على القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه
وسلم - فقال. (« هذا بضائر للناس وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)).
والبصائر: جمع بصيرة. وهى للقلب بمنزلة البصر للعين . فهى النور
(١) تفسير القرطبى = ١٦ ص ١٦٣

١٩٩
الجزء الخامس والعشرون
الذى يبصر به القلب حدايته، كما أن البصر هو النور الذى تبصر به العين
طريقها .
وقوله:« هذا، مبتدأ. وبصائر خبره. وجمع الخبر باعتبار ما فى القرآن
من تعدد الابات والبراهين .
أى: هذا القرآن الذى أنزلناه إليك - أيها الرسول الكريم - «بصائر
الناس ، لأن مافيه من حجج وبراهين ، تكشف للقلب طريق الحق، كما تكشف
العين للإنسان مساره وهو - أيضا «هدى، أى: هداية عظيمة إلى الرشاد
والسعادة ((ورحمة)) واسعة ((لقوم يوقنون)) أى: لقوم من شأنهم الإبقان
بأنه من عند اقه - تعالى -، وبأنك - أيها الرسول الكريم - صادق فيما
تبلغه عن ربك.
وخص الموقنين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بحجج القرآن الكريم،
وبهداياته ، أما الذين فى قلوبهم مرض أو شلك، فإنهم لا ينتفعون بذلك.
قال - تعالى -: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه
إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين فى
قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وم كافرون))(١).
وقال - سبحانه -: ((قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين
لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون "من مكان
بعيد)) (٢) .
(١) سورة التوبة الآية ١٢٥٠١٢٤
(٢) سورة فصلت الآية ٤٤

٢٠٠
سورة الجائية
ثم فرقت السورة الكريمة بين حال الذين يحترحون السيئات ، وحال
الذين يعملون الصالحات، وحكت جانبا من أقوال المشركين . وردت عليهم
بما يبطلها . فقال - تعالى -:
((أمْ حَسِبَ الذينَ اجَرِحِوا السَّيئاتِ أن نجعلَهُم كالذِينَ آمَنُوا
وعمِلُوا الصَّالحاتِ، سَواءٍ تحيامُ وتَماتُهم، ساء ما يحُكُمونَ (٢١)
وخلَقَ اللّهُ السَّمواتِ والْأرْضَ بالحقِّ، ولِتُجْزى كلُّ نَفْسٍ بما
كَبَتْ وُ لَا يُظْلَمونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلههُ هَوَاءُ، وأَضَلَّه
اللهُ عَى علمٍ، وختَم على سْعِهِ وقَلِهِ، وجَعَلَ عَلَى بِصَرِهِ غِشَاوَةٌ، فَمن
تهدِيهِ مِنْ بَعَدِ اللهِ أفلاَ تذكَّرُونَ (٢٣) وقالُوا ماَ هِىَ إلاَّ حباتُنَاَ
الدُّنياً نموتُ ونحياً، وما يُهُلِكُنَاَ إلَّ الدَّهْر، وما لُم بذلِكَ مِنْ علم.
إِنْ فَ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وإذَا ثْلَى عليْهِمِ آيَاتُنَ ببناتٍ ما كانَ حُجّهم
إِلاَ اُنْ قالُوا اثْتُوا بآبائِنا إنْ کتُم صادِقِينَ (٢٥) قُلِ الله يُحِكُم م
يميتكُ، ثمَّ يَجْمُكُم إلى يومِ القيامةِ لاَ ريبَ فيهِ، ولكنَّ أ كثَر
النَّاسِ لا يَعَلَمُونَ (٢٦))).
(((وأم) فى قوله - تعالى -: ((أم حسب الذين اجترحوا السيئات ... ))
منقطعة، ، وتقدر بيل والهمزة، وما فيها من معنى بل الانتقال من البيان
الأول إلى الثانى، والهمزة لإنكار الحسبان .
والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجارحة للأعضاء التى يكتسب بها كالأيدى.
وبقال: فلان جارحة أهله، أى: هو الذى يكتسب لهم أرزاقهم ....
وحسب فعل ماض، والذين فاعله، وجملة ((أن تجعلهم ... ، سادة مسد
المفعولين .