النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ الجزء الخامس والعشرون ((وإنك، أيها الرسول الكريم (لتهدى، من أرسلناك اليهم ,إلى صراط مستقيم، أى طريق واضح قويم لا إءوجاح فيه ولا التواء وقوله: («صراط الله)) بدل مما قبله، وإضافته إلى الله - تعالى - التفخيم والتشريف . أى: وإنك لترشد الناس إلى صراط الله , الذى له ما فى السموات ومافى الأرض ، ملكا وخلقاً وتصرفا .. ( ألا إلى القه)) - تعالى - وحده ((تصير الأمور)) أى: تنتهى اليه الأمور وتصعد اليه وحده، فيقضى فيها بقضائه العادل، وبحكمه النهائى الذى لامعقب له وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة ((الشورى، فسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله کتبه الراجی عفوربه وصحبه وسلم؟ محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر - مساء الأحد ٦ من المحرم سنة ١٤٠٦ھ الموافق ٣٠ من أكتوبر سنة ١٩٨٥ م التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَةِ الرّخْرُفْ لفضيلة. الدكتور محمد السيّد طنطاوى الأستاذ بجامعة الأزهر ( الجزء الخامس والعشرون ) ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م ﴿ رَبَّ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع العَلِيم﴾ ( ٥ - سورة الزخرف) بِسْم ◌َبد الرحمن الرحيم مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الزخرف، من السور المكية الخالصة، وعدد آبانها تسع وثمانون آية، وكان نزولها بعد سورة («الشورى)). ٢ - وقد افتتحت سورة ((الزخرف)) بالثناء على القرآن الكريم. وبتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه، وبيان جانب من مظاهر قدرته - تعالى -، ومن أنواع نعمه . قال - تعالى -: ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ، الذى جعل لكم الأرض مهدا ، وجعل لكم فيها حبلا لعلكم تهتدون ، والذى نزل من السماء ماء بقدر ، فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون . والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأفعام ما تركبون ... » . ٣ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن جهالات المشركين، وعن دعاواهم الكاذبة ، وعن أقوالهم الفاسدة عندما يدعون إلى الدخول فى الدين الحق . قال - تعالى- ((وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، أشهدوا خلقهم، ستكتب شهادتهم ويسألون. وقالوا لو شاء الرحمن ماعبدنام ، مالهم بذلك من علم إن هم إلا بخرصون ... فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين . ٤ - وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من دعوة إبراهيم - عليه السلام - لقومه، واصلت حديثها عن موقف المشركين من دعوة الحق ، وعن -٠ ٦٨ ~ اعتراضهم على نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم أخذت فى تفنيد هذه الاعتراضات ، وفى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم، وينت سوء عاقبتهم فى الدنيا والآخرة . قال - تعالى -: وقالوالولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أهم يقسمون رحمة ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ، ورحمة ربك خير مما جمعون . ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين .... ٥ - ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة موسى - عليه السلام. وكيف أن الله - تعالى - دمر فرعون وقومه، بسبب بغيهم وإصرارهم على کمرم . قال - تعالى -: « ونادى فرعون فى قومه، قال ياقوم أليس لى ملك مصر، وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذى هومهين ولا يكاد يبين . فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أوجاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين. فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين . فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين جعلنام سلفا ومثلا الآخرين . ٦ - ثم أتبعت السورة حديثها عن جانب من قصة موسى مع فرعون وقومه ، بالحديث عن موقف المشركين من عيسى - عليه السلام - الذى جاء قومه بالحق والحكمة، فقال - تعالى -: ((ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون، وقالوا آلهتنا خير أم هو ماضربوه لك إلا جدلا، بل هم قوم خصمون. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل . ٧ - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى عباده المؤمنين ، بشرهم فيه رضوانه وجنته. فقال - تعالى ـ((باعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. - ٦٩ - الذين آمنوا بآياتنا و كانوا مسلمين . ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون . ٨ - وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار. أتبع القرآن حديثه عن ثواب المتقين ، بالحديث عن عقاب الكافرين ، فقال - تعالى -: «إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون. لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين . ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون . ٩ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس به ألسنة المشركين ، ويسليه عن كيدهم ولجاجهم ويسلحه بالحق الذى لا يحوم حوله باطل . قال - تعالى -: ((قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين . سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون ، فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون . إلى أن يقول - سبحانه: ((ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون. وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون )). ١٠ - وبعد فهذا عرض إجمالى لبعض المقاصد التى اشتملت عليها سورة ((الزخرف))، ومنه نرى أن السورة الكريمة تهتم اهتماما واضحا بالحديث عن العقبات التى وضعها المشركون فى طريق الدعوة الإسلامية ، وكيف أن الله - تعالى - قد أعطى نبيه - صلى الله عليه وسلم - السلاح الذى يهدم به هذه العقبات کما اهتمت بییان مظاهر قدرة الله - تعالى - و نعمه خلقه ، وببیان جانب من قصص بعض الأنبياء - كإبراهيم وموسى وعيسى - عليه السلام - لتسليته - صلى الله عليه وسلم - عما لحقه من أذى المشركين، كما اهتمت بالمقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، وبإقامة البراهين الساطعة على وحدانية الله - عز وجل -، إلى غير ذلك من المقاصد التى لا مجال لتفصيل الحديث عنها فى تلك المقدمة ، وإنما سنتحدث عنها بشىء من التوضيح خلال تفسيرنا لآيات السورة الكريمة . والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر مساء الثلاثاء ٨ من صفر ١٤٠٦ ه كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى ١٩٨٥/١٠/١٢ م الأستاذ بجامعة الأزهر ٧١ الجزء الخامس والمشرون التفسير قال الله - تعالى -: ((حم (١) والكتابِ الُبِينِ (٢) إنا جعلناَهُ قرانً ءرَبيَّا لَمَلِكُمْ تَعَقلونَ (٣) وإنَّهُ فى أُمِّ الكتابِ لدَينَاَ لَعَلِىٌّ حكِيمٌ (٤) أَفتضرِبُ عِنْكُم الذّ كرَ صَفحاً أنْ كَنْتُمْ قَوْمَا مُسرِفِينَ(٥) وَكَمْ أَرْسَلناَ من نَبِيَّ فى الأوَّلِينَ (٦) وما يَأْتِيهم من نِىِّ إلاَّكانوا به يَستهزِ تُونَ (٧) فَأَهْلِكْنَا أشَدّ مِنهم بطشً ومضَى مثلُ الْأولينَ (٨)). سورة (( الزخرف)) من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة، وقد سبق أن قلنا فى المراد بهذه الحروف ماخلاصته: هذه الحروف التى افتتحت بها بعض السور، يغلب على الظن أنه جىء بها للتنبيه إلى إعجاز القرآن ، لأنه مؤلف من كلام هو من جنس كلامهم، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله ... (١) . و((الواو، فى قوله: «والكتاب المبين، القسم، والمقسم به الكتاب، وجواب القسم قوله - تعالى - بعد ذلك: ((إنا جعلناه قرآنا عربيا ٠٠،, أى: وحق هذا الكتاب الواضح المرشد إلى طريق الحق والسعادة، لقد جعلنا بقدرتنا وحكمتنا هذا الكتاب قرآنا عربيا, لعلكم تعقلون. أی : جعلناه كذلك لکی تفهموه وتتعقلوا معانيه، وتهتدوا إلى ما فيه من الأحكام السامية. والآداب العالميه ، قال صاحب الكشاف: أقسم - سبحانه، بالكتاب المبين وهو القرآن ، وجعل قوله: («إنا جعلناه قرآنا عربيا جوابا للقسم، وهو من الأيمان الحسنة (١) راجع تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران، والأعراف. ٧٢ سورة الزخرف البديعة، لتناسب القسم والمقسم علبه، وكونهما من واد واحد ... و((المبين) أى: البين الذى أنزل بلغتهم وأساليبهم .. ، (9). فقوله - تعالى -: ((لعلكم تعقلون، بيان للحكمة التى من أجلها أنزل الله - تعالى - هذا القرآن بلسان عربى مبين. أى: جعلناه كذلك رجاء أن تعقلوا وتفهموا أوامره ونواهيه، وتوجيهاته وإرشاداته . ثم بين - سبحانه - المنزلة السامية التى جعلها لهذا القرآن، والصيانة التامة التى أحاطه بها فقال: ((وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم)). والمراد بأم الكتاب: الموح المحفوظ، وسمى بذلك لأن جميع الكتب السماوية منقولة عنه، كما قال - تعالى - «بل هو قرآن مجيد، فى لوح محفوط). وقيل : المراد بأم الكتاب : علمه الأزلى - عز وجل - . أى: وإن هذا القرآن المبين، لثابت وكائن فى اللوح المحفوظ، وهو ((لدينا، أى: عندنا((لتَعِلِىّ، أى: ارفيع الشأن، عظيم القدر ((حكيم، أى: محكم النظم، فى أعلى طبقات البلاغة ، فلا يضيره تكذيب المكذبين ، ولا طعن الطاعنين . فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على القيمة العظيمة التى جعلها - سبحانه - لهذا القرآن، فى علمه - تعالى - وتقديره، كما أن وصف هذا الكتاب بقوله (((على حكيم، يؤكد هذه المنزلة السامية ويقررها . وبعد هذا البيان المشرف للقرآن الكريم، أتبع - سبحانه - ذلك بالكشف عن مدى الإسراف القبيح الذى ارتكبه المشركون حين أعرضوا عنه ؛ فقال - تعالى -: ((أفتضرب عنكم انذكر صفحا، أن كنتم قوما مسرفين)). والهمزة للاستفهام الإنكارى، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٥٤٦ الجزء الخامس والعشرون والضرب هنا : بمعنى التنحى والابتعاد والإهمال، تقول: ضربت عن فلان صفحا ، إذا أعرضت عنه وتركته. والصفح: صدر صفحت عنه، إذا أُعرضت عنه، وذلك بأن تعطيه صفحة وجهدك أى: جانبه. وهو منصوب لتضرب من غير لفظه، كما فى قولهم: قعدت جلوسا. أو على الحال من الفاعل. على المصدرية أى : صارخين . والمراد بالذكر هنا: القرآن الكريم. والمعنى: أنعرص عنكم ونهملكم فلانذ كركم بالقرآن الكريم، ولا ترشدكم إلى هداياته، بيب إسرافكم على أنفسكم، ومحاربتك للحق ، وإيثاركم الغى على الرشد؟ لا لن نفعل ذلك، بل سننزل هذا القرآن على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ، ومن شاء فليكفر . قال الشوكانى: قوله: ((أن كنتم قوما مسرفين»: قر أنافع وحمزة والكسانى بكسر (( إن)) على أنها شرطية، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون بفتحها على التعليل، أى: لأن كنتم قوما منهمكين فى الإسراف مصرين عليه ،(١) . ثم سلى - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن مكرهم فقال: ((وكم أرسلنا من فى فى الأولين)، و((كم، هنا خبرية لإفادة كثرة الأنبياء المرسلين، وهى مفعول مقدم لأرسلنا، وقوله, من فى، تمييز لها. أى: ما أكثر الرسل الذين أرسلناهم فى الأمم الأولين لهدايتهم، فكان موقف أكثر هؤلاء الأمم من رسلهم، بدل على إعراضهم عنهم، وتكذيبهم لهم، فاصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك، كما صبر الذين من قبلك. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال: « وما يأتيهم من فى إلا كانوا به (١) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٤ هـ ٥٤٧ ٧٤ سورة الزخرف يستهزئون، أى: أن هؤلاء السابقين لم يأتهم فى من الأنبياء لهدايتهم، إلا استهزموا به، وسخروا منه، وأعرضوا عنه . فاذا كانت نتيجتهم؟ كانت نتيجة استهزائهم برسلهم كما قال - تعالى -: (( فأهلكنا أشد منهم بطها ومضى مثل الأولين)). والضمير فى قوله ((منهم)) يعود إلى القوم المسرفين ، المخاطبين بقوله - تعالى -. ((أفتضرب عنكم الذكر صفحا ... ))، وفى الاية التفات من الخطاب إلى الغيبة ، لأنه كان الظاهر أن يقال: فأهلكنا أشدمنكم بطها: - أيها المشركزو .. وقوله: ((أشد منهم)) مفعول به لأهلكنا. وأصله نعت لمحذوف، أى: فأهلكنا قوما أشد منهم بطشا. والبطش: السطوة والقوة. يقال : فلان بطش بفلان إذا أخذه بقوة وعنف، ومنه قوله - تعالى -: ((وإذا بطشتم. بطشتم جبارين)). والمراد (بمثل الأولين)) صفتهم المتمثلة فى استئصال شأفتهم، وقطع دابرهم. أى: هكذا كان موقف السابقين من رسلهم، لقد استهزموا برسلهم فأهلكناهم ، وكانواأشد قوة وبطشا من قومك المسرفين - أيها الرسول الكريم وقد اقتضت حكمتنا أن نسوق لقومك قصص هؤلاء السابقين وصفاتهم وما حل بهم من نكبات، لكى يعتبروا بهم ، ولا ينهجوا نهجهم ، حتى لا يصيب قومك ما أصاب أولئك السابقين المكذبين . ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: (( أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانواهم أشد منهم قوة وآثارا فى الأرض، فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ))(١) . (١) سورة غافر الآية ٢١ - ٧٥ الجزء الخامس والعشرون ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك نماذج من تناقض هؤلاء المشركين مع أنفسهم ومن مواقفهم الجحودية من نعم الله تعالى عليهم ... فقال - تعالى -: (( ولْنْ سَأَلْنَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والْأرْضَ ليقولُنَّ خلقَهُنَ العزيزُ العليمُ (٩) الذى جعلَ لكُم الأرضَ مَهداً وجَعَلَ لكُم فيها سُبلاً املكُم تهتدُونَ (١٠) والذى نَزَّلَ من السماء ماء بقدَرٍ فَأَنْشَرنا به بلدَةً مَيْتًا كذلكَ تخرَجونَ (١١) والذى خلقَ الأزواجَ كُلّها، وجعل لكُم من الفُلكِ والأنمامِ ما تَرَكَبُونَ (١٢) لتَسْتَووا على ظُهورِهِ ثم تذكُرُوا نِعمةَ ربُكُم إذا اسْتَويُم عليه وتَقُولُوا سُبحانَ الذى سخر لنا هذا وما كنّا له مُقرنِينَ (١٣) وإنّا إلى رَبَُّ لمِنقَلِبونَ (١٤))). واللام فى قوله - تعالى -: ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض » للقسم. وجوابه قوله - تعالى - بعد ذلك: ((ليقولن خلقهن ... )) والمعنى. وحق الله الذى لا إله إلا هو، لئن سألت « أيها الرسول الكريم هؤلاء المشركين عمن خلق هذا الكون ، ليقولن بدون تردد: خلقه الله - تعالى - المتصف فى نفس الأمر بالعزة والعلم . فالآية الكريمة تدل دلالة صريحة على أن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا العالم، وأن معبوداتهم بعض خلقه - تعالى - ولكنهم الجهلهم وانطماس بصائرهم أشركوها معه فى العبادة، وقالوا: ((مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زافى .. )). ويبدو أن هاتين الصفتين: ((العزيز العليم)) ليستا من أقوالهم. فهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا الكون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون ألقه بصفاته التى جاء بها القرآن الكريم . ٧٦ سورة الزخرف ولذا قال بعض العلماء: الذى يظهر أن هذا الكلام مجزأ، فبعضه من قولهم ، وبعضه من قول الله - تعالى -، فالذى هو من قولهم ((خلقين))، وما بعده من قول الله - عز وجل -، وأصل الكلام أنهم قالوا: خلقهن الله، ويدل عليه قوله - تعالى - فى آية أخرى: ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)). ثم لما قالوا: خلقهن الله، وصف الله - تعالى - ذاته هاتين الصفتين، (١)، ثم وصف .. سبحانه - ذاته. بصفات أخرى فقال : الذى جعل لكم الأرض ٢٠دا .. ، المهد والمهاد : الفراش المعهد المذلل الذى يستقر عليه من جلس فوقه . أى، الخالق لهذا العالم هو الله العزيز العليم ، الذى جعل لكم الأرض كالفراش المعهد، حيث بسطها لكم، وجعلها صالحة لسيركم عليها، ولإنبات الزروع فيها . ((وجعل لكم فيها سيلا)) أى: وجعل لكم فيها طرقا متعددة، لكى تسلكوها، فتصلوا من بلد إلى آخر ، ومن قطر إلى قطر، كما قال - تعالى - فى آية أخرى ((والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا تجاجا)). وقوله - تعالى - ((لعلكم تهتدون، بيان للحكمة من جعل الأرض كذلك. أى: جعلها ممهدة كثيرة الطرق ، لعلكم تهتدون إلى ما تريدون الوصول إليه من البلاد ، ومن المنافع المتعددة . ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ثانية فقال: ((والذى نزل من السماء ماء بقدر ... ) أى : وهو - تعالى - الذى أنزل من السماء ماء بمقدار معين على قدر حاجتكم ومصلحتكم ، فلا هو بالكثير الدي بفرقكم ، ولا هو بالقليل الذى لا يكفى (١) راجع حاشية الكثاف خـ ٤ صـ ٢٢٨ ٧٧ الجزء الخامس والعشرون حاجتكم، بل نزله بقدر كفايتكم، كماقال سبحانه: ((وأنزلنا من السماء ماء بقدر، فأسكناه فى الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون)). و کقوله - تعالى - فی آیة ثانية: «وإن من شىء إلا عندنا خزائنه، وما نزله إلا بقدر معلوم ... ، وقوله - سبحانه -: «فأنشرنا به بلدة ميتا، بيان للآثار المترتبة على هذا الإنزال الماء . أى: نحن الذين بقدرتنا أنزلنا من السماء ماء على قدر حاجتكم ، وحسبما تقتضيه مصلحتكم، فأحيينا بهذا الماء بلدة مجدبة، لا نبات فيها ولا زرع. فالمراد بالنشور : الإحياء للأرض عن طريق إنبات الزرع بها ، بعد أن كانت محدبه . وقوله: ((كذلك تخرجون، بيان لإمكانية إحياء الناس بعد موتهم. أى: مثل ذلك الإحياء الأرض بعد موتها ، تخرجون أنتم من قبوركم أحياء يوم القيامة . قالى الألوسى: وفى التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذى هو إحياء الموتى، وعن إحيائهم بالإخراج، تفخيم لشأن الإنبات ، وتهوين لأمر البعث ، وفى ذلك من الرد على منكريه ما فيه ، (١) وشبيه بهذه الآية قوله: ((وهو الذى يرسل الرياح بشرابين يدى رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء، فأخرجنا به من كل الثمرات، كذلك مخرج الموتى لعلكم تذكرون » (٢) ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفة ثالثة فقال: «والذى خلق الأزواج (١) تفسير الآلوسى = ٢٠ ٦٧٥ (٢) سورة الأعراف الآية ٥٧ ٧٨ سورة الزخرف كلها ... ، أى: خلق أصناف وأنواع المخلوقات كلها. فالمراد بالأزواج هنا: الأصناف المختلفة من الذكر والأفى . ومن غير ذلك من أنواع مخلوقاته التى تحصى . قال - سبحانه: « سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم ، وما لا يعدون ، وقوله - تعالى - ((وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون، أى: وسخر لكم بقدرته ورحمته من السفن التى تستعملونها فى البحر ، ومن الإبل التى تستعملونها فى البر ، ما تركبونه وتحملون عليه أثقالكم، وتنتقلون بواسطته من مكان إلى آخر . فما فى قوله ((ما تركبون)) موصولة، والعائد محذوف. والجملة مفعول ((جعل» وقوله: « من الفلك والأنعام، بيان له مقدم عليه. أى: وجعل لكم ما تركبونه من الفلك والأنعام . ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا التذليل والتسخير للفلك والأنعام فقال: ((لتستووا على ظهوره ... )، والضمير فى ((ظهوره، يعود إلى ((ما، فى قوله ((مانر كبون»، وجاء مفردا رعاية للفظ ((ما)، وجمع الظهور لأن المراد بالمركوب جنسه . / .. والاستواء: الاستعلاء على الشىء، والتمكن منه. أى: سخر لكم من السفن والأنعام ما تركبونه ، ولقستعلوا على ظهوره إستعلاء المالك على مملوكه . (« ثم تذكروا، بعد كل هذا التمكن والاستعلاء, فعمة ربكم إذا إستويتم عليه، أى: على تلك السفن والأنعام التى تركبونها. والضمير فى (( عليه، يعود - أيضا - إلى «ما، فى قوله (( ماز كبون)) ٧٩ الجزء الخامس والعشرون بإعتبار لفظه . . وتقولوا، على سبيل الشكر لله - تعالى -، والاعتراف بفضله (( سبحان الذى سخر لنا هذا. » أى: وتقولوا جل شأن لله ، وتزه عن الشريك والمثيل ، فهو الذى سخر لنا هذا المركوب من الفلك والأنعام، وجعله منقاداً لنا، طائعا لأمرنا ((وما كنا له مقرنين)، أى: والحال أننا ما كنا لهذا المركوب الصعب بقادرين على التمكن منه، لولا أن الله - تعالى - سخره لنا، وجعله منقاد! لا مرنا فقوله: (( مقرفين)، أى: مطيقين وقادرين وضابطين، من أقرن الشىء، إذا أطاقه وقدر عليه، حتى لكأنه صار له قرنا، أى: مثله فى الشدة والقوة . والمقصود: ما كنا بقادرين أو بمطيقين لتذليل هذه السفن والأنعام، لولا أن الله - تعالى - قد جعلها منقادة لنا، ومسخرة لخدمتنا ولا يخفى أن الجمل أقوى من الإنسان، وأن البحر لو لم يذلله - سبحانه - لنا، لما قدرت السفن على الجرى فيه قال القرطبى: قوله: (وما كنا له مقرنين، أى: مطيقين ... أو ضابطين. وفى أصله قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الإقران ، يقال : أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق . وأقرنت كذا أطقته وحكمته ، كأنه جعله فى قرن - أى : حبل - فأوثقه به وارده . والثانى: أنه مأخوذ من المقارنه ، وهو أن يقرن بعضها ببعض فى السير بقال: قرفت كذا بكنا إدا ربطته به ، وجملته قرينة (١). وقوله : (( وإنا إلى ربنا لمنقلبون، من جملة ما يقولونه - أيضا - عند إستوائهم على ظهور السفن والإبل . (١) راجع تفسير القرطبى = ١٦ ٦٦٥ ٨٠ سورة الزخرف أى: تقولون إذا إستويتم عليه: سبحاته الذى سخر لنا هذا المركب الصعب، وماكنا بقادرين على تذليله لولا أن الله - تعالى - وفقنا لذلك، وإنا. إلى ربنا وخالقنا لراجعون يوم القيامة، لكى يحاسبنا على أعمالنا، ويجازينا عليها بجزائه العادل هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، جملة من الأحاديث، منها ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى ..: عن عبد الله من عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذى سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون)). ثم يقول: اللهم إنى أسألك فى سفرى هذا البر والتقوى. ومن العمل ماترضى اللهم هون علينا السفر. وأطولنا البعيد. اللهم أنت الصاحب فى السفر . والخليفة فى الأهل. اللهم اصحبنا فى سفرنا. وأخلفنا فى أهلنا ، (١) وبذلك زى الآيات الكريمة قدذكرت أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله - تعالى -، ومن رحمته بعباده، لمكى يخلصوا له العيادة والطاعة. ثم حكى - سبحانه - ما إفتراه المشركون على خالقهم ورازقهم من أكاذيب ورد عليها بما يزهق باطلهم , فقال - تعالى- ((وجعلُوا لَهُ مِنْ عبادِهِ جُزءاً، إنَّ الإنسانَ لكفورٌ مبينٌ (١٥) أَمِ اتَّخِذَ ما يُخْتَقُ بِنَتٍ وَأَصْفَا ثُم بالبنينَ (١٦) وإذَا بُشْرِ أحدُ كُم بِما ضربَ الرَّحمن مثلاً ظلَّ وجهُهُ مُسوداً وهو كظيمٌ (١٧) أَوَ مَن يُقَشَّأ فى الْخُلِيةِ وهُوَ فى الخصامِ غيرَ مُبينٍ (١٨) وجعلوا الملائكةَ الذينَ م عبادُ الرَّحمنِ إناثًا أَشَهِدُوا خَلَقْهُم، سَتكتبُ شهادَتُهُم ويُسألُونَ (١٩) وقالوا لو شاء الرحمنُ ما عَبَدْنَم، ما لَهُم بِذَلِكَ مِنْ على إنْ م إلا (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ صـ٢٠٨