النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجزء الخامس والعشرون أى: وهو - سبحانه - الذى ينزل المطر على عباده، من بعد أن انتظروه فترة طويلة، حتى ظهرت على ملامحهم علامات اليأس، وبدأت وجوههم أمارات القنوط . وقوله - تعالى - ((وينشر رحمته، معطوف على ((بنزل)). أى: ينزل الأمطار بعد يأس الناس من نزولها، وبنشر رحمته عليهم عن طريق ما ينتج عن هذه الأمطار من خيرات وبر كات وأرزاق . (((وهو)) - سبحانه - ((الولى، أى: الذى يتولى عباده برحمته وإحسانه ((الحميد)) أى: المحمود على فعله، حيث أنزل على عباده الغيث بعد أن يئسوا منه. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تصور جانبا من فضل الله على عباده بطريقة محسوسة، فالتعبير بالغيت يشعر بالغوث والنجدة بعد أن فقد الناس الأمل فى ذلك، والتعبير بالقنوط يشعر بأن أثار الضيق قد ظهرت على وجوههم، والتعبير بقوله - تعالى - ((وينشر رحمته))، يشعر بإنتشار الرجاء والقرح والإنشراح على الوجوه بعد أن حل بها الفنوط والتعبير بقوله - تعالى -: ((وهو الولى الحميد، يشعر بقرب أنه - تعالى - من عباده ، بوجوب شكره على ما أعطى بعد المنع ، وعلى ما فرج بعد الضيق . ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان كمال قدرته فقال :«ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة ... » والمراد بالآيات هنا: الدلائل والعلامات الواضحة الدالة على كمال قدرته - عزّ وجل- وقوله: ((وما بث.، معطوف على ((خلق السموات والأرض» أى: ومن العلامات الناصعة الدالة على كمال قدرته - تعالى - خلفه للسموات والأرض بتلك الصورة الباهرة البديعة التى تشاهدها بأعيننا، وخلقه - أيضا. ٤٢ سورة الشورى لما بث فيهما من دابة، لما نشر وفرق فيهما من دواب لا يعلم عددها إلا الله - تعالى - . والدابه: إسم لمكل ما يدب على وجه الأرض أو غيرها . وظاهر الآية الكريمة يفيدوجود دواب فى السموات قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم جاز, فيهما من دابة)» والدواب فى الأرض وحدها ؟ قلت: بجوز أن ينسب الشىء إلى جميع المذكور وإن كان متلبسا ببعضه كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد ، أو شجاع بطل ، وإنما هو فى نفذ من أنفاذم . ويجوز أن يكون للملائكة - عليهم السلام - مشى مع الطيران، فيوصفوا بالديب كما يوصف به الأناسى، ولا يبعد أن يخلق - سبحانه - فى السموات حيو أنا يمشى فيها مشى الأناسى على الأرض، سبحان الذى خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق .، (١) وقوله - تعالى -: ((وهو على جمعهم إذا يشاء قدير، بيان لكال قدرته - عز وجل . . أى: وهو - سبحانه - قادر قدرة قامة على جمع الخلائق يوم القيامة. الحساب والجزاء . كما قال - تعالى - فى آية أخرى:( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ، ثم بين - سبحانه - أن ما يصيب الناس من بلاء إنما هو بسبب أعمالهم. فقال: ((وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، (١) تفسير الكشاف = ٤ م ٢٥٥ ٤٣ الجزء الخامس والعشرون أى: وما أصابكم - أيها الناس - من بلاء، كمرض وخوف وفقر، فإنماهو بسبب ما اكتسبتموه من ذنوب، وما اقتر فتموه من خطايا. ويعفو - سبحانه - عن كثير من السيئات التى ارتكبتموها، فلا يحاسبكم عليها رحمة منه بكم . قال - تعالى - ((ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ماترك على ظهرها من دابة ... . (١) وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث والآثار منها مارواه ابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال : ألا أخبركم بأفضل آية فى كتاب الله، وحدثنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم .... وسأفسر ها لك يا على: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا، فبما كسبت أيديكم، واله - تعالى - أحلم من أن يثنى عليه العقوبة فى الآخرة، وما عفا الله عنه فى الدنيا فاقه أكرم من أن يعود بعد عفوه، (٢) ثم حذر - سبحانه - الناس من عقابه فقال: «وما أنتم بمعجزين فى الأرض، ومالکم من دون الله من ولی ولا نصیر » أى: وما أقم - أيها الناس - بقادرين على الهرب منافى أى مكان من الأرض أو فى غيرها، لأن قدرتنا لا يعجزها أن تأتى بكم من أى مكان كنتم فيه، وليس لكم غير الله - تعالى - من ولى يتولى أموركم، أو نصير يدفع عنكم عدابه. (١) سورة فاطر الآية ٤٥ (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٣ ١٩٥ ٤٤ سورة الشورى قال - تعالى -: (( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لهال، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبامن دلائل قدرته عن طريق ما يشاهده الناس فى البحر، فقال - تعالى -: (ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام)) والجوار: جمع جارية والمراد بها السفينة لأنها تجرى فى البحر. وهى صفة لموصوف محذوف . والأعلام: جمع علم وهو الجبل الكبير، وأصله الأثر الذى يعلم به الشىء كعلم الطريق، وعلم الجيش، وسمى الجبل علماً لأن الناس يسترشدون به فى سيرم أى: ومن آياته - سبحانه - الدالة على كمال قدرته، هذه السفن الجارية فى البحر ، حتى لكأنها من ضخامتها وعظمها الجبال الشاهقة « إن يشأ، - سبحانه , يسكن الريح، التى بسببها تجرى السفن فى البحار ((فيظللن رواكد على ظهره، أى: فيصرن أو ابت على ظهر البحر لابجرين. بقال: ر کد الماء ركودا - من باب قعد - إذا مكن، فهو واكد . وكل شىء ثابت فی مکانه فهو را کد . (((إن فى ذلك، الذى ذكر ناه لكم من السفن المسخرة فى البحر بأمره -تمالى ـ ((لآيات)) عظيمات ((لكل صبار شكور، أى: لكل إنسان قد تحلى بصفتى الصبر والشكر لله - تعالى -، حتى صارتا هاتان الصفتان سجية من سجاياه .... أويوبقهن بما كسبواء أى أويهلكن ويغرقهن بسبب ما إكتسبه الراكبون فى هذه السفن من ذنوب وخطا يا يقال: أوبق فلان فلانا إذا حبسه أو أملكه. ووبق فلان - كوعدووجل- وبوقا إذا هلك . ٤٥ الجزء الخامس والمشرون وهو معطوف على قمله (( يسكن، وكذلك قوله ((ويعطف)) أى: إن يشأ، سبحانه - يسكن الريح فتظل السفن ساكنة على ظهر البحر أو إن يشأن يرسل الريح عاصفة بتلك السفن بمن فيها، أو إن يشأ ينج ناسا بالعفو عنهم . قال صاحب الكشاف: ((يوبقهن، يهلكهن. والمعنى: أنه إن يمأ يبتلى المسافرين فى البحر بإحدى بليتين : إما أن يسكن الربح فير كد الجوارى على ظهر البحر ، ويمنعهن من الجرى، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكن إغراقا بسبب ماكسبوا من الذنوب (( ويعف عن كثير، منها. فإن قلت: علام عطف « يوبقهن،؟ قلت: على ((يسكن، لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فیرکدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها فإن قلت : فما معنى إدخال العفو فى حكم الإيباق حيث جزم جزمه ؟ قلت : معناه: أو إن يشأ تهلك قاسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم فإن قلت: فمن قرأ ((ويعفو))؟ قلت: قد إستأنف الكلام ) (١) ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: «ويعلم الذين يجادلون. فى آياتنا ما لهم من محيص ، والمحيص: المهرب والمنجى من العذاب . فقال: حاص فلان عن الشىء، إذا حاول الفرار منه . وقراءة الجمهور بنصب «يعلم أنه منصوب على فعل مقدر. أى: فعل ما فعل - سبحانه - لينتقم من الظالمين، وليعلم الذين يجادلون فى آياتنا الدالة على وحدفيتنا وقدرتنا ... أنهم لا محيص لهم ولا مهرب من عذابنا ، بسبب جدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق ثم بين - سبحانه - أن متاع الدنيا مهما كثر فهو إلى زوال، فقال: وفا .(١) تفسير الكتاب جـ ٤ ٢٢٧٥ ٤٦ سورة الشورى أو قيتم من شىء فمتاع الحياة الدنيا ... ، أى: فما اعطيتم من شىء من متع الحياة الدنيا كلغنى والصحة والجاه. فإنما هو متاغ زائل من متع الحياة الدنيا ((( وما عند الله، من عطاء وثواب فى الآخرة ((خير وأبقى)» أى: هو خير فى ذاته من متاع الحياة الدنيا ، وأبقى منه زمانا حيث لايزول ولا يفنى. قوله ((للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)) متعلق بقوله ((خير وأبقى، أى: هذا الذى ذكره لكم من نعم الآخرة خير وأبقى، للذين آمنوا بالله - تعالى - إيماناحقا؛ وللذين هم يتوكلون ولا يعتمدون إلا على ربهم وحده ، لاعلى غيره أصلا . 0000 وبعد هذا البيان المفصل للبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وللنعم التى أسبغها - سبحانه .. على عباده ... بعدكل ذلك أخذت السورة المكريمة فى بيان الصفات الطيبة والمناقب الحميدة، التى وفق الله - تعالى - عباده المؤمنين للتحلى بها، فقال: (( والذينَ يُحَتَّقْبُونَ كبائر الإثمِ والفواحشَ وإذا ما غَضِبُوا م يَغْفِرُونَ (٣٧) والذينَ استجابُوا لريْم وأقامُوا الصلاةَ وأمرُهُ شورَى يَنَهم وبِمَّا رَزَقْنَم ينفقُونَ (٣٨) والذينَ إذَا أصابَهم البَغْىَ م يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مِثْلَها، فن عقاً وأصَلَحَ فأجرُهُ على اللّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظالمِينَ (٤٠) ولمَنِ انتصَرَ بعدَ ظُلمه فأولئِكَ ما عَلَيهِمْ من سبيلٍ (٤١) إِنَّا السبيلُ عَلى الذّينَ يظلِمُونَ اللَ ويبقُونَ فى الأرضِ بغيرِ الحقّ، أولئكَ لهم عذابٌ أايمٌ (٤٢) ولمَنْ صبرّ وغفَر إِنَّ ذلكَ لمِنْ عَزْمِ الأمورِ (٤٣))). وقوله - تعالى -: ((والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ... ، معطوف ٤٧ الجزء الخامس والعشرون على قوله - تعالى - قبل ذلك: « وما عند الله خير أبقى للذين آمنواو على ربهم يتوكلون» . أو بدل منه . وكبائر الإثم: هى الذنوب الكبيرة التى يترتب عليها إقامة الحد على فاعلها أو الوعيد الشديد من الله - تعالى - لمرتكبها، كقتل النفس , وتعاطى الربا، وما يشبه ذلك من الكبار والفواحش: جمع فاحشة، وهى من جملة كبار الإثم، إلا أن الله - تعالى - خصها بالذكر من باب عطف الخاص على العام، اهتماما بها ، وأكثر ما تطلق الفواحش على جريمة الزنا . كما قال - تعالى -: «ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا .. والمعنى: وما عند الله - تعالى - من ثواب فى الآخرة خير وأبقى الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون ارتكاب كبائر الآنام ، كقتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل، ويجتنبون كذلك ما خش وعظم قبحه من الذنوب، كالزنا والبخل بما آتاهم الله من فضله .. وليس المراد من هذه الآية الكريمة فتح الباب لارتكاب صغائر الآثام والذنوب، بل المراد بيان فضل الله - تعالى - على عباده، ورحمته بهم، وبيان أن اجتناب كبائر الإثم والفواحش، يؤدى - بفضل الله وكرمه - إلى غفران صغائر الذنوب، كما قال - تعالى -: ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما،(!). وقوله - سبحانه -: ((وإذا ما غضبوا هم يغفرون)) صفة أخرى من صفاتهم الكريمة. أی: ما عند الله خير وأبقى، للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذین يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وللذين من صفاتهم - أيضا - أنهم يتجاوزن عن الشخص الذى أغضبهم ، ويصفحون عنه ، ويحلمون عليه . (١) راجع تفسيرنا لهذه الآية فى تفسير سورة النساء ص ١٦٦. ٤٨ سورة الشورى وخص حالة غضبهم بالغفران، لأن هذه الحالة لا يقدر عليها إلا أصحاب العزائم القوية ، إذ من المعروف أن الإنسان فى حالة غضبه، كثيرا ما يفقد صوابه، ويغلب عليه عدم السيطرة على مشاعره، فإذا ما استطاع أن يكظم غيظه فى حالة غضبه، كان ذلك دليلا على قوة إيمانه، وعلى ملكه النوازع نفسه. قال صاحب الكشاف: «هم يغفرون، أى: هم الأخصاء بالغفران فى حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس. والمجىء بلفظ هم، وإيقاعه مبتدأ وإسناد, يغفرون، إليه، لهذه الفائدة. ومثله دم بنتصرون، (١) . ثم ذكر - سبحانه - صفات كريمة لهم فقال: ((والذين استجابوا لربهم. أى: أطاعوه فى كل ما أمرهم به ، أو نهاهم عنه .. (« وأقاموا الصلاة، أى: حافظوا عليها، وأدوما فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين . (وأمرهم شورى بينهم، أى: شأنهم أنهم إذا حدث بينهم أمرهام يحتاج إلى المراجعة والمناقشة، تجمعوا وتشاوروا فيما هو أنفع وأصلح. قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((وأمرهم شورى بينهم» أی : يتشاورون فى الأمور . والشورى مصدر شاورته - والقشاور: استخراج الرأى من الغير .. قال الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورم .. وقال ابن العربى : الشورى: ألفة للجماعة، ومسبار للمقول ، وسبب إلى الصواب . (١) تفسير الكفاف حـ ٤ ص ٢٢٨ ٤٩٪ الجزء الخامس والعشرون وقد قال الشاعر الحكيم : برأى لبيب أو نصيحة حازم إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن فإن الخوافى قوة للقوادم(١) ولا تجعل الشورى عليك غضاضة وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه فى الأمور التى تتعلق بالحروب وما يشبها من الأمور الدنيوية، ولم يكن يشاورهم فى الأحكام. لأنها منزلة من عند الله - تعالى -.. فأما الصحابة فكانوا يتشاورن فى الأحكام ، ويستنبطونها من الكتاب والسنة .. فقد تشاوروا فى الخلافة بعد موت الرسول - صلى الله عليه وسلم- وفى ميراث الجد، وفى حروب المرتدين .. )،(٢) وقوله (« ومما رزقنا ينفقون، أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين - أيضا - أنهم ما أعطيفانهم من الرزق، يتصدقون على غيرهم من المحتاجين . , والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون، أى: أن من صفانهم كذلك أنهم إذا بغى عليهم باغ، أو ظلهم ظالم، أو اعتدى على كرامتهم أو على دينهم معتد، فإنهم لا يخضعون له، ولا يذلون أمامه، وإنما هم ينتصرون لدينهم ولكرامتهم ، بأن يقابلوا بغيه وعدوانه ، بما يردعه ويجعله يخشى إصابتهم بأذى .. وقوله - تعالى -: ((وجزاء سيئة سيئة مثلها .. ، بيان لوجوب عدم تجاوز الحد عند دفع الظلم . أى: أن الله - تعالى - يأمركم أنكم إذا أردتم الاقتصار من الباغى. فعليكم (١) الخوافى: الريش الذى يختفى عندما يضم الطائر جناحيه. والقوادم: الريش الظاهر السكثير . (٢) راجع تفسير القرطبى حـ١٦ ص٣٦. (٤ - سورة الشورى) ٥٠ سورة سورى أن تقابلوا بغيه وظلمه وعدوانه بمثله بدون زيادة منكم على ذلك ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به، ولئن صبر تم لهو خير الصابرين ». قال الشوكانى : ذكر - سبحانه - المغفرة عند الغضب فى معرض المدح فقال: ((إذا ماغضبواهم يغفرن))، كما ذكر الانتصار على الباغى فى معرض المدح - أيضا -، لأن التذال لمن بغى، ليس من صفات من جعل اقه له العزة، حيث قال - سبحانه - ((وقه العزة ولرسوله وللمؤمنين،. فالانتصار عند البغى. فضيلة، كما أن المفو عند الغضب فضيلة . قال النخعى : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترى. عليهم السفهاء». ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ماجهله الله - تعالى - له،. وعدم مجاوزته، كما بينه - سبحانه - عقب ذلك بقوله: «وجزاء سيئة سيئة مثلها، فبين - سبحانه - أن العدل فى الانتصار، هو الاقتصار على المساواة ... (١) ثم بين - سبحانه - ما هو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال: ((فمن عفا وأصلح فأجره على اله، إنه لا يحب الظالمين ». أى: فمن عفا عمن أساء إليه، وأصلح فيما بينه وبين غيره، فأجره كائن على الله - تعالى - وحده، وسيعطيه - سبحانة - من الثواب مالا يعلمه إلا هو - عز وجل . ((إنه، تعالى لا يحب الظالمين بأى لون من ألوال الظلم. وفى الحديث القدسى: « باعبادى إنى حرمت الظلم وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، . (١) تفسير فتح القدير حـ ٥٤ـ ٥٤١ ٠١ الجزء الخامس والعشرون ثم أكد - سبحانه - ماسبق أن بينه من أن دفع بغى الباغى أمر محمود، فقال تعالى (( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل». واللام فى قوله ((ولمن انتصر، هى لام الابتداء. وقوله ((بعد ظله)) مصدر مضاف لمفعوله و ((من) شرطية، وجوابها , فأولئك ما عليهم من سبيل، والمراد بالسبيل : المؤاخذة والحرج . أى: أن من انتصر لدينه وعرضه، بعد أن ظلمه الظالم له، فأولئك الذين يفعلون ذلك ، لا يؤاخذون من أحد، ولا يلاءون من غيرهم ، لأنهم باشروا حقهم الذى شرعه الله - تعالى - لهم، وهو مقابلة السيئة يمثلها . ثم بين - سبحانه - على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال: «إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق». أى: إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلون غيرهم من الناس ، وبتكبرون ويتجاوزون حدودهم فى الأرض بغير الحق . وفيد - سبحانه - البغى فى الارض بكونه بغير الحق . لبيان أنه لا يكون إلا كذلك، إذ معناه فى اللغة تجاوز الحد. يقال: بغى الجرح , إذ تجاوز الحد فى فساده . فهذا القيد إنما هو لبيان الواقع، والتغفير منه . (( أولئك لهم عذاب أليم، أى: أولئك الذين من صفاتهم الظلم والبغى لحم عذاب أليم، بسبب ما اجترحوه من ظلم وبغى . ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات الكريمة للمؤمنين فقال: ((ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور . أى: والإنسان الصابر على الأذى. الذى يصفح عمن أساء إليه، الثواب الجزيل، والعاقبة الحسنة، لأن ذلك اصبر والمغفرة منه، لمن الأمور لن قدل على على الهمة ، وقوة العزيمه .. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد مدحت حتى المؤمنين ٥٢ سورة الشورى الصادقين بجملة من الصفات الحميدة ، التى تعتبر على رأس الصفات الأساسية، لكل أمة تريد أن تنال الظفر والسعادة فى دنياها وآخرتها . وبعد هذا الحديث عن المؤمنين وعن صفاتهم الكريمة ، وعما أعده سبحانه لهم من ثواب ، جاء الحديث عن الظالمين وما أعد لهم من عقاب ، وأمريم - سبحانه - بالاستجابة لدعوة الحق من قبل أن يأتى يوم الحساب ، الذى لا ينفعهم فيه شفيع أو نصير ، فقال تعالى : ((ومَنْ يُصْلِلِ اللهُ فَاَ لُهُ مِنْ بَعَدِهِ، وتَرَى الظَّالمينَ لما رأوا العذابَ يقولُونَ هلْ إلى مرَدٌ من سَبيل (٤٤) وتَراهُ يُعرَ ضُون علَيهَا خَشِيِنّ من الذُّلَّ ينظرُونَ من طَرْفٍ خَفِى، وقالَ الذِينَ آمَنُوا إِنَّ الحاسِرِينّ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهم وأَهلِيهم يومَ القيامةِ، ألا إنّ الظالمينَ فى عذّابٍ مقيمٍ (٤٥) وما كانّ لهم من أولياء ينصُرونَهم من دُونِ اللهِ، ومَنْ يُضْلِلِ الله فمالهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) استحِبُوا لربّكُم مِنْ قَبلِ أن يَأَتِىَ يومٌ لَا مَرَدّ لهُ من اللّهِ، مالِكُمْ مِنْ مَلْجَإِ يومَئذٍ وما لَكُم مِنْ نكيرٍ (٤٧) فإنْ أمرَضُوا فىا أَرْسَلْنَكَ عَلَيهِم حفيظاً إنَّ عليكَ إلاَّ البلاغُ ، وإنَّا إذاً أَذَفْنَ الإنسانَ مِنَّا رحمةَ فرِحَ بها ، وإنْ تُصِيْهم سَيْئَةٌ بما قدَّمتْ أَيديهِم فإنَّ الإنسانَ كفورٌ (٤٨))). وقوله تعالى : ((ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده ... ، أى: ومن يخذله الله تعالى ويبعده عن طريق الهداية بسبب زينه وإيثاره الغى على الرشد، فليس لهذا الضال من ناصر ينصره بعد الله - تعالى - فالمراد بالضلال هنا، ما هو ضد الهداية والتوفيق للخير . والضمير فى قوله ((من بعده)» يعود إلى الله - عز وجل -. وقيل: يعود للخذلان المفهوم من قو له «یضلل» . ٥٣ الجزء الخامس والعشرون ثم بين - سبحانه - حال الظالمين عندما يعرضون على النار فقال: ((وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل)». أى: وترى - أيها العاقل - الظالمين حين رأوا العذاب المعد لهم يوم القيامة، تراهم فى نهاية الحسرة والذلة، ويقولون فى تدامة وانكسار: هل إلى ، مرد، أى: مرجع إلى الدنيا من سبيل أو طريق، فتعمل غير الذى كنا نعمل . وقوله - سبحانه -: «وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى ، بيان لحالهم عندما يعرضون على النار بعد بيان ما يقولونه عند رؤیتهم لها . أى : أنهم عند رؤيتهم لجهنم يقولون هل من طريق الهرب من هذا العذاب لكى نرجع إلى الدنيا فنؤمن بالله - تعالى - وتعمل صالحا، فلما وجدوا أنه لا طريق إلى ذلك زاد انكسارهم وذلهم وتراهم - أيها العاقل - يعرضون على النار عرضا مؤلما، فهم خاضعون متضائلون من شدة ما أصابهم من ذل ، يسترقون النظر إلى النار من طرف خفى ، أى : م عین لا تكاد تتحرك من شدةضعفها وهوانها ... قال صاحب الكشاف: ((خاشعين، متضائلين متقاصرين مما يلحقهم ((من الذل - متعلق بخاشعين - ((ينظرون من طرف خفى، أى: يبتدى. نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقته كما ترى المصبور - أى المحبوس للقتل - ينظر إلى السيف، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره ، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل الناظر إلى الشىء المحبوب ... ))(١) ثم بين - سبحانه - ما يقوله المؤمنون الفائزون برضا الله - تعالى - بعد رؤيتهم لأحوال هؤلاء الظالمين فقال: ((وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خشروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم)،. (١) تفسير الكفاف جـ ٢٣١٠٥٤ ٠٤ سورة الشورى أى: وقال المؤمنون - على سبيل التحدث بنعمة الله عليهم - بعد أن رأوا انكسار الظالمين وذلتهم ...: قالوا هؤلاءهم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة بتعريضها للعذاب المهين، وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا معهم فى النار فلن ينفعوهم بشى . . وإن كانوا فى الجنة فلن يستطيعوا الوصول إليهم ... ألا أن ذلك العذاب المقيم الذى حل بهؤلاء الظالمين هو الخسران التام الكامل الذى لا خسران أفظع منه . ((وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله .. )) أى: لم يكن لهؤلاء الظالمين من نصراء أو شفعاء يحولون بينهم وبين العذاب الذى أعده - سبحانه- لهم بسبب ظلهم وكفرهم . ((ومن يضلل الله، أى: ومن يضله الله - تعالى - عن طريق الهداية والرشاد «فما له من سبيل، أى: فما له من طريق إلى الهدى أو النجاة . ثم يوجه - سبحانه - أمره إلى هؤلاء المعاندين، يدعوهم إلى الاستجابة للحق من قبل أن يأتى يوم القيامة الذى لاشك فى مجيته، .. فيقول ; ((إستجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لامرد له من القه ... )، أى إستجيبوا - أيها الناس - لدعوة الحق التى دعاكم اليها ربكم وخالقكم، عن طريق الرسول الذى أرسله - سبحانه - إليكم، ولتكن إستجابتكم عاجلة فى هذه الدنيا، من قبل أن يأتى يوم القيامة الذى لن يستطيع أحد أن يرده أو يدفعه، بعد أن حكم - سبحانه - بمجيئه، وجعل له أجلا محدداً لا يتخلف عنه ثم بين - سبحانه - حالهم عند مجى. هذا اليوم فقال: « مائكم من ملجأ بو منذ وما لكم من نكير » والملجأ : هو المكان الذى يلجأ اليه الإنسان عند الشدائد والكروب لاتقائها. والنكير بمعنى الإنكار الجزء الخامس والعشرون أى: ليس لكم فى هذا ليوم ملجأ تلتجئون اليه من العذاب، وليس لكم القدرة على إنكار شىء مما إجترحتموه فى الدنيا من الكفر والعصيان، لأنه مسجل عليكم (( فما نزل بكم من عذاب بسبب كفركم وإعراضكم عن الحق، شىء أنتم تستحقونه ، ولن تجدوا يوم القيامة من ينكر إستحقاقكم لهذا العذاب . قال الآلوسي: قوله - تعالى - ((وما لمكم من فكير)) أى: إنكار على أنه من أفكر على غير القياس. ونفى ذلك مع قوله - تعالى - حكاية عنهم. واتمه ربنا ما كنا مشر كين ، تنزيلا لما يقع من إنكارهم مزلة العدم، لعدم نفعه وقيم الحجة، وشهادة الجوارح عليهم أو يقال: إن الأمرين باعتبار تعدد الأحوال والمواقف ... (١) ثم بين - سبحانه - وظيفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا، إن عليك إلا البلاغ ... ، أى : فإن أعرض هؤلاء الظالمون عن دعوتك - أيها الرسول الكريم-، فلا تحزن لذلك، فإننا ما أرسلناك لتكون رقيبا على أعمالهم، ومكرها لهم على الإيمان ، وإنما أرسلناك لتبلغ دعوة ربك اليهم ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر . والمراد بالإنسان فى قوله - سبحانه -: ((وإنا إذا أذقنا الإسان منا رحمة فرح بها « جنسه الشامل للجميع. والمراد بالرحمة: ما يشمل الغنى والصحة وغيرهما من النعم أى: وإنا إذا أعطينا ومنحنا الإنسان فضلنا وكرمنا فعمة كالمال والولد والجاه. فرح بها وإنشرح لها (١) تفسير الآلوسي جـ ٥٢ ٢ ٥٦٠ سورة الشورى (وإن تصبهم)، أى: الناس , سيئة، من بلاء أو مرض أو خوف أو فقر, بما قدمت أيديهم)) أى: بسبب ما إكتسبته أيديهم من المعاصي والسيئات حزفوا وامتعضوا وقوله ، فإن الإنسان كفور، تعليل لجواب الشرط المحذوف، أى: وأن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فسوا فعمنا وقنطوا، فإن المكافر كثير الكفرا والجحود لنعم خالقه - عز وجل -. أما من آمن وعمل صالحا فإنه يشكر ربه عند النعم ، ويصبر عند البلاء والنقم ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن مظاهر قدرته التى لا يعجزها شىء، وعن نفاذ مشيئته وحكمته، وعن فضله على نبيه - صلى أنه عليه وسم - حيث أوحى اليه بما أوحى، من هدايات للناس . فقال - تعالى - ((قُلِ ملكُ السَّمواتِ والأَرْضِ ، يخلقُ ما يشاءٍ، يَهَبُ لمن يشاء إناثاً ويهَبُ لمن يشاء الذكورَ (٤٩) أو يزوِّجُهم ذكراناً وإناثً ويجعلُ من يشاء عقيماً، إنَّه عليمٌ قديرٌ (٥٠) وما كانَّ لبشَرِ أنْ يكلَّهُ الله إلاّ وَحياً أو مِنْ وراءِ حَجَبٍ أو يُرسِلَ رسولاً فيُوحٍ،َ بإذنِهِ ما يشاء، إنّه علىّ حكيمٌ (٥١) وكذلك أوحينا إليكَ رُوحاً من أَمْرِنَ، ما كنتَ تدْرى ما الكتابُ ولاَ الإيمانُ، ولكن جَلْنَهُ نوراً نَهدِی به من نشاء من عبادنا، وإذكَ لَتهدى إلى صِرَاطٍ مُستقيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللهِالذى له ما فى السّمواتِ وما فى الأرْضِ، ألاَ إلى اللهِ تصيرُ الأمورُ (٥٣)». وقوله - تعالى -: ((فقه ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء ... » بيان لكمال قدرته - سبحانه -، ولنفاذ مشيئته. والملك - بضم الميم - الاستيلاء عليه والتمكن من التصرف فيه . ٥٧ الجزء الخامس والعشرون أى: لله - تعالى - وحدة ملك جميع ما فى السموات والأرض، وليس لأحد معه شىء لا اشترا كا ولا إستقلالا، وهو - سبحانه - «يخلق مايشاء، أن يخلقه، من غير أن يكون لأحد وصاية عليه، أو إختيار لشىء معين . ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر هذه القدرة التامة ، والإرادة النافذة فقال: هب أن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما. ((فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل ، أو بدل بعض من كل . وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلوعن هذه الأقسام الأربعة فهو - سبحانه - إما أن يهب لمن يشاء من عباده إنانا لاذكور معهن، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهن، وإما أن يهب لبعضهم الإناث والذكور معا وهذا معنى قوله - تعالى - ((أو يزوجهم ذكرانا وإناثا)، إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات . وإما أن يجعل بعضهم عقيما، أى: لاذرية له، ذكرا كان أو أنثى . يقال رجل عقيم وأمرأة عقيم ، إذا كانا لاذرية لها وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة فى حياء الناس، فمنهم من معه الإناث فقط، ومنهم من معه الذكور والإناث، ومنهم من ليس معه منهماشى. وهذا كله يدل على كمال قدرته - سبحانه .. ، وعلى نفاذ إرادته وحكمته، إذا عطى من يشاء إعطاءه بفضله، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها ، لاراد لقضائه ، ولا معقب لحكمه . فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله - تعالى - وحده ، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشيئته وحده ، وهو - سبحانه- يقدرها وفق عليه وإرادته وحكمته؛ ليس لأحد مدخل فى إختيار نوع معين من الذرية ، وليس عند أحد القدره على إنجاب شىء منها، إذا أراد الله منعه من ذلك . ١ ٥٨ سورة الشورى قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: لم قدم الإناث أولا على الذكور مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم ؟ ولم عرف الذكور بعد مافكر الإناث؟ قلت: قدم الاثاث لبيان أنه - سبحانه - يفعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتى من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم ... وأخر - سبحانه - الذكور ، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم، وهم أحقا. بالتقديم بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، فكأنه قال : ويهب لمنيشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال: ((ذكرانا وإناثا))، كما قال: ((إنا خلقناكم من ذكر وأنثى » ... (١) وقوله - تعالى - («إنه على قدير، تذييل قصد به تأكيد قدرته وحكمته. أى: إنه - سبحانه - واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم ، قدير على كل شىء، فهو يفعل ما يفعله عن قدرة وإختيار، لا مكره له ولا معقب لحكمه ثم بين - سبحانه - الطرق التى بها يقع التكليم منه - تعالى - للختارين من عباده فقال : (( وما كان لبشر أن يكلمة الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فیوحی بإذنه ما يشاء.، فهذه الآية الكريمة قد دات على أن تكليم الله - تعالى - للبشر وقع على ثلاثة أوجه : الأول : عن طريق الوحى ، وهو الإعلام فى خفاء وسرعة عن طريق الإلقاء فى القلب يقظة أو مناما، ويشمل الإلهام والرؤيا المناعية. (١) تفسير الكشاف جـ ٤ مـ ٢٣٢ ٥٩ الجزء الخامس والعشرون والوحى مصدر أوحى، وقد غلب إستعماله فيما يلقى للمصطفين الأخبار من الكلمات الإلهية . والثانى . عن طريق الإسماع من وراء حجاب، أى حاجز، بأن يسمع النبى كلاما دون أن يرى من يكلمه، كما حدث لموسى - عليه السلام - عندما كلمه ربه - عز وجل -، وهذا الطريق هو المقصود بقوله - تعالى -: «أو من وراء حجاب ،. والثالث: عن طريق إرسال ملك، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله ثابتبليغه له، وهو المقصود بقوله - تعالى - ((أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما یها. ،. وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذى رواه الإمام البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - أن الحارث ابن هشام، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يأنبنى مثل صلصلة الجرس - وهو أشده على - أى: أحيانا باتینی مشابها صوته وقوع الحدید بعضه على بعض ۔ فیفصم عنی وقد وعيت عنه ما قال . وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول . قالت عائشة: ولقدرأيته - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد ، فيفضم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا ، والمعنى: وما صح وما إستقام لبشر أن يكلمه الله - تعالى - فى من حال الأحوال إلا موحیا اليه، أو مسمعا إياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب، أو يرسل اليه ملكا ليبلغه ما يريده - سبحانه - منه وقوله - تعالى - ((إنه على حكيم، تعليل لما قبله. أى: إنه - سبحانه - متعال عن صفات النقص. حكيم فى كل أقواله وأفعاله ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ٦٠ سورة الشورى فقال: «وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب والإيمان .... والكاف فى قوله , كذلك، بمعنى مثل واسم الإشارة يعود إلى ما أوحاه إلى الرسل السابقين. والمراد بالروح: القرآن. وسماه - سبحانه - روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما تحيا الأبدان بالغذاء المادى . أى: ومثل إيماننا إلى غيرك من الرسل، أوحينا اليك - أيها الرسول الكريم. هذا القرآن، الذى هو بمنزلة الأرواح الأجساد، وقد أو حبناء البك بأمرنا وإرادتنا ومشيئتا، وأنت - أيها الرسول الكريم - ماكنت تعرف أو تدرك حقيقة هذا الكتاب حتى عرفناك إياه ، وما كنت تعرف أو تدرك تفاصيل وشرائع وأحكام هذا الدين الذى أو حيناه اليك بعد النبوة فالمقصود بالآية الكريمة نفى علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا القرآن قبل النبوة ; ونفى أن يكون - أيضا - عالما بتفاصيل وأحكام هذا الدين لانفى أصل الإيمان وشيه بهذه الآبة قوله - تعالى -: «وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعليك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيما ، (١) وقوله - سبحانه -: « نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين. (٢) والضمير فى قوله - تعالى - : « ول کن جعلناه نور ا نهدى به من نشاء من عبادنا, يعود إلى القرآن الكريم، الذى عبر عنه بالروح أى : ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورا ساطعا، نهدى به من نشاء هدايته من عبادنا ، (١) سورة النساء الآية ١١٢ (٢) سورة يوسف الآية ٣