النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الجزء الخامس والعشرن
يُخْرِ سُونَ (٢٠) أم آتَيْنَهُ كتاباً من قَبَله فَهُم به مُسْتَمسِكُونَ (٢١) بل
قَالُوا إِنَّا وجَدْنَا آبَاءِنَ على أمَّذٍ وإنا عَلَى آثارِمْ مُهتَدُونَ (٢٢) وكذلكَ
ما أرْسَلنَ من قبلكَ فى قَربةٍ من نذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتَرفُوهَاَ، إذَا وَجَدْناً
آباءناَ عَلَى أُمةٍ وإذَّاً على آثارِم مُفْتَدُونَ (٢٣) قالَ أوَّلَوَ جِئْكُم بِأَهْدَعى
مما وجَدْتُم عليه آباءكم، قالُوا إِذَّا بما أُرسِلْتُم به كافِرُونَ (٢٤) فانتقمناً
مِنْهُمْ فَانْظُرَ كيفَ كانَ عاقبةُ المكذِّبينَ (٢٥) ».
والمراد بالجعل فى قوله - تعالى -: «وجعلوا له من عباده جزءا ... ))
الاعتقاد الباطل ، والحكم الفاسد. والمراد بالجزء الولد. والمقصودبه خصوص
البنات ، كما يدل عليه سياق الآيات .
١ ٠
قال الألوسى ما ملخصه: قوله: ((وجعلوا له من عباده جزءا .. )، متصل
بقوله - تعالى - قبل ذلك، (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ... )
والمراد بيان تناقضهم مع أنفسهم .. ، حيث اعترفوا بأنه - تعالى - خالق
السموات والأرض، ثم وصفوه بصفات المخلوقين ...
وعبر عن الولد بالجزء. لأنه بضعة - وفرع - من والده ، كما قيل: أولادنا.
أكبادنا ... وقيل الجزء: إسم للإناث، يقال: أجزأت المرأة إذا ولدت
أنى ... ، (١)
أى: أن هؤلاء المشركين بلغ من تناقضهم فى أقوالهم وأفعالهم، أنهم إذا
سألهم سائل عن خالق هذا الكون قالوا: الله. ومع ذلك فهم جهالتهم إعتقدوا
إعتقادا باطلا بأن الملائكة بناته، مع أن الملائكة من مخلوقاته التى يشملها
هذا الكون .
(١) تقسير الألوسى = ٢٥ ص٠ ١٩
( ٦ - سورة الزخرف)

٨٢
سورة الزخرف
فالمقصود من الآية الكريمة تجهيل هؤلاء المشركين ، وتعجيب كل عاقل
من سفاهتهم .
والظاهر أن المراد بالإنسان فى قوله - تعالى -: «إن الإنسان لكفور
مبين ((الكافر والفاسق من بنى آدم، لأن الإنسان المؤمن لا يجحد نعم الله، وإنما
بشكره - تعالى - عليها .
أى : إن الإنسان الكافر والفاسق عن أمر ربه ، أشديد الجحود لنعم
ربه: مظهر ذلك فى أقواله وفى أفعله
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على السخرية منهم ومن أحوالهم الشاذة فقال:
(أم إتخذوا مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين)) فالاستفهام للتوبيخ والإنكار.
((أصفاكم، أى: آثركم واختصكم. يقال: أصفى فلان فلانا بالشىء إذا
إختصه به. ومنه قولهم لما يختص السلطان به نفسه من الأشياء النفسية:
الصوافى.
أى: لقد زعمتم أن الملائكة بنات الله ، نفرونى بربكم هل يعقل أن يتخذ
أه - تعالى - أولاده من البنات اللائى من أقل منزلة من البنين، ويترك لكم
الذكور؟ إن من شأن الذى يختار جنس الأولاد أن يختار أعلام منزلة فبأى
منطق زعمتم أن الملائكة بنات الله .
قال صاحب الكشاف: قوله: « أم إتخذ ما يخلق ... )، أى : بل المحذ
والهمزة الافكار، تجهيلا لهم، وتعجيبا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا
لقه من عباده جزءا، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزءين. وهو الإناث
دون الذكور ...
فكأنه قيل: هبوا أن إضافة اتخاذ الولد اليه - تعالى - جائزة فرضاو تمثيلا
أما نستحبون من الشطط فى القسمة، ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير
الجزءين ... ؟(١)
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ صـ ٢٤٣

٨٣
الجزء الخامس والعشرون
ثم أكد - سبحانه - جهلهم وغفلتهم عن المنطق السليم فقال: «وإذا بشر
أحدهم بما ضرب الرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ....
أى: أنهم قالوا الملائكة بنات الله، والحال أن الواحد منهم إذا بشره مبشر
بأن امرأته قد ولدت له أنثى، صار وجهه مسودا من شدة الحزن، وظل متلا
بالهم والكرب.
فالمراد بقوله: (( بما ضرب الرحمن مثلا،: جنس البنات حيث قالوا:
الملائكة بنات الله .
قال الجمل: قوله: ( وإذا بشر أحدهم ... ، إستئناف مقرر لما قبله.
وقيل حال «على معنى أنهم نسبوا إليه ما ذكر، ومن حالهم أن أحدم إذا بشر
به اغتم. والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن قبائحهم اقتضت الإعراض عنهم،
وتحكى لغيرهم ليتعجب منها. و((ما، فىقوله (بما ضرب الرحمن مثلا، موصولة
ومعناها البنات. وضرب بمعنى جعل . والمفعول الأول الذى هو عائد الموصول
محذوف، أى: ضربه. ومثلا هو المفعول الثانى. والمثل بمعنى الشبه
أى المشابه .
ثم أضاف - سبحانه - إلى تبكيتهم السابق تبكيتا آخر فقال: ((أو من يندا
فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين».
والاستفهام للإنكار. وكلمة (( من، عبارة عن جنس الإناث، وهی فی حل
نصب بمضمر معطوف على ((جعلوا)، و«ينشأ»: يربى وينشأً. يقال: ندأ
فلان فى بنى فلان، إذا شب وترعرع فيهم و«الخلية،: إسم لما يتحلى
ويتزين ».
أى: أيحترئون ويحملون لله - تعالى - الإناث، اللاتى من شأنهم أن ينشأن
فى الزينة، لأن هذه الحياة هى المناسبة لهن ولتكوينهن الجسدى، واللائى من
شأن معظمهن أنهن لا يقدرن على الدفاع عن أنفسهن، لضعفهن وقصورهن

٨٤
سورة الزخرف
فى الجدال وفى بيان الحجة التى ترد الخصم . وتزيل الهمبهة .
فالمقصود من الآية الكريمة تأنيب هؤلاء المشركين على جهلهم وسوه
أدبهم، حيث أنهم نسبوا إلى الله - تعالى - الإناث اللاتى من شأنون النشأة فى
الحلية والدعة والنعومة ، فصرن بمقتضى هذه النشأة، وبمقتضى تكوينين
البدنى والعقلى، لا يقدرن على جدال أو قتال،. بينما نسبوا إلى أنفسهم الذكور
الذين ثم قوامون على النساء .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: « الكم الذكر وله الأنى. تلك إذن
قسمة ضيزى ) . ثم توعدهم - سحبانه - بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب
فقال: (( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إنانا، أشهدوا خلقهم ...
ويجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشىء، كما تقول جعلت زيدا أفضل
الناس . أى حكمت عليه بذلك .
أى: أن هؤلاء المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد
الرحمن، وصفوة خلفه، وأهل طاعته . زعموا أنهم إناثا، فهلى كانواحاضرين
وقت أن خلقناهم حتى حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل ؟.
كلا إنهم لم يكونوا حاضرين، ولذا ((ستكتب شهادتهم، فى صحائف
أعمالهم المليئة بالسيئات ((ويسألون)) عنها سؤال تأنيب وتوبيخ يوم القيامة.
فالمراد بالكتابة والسؤال : فعاقيتهم على افترائهم الكذب ، وتجهيلهم
فيما قالوه. ثم حكى - سبحانه - لونا من ألوان معاذيرهم الكاذبة فقال: ((وقالوا.
لو شاء الرحمن ما عبدنام،.
أى: وقال هؤلاء المشركون على سبيل الاحتجاج بالأعذار الباطلة:
لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للملائكة أو للأصنام ما عبدنام.
ثم يرد الله - تعالى - عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويهدم معاذيرهم فقال :
(( ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون».

٨٠
الجزء الخامس والعشرون
. أى: قالوا ما قالوه عن غير علم أو برهان، لأن مشيئة الله لا يعلمها أحد
سواه، ولأنه - سبحانه - قد اقتضت حكمته ومشيئته ، أن يجعل للانسان
القدرة على اختيار طريق الحق أو طريق الباطل . وهم قد اختاروا طريق
الباطل ، واستحبوا الكفر على الإيمان دون أن يكرمهم على ذلك مكره.
فما قالوه ما هو إلا نوع من أنواع خرصهم وكذبهم وظفونهم الفاسدة .
وقد فصلنا القول فى مسألة المشيئة عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة
الأنعام: «سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا .... (١)
وعند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة النحل : «وقال الذين أشركوا
لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شى. نحن ولا آباؤنا ... (٤)
وقوله - تعالى -: « أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون، إضراب
عن نفى أن يكون لهم فيما أدعوه على عن طريق العقل ، إلى إبطال أن يكون
لهم على من جهة النقل. وأم، بمعنى بل والهمزة. والاستفهام الإنبكار
والتوبيخ. اى: بل أأعطيناهم كتابا من قبل القرآن، فيه ما يشهد بصحة أقوالهم،
فهم بهذا الكتاب مستمسكون؟ كلا إننا لم نعطهم شيئا من ذلك.
ثم بين - سبحانه - مستندهم الحقيقى فقال: ((بل قالوا إنا وجدنا آباء ناعلى
أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) .
أى: أنهم ليس لهم فى الحقيقة مستند لا من العقل ولا من النقل، وإنما مستندم
الوحيد تقليدهم لآبائهم فى جهالاتهم وسفاهاتهم وكفرهم ... فقد قالواعندما
دعاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الدين الحق: إنا وجدنا آباءنا على
أمة ، أى على دين وطريقة تؤم وتقصد، وهى عبادة هذه الآلهة ، وإنا على
إثارهم، وطريقتهم (( مهتدون، أى: سائرون بدون تفكر أو تدبر، أو حبة
(١) راجع تفسيرنا لهذه الآية ص ٦٩ من تفسير سورة النحل،

٨٦
سورة الزخرف
أو دليل. فهم أشبه ما يكونون بقطيع الأنعام الذى يسير خلف قائده ، دون
أن يعرف إلى أى طريق يسير ..
وقوله - سبحانه -: ((وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا
قال مترفوها، إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، تسلية
للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من أذى، ومن قول باطل.
و((الكاف، بمعنى مثل. واسم الإشارة ذلك يعود إلى حال الكافرين
من قبلهم .
أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما تراه من إعراض المشركين عن
دعوتك. فإن شأنهم كشأن سابقيهم فى الكفر والضلال ، فإننا ما أرسلنا من
قبلك من رسول فى قرية من القرى، أو فى قوم من الأقوام ، إلا قال المنعمون
منهم ، والذين أبطر هم القرف لمن جاءهم بالحق: إنا وجدنا آباءنا على دين
وطريقة تؤم وتقصد ، وإذا على آثارهم ، وعلى نهجهم، مقتدون. أى: مقتدون
بهم فى عبادتهم وأفعالهم .
وخص المترفين بالذكر ، لأنهم القادة الذين صرفهم التنعم وحب الجام
والسلطان، عن النظر والتدبر والاستماع للحق، وجعلهم يستحبون العمى
على الهدى.
وهنا يحكى القرآن رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقول: «قال أولو
جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ...
أى: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقومه الذين أصروا على تقليد
آبائهم فى الكفر والضلال : أنتبعون آباءکم و تقتدون بهم فى الكفر ، حتى ولو
جتكم بدين أهدى وأصوبما كان عليه آباؤكم؟.
وقوله : - تعالى - : « قال أو لو جئتكم ... ، قراءة ابن عامر وحفص عن

٨٧
الجزء الخامس والعشرون
عاصم . وقرأ الجمهور, قل أو لو جئتكم ... ، على أن الأمر الرسول - صلى
الله عليه وسلم - .
وقوله - تعالى -: ((قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون، أى: قال المترفون
فى الرد على رسلهم: إنا بما أرسلتم به من الهدى والدعوة إلى الدين الحق
كافرون، وباقون على الدين الذى كان عليه آباؤنا .
وقوله - سبحانه -: (( فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذ ين،
بيان للعاقبة السيئة التى حاقت بهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتقليدهم لآ بائهم.
أى: قالوا للرسل هذا القول الذى يدل على إيثارهم الغى على الرشد ،
فانتقمنا منهم. بأن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا
ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خفناً به الأرض ، ومنهم من
أغرقنا .
((فانظر . - أيها للماقل - وتأمل ((كيف كان عاقبة المكذبين)) لقد كانت
عاقبتهم أن دمر ناهم قدميرا .
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات القرآنية
التى حكمت الأقوال الباطلة التى تفوه بها المشر كون، وردت عليها ردا منطقيا
حكيما يهدمها من قواعدها .
لقد ذكرت - أولا - أنهم جعلوا لله - تعالى - من عباده جزءا ... ثم
ردت عليهم بأنهم قوم جاحدون لنعم الله، وأنهم لو كانوا يعفلون لما حكموا
هذا الحكم الذى يدل على جهلهم وغفلمتهم ، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا - على
سبيل الفرض والتقدير - لما اختار - سبحانه - لذاته جنس البنات، وأعطام
البنين .
ثم ذكرت - ثانيا - حالهمَ عندما يبشرون بالأثى ، ونهكمت بهم حين
نسبوا إلى الله ((من ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين، والمقصود بذلك

٨٨
سورة الزخرف
جنس البنات، ثم ذكرت - ثالثا - أنهم حكموا على الملائكة بأنهم إناث ،
وردت عليهم بأن حكمهم هذا ساقط ، لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا
عليهم هذا الحكم الفاسد، وأنهم سيجارون على أحكامهم التى لا دليل عليها،
بما يستحقون من عقاب.
ثم ذكرت - رابعا - معاذيرهم التى اعتذروا بها عندما حاصرتهم الحجج
الدامغة، فقد قالوا: « لوشاء الرحمن ما عبدناهم، فرد - سبحانه - عليهم بقوله:
((مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون،، لأن قولهم هذا ما هو إلا لون
من ألوان الاحتيال على الحقيقة بالأقوال الساقطه .
ثم ذكرت - خامسا - أنهم فى إصرارهم على كفرهم لم يستندوا إلى دليل -
عقلى أو نقلى ، وإنما استندوا على شىء واحد هو التقليد لآباتهم فى جهلهم
وضلالهم ...
وهكذا ذكر القرآن أقوالهم وشبهاتهم .. ثم رد عليها بما يدحضها ..
وبعد هذا البيان الماحق لشبهات المشركين ولأقوالهم الباطلة ... أتبع
- سبحانه - ذلك بذكر جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ،
وبذكر جانب من اعتراضاتهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم- وعلىدعو ته،
ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - :
(( وإذْقَالَ إبراهيمُ لأبيهِ وقَومِهِ إِنّنى براء ممّا تعبدونَ (٢٦) إلاَّ
الذى فطَرِى فإنّهُ سَيهدين (٢٧) وجعلَها كلّةً باقِيةً فى عقبهِ اللَّهُم
يرجِعُونَ (٢٨) بل مثَّعتُ هؤلاء وآباءمُ حتَّى جاءمُ الحقُ ورسُولٌ
مبينٌ (٢٩) ولمَّا جاءمُ الحقُّ قَالُوا هذا سحرٌ وإنَّا بهِ كافِرِونَ (٣٠)
وقالُوا لوَلاَ نُزَّلَ هذا القرآنُ على رَجلٍ من القريتينِ عظيمٌ (٣١) أَهُمْ
يَقْسِمونَ رحمةَ ربِّكَ ، نحنُ قَسْنا يَنْهم معيشَتَهُم فى الحياةِ الدُّنيا

٨٩
الجزء الخامس والعشرون
وَرَفَعنَاَ بعضَهم فوقَ بعضِ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعَضُهم سُخْرياً ورحمةُ
وبِّكَ خيرٌ مِمَا يَجِعُونَ (٣٢) ولولاَ أنْ يكونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً
لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُر بالرَّحمَنِ لِيوتِهِمِ سُقُفً مِنْ فِضَّةٍ، ومعارجٌ عليها
عليها يَظْهِرُونَ (٣٣) ولِبِيُوتهم أبواباً وسُرراً عَلَيها يتكِتُونَ (٣٤)
وزُخْرِفَاً وإنْ كلُّ ذلكَ لَّا متاعُ الحياةِ الدُّنياً، والآخِرةُ عند
ربِّكَ المتقين (٣٥).
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك حال جدك إبراهيم - عليه
السلام - وقت أن قال لأبيه أزر، ولقومه الذين كانوا عاكفين على عباده
الأصنام ، مقادين فى ذلك آباءهم ..
قال لهم: إننى برىء مما تعبدونه من هذه الأوثان.
وذكر - سبحانه - هنا بحال إبراهيم، لأنه كان أعظم آبائهم، ومحط
فخرهم ، والمجمع على محبته منهم .
فكأنه - تعالى - يقول لهم: هذا هو حال جدكم إبراهيم الذى تعتزون به
فلماذا لم تقلدوه فى إنكاره لعباده الأصنام ، وفى هجره لما كان عليه أبوه
وقومه، وفى إخلاصه العبادة لله - تعالى - وحده .
وقوله: ((براء)) مصدر وقع موقع الصفة وهى برىء ، على سبيل
المبالغة فى التبرى من عبادتهم لغير الله - تعالى - يقال: تبرأت من فلان،
فأنا منه براء .
أى: كرهت قوله وفعله والقرب منه .
والاستثناء فى قوله: ((إلا الذى فطرنى فإنه سيهتدين، منقطع. أى: أنا

٩٠
سورة الزحرف
برىء من عبادة أصنامكم، لكنى أعبد الذى خلقنى وفطرنى بقدرته ، فإنه هو
الذى سيهدين إلى الصراط المستقيم .
ويصح أن يكون متصلا بناء على أنهم كانوا يعبدون الله - تعالى-
ويشركون معه فى هذه العبادة أصنامهم .
أمى: إننى برىء من عبادة أصنامكم، إلا أنى لا أعبد الله - تعالى -
الذى فطرنى .
أى: خلقنى بقدر ته على غير مثال سابق .
و قال هنا ( سیهدین))، وقال فى آية أخرى : « الذى خلقنی فهو يهدین )»،
للدلالة على ثقة إبراهيم - عليه السلام - بفضل ربه - تعالى - عليه، وأنه يهديه
فى الحال وفى الاستقبال، وأن هذه الهداية مصاحبة له فى كل وقت من
أوقات حياته .
ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هاتين الآبتين قوله - تعالى - حكاية عن
قيه إبراهيم: «فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر، فلما أفات
قال يا قوم إنى برى بما نشركون. إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات.
والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ... ،(١).
وقوله - سبحانه -: ((قال أفر أيتم ما كنتم تعبدون . أنتم وآباؤكم
الأقدمون. فإنهم عدو لى إلا رب العالمين . الذى خلقنى فهو
يهدين ٠٠٠ ,(٢) .
والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - بعد ذلك: «وجعلهم كلمة باقية فىه
(١) سورة الأنعام الآية ٧٨، ٧٩
(١) سورة الشعراء الآيات ٧٥ - ٠٧٨

٩١
الجزء الخامس والعشرون
عقبه ... )) يعود إلى كلمة التوحيد، المشتملة على البراءة من كل عبادة لغير
الله - تعالى -، والمعبر عنها قبل ذلك بقوله - تعالى -: «إننى براء مما
تعبدون ،
وضمير الفاعل المستتر فى قوله - سبحانه -: «وجعلها .. ، يعود إلى الله
- تعالى -.
أى: وجعل الله - تعالى - بفضله وكرمه، كلمة التوحيد، باقية فى عقب
إبراهيم ، وفى ذريته من بعده، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين
قالوا ربنا الله ثم إستقاموا.
ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى سورة الصافات: (( سلام على إبراهيم.
كذلك نجزى المحسنين. إنه عبادنا المؤمنين. وبشرناه بإسحاق نييا من
الصالحين. وبار كنا عليه وعلى إسحاق ، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه
مبين ... )).
ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم - عليه السلام -، على
معنى أنه أوصى ذريته من بعده بعبادة الله - تعالى - وحده، وأنه دعا ربه أن
يجعل فى ذريته من بعده وحده .
فيكون المعنى : وجعل إبراهيم هذه الكلمة وهى كلمة التوحيدباقية فى ذريته.
حيث أوصام بعبادة الله وحده .
ويشهد لذلك قوله - تعالى -: «ووصى بها - أى بكلمة التوحيد-
إبراهيم بفيه ويعقوب يا بنى إن الله إصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم
مسلمون .... (١)
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا الجعل فقال: («لعلهم يرجعون)). أى:
(١) سورة البقرة . الآية ١٢٢

٩٢
سورة الزخرف
جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كلمة التوحيد من أشرك من ذرية إبراهيم،
بيركة دعائهم بالإيمان ودعاء من آمن منهم .
فقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله - تعالى - بقوله: ((رب إجعلنى
مقيم الصلاة ومن ذريتي .. )، وبقوله: ((وإجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام.،
وقوله - سبحانه -: «بل متعت هؤلاء وآبا هم حتى جاءهم الحق ورسول
مبين ، إضراب عن كلام محذوف ينساق إليه الكلام. والمراد بهؤلاء،: أهل
مكة المعاصر بن للنى - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: ((متعت)) من التمتع بمعنى
إعطائهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب والنعم المتعددة ، وإشتغالهم بذلك
عن طاعة الله - تعالى - وشكره .
والمعنى: إقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية فى بعض ذرية إبراهيم
لعل من بقى من هذه الذرية على الشرك أن يرجع اليها ، ولكنهم لم يرجعوا
بل أصروا على كفرهم ، فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل متعت هؤلاء المشركين
المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - ، بأن أمددتهم بالنعم المتعددة م
وآباؤهم، وبقيت تلك النعم فيهم ( حتى جاءهم الحق، وهو دعوتك إياهم إلى
إخلاص العبادة لنا ، وجاءهم ، رسول مبين، هو أنت - أبها الرسول الكريم-
فإن رساتك واضحة المعالم ، بينة المقاصد، ليس فيها شىء من الغموض الذى
يحملهم على الإعراض عنها
فالمقصود من الآية الكريمة، بيان أن الكلمة الباقية عقب ابراهيم وهى
كلمة التوحيد، لم يتبعها جميع أفراد ذريته، بل إتبعها قوم وكفر بها آخرون
وأن هؤلاء الكافرين - وعلى رأسهم كفار قريش - لم يعاجلهم الله - تعالى -
بالعقوبة ، بل أعطاهم فعها متعددة، فلم يشكروه - تعالى - عليها، واستمروا
على ذلك ، حتى جاءهم الحق، فلم يؤمنون به، ولا بمن حمله اليهم وهو الرسول
المبين - صلى الله عليه وسلم -

٩٣
الجزء الخامس والعشرون
ومن الآيات التى تدل على أن ذرية إبراهيم كان منها المؤمن ، وكان منها
الكافر ، قوله - تعالى -: ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم، وجعلنا فى ذريتهما
النبوة والكتاب، فمنهم مهند، وكثير منهم فاسقون، (١)
ثم بين - سبحانه - موقفهم من الحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله
عليه وسلم - فقال: ((ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون))
أى: وحين جاءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحق من عند ربهم،
لمكى يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان ... قالوا- على سبيل
الجحود والعناد -: هذا الذى جئتنا به نوع من السحر، وإنا به كافرون
مكذبون .
والتعبير بقوله: (( جاءهم، يشعر بأن الحق قد وصل اليهم دون أن يتبعوا
أنفسهم فى البحث عنه، ومع ذلك فقد إستقبلوه بالجحود والإنكار.
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان حسدهم وعنادهم فقال: «وقالوا
لولانزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ،
والمراد بالقربتين مكة أو الطائف. ومقصوده) إحداهما. كالوليد بن
المغيرة من مكة، وكعروة بن مسعود من الطائف
ويعنون بالعظيم : كثرة المال ، والرئاسة فى قومه .
أى: وقال هؤلاء المشركون - على سبيل العناد والحسد -: هلا أنزل هذا
القرآن، الذى يقرؤه علينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، على رجل عظيم فى ماله
وسلطانة، ويكون من إحدى هاتين القريتين ، وهما مكة أو الطائف
فهم لجهلهم وإنطماس بصائرهم، إستكثروا أن ينزل هذا القرآن على محمد
- صلى الله عليه وسلم - الذى- وإن كان فى القمة من الشرف والسمو بين
قومه - إلا أنه لم يكن أكثرهم مالا وسلطانما، وهم يريدون أن تكون النبوة
(١) سوة الحديد. الآية ٢٦

٠ ٩٤
سورة الزخرف
فى زعيم من زعمائهم: أو رئيس من ر.سائهم .
( وهذا منهم - كما بقول الآلوسى - لجهلهم بأن رقبة الرساله، إنما تستدعى
عظيم النفس، بالتخلى عن الردائل الدنية (والتحلى بالكالات والفضائل
القدسية، دون التزخرف بالزخارف الدنيوية ، (١)
وقـ وبخهم الله - تعالى - على جهلهم هذا بقوله: ,أهم يقسمون رحمة
ربك ... ، فالاستفهام للافكار والتهكم بهم، والتعجب من تفكيرهم.
والمراد بالرحمة: ما يشمل النبوة ، وما أنزله على نبيه - صلى الله عليه
وسلم - من وحى، وما منحه إياه من خلق كريم، وخير عميم.
أى: كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه الدرجة ؟ إنهم
لبس بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك ، وليس عندهم مفاتيح الرسالة ليضعوها
حيث شاؤًا، وليختاروا لها من أرادوا. وما دام الأمر كذلك فكيف
يعترضون على نزول القرآن عليك - أيها الرسول الكريم؟
ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلقه فقال: « نحن قسمنا بينهم
معيشتهم فى الحياة الدنيا ... ، أى: فمن قسمنا بينهم أرزاقهم فى هذه الدنيا،
ولم نترك تقسيمها لأحد منهم، ونحن الذين - بحكمتنا - تولينا تدبير أسبابها
ولم فكلها اليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم. ونحن الذين (ورفعنا بعضهم فوق بعض
درجات، فى الدنيا، فهذا غنى وذك فقير ، وهذا مخدوم، وذاك خادم ، وهذا
قوى ، وذلك ضعيف .
ثم ذكر - سبحانه - الحكمة من هذا التفاوت فى الأرزاق فقال: «ليتخذ
بعضهم بعضا سخريا،
أی : فعلنا ذلكلیستخدم بعضهم بعضا فى حوائجهم، ويعاون بعضهم بعضا فى
(١) تفسير الآلوسى = ٢٥ ص ٧٨

٩٥
الجزء الخامس والعشرون
مصالحهم ، وبذلك تنتظم الحياة، وينهض العمران . ويعم الخير بين الناس ،
وبصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله - تعالى - له من رزق
واستعداد ...
ولو أنا تر كنا أمر تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجواو تقاتلوا، وعم الخراب
فى الأرض ، لأن كل واحد منهم يريدأن يأخذ ماليس من حقه، لأن الحرص
والطمع من طبيعته .
وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياه فكيف أباحوا لأنفسهم
التحكم فى منصب النبوة ، وهو بلا شك أعلى شأنا، وأبعد شأوا من أمور
الدنيا .
وقوله (( سخريا، بضم السين - من التسخير ، بمعنى تسخير بعضهم لبعض
وخدمة بعضهم لبعض ، وعمل بعضهم لبعض ، فالغنى - مثلا - يقدم المال
لغيره. نظير ما يقدمه له ذلك الغير من عمل معين ....
وبذلك تنتظم أمور الحياة ، وتقدير فى طريقها الذى رسمه - سبحانه -
.LA
قال الجمل ما ملخصه: قوله: «ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، أى: ليستخدم
بعضهم بعضا ، فيسخر الأغنياء بأموالهم، الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون
بعضهم سبيا لمعاش بعض، هذا بماله ((وهذا بأعماله، فيلتثم قوام العالم ، لأن
الأرزاق لو نسادت لتعطلت المعايش ، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما
جعلناه إليه من هذا الأمر الدنى. ، مكيف يطمعون فى الاعتراض فى أمر
النبوة. أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ، ونكل العالى إلى
غيرنا ... ؟،(١) .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٠٨٤

٩٦
سورة الزخرف
هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله - خالى
التى لا تغيير لها ولا تبديل، والتى تؤيدها المشاهدة فى كل زمان ومكان ، حتى
الدول التى تدعى المساواة فى كل شىء ... قرى سمة التفاوت فى الأرزاق
وفى غيرها واضحة جلية ، وصدق الله فى قوله: (( ورفعنا بعضهم فوق بعض
درجات » .
ومن الآيات التى أشبه هذه الآية قوله - تعالى -: ((والله فضل بعضكم على
بعض فى الرزق ... (!) .
وقوله - سبحانه -: «انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة
أكبر درجات، وأكبر تفضيلا ،(٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالتهوين من شأن الدنيافقال: « ورحمة
وبك خير مما يجمعون)).
أى: ورحمة ربك - أيها الرسول الكريم - التى من أعلى مظاهرها
النبوة التى منحك إياها ، خير ما يجمعونه من حطام الدنيا ومتعها
وشهو اتها .
ثم أكد - سبحانه - هذا التهوين لحطام الدنيا فقال: «ولولا أن يكون.
الناس أمة واحدة، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة، ومعارج
عليها يظهرون)) .
ولولا ، حرف امتناع لامتناع. والكلام على حذف مضاف. والمراد
بالأمة الواحدة: أمة الكفر . والمعارح جمع معرج وهى المصاعدالتى يصعد
عليها إلى أعلى .
(١) سورة النحل الآية ٧١.
(٢) سورة الإسراء الآية ٢١

٩٧
الجزء الخامس والعشرون
أى: ولولا كراهة أن يكون الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الكفر
حين يشاهدون سعة الرزق، ورفاهية العيش ، ظاهرة بين الكافرين ...
لولا كراهية ذلك. لجعلنا بمشيتنا وقدرتنا، لمن يكفر بالرحمن ، الشىء
الكثير من حطام الدنيا ، بأن نجعل لبيوتهم سقفا من فضة، ولجعلنا لهم
مصاعد فخمة عليها يرقون إلى أعلى مساكنهم.
ولجعلنا - أيضا - لبيوتهم أبوابا جميلة، وسررا ثمينة ((عليها بتكثون))
أى : على السرد يتكثون وهم جالسون فوقها .
« وزخرنا، أى: ولجعلنا لهم زخرفا، ايستعملوه فى أسقف منازلهم،
وفى أبو اب بيوتهم ، وفى غير ذلك من شئون حياتهم .
والزخرف: يطلق على الشىء الذى يتزين به . فيشمل الذهب والفضة،
وغیر هما مما يستعمله الناس فى تزیین بیوتهم :
وقوله: ((وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك
"للمتقين)) أى وما كل ماذكرناه من البيوت الموصوفة بما ذكر ناه من الصفات
السابقة ، إلا شىء يتمتع به المتمتعون فى الحياة، التى أمرها إلى زوال
واضمحلال ...
- أما الآخرة التى زينتها باقية لاتنتهى ولا تنقطع ، فهى عند ربك خاصة
بالمؤمنين الصادقين، والذين آثروا النعيم الباقى على النعيم الفانى ، فقدموا فى
فى دنياهم العمل الصالح ، الذى ينفعهم فى أخرام .
ء
وبعد هذا الحديث الجامع عن هو أن شأن الدنيا عند الله - تعالى -، أتبع
- سبحانه - ذلك ببيان حال الذين يعرضون عن ذكر الله - تعالى -، وأنهم يوم
القيامة لن ينفعهم ندمهم أو تحسرهم ، وسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما
فقال - تعالى :
أصـ
به منهم
( ٧ - سورة الزخرف)

٩٨
سورة الزخرف
((( ومَنْ يعشُ عن ذِكْرِ الرَّحمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُولُهُ قرينٌ (٣٦)
وإِنْهُمْ لَيَصُدُّونهم عن السَّبِيلِ ويُحسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ (٣٧) -تَّى إذَا
جاءنا قالَ باليتَ يْنِى وبينَكَ بُعدَ المشرِقَينِ فَبْسَ القرينُ (٣٨) ولَنْ
يَكُم اليومَ إذْ ظَُّ أَنْكُم فى العذابِ مشترٍ كُونَ (٣٩) أفأنتَ تُسمع
الصمَّ أو تَهْدِى العُنْىَ ومَنْ كانَ فى ضلالٍ مبينٍ (٤٠) فإمَّا نَذْهَبِّ بكَ
فإنَّ منْهُم مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ ترِيَنَّكَ الذى وعَدْنَمُ فإِنَّا عليهِم
مُقْتِدِرُونَ (٤٢) فاسْتُسِكْ بالذى أُوحِىَ إليكَ إنَّكَ على صِرَاطٍ
مَنْتقيمٍ (٤٣) وإنَّهَ لذِكْرُ لكَ ولِقَومكَ وسَوفَ تَسْأَلُونَ (٤٤) واسأَلُ
مَنْ أَرْسَلْنَ مِنْ قبلِكَ من رُسلِنَاَ، أَجْعلناً من دونِ الرَّحمنِ آلهةً
يُعْبَدُونَ (٤٥)).
وقوله - سبحانه -: ((يعش، أى: يعرض. يقال: عشا فلان يعشو ،
كدعايدعو ، وعشى يعشى، كرضى يرضى. إذا ضعف بصره، ومنه قولهم:
ناقة عشراء، إذا كانت لا تبصر إلا شيئا قليلا ، والمراد هنا: عمى البصيرة،
وضعف إدراكها للخير. ومنه قولهم : ركب فلان العشواء، إذا خبط أمره
على غير هدى أو بصيرة .
والمعنى: ومن يتعام عن ذكر الرحمن ، ويعرض عن قرآنه ، ويتجاهل
هدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ((نقيض له شيطانا، أى، نهيىء وفوب
له شيطانا رجيما يستولى عليه، ويستحوذ على قلبه وعقله أ.
((فهو له قرين، أى: فذلك الشيطان يكون ملازما ومصاحبا لهذا الإنسان
الذى أعرض عن القرآن، ملازمة القرين لقريته، والشىء لظله .!

٩٩
الجزء الخامس والعشرون
ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى -: «وقيصنا لهم قرناء
فرينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من
قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاصرين ،(!).
ثم بين - سبحانه - الآثار التى تترقب على مقارنة الشيطان للإنسان فقال :
((وإنهم ليصدوتهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون)).
والضمير فى ((وإنهم» يعود إلى الشيطان باعتبار جنسه، وفى قوله
- تعالى - (( ليصدونهم)) يعود إلى ((من)) فى قوله ((ومن يعش، .. ، باعتبار
معناها .
أى: ومن يعرض عن طاعة الله، نهيىء له شيطانا، فيكون ملازما له
ملازمة تامة، وإن هؤلاء الشياطين وظيفتهم أنهم يصدون هؤلاء الفاسقين
عن ذكر الله - تعالى -، وعن سبيله الحق وصراطه المستقيم.
((ويحسبون، أى: هؤلاء الكافرون , أنهم مهتدون) إلى السبيل
الحق . فالضمائر فى قوله ، ويحسبون، وما بعده يعود إلى الكافرين.
ويصح أن يكون الضمير فى قوله ((ويحسبون)) يعود إلى الكفار ، وفى
قوله : أنهم مهتدون، يعود إلى الشياطين ، فيكون المعنى :
ويظن هؤلاء المكافرون أن الشياطين مهتدون إلى الحق ، ولذلك اتبعوم
وأطاعوم .
ثم بين - سبحانه - ما يكون بين هذا الإنسان الكافر وبين قرينة من
الشياطين يوم القيامة، فقال - تعالى -: «حتى إذا جاءنا قال يا ليت بينى وبينك
-بعد المشرقين فبئس القرين» .
(١) سورة فصلت الآية ٢٠.

١٠٠
سورة الزخرف
أى: لقد استمر هذا المعرض عن ذكر الله فى غيه. ومات على ذلك.
حتى إذا جاءنا يوم القيامة للحساب والجزاء، ((قال)) لقرينه الذى صده عن
طريق الحق ...
((ياليت بينى وبينك بعد المشرقين، أى: أتمنى أن تكون المسافة التى
بينى وبينك من البعد والمفارقة، كالمسافة التى بين المشرق والمغرب .
فالمراد بالمشرقين المشرق والمغرب . فعبر - سبحانه - بالمشرقين على سبيل
التغليب لأحدهما على الآخر .
( فبئس القرين، أى: فبئس القرين أنت - أيها الشيطان -، فالمخصوص
بالذم محذوف .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما سيقال لهذا العاشى عن ذكر الله.
ولقرينه على سبيل التأنيب والتوبيخ فقال: ( ولن ينفعكم اليوم إذا
ظلتم ... ):
والضمير فى قوله: « ينفعكم، يعود إلى التمنى المذكور فى قوله: «ياليت
بينى وبينك بعد المشرقين .. )، و((إذا) ظرف لما مضى من الزمان، بدل
من ((اليوم)) .
أى: ولن ينفعكم ندمكم ونتمنيكم اليوم شيئا، بعد أن تبين لكم أفاكم كنتم
ظالمين فى الدنيا، ومصرين على الكفر والضلال .
وقوله: ((أفكم فى العذاب مشتركون، تعليل لما قبله . أى: ولن ينفعكم
اليوم تمنيكم وندمكم ، لأنكم فى هذا اليوم أنتم وقرناؤكم مشتركون فى
العذاب ، كما كنتم فى الدنيا مشتركون فى سببه، وهو الكفر
والضلال .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: (( أنكم فى العذاب مشتركون))