النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الجزء الخامس والعشرون وقت فيه بأمر الله يا عمرا حملت أمرا عظيما فاصطبرت له تبكى عليك نجوم الليل والقمرا الشمس طالعة ليست بكافة وقالت ليلى بنت طريف الخارجية ، ترتى أخاها الوليد : كأنك لم تجزع على ابن طريف أيا شجر الخابور مالك مورقا وذلك على سبيل التمثيل والتخيل ، مبالغة فى وجوب الجزع والبكاء عليه ... وفى الآية تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه : بكت عليه السماء والأرض ... يعنى: فما بكى عليهم أهل السماء والأرض، جل كافوا بهلا كهم مسرورين ... ، (١). وقال الإمام ابن كثير: وقوله: ((فما بكت عليهم السماء والأرض .... أى: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد فى أبواب السماء فتبكى على فقدهم، ولالهم بقاع فى الأرض عبدوا الله فيها ففقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا ... أسم. ساق - رحمه الله - جملة من الأحاديث منها ما أخرجه ابن جرير عن شريح بن عبيد الحضرمى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعودغريبا، ألا لاغربة مؤمن مامات مؤمن فى غربة غابت عنه فيها بواكيه. إلا بكت عليه السماء والأرض. ثم قرأ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية. ثم قال: إنهما لا يبكيان على الكافرين)،(٢). ثم بين - سبحانه - جانبا من نعمه على بنى إسرائيل فقال: «ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين». أى: والله لقد نجينا - بفضلنا ورحمتنا - بنى إسرائيل من العذاب المهين، (١) راجع تفسير الكشاف وحاشيته ج ٤ ص ٠٢٧١ (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ٧ ص ٢٣٩. (١١ - سورة الدخان) ١٦٢ سور . .-- ں الذى كان ينزله بهم أعداؤهم، كقتلهم للذكور ، واستبقائهم الإناث ... وقوله: ((من فرعون)) بدل من العذاب على حذف المضاف، والتقدير: · من عذاب فرعون ... أو على المبالغة كأن فرعون نفس العذاب ، لإفراطه فى تعذيبهم وإهاتهم . ثم بين - سبحانه - حال فرعون فقال: ((إنه كان عالياً من المسرفين)» أى: بجيناهم من فرعون الذى كان متكبرا متجبرا، ومن المسرفين فى فعله الشرور ، وفى ارتكاب القبائح ... ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من إكرامه لبنى إسرائيل فقال: «ولقده. اختر ناهم على علم على العالمين، . والاختيار: الاصطفاء على جيل القشريف والتكريم. أى ولقداصطفينا. بنى إسرائيل على عالمى زمانهم ، ونحن عالمون بذلك علما اقتضته حكمتنا .. ورجتنا . فقوله: على علم) فى موضع الحال من الفاعل. والمراد بالعالمين: أهل زمانهم المعاصرين لهم، بدليل قوله - تعالى- فى الأمة الإسلامية: ((كنتم خير أخرجت للناس ... )). وهذا الاصطفاء والاختيار، إنما مرده إلى من يعمل منهم عملا سالماء، أما الذين لم يعملواذلك فلامزية لهم ولا فضل، ولذا نجد كثيراً من الآيات تذم" من يستحق الذم منهم . ومن ذلك قوله - تعالى -: ((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون، عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون،(١). (١) سورة المائدة الآية ٧٩،٧٨ : ١٦٣ الجزء الخامس والعشرون ثم بين - سبحانه - بعض المعجزات التى جاءتهم على أيدى رسلهم فقال: « وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين)). أى: وأعطيناهم من المعجزات الدالة على صدق رسلهم كموسى وعيسى وغيرهما ، ما فيه بلاء مبين. ٠ أى: ما فيه اختبار وامتحان ظاهر ، ليتميز الخبيث من الطيب، والكافر من المؤمن . ومن هذه الآيات: فلق البحر بالنسبة لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص .. بالنسبة لعيسى . ومن هذه الآيات الكريمة نری جانبا من قصة موسى - عليه السلام-، وكيف أنه بلغ رسالة ربه على أكمل وجه ، وسلك مع فرعون وقومه أحكم السبل فى الدعوة إلى الحق ... كما نرى فيها فضل الله - تعالى - على نبيه، "وعلى بنى إسرائيل، حيث نجام من ظلم فرعون وطفيانه ، وأهلكه ومن معه أمام أعينهم ، وأورثهم كنوز أعدائهم ... ٠٠٠ ويعد هذا الحديث عن مسوى - عليه السلام، وعن قومه ، وعن فرعون وشيعته ... بعد كل ذلك أنتقلت السورة ، للحديث عن موقف المشركين من قضية البعث والنشور ((وردت عليهم بما يدل على إمكانية البعث وصحته . وأنه واقع لامحالة ، وبينت سوء عاقبة من بنسكر ذلك ، ومن يصر على كفره وججودہ ، فقال - تعالی ۔: ((( إِنَّ هؤلاء لَيقولُونَ (٣٤) إِنْ مَ إلاَّ مَوتَذَنَاَ الأولَى وما نحنُ يمِنشَرين (٣٥) فأتوا بآبائياً إنْ كَنَّم مادِفِينَ (٣٦) أم خيرٌ أَمْ قَومُ ١٦٤ سورة اس سى تُبَّعٍ ، الذينَ من قبليِم أهْلكنَّم، إنّهم كانُوا مُجرِمينَ (٣٧) وما خلقاً السَّمواتِ والأرضَ وما يَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلقناهما إلاَّ بالحقّ ولكنَّ أكثرَمَ لَا يَعَلَمونَ (٣٩) إِنَّ يومَ الفَصلِ مِيقَتُهُم أجَمِينَ(٤٠) يومَ لا يُغْنِى مَوْلَى عَنْ مولى شيئاً ولامُ يُنَصَرُونَ (٤١) إِلَّ من رَحِمَ الله إنّهُ هو العزيزُ الرحيمُ (٤٢) إِنَّ شجَرَةَ الزَّقُومَ (٤٣) طعامٌ الأثيمِ (٤٤) كالمهلِ يَغْلِىِ فى الْبُطونِ (٤٥) كَغْليِ الحسيمِ (٢٦) خذُوهُ فاعْتِلُوه إِلَى سواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثمّ صُبُوا فوقَ رَأْسِهِ من عذابٍ الحميم (٤٨) ذُقْ إنَّكَ أنتَ العزيزِ الكريمُ (٤٩) إنّ هذا ما كنتُم به عترُونَ (٥٠))). واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: «إن هؤلاء ليقولون)، يعود إلى مشركى مكة، الذين سبق الحديث عنهم فى قوله - تعالى -: (( بل هم فى شك يلعبون .. إلخ. وذكر سبحانه - قصة فرعون وقومه فى الموسط ، للإشارة إلى التشابه بين الفريقين فى التكذيب للحق ، وفى الإصرار على الضلال . وكانت الإشارة للقريب. لتحقيرهم والتهوين من شأنهم. و ((إن)) فى قوله - تعالى - ((إن هى إلا مونقنا الأولى ... ، نافية.أى: إن هؤلاء الكافرين ليقولون على سبيل الجزم والتكذيب للبعث: ما الموتة التى نموتها فى نهاية حياتنا الدنيوية ، إلا الموتة النهائية لا حياة بعدها ولا بعث ولا نشور . ومرادهم من الأولى : السابقة المتقدمة على الموعد الذى يوعدونه للبحث والنشور . قال بعض العلماء : وذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين . ١٦٥ الجزء الخامس والعشرون الأولى منهما الموت ، والأخرى حياة البعث، أثبتوا الحالة الأولى وهى ١ الموت، وتفوا ما بعدها. وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أنه لا شىء بعدها، لأنهم نزلوا جحدهم على الإثبات يعلوها أولى على ما ذكرت لهم ... ،(١) وقوله: (( وما نحن بمنشرين)، تأكيد لما سبقه. أى: قالوا ليس هناك من موت سوى الموت المزيل لحياتنا ، ثم لا بعث ولا حساب ولا نشور بعد ذلك . يقال: أنشر الله - تعالى - الموتى نشورا، إذا أحياهم بعد موتهم ، فهم منشرون . ثم بين - سبحانه - مطالبهم المتعنته، وأدلتهم الباطلة فقال: «فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين». والفاء للافصاح، والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين الذين كانوا يؤمنون بالبعث . أى: أن هؤلاء الكافرين قالوا - أيضا - الرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين: إن كان الأمر كما تقولون من أن هناك بعنا وحسابا ... فأعيدوا الحياة إلى آبائنا الأولين، واجعلوهم يخرجون إلينا مرة لنراهم. وقوله - سبحانه -: « أهم خير أم قوم تبع ... ، تهديد لهم على جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم . والمراد بقبع: أبو كرب أسعد بن مليك، ويسمى بتبع الحميرى . وهو أحد ملوك حمير . وكان مؤمنا، وقومه كانوا كافرين فأهلكهم الله. وإليه ينسب الأنمار، (١) راجع تفسير الكشاف وحاشيته حـ ٤ ــ ٢٧٩. ١٦٦ سورة الدخان ولفظ (( تبع، يعتبر لقيا لسكل ملك من ملوك اليمن، كما أن لقب فرعون يعتبر ملكا لمصر .. (١). أى: إن هؤلاء الكافرين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - ليسوا خيرا من قوم تبع ، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جما ، فلما لجوا فى حفيانهم أهلكهم الله - تعالى - وإن مصير هؤلاء المشركين - إذا ما استمروا فى عنادهم - سيكون كمصير قوم تبع .. فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين من التمادى فى الضلال، لأن هذا التمادى سيؤدى بهم إلى الخسران، كما هو حال قوم تبع الذين لا يخفى أمرهم عليهم . والمراد بمن قبلهم فى قوله - تعالى -: (( والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين،: الأقوام السابقون على قوم تبع ، كقوم عاد وثمود وغيرهم . أو على هؤلاء الكافرين المعاصر بن للنبى - صلى الله عليه وسلم -. أى: والذين من قبل قوم تبع أو من قبل قومك من الظالمين ، أهلكناهم لأنهم كانوا قوما مجرمين . ثم لفت - سبحانه - أنظار الناس إلى التفكر فى خلق السموات والأرض فقال: (( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما .. )) من مخلوقات لا يعلمها إلا الله - تعالى - ما خلفا ذلك ((لاعبين، أى: عابتين أو لغيرُ غرضٍ صحيح. وقوله - تعالى -: ((ما خلقناهما إلا بالحق، استثناء مفرغ من أعم الأحوال . أى: ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالحق ، مؤيدا بالحكمة .. « ولكن أكثرهم لا يعلمون، ذلك، لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٠٢٤٢٥٧ ١٦٧ الجزء الخامس والعشرون ثم بين - سبحانه - أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، وسيحكم - سبحانه - فى هذا اليوم بين الناس بحكمه العادل فقال: « إن يوم الفصل، وهو يوم القيامة الذى يفصل فيه الله - عز وجل - بين المحق والمبطل، وبين المهتدى والضال ... هذا اليوم ((ميقاتهم أجمعين، أى: وقت اجتماعهم للحساب جميعاً دون أن بتخلف منهم أحد . ثم وصف - سبحانه - هذا اليوم بقوله: (( يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون ). وقوله: (( يوم لا يغنى .. )) بدل من يوم الفصل. والمولى : يطلق على القريب والصديق والناصر .. أى : فى هذا اليوم، وهو يوم الفصل ، لن يستطيع قريب أن ينفع قريبه، أو صديق أن ينفع صديقه شيئًا من النفع، ولا هم ينصرون من عذاب الله - تعالى - إذا ما أراد - سبحانه - إنزال عذابه بهم. وقوله: (( إلا من رحم الله .. ) فى محل رفع على أنه بدل من ضمير ((بنصرون)). أو فى محل نصب على الاستثناء منه أى: لا يستطيع صديق أن يدفع العذاب عن صديقه ، ولا قريب أن ينفع قريبه أو ينصره ، إلا من رحمه الله - تعالى -، وذلك بأن يعفو - سبحانه - عنه، أو يقبل شفاعة غيره فيه . (((إِنه، - سبحانه - «هو العزيز، الذى لا يغلب ((الرحيم، الذى وسعت رحمته كل شىء . تم بين - سبحانه - طعام أهل النار وحالهم يوم القيامة فقال: « إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم . كالمهل يغلى فى البطون . كغلى الحميم .. ، والمراد بشجرة الزقوم : الشجرة التى خلقها الله - تعالى - فى جهنم ، ١٦٨ سورة الدخان وسماها الشجرة الملحونة، ليكون طعام أهل القار منها . ولفظ الزقوم : اسم لتلك الشجرة ، أو من الزقم بمعنى الالتقام. والابتلاع للشى .. والأنيم: الكثير الآثام والسيئات، والمراد به الكافر لدلالة ما قبله عليه. والمهل: هو النحاس المذاب، أو ردىء الزيت الحار. أى: إن الشجرة الملعونة التى هى شجرة الزقوم، خلقها الله - تعالى- لتكون طعاما للإنسان الكافر، الكثير الآثام والجرائم .. فنزل فى بطنه كما ينزل النحاس الخار المذاب ، فيغلى فيها كغلى الماء البالغ. نهاية الحرارة . فقوله: (( كغلى الحميم)) نعت لمصدر محذوف. أى: غليا كغلى الحميم. وقوله - سبحانه -: «خذوه فاعتلوه إلى سواء الحميم . ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم . فق إنك أنت العزيز المكريم٠٠٠، مقول القول محذوف، هذا القول موجه من الله - تعالى - لملائكة العذاب. وقوله - سبحانه -: (( فاعتلوه، من العتل وهو الاخذ بمجامع الشىء، وجره بغلظة وقهر . ٠ يقال : عتل فلان فلانا يعتله عتلا ، إذا جذبه جذبا شديدا ، وسار به إلى ما يكره السير إليه . أى: بقول الله - تعالى - لملائكة العذاب فى هذا اليوم المصير : خذوا؟ هذا الكافر الأثيم، لجروه بغلظه، وسوقوه بشدة ((إلى سواء الجحيم» أى : إلى وسطها . ((ثم صبوا فوق رأسه، على سبيل التشكيل به ((من عذاب الحميم، صبا بذله وير جعه ويجعل رأسه تغلى من شدة حرارة هذا الماء. ثم قولوا له بعد ذلك على سبيل التهكم به، والتقريع له: ((ذق، أى: تذوق ١٦٩ الجزء الخامس والعشرون شدة هذا العذاب . فالأمر للإهانة . ((إِنك، كنت تزعم فى الدنيا، بأنك (( أنت العزيز الكريم)). ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله: (( إن هذا ما كنتم به تمترون)) أى: إن هذا العذاب الذى نزل بكم أيها الكافرون، هو ما كنتم بشأنه تجادلون وتخاصمون فى الدنيا ، فمنكم من كان ينكره، ومنكم من كان يشكك فى صحته .. فها هو ذا قد أصبح حقيقة واقعة فوق رءوسكم . وهكذا نجد الآيات الكريمة، قد وضحت أن يوم القيامة حق لا ريب فيه ، وأن الكافرين به سيصيبهم عذاب شديد بذلهم ويخزيهم . وبعد هذا الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم، ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم ، فقال - تعالى -: (( إِنَّ المتّقينَ فى مقام أمينٍ (٥١) فى جناتٍ وُيُونٍ (٥٢) يلبَسُونَ. من سُنْدُسٍ وإستَبرقٍ مُتقابِلِينَ (٥٣) كذلكَ وزَوَّجْنام محور عينٍ (٥٤) يدعُونَ فيها بُكُلْ فاكمةٍ آمِنِينَ (٥٥) لايذُوقونَ فيها الموت إلّ الموتَ الأولَى وَوَقَمُ عذابَ الجمعيم (٥٦) فَضْلاَ من ربِّكَ ذلكٍ هو الفَوزُ العظيم (٥٧) فإنَّما يسَّرْنَاهُ بلسانِكَ لعلَّهم يَتَذَكَّرُ ونَ(٥٨) فَرْتِقِبْ ◌ِّهم مُرْ تَقِبِونَ (٥٩))). أى: إن الذين اتقوا الله - تعالى -، وصافوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه سيكونون يوم القيامة («فى مقام أمين ، أى: فى مكان يأمن معه صاحبه من كل خوف . فالمراد بالمقام - بالفتح - موضع القيام، أى: الثبات والملازمة. وقرأ ١٧٠ سورة الدخان أبن عامر ونافع، «مقام، - بضم الميم - أى: موضع الإقامة. والمراد أنهم فى مكان أو مجلس لا خوف فيه ولا مكروه . وقوله: (( فى جنات وعيون، بدل من ((مقام أمين ) بإعادة حرف الحجر أى: هم فى مكان آمن ، تتوسطه وتحيط به البساتين الناضرة ، وعيون الماء المتفجرة .. ((يلبسون من سندس، والسندس هو أجود أنواع الحرير وأرقه، واحده سندسة . (( وإستبرق)، وهو ما كان سميكا من الديباج والحرير. ((متقابلين، أى: يجلسون فى مجالس متقابلة، بحيث ينظر بعضهم إلى بعض . « كذلك، أى: الأمر كذلك. من أن المتقين لهم كل هذا النعيم. ((وزوجناهم بحور عين)، أى: وزوجناهم بنساء يحار الطرف فيهن لجمالهن وحسنهن، والحور: جمع حورا .. وهى التى يحار الطرف فيها لفرط جمالها. والعين : جمع عينا . . وهى التى أقسعت عينها فى حسن وجمال. (((يدعون فيها)) أي: فى الجنات (( بكل فاكهة آمنين) أى: يطلبون ويأمرون غيرهم بأن يحضر لهم كل ما يشتهونه من فاكهة أو غيرها ، فيلبى طلبهم وهو آمنون فى أما کنهم من كل خوف أو ضرر . ثم بين - سبحانه - أن بقاءهم فى تلك الجنات بقاء دائم فقال: « لا يذوقون فيها الموت إلا الموته الأولى، ووقاهم عذاب الجحيم)). أى: هم باقون بقاء دائما فى تلك الجنات، بحيث لا يموتون فيها أبدا، إلا الموتة الأولى التى ذاقوها عند نهاية آمالهم فى الدنيا، ووقام - سبحانه- بعدها عذاب الجحيم ، الذى حل بالكافرين . قال الآلوسي: قوله: ((لا يذوقون فيها الموت إلا الموته الاولى .. ، جملة = ١٧١٠ الجزء الخامس والعشرون مستأنفة أو حالية ، وكأنه أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البته ، فوضع الموتة الأولى موضع ذلك، لان الموتة الماضية محال ذوقها فى المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال . كأنه قبل: إن كانت الموته الاولى يسققيم ذوقها فى المستقبل فإنهم يذوقونها . ونظيره قول القائل لمن يستقيه: إلا الحجر، وقد علم أن الحجر لا يسقى .. ،(١) وقوله (, فضلا من ربك .. ، أى : أعطواكل ذلك فضلا من ربك ، فقوله (( فضلا) منصوب على المصدرية بفعل محذوف. أو على أنه مفعول لأجله . أى: لأجل الفضل منه - سبحانه - . ((ذلك، الذى أعطيناهم إياه , هو الفوز العظيم) الذى لا يدانيه ولا بساميه فضل . (فإنما يسرناه بلسانك، أى: فإنما أنزلنا عليك ـ يا محمد - هذا القرآن، وجعلناه بلغتك ولغة قومك (( لعلهم يتذكرون)) ما فيه من هدايات ، ويعتبرون بما اشتمل عليه من عبر وعظات ... ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ((فارتقب إنهم مرتقبون، . أى: فعلنا ذلك لعلهم يتذكرون، فإن لم يتذكروا ويتعظوا ويؤمنوا بما جئتهم به . فارتقب وانتظر ما يحل بهم من عذاب ، وما وعدناك به من النصر عليهم ، إنهم - أيضا - منتظرون ومر تقبون ما يحل بك من موت أو غيره ... ونحن بفضلنا ورحمتنا سنحقق لك ما وعد ناك به ، وسنخيب ظنونهم وآمالهم . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٠١٣٦ ١٧٢ سورة الدخان وبعد هذا تفسير وسيط لسورة ((الدخان). نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .. وصلى اله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ د . محمد سيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية القاهرة - مدينة نصر صباح الجمعة : ٢ من ربيع الأول ٠١٤٠٦ ١٩٨٥/١١/١٠م التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورة الجَانِيَةُ لفضيلة الدكتور محمد السِّد الطنطاوى الأستاذ بجامعة الأزهر ( الجزء الخامس والعشرون) ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م ﴿ رَبََّ تَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع العَلِيم﴾ اللَّهِالرَّحْرِ الْحِمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة الجاثية)) هى السورة الخامسة والأربعون فى ترتيب المصحف. وكان نزولها بعد سورة ((الدخان، . وعدد آياتها سبع وثلاثون آية فى المصحف الكوفى. وست وثلاثون فى غيره، لاختلافهم فى قوله - تعالى - ((حم)،، هل هو آية مستقلة أولا. ٢ - وقد افتتحت هذه السورة بالثناء على القرآن الكريم، وبدعوة الناس إلى التدبر والتأمل فى هذا الكون العجيب، وما اشتمل عليه من سموات وأرض، ومن ليل ونهار، ومن أمطار ورياح ... فإن هذا التأمل من شأنه أن يهدى إلى الحق، وإلى أن لهذا الكون إلها واحداً قادرا حكما، هو الله رب العالمين . قال - تعالى -: ((تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. إن فى السموات والأرض لآيات الموقنين . وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون .... ٣ - ثم توعد - سبحانه - بعد ذلك الأفاكين بأشد أنواع العذاب، لإصرارهم على كفرهم ، واتخاذم آيات الله هزوا .. قال - تعالى -: ((ويل لمكل أفاك أثيم. يسمع آبات الله تتلى عليه، ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها، فبشره بعذاب أليم. وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين .. ٤ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان جانب من نعم الله - تعالى - ٠ ١٢ - سورة الجاثية) ٠ ٤٠ على خلقه ، تلك النعم التى تتمثل فى البحر وما اشتمل عليه من خبرات، وفى السموات والأرض وما فيهما من منافع . قال - سبحانه -: اللّه الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون . ٥ - ثم بين - سبحانه - موقف بنى إسرائيل من نعم الله - تعالى-، وكيف أنهم قابلوا ذلك بالاختلاف والبغى، ونهى - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن الاستماع إليهم، وبين أنه لا يستوى عنده - عز وجل - الذين اجتر حوا السيئات، والذين عملوا الصالحات ... فقال - تعالى -: ((أم حسب الذين اجتر حوا السيئات، أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء محياهم وماتهم ساء ما يحكمون. وخلق الله السموات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون)،. ثم حكى بعض الأقوال الباطلة التى تفوه بها الكافرون ، ورد عليها بما يزهقها ويثبت كذبها ، قال - تعالى -: ((وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا انتوا بآبائنا إن كتم صادقين. قل الله يحييكم، ثم يمبيكم، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لاريب فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)». ٦ - ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرما، فى بيان أهوال يوم القيامة، وفى بيان عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار . قال - تعالى -: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك هو الفوز المبين. وأما الذين كفروا ، أفلم تكن آباتى تتلى عليكم، فاستكبر تم وكنتم قوما مجرمين . - ١٧٩ - ٧- ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته بما هو أهله ، فقال - تعالى -: فلله الحمد رب السموات ورب الأرض، رب العالمين. وله الكهرباء فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم. هذا، والمتدبر فى هذه السورة الكريمة ، يراها تدعو الناس إلى التفكر فيما اشتمل عليه هذا الكون من آيات دائة على وحدانية الله - تعالى - وكال قدرته، كما أنه يراها تحكى بشىء من التفصيل أقوال المشركين وترد عليها ، وقبين سوء عاقبتهم ، كما يراها تسوق ألوانا من نعم الله على خلقه، وقدعو المؤمنين إلى التمسك بكتاب ربهم ، وتبشرهم بأنهم متى فعلوا ذلك ظفروا برضوان الله تعالى وثوابه .. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته , ذلك هو الفوز المبين . كما يراها تهتم بتفصيل الحديث عن أهوال القيامة، لكى يفى. الناس إلى رشدهم ، ويستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح. قال - تعالى - : ((وزى كل أمة جائية . كل أمة تدعى إلى كتابها، اليوم تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نتخ ما كنتم تعملون . نسأل الله - تعالى - أن ينجينا من أهوال هذا اليوم، وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا . ذلك الفضل من الله ، وكفى باقه عليما. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة - مدينة نصر - د. محمد سيد طنطاوى صباح الأحد ٤ / ٣ /٠١٤٠٦ ١١/١٧ / ١٩٨٥ م ١٨٠ سور٣٣٠ التفسير قال الله - تعالى -: ((حم (١) تَنْزِيلُ الكَتَبِ مِنَ اللهِ العزيزِ الحكيم (٢) إنْ فى السَّمواتِ والأرضِ لآياتٍ للمؤمِنِينَ (٣) وفى خَلقِكُم وما يبَتُّ من دَابةٍ آياتٌ لْقَومٍ يُوقِنُونَ (٤) واخْتَلافِ الَّيل والنّارِ وما أُنْزَّلَ اللهُ من السَّماء من رِزْقٍ فَأَحْياَ بهِ الأَرْضَ بَعْدَّ مَوِهِاَ وتَصرِيفِ الرّياحِ آيَاتٌ لِقِومٍ يَعْقِلُونَ (٥))» . سورة ( الجاثية، من السورة التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد سبق أن قلنا ، إن هذه الحروف الرأى الراجح فى معناها ، أنها سبقت للتنبيه على إعجاز القرآن، وعلى أنه من عند الله - عز وجل - وقوله - سبحانه -: ((تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)) بيان لمعد هذا القرآن، وأنه من عند الله - تعالى - لا من عند غيره. أى: هذا القرآن من الله - تعالى - صاحب العزة التى لا عزة سواها، وصاحب الحكمة التى لا تقاربها حكمة ، فهو - سبحانه - القاهر فوق عباده وهو الحكيم فى كل تصرفاته . ثم ساق - سبحانه - ستة أدلة على وحدانيته، وكمال قدرته، وجلال عظمته. وبتمثل الدلیل الأول فى قوله - تعالى -: ((إن فى السموات والأرض لآ يات للمؤمنين ، أى: إن فى خلق هذه السموات المزينة بالمصابيح، والتى لا ترى فيه من تفاوت، والمرفوعة بغير عمد ... وفى خلق الأرض الممهدة المفروشة المثبتة بالجبال ... فى كل ذلك لبراهين ساطعة للمؤمنين، على أن الخالق لهماهو الله - تعالى - وحده، المستحق للعبادة والطاعة. فالمراد بقوله - تعالى -: «إن فى السموات والأرض ... ، أى: إن فى