النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الجزء الخامس والعشرون
الناس فى عقائدهم، وأرشد النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى أفضل الأساليب
فى الدعوة إلى الحق ؛ فقال - تعالى -:
( شرَع لكُم من الدينِ ما وصَّى به نوحاً، والذى أَوْحيناً إليكَ
وما وصَّيْنَاَ به إِبراهيم وموسَى وعيسَى أنْ أقيمُوا الدينَ ولا تتفرَّقُوا
فيه، كُبُر على المشركينَ ما تدعُوم إليهِ ، اللهُ يحتى إليه من يشاء،
ويَهَدِى إليه مَن ينببُ (١٣) وما تفرَّقُوا إلَّ مِنْ بَعْدِ ما جَهم العلمُ
بقياً بِينَهم، ولولاَ كلمةٌ سبقّتْ من ربِّكَ إلى أُجَلٍ مستَّى لقَضِىَ ينْهم
وإِنَّ الذِينَ أُورِثُوا الكتابَ من بَعْدِمِ لفى شَكَ منهُ مُرِيبٌ (١٤)
فلذلكَ فادعُ واسْتقِمْ كما أمرتَ، ولا تَتَبِعْ أهواءهمُ، وَقُلْ آمنتُ
بما أنزلَ اللهُ من كتابٍ وأمِرِتُ لْأَعْدِلَ ببنكُم، اللهُ ربَّ ورَبِكُم،
لناَ أعمالًا ولكُم أعمالكُم، لا حُجةَ بينَنا وَيَبْنَكُم، اللهُ يجمَعُ بِنَا
وإليهِ المصيرُ (١٥) والذينَ يحاجُّونَ فى اللهِ مِنْ بعدِ مَا اسْتُجِيبَّ لَهُ
حُجْتُهُم داخِضَةٌ عندربهم، وعايهِم ◌َغَضَبٌ ولَهُم عذابٌ شديدٌ (١٦)».
قال الفخرى الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما عظم وحيه إلى نبيه محمد
- صلى الله عليه وسلم - بقوله: كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك .. ،
ذكر فى هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ((شرع لكم من الدين ما وصى
+ زوجا .. ،
أى: شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به فوحا ومحمدا
وإبراهيم وموسى وعيسى .. وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر،
لأنهم أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع العظيمة، والأتباع الكثيرة .. »(!)
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٠٢٨٢

٢٢
سورة الشورى
والمراد بما شرعه - سبحانه - على ألسنته هؤلاء الرسل: أصول الأديان
التى لا يختلف فيها دين عن دين، أو شريعة عن شريعة ، كإخلاص العبادة
قه - تعالى - والإيمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، والتحلى
بمكارم الأخلاق كالصدق والعفاف ..
أما ما يتعلق بفروع الشرائع، كتحليل بعض الطيبات لقوم على سبيل
التيسير لهم، وتحريمها على قوم على سبيل العقوبة لهم فهذا لا يدخل فى
الأصول الثابتة فى جميع الأديان ، وإنما يختلف باختلاف الظروف
والأحوال .
ويزيد ذلك قوله - تعالى ..: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا .. )) (١)
وقوله - سبحانه - حكاية عن عيسى - عليه السلام - «ولأحل لكم بعض
الذى حرم عليكم .. ،(٢)
والمعنى: من الله - تعالى - لكم ـ يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -
من المقائد ومكارم الأخلاق ، ما سنه لنوح - عليه السلام - الذى هو أول
أولى العزم من الرسل ، وأول أصحاب الشرائع الجامعة ..
وشرع الله - تعالى - لكم - أيضا - ما أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه
وسلم - من آداب وأحكام وأوامر ونواه ..
وشرع لكم كذلك ما وصى به - سبحانه - أنبياءه: إبراهيم وموسى
وعيسى، من وصايا تتعلق بوجوب طاعة الله - تعالى -، وإخلاص العبادة له ،
والبعد عن كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ..
وقوله - سبحانه -: ((أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. ، تفصيل
وتوضيح لما شرعه - سبحانه - هؤلاء الكرام ، ولما أوصاهم به.
(١) سورة المائدة الآية ٠٤٨
(٢) سورة آل عمران الآية ...

٢٣
الجزء الخامس والعشرون
والمراد بإقامة الدين: إلتزام أوامره ونواهيه، وطاعة الرسل فى كل
ما جاءوا به من عند ربهم طاعة قامة ..
قال صاحب الكشاف: والمراد: إقامة دين الاسلام الذى هو توحيد
القه - تعالى - وطاعته، والا يمان برسله وكتبه، وبيوم الجزاء، وسائر مايكون
الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التى هى مصالح الأمم على حسب
أحوالها، فإنها مختلفة متفاوته . قال انه - تعالى -,لكل جعلنا منكم شرعه
ومنهاجا ،.
ومحل ((أن أقيموا، إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين
عليه، وإما الرفع على الاستئناف ، كأنه قيل: وما ذلك المشروع ؟ فقيل:
هو إقامة الدين(١) ...
أى: أوصاكم كما أوصى من قبلكم بالمحافظة على ما اشتمل عليه دين الإسلام
من عقائد وأحكام وآداب ... وأصول أجمعت عليها جميع الشرائع الإلهية ،
كما أوصاكم بعدم الاختلاف فى أحكامه التى لا تقبل الاختلاف أو التفرق ...
ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من الدين الحق فقال: ((كبر على
المشركين ما تدعوم إليه ،.
أى: شق وعظم على المشركين دعوتكم إياهم إلى وحدانية الله - تعالى-،
وإلى ترك ما ألفوه من شرك، ومن تقاليد فاسدة ورثوها عن آبائهم .
وقوله - تعالى - : « الله يحتی إلیه من يشاء ويهدى إليه من ينيب ، بيان
لكمال قدرته - تعالى - ونفاذ مشيئته. والاجتباء: الاصطفاء والاختيار ..
أى: الله - تعالى - بإرادته وحكمته بصطفى ويختار أرسالته من يشاء من
عباده، ويهدى إلى الحق من بنيب إليه، ويرجع إلى طاعته - عز وجل - ويقبل
على عبادته ...
(١) تفسير الکشاف = ٤ ص ٢١٥

٢٤
سورة الشورى
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى اختلاف المختلفين فى أمر الدين،
وإلى تفرقهم شيما وأحزابا فقال: (( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم
بغيا بينهم ... ».
والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال والضمير فى قوله
((تفرقوا، يعود على كل الذين اختلفوا على أنبيائهم، وأعرضوا عن دعوتهم.
وقوله« بغيا، مفعول لأجله، مبين للسبب الحقيقى للتفرق والاختلاف.
أى: وما تفرق المتفرقون فى أمر الدين. وأعرضوا عما جاءتهم به رسلهم،
فى كل زمان ومكان ، إلا من بعد أن علموا الحق ، ووصل إليهم عن طريق
أنبيائهم، ولم يحملهم على هذا التفرق والاختلاف إلا البغى الذى استولى على
نفوسهم ، والحسد لرسل الله - تعالى - على ما آتاهم الله من فضله.
فقوله - تعالى -: ((إلا من بعد ماجاءهم العلم، زيادة فى ذمهم ، فإن
الاختلاف بعد العلم بقبحه، أدعى إلى الذم والتحقير، لأنه يدل على أن هذا
الاختلاف لم يكن عن جهل ، وإنما كان عن علم وإصرار على الباطل .
وقوله - تعالى - ((بغيا بينهم، زيادة أخرى تحمل كل عاقل على احتقارهم
وفبذهم ، لأن هذه الجملة الكريمة تدل على أن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول
إلى الحق، وإنما كان الدافع إليه، البغى والحسد والعناد.
أى : أن اختلافهم على أنبيائهم كان الدافع إليه الظلم وتجاوز الحد ،
والحرص على شهوات الدنيا ولذائذها ، والخوف على ضياع شىء منها من
بين أيديهم .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله ورحمته بهذه الأمة فقال: «ولولا
كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم ٠٠٠٠)).
والمراد بهذه الكلمة: ما وعدالله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من
أنه لن يهلك أمته بعذاب يستأصل شأفتهم، كما أهلك قوم نوح وغيرهم ، ومن

٢٥
الجزء الخامس والعشرون
أنه - تعالى - سيؤخر عذابهم إلى الوقت الذى يختاره ويشاؤه - سبحانه -.
أى: ولولا كلمة سبقت من ربك - أيها الرسول - الكريم، بعدم إهلاكهم
بعقوبة تستأصل شأفتهم ، وبتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى فى علمه
- تعالى -. لقضى بينهم، بقطع داراهم بسبب هذا الاختلاف الذى أدى
بهم إلى الإعراض عن دعوتك، وإلى عكوفهم على كفرهم ...
((وإن الذين أوتوا الكتاب، وهم أهل الكتاب المعاصرين لك من اليهود
والنصارى, من بعدهم ، أى: من بعد الذين سبقوهم فى الاختلاف على أنبيائهم.
((أفى شك منه مريب، أى: لفي شك من هذا القرآن. ومن كل ماجئتهم
به من عند ربك ، هذا الشك أوقعهم فى الريبة وقلق النفس واضطرابها
وتذبذبها ، ولذلك لم يؤمنوا بما جئتهم به من عند ربك .
ثم حض - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على المضى فى دعوته
فقال: « فلذلك فادع ... )).
واسم الإشارة يعود إلى ماسبق الحديث عنه من ذم التفرق ، ومن الأمر
بإقامة الدين، أى: فلأجل ما أمر فاك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين. وإلى
النهى عن الاختلاف والتفرق ، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذى
بعثناك به ، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد، التى تجعلهم يعيشون حياتهم
.آمنين مطمئنين.
((واستقم كما أمرت، أى: واستقم على الصراط الذى كلفناك بالسير على
نهجه، والزم المنهج القويم الذى امرفاك بالتزامه.
, ولا تتبع أهواءهم، أى: ولا تقبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا
دينهم و كابوا شيما .
((وقل) لهم بكل ثبات وقوة « آمنت بما أنزل اته من كتاب، أى: آمنت
بكل ما أنزله - تعالى - من كتب سماوية. فالمراد بالكتاب: جنسه.

٢٦
سورة الشورى
وأمرت لأعدل بينكم، أى: وأمر رب أن أعدل بينكم فى الحكم عند رفع
قضايا كم إلى ، فإن العدل شريعة لله تعالى .
((القه ربنا وربکے، أی : الله - تعالى - وحده هو الخالق لنا واكم، وهو
المنعم علينا وعليكم بالنعم التى لا تحصى .
((لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، أى: لنا أعمالنا التى سيحاسبنا الله عليها يوم
القيامة، ولكم أتم أعمالكم التى ستحاسبون عليها، فنحن لا نسأل عن أعمالكم
وأنتم لا تسألون عن أعمالنا .
((لاحجة بيننا وبينكم، أى: لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم، لأنه
الحق قد ظهر ، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم .
((ألقه يجمع بيننا وإليه المصير، أى. الله - تعالى - يجمع بيننا وبينكم
يوم القيامة ، وإليه وحده مصيرنا ومصيركم، وسبجازى كل فريق منا ومنكم
بما يستحقه من جزاء ..
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل ، هذه الجمل
الكريمة قدجاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة
الحسنة .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يجادلون بالباطل فقال: ((والذين
يحاجون فى الله من بعدما استجيب له، حجتهم داحضة عند ربهم ... ))
وقوله ــ((داحضة، من الدحض بمعنى الزلل والزوال. وأصله: الطين.
الذى لا تستقر عليه الأقدام. يقال: دحضت رجل فلان، إذازلت وزلقت.
أى: والذين يخاصمون فى الله أى: فى دينه وشريعته، ((من بعدما.
أستجيب له ، أى: من بعد أن استجاب العقلاء من الناس لهذا الدين الحق،
واتبعوا رسوله .

٢٧
الجزء الخامس والعشرون
( حجتهم داحضة عند ربهم، أى: حجة هؤلاء المجادلين بالباطل، زائلة
وزاهقة ((وعليهم غضب، لا يقادر قدره من ربهم ((ولهم عذاب شديد)،
يوم القيامة .
ثم بين - سبحانه - حال الكافرين والمؤمنين بالنسبة ليوم القيامة، كمابين
جانبا من فضله على عباده، ومن رحمته بهم ، فقال - تعالى -:
((القُهُ الذى أُنْزَلَ الكتابَ بالحقِّ والميزانَ، وما يُدريكَ لعلَّ
الساعةَ قريبٌ (١٧) يَسْتعجِل بها الذينَ لا يؤمنونَ بها، والذينَ آمنُوا
مُشْفِقُونَ منها وبعلمُونَ أنَّها الحقّ، أَلَّ إنّ الذينَ يمارُونَ فى السَّاعَةِ
لِفِى ضْلاَلٍ بعيدٍ (١٨) اللهُ لطيفٌ بعبادِهِ يرزُقُ مَّن يشاء وهو القوىُ
العزيزُ (١٩) من كانَ يريدُ حرثَ الآخرةِ نَزِدْلهُ فى حَرثِهِ ، ومَنْ
كانَ يريدُ حرثَ الدُّنياً نؤته منها، ومالَهُ فى الآخرة من نَصِيب (٢٠)»
والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى -: «اله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان))
جنسه أى : جميع الكتب السماوية التى أنزلها على أنبيائه .
والمراد بالميزان: العدل والقسط الذى تضمنته شريعته - عز وجل - ،
وأمر الناس بإقامته بينهم فى أمور معاشهم
وتسمية العدل بالميزان من باب تسمية الشىء باسم آلته ، لأن الميزان
آلة الإنصاف والقسط بين الناس فى معاملاتهم.
قال - تعالى -: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنامعهم الكتاب والميزان
ليقوم الناس بالقسط ... ) (١)
(١) سورة الحديد. الآية ٢٥

٢٨
سورة الشوری
وقال - سبحانه -: الرحمن. على القرآن. خلق الإنسان علمه البيان. الشمس
والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان.
أن لاتطغوا فى الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ....
أى: الله - تعالى - هو وحده الذى أنزل جميع الكتب السماوية لهداية
الناس ومنفعتهم ، وقد أنه لها - سبحانه - ملتبسة بالحق الذى لا يحوم حوله
باطل ، وأنزل كذلك شريعته العادلة ليتحاكم البها الناس فى قضاياهم ومعاملاتهم
وقوله - تعالى -: «وما يدريك لعل الساعة قريب، إرشاد إلى أن وقت
قيام الساعة لا يعلمه إلا الله - تعالى -
أى: إن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله .. تعالى - وحده، وأى شى.
بجملك عالما بوقتها إذا كان مرد عليها إلى الله وحده، ومع ذلك لعل وقت
قيامها قريب .
وقال: ((قريب)، ولم يقل قريبة، لأن تأنيث الساعة غير حقيقى، أولأن
لفظ فعيل يستوى فيه المذكر والمؤنث، كما فى قوله - تعالى -: ((إن رحمة الله
قريب من المحسنين ،
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمه
عند الله، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا)،
وقوله - تعالى -: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون
منها ... ، بيان لموقف الكافرين والمؤمنين من الساعة.
أى: يستعجل الكافرون قيام الساعة، إستعجال إستهزاء وإستخفاف .
لجهالتهم وإنطماس بصائرهم، أما الذين آمنوا بالله واليوم الآخر . فهم خائفون
مشفقون من قيامها ، لما فيها من أهوال وحساب وثواب وعقاب ، ولأنهم
لايدرون ما الذى سيفعله الله - تعالى - بهم

٢٩
الجزء الخامس والعشرون
فقوله - تعالى ((مشفقون)) من الإشفاق، وهو عناية مشوبة بخوف،لأن
المشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه . فإذا عدى بحرف، ((من، فمعنى
الخوف فيه أظهر، وإذا عدى بحرف (( فى ) فمعنى العناية فيه أظهر
وقوله - سبحانه -: ((يعلمون أنه الحق، تأكيد لإ يمان المؤمنين بها. ومدح
لهم على هذا الإيمان .
أى: أن المؤمنين وجلون من الساعة لما فيها من حساب .. ومع ذلك فهم
لصدق يقينهم يعتقدون أنها آتية لاريب فيها، ويستعدون لاستقبالها بالإيمان
العميق ، وبالعمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى -
ثم وبخ - سبحانه - الذين يشكون فى البعث والنشور فقال:( ألا إن الذين
يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد،
وقوله: ((يمارون)) من المباراة بمعنى المجادلة والمخاصمة، يقال: مارى
فلان فى الشىء يمارى مراء وماراة ، إذا خاصم وجادل
أى: ألا إن الذين يخاصمون فى قيام الساعة خصام شك وريبة ، لفى
ضلال بعيد عن الحق، وفى ذهول شديد عن الصواب، لأن قدرة الله - تعالى ..
لا يعجزها شىء، ولأن حكمته قد إقضت أن يجازى كل إنسان بما يستحقه من
ثواب أو عقاب
ثم بين - سبحانه - أنه رءوف رحيم بعباده فقال: ((الله لطيف بعباده))
أى: حفى بهم ، عطوف عليهم، يفيض عليهم جميعا من صفوف بره مالا تخصيه
العقول، ومن مظاهر ذلك أن لا يعاجلهم بالعقوبة ، مع مجاهرتهم بمعصيته،
وأنه يرزقهم جميعا مع أن أكثرهم لا يشكرونه على نعمه
وقوله ((يرزق من يشاء)) أى: يبسط رزقه ويوسعه لمن يشاء من خلقه
((وهو) سبحانه ((القوى العزيز، أى: وهو العظيم القوة الغالب على كل
من سواه .

٢٠
سورة الشورى
ثم حكى - تعالى - سلفة التى لا تتخلف فقال: « من كان يريد حرث
الآخرة نزد له فى حر ثه ،
والحرث فى الأصل : مصدر بمعنى إلقاء البذور فى الأرض ، لتنبت
ما ينفع الناس من زرع .
والمراد به ثمرات الأعمال ونتائجها، تشبيها لها بثمرات البذور
والمعنى: من كان يريد من الناس بأعماله ثواب الآخرة، ورضا الله
- تعالى - ضاعف الله - عز وجل - له الأجر والثواب والعطاء
, ومن كان يريد حرث الدنيا، إى: ومن كان يريد بعمله شهوات الدنيا
, نؤ ته منها ،ما قدر ناه له من حطامها وزخارفها
((وما له فى الآخره من نصيب)، أى: وليس له فى الآخره نصيب من
خير اتها الباقية ، ونعيمها الدائم
وشبيهه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ((من كان يريد العاجلة عجلنا
١
له فيها ما نشاء لمن فريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن
أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا
نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا.،(١)
ثم إنتقلت السورة الكريمة إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على
كفرهم، وقارنت بين مصير ثم السىء، وبين المصير الطيب الذى وعد الله به
المؤمنين ... فقال - تعالى - :
((أَمْ لَهُم شركاء شرّئُوا لهم من الدينِ مالم يأْذَنْ به اللهُ، ولولاً
كِلةُ الفَصلِ لَقُضِىَ بينَهم ، وإنَّ الظالمينَ لهم عذابٌ أليمٌ (٢١) تَرَى
(١) سورة الإسراء الآيات من ٢٨ - ٣١

٣١
الجزء الخامس والعشرون
الَّالمِينَ مُشْفِقِينَ ممّا كسبُوا وهو واقعٌ بِهِمْ، والذينَ آمَنُوا وعملوا
الصَّالِحَاتٍ فِى روْضَتِ الجَنَّاتِ، لَهُمْ ما يشاءونَ عِندَ ربّهم، ذلكَ هو
الفَضْلُ الكبيرُ (٢٢) ذلكَ الذى يبشْرِالْهُ عبادَه الذينَ آمَنُوا وعمِلُوا
الصَّالِحَاتٍ، قُلْ لا أَسْأَلِ كُم عليهِ أجراً إلاَّ المودةَ فى الْقُربِى، ومَنْ
يقتْرِفْ حسنَةً تُرِدِله فيها حسناً، إنَّ اللهَ غفورٌ شكورٌ (٢٣) أَمْ
يقولُونَ افْتَرَى على اللهِ كَذِباً، فإنْ يها اللهُ يَخْتَمْ على قلبكَ ويمحُ
اللّهُ الباطِلَ ويحقُ الحقَ بكلماتِهِ، إنّه عليمٌ بذاتٍ الصدّور (٢٤))).
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((أم لهم شركاء .. ، أى: ألهم، والميم
صلة الهمزة للتقريع .
وهذا متصل بقوله: ((شرع لكم من الدين ما وصى به فوحا، وقوله
- تعالى - ((الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان). كانوا لا يؤمنون به،
فهل لهم لهة شرعوا لهم الشرك الذى لم يأذن به الله؟ وإذا إستحال هذا فا الله
لم يشرع الشرك، فمن أين يدينون به ، (٢)
فالآية الكريمة تنكر عليهم شركهم بأبلغ أسلوب، وتؤفبهم على جهالاتهم
حيث أشر كوا بالله - تعالى - دون أن يكون عندهم دليل أو ما يشبه الدليل على
صحة ما وقعوا فية من باطل
والمراد بكلمة الفصل فى قوله - تعالى -: ((ولوكلمة الفصل لقضى بينهم)
ما تفضل به - سبحانه - من تأخير العذاب الماحق عنهم
أى: ولولا حكمنا السابق بتأخير العذاب عنهم - فضلا منا وكرما - لقضى
(١) تفسير القرطبى = ١٦ ص ١٩

٢٢
سورة الشورى
الأمر بين هؤلاء الكافرين وبين المؤمنين ، بأن أهلكنا الكافرين وأستأملنا
شأفهم فى الدنيا، ولكن شاء ربك أن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة
، وإن الظالمين لهم عذاب أليم، فى الآخره، بسبب إصرارهم على ظلمهم
وموتهم على الكفر والشرك
ثم صور - سبحانه - أحوالهم السيئة يوم القيامة تصويرا مؤثرافقال:
((ترى الظالمين مشفقين ما كسبوا وهو واقع بهم))
أى: ترى - أيها العاقل - هؤلاء الظالمين يوم القيامة ,(مشفقين مما كسبوا))
أى خائفين خوفاً شديدا، بسبب ما إكتسبوه فى الدنيا من سيئات على رأسها
الكفر، وهذا الذعر الشديد ان ينفعهم، فإن العذاب واقع بهم لا محالة،سواء
أخافوا أم لم يخافوا .
وقوله - تعالى -: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات
لهم ما يشاءون عند ربهم ... ، بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى -
لعباده المؤمنين .
والروضات : جمع روضة، وهو أشرف بقاع الجنة وأطيبها وأعلاها.
أى : هذا هو مصير الظالمين يوم القيامة ، أما الذين آمنوا وعملوا فى دنياهم
الأعمال الصالحات، فهم يوم القيامة يكونون فى أشرف بقاع الجنات واطيبها
وأسماها منزلة ، حالة كونهم لهم ما يشاءون من خيرات عند ربهم
, ذلك هو الفضل الكبير)) أى: الذى أعطيناه للمؤمنين من خيرات،
هو الفضل الكبير الذى لا يعادله فضل : ولا يماثله كرم
وإسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((ذلك، الذى يبشر الله به عباده
الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
أى: ذلك الفضل الكبير، هو البشارة العظمى، والعطاء الجزيل ، الذى
يمنحه الله - تعالى - يوم القيامة لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات

٣٣
الجزء الخامس والعشرون
قال الآلوسي قوله: « ذلك، أى: الفضل الكبير، أو الثواب المفهوم من
السياق، هو ((الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أى: يشر
به خذف الجار ثم العائد إلى الموصول، كما هو عادتهم فى التدريج فى الحذف
ولا مانع من حذفهما دفعة. وجوز كون, ذلك)) إشارة إلى التبشير المفهوم
من((يبشر) ... أى: ذلك التبشير يبشره الله عباده الذين آمنوا وعملوا
الصالحات ... (١)
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يؤكد لأولئك
المشركين من قومه ، أنه لا يسألهم أجرا على دعوته، وإنما يسألهم المودة
والمعاملة الحسنة لقرابته منهم فقال: «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى
القربى ... ،
والضمير المجرور فى ((عليه، يعود إلى التبليغ والتبشير والإنذار الذى يفعله
الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم ,والقربى، مصدر كالقرابة . والخطاب
ـكفار قريش
وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال: أولها: أن المراد بالقربى: الصلة
والقرابة التى تربط بين الرسول وبين كفار قريش
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إنى لا أسألكم على التبليغ
أجرا، لكن أسألكم أن تودونى لقرابتى فيكم، متكفوا عنى أذاكم ، وتمتعوا
عنى أذبى غيركم، وتستجيبوا لدعونى، فإن صلة القرابة والرحم التى بينى وبينبكم
توجب عليكم ذلك
فالقربى هنا: بمعنى القرابة وصلة الرحم. و((فى)) للسيبية بمعنى لام التعليل
كما جاء فى الحديث الشريف: «دخلت أمرأة النار فى هرة،
ولاشك أن منع أذاهم عنه - صلى الله عليه وسلم - بسبب قرابته فيهم
ليس أجرا .
(١) تفسير الآلوسي = ٢٠ ص ٢٠
( ٣ - سورة الشورى )

٣٤
سورة الشورى
وثانيها: أن المراد بالقربى هنا: أقاربه وعشير ته وعترته، فيكون المعن
لا أسألكم أجرا على دعوتى لكم إلى الخير والحق ، ولكن أسألكم أن تحفظونى
فى قرابتى وأهل بيتى، بأن تحسنوا إليهم ولا تؤذوهم بأى نوع من الأذى.
ولا شك - أيضا - أن إحسانهم إلى أقاربه، ليس أجرا منهم له على ذلك
لأن الإحسان إلى الناس ، شىء قررته جميع الشرائع وتقتضيه مكارم
الأخلاق .
وثالثها: أن المراد بالقربى هنا: التقرب إلى الله - تعالى - بالإيمان
والعمل الصالح .
أى: لا أسألكم على التبليغ أجرا، ولكن أسألكم أن تتقربوا إلى الله
- تعالى - بما يرضيه بأن تتركوا الكفر والفسوق والعصيان، وتدخلوا فى
الإيما والطاعة لله - تعالى - .
وهذا الذى أطلبه منهم ، ليس أجرا على التبليغ، لأن التقرب إلى الله
بالطاعات فرض عليكم . وقد رجح العلماء القول الأول، واستدلوا على هذا
الترجيح بأحاديث منها : ما رواه البخارى عن ابن عباس أنه سئل عن معنى
قوله - تعالى - ((إلا المودة فى القربى))، فقال سعيد بن جبير: ((قربى آل محمد))
فقال ابن عباس: عجلت. إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من
قريش إلا كان له فيهم قرابة . فقال: إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من
القرابة» .
وقال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث وغيره، وبهذا الرأى قال مجاهد
وعكرمة، وقتادة، والسدى، وأبو مالك، وعبدالرحمن بن زيد، وغيرهم(١).
وقال الإمام ابن جرير - بعد أن ساق هذه الأقوال - وأولى الأقوال فى ذلك
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠١٨٧

٣٥
الجزء الخامس والعشرون
بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال معناه: لا أسألكم عليه
أجرا يا معشر قريش , إلا أن تودونى فى قرابى منكم، وتصلوا الرحم التى
بانی وبینکم .
وإنما قلت هذا التأويل أولى بتأويل الآية، الدخول ((فى)) فى قوله:
(((إلا المودة في القربى)).
ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قل إلا أن تودوا قرابى، أو تتقربوا
إلى الله، لم يكن لدخول ((فى) فى الكلام فى هذا الموضع وجه معروف ولكان
التنزيل إلا مودة القربى، إن عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - أو إلا المودة بالقربى إن عنى به الأمر بالتوده والتقرب إلى
الله - تعالى - .
وفى دخول «فى، فى الكلام أوضح الدليل على أن معناه إلا مودنى فى قراءتى
منكم(!)).
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال: ((ومن يقترف
حسنة نزد له فيها حسنا؛ إن الله غفور شكور)).
وقوله ((يقترف)) من القرف يفتح القاف وإسكان الراء. بمعنى الكب،
يقال : فلان يقرف لعياله، أى: يكسب لهم ما يكفيهم لأمور معاشهم.
ومن يكتب حسنة يبغى بها التقرب إلى الله تعالى، فضاعف له - بفضلنا
وإحساننا - ثوابها، إن الله تعالى واسع المغفرة لعباده، كثير الشكر للطائمين
بأن يعطيهم من فضله أكثر مما يستحقون ويرجون .
ثم عادت السورة إلى توبيح الكافرين على كبهم وعنادهم ، قال تعالى :
« أم يقولون افترى على الله كذبا).
(١) راجع تفسير ابن جرير حـ ٢٥ ٥ ١٧

٣٦
سورة الشورى
أى: بل أيقولون إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد افترى على الله
- تعالى - كذبا فيما يدعونا إليه، وفيما بتلوه علينا من قرآن ؟
ثم أجاب - سبحانه - عن افتراتهم هذا بقوله: ((فإن يشأ الله يختم على
قلبك، أى: فإن شأ الله - تعالى - بجملك من المختوم على قلوبهم حتى تفترى
عليه الكذب، لأن افتراء الكذب على الله لا يكون إلا من طبع الله على
قلوبهم فهم لا يفقهون، وأنت أيها الرسول الكريم مبرأ ومنزه عن ذلك.
فالمقصود من الجملة الكريمة تنزيه ساحة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عما قاله المشركون فى شأنه، وإثبات أن افتراء الكذب، إنما هو من شأنهم
لا من شأنه - صلى الله عليه وسلم -.
قال صاحب السكشاف: قوله: (فإن يشأ الله يختم على قلبك، أى : فإن
يشأ الله - تعالى - يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفترى عليه الكذب،
فإنه لا يجترى على افتراء الكذب على الله إلا من كان فى مثل حالهم:
وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله، وأنه فى البعد مثل الشرك
بالله ، والدخول فى جملة المختوم على قلوبهم . ومثال هذا : أن يخون بعض
الأمناء فيقول : لمل الله خذلنى، لعل الله أعمى قلبى، وهو لا يريد إثبات
الخذلان وعمى القلب ، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله، والتنبيه على أنه
وكب من تخوينه أمر عظيم ... »(١)
وقوله - سبحانه -: «ويمح الله الباطل، ويحق الحق بكلماته، إنه عليم بذات
الصدور، كلام مستأنف غير داخل فى جواب الشرط ، لأنه - تعالى - يمحو
الباطل مطلقا، وسقطت الواو من الفعل (( يمح)) لفظا لالتقاء الساكنين،
وخطا حملا له على اللفظ ، كما كتبوا «سندع الزبانية»، فهو مرفوع لا مجزوم،
ويؤيده عطف ((ويحق))، المرفوع عليه.
(١) تفسير الكشاف = ٤ ٥ـ٢٢٣

٣٧
الجزء الخامس والعشرون
أى: من شأن الله - تعالى - أن يمحو الباطل، وأن يثبت الحق بكلماته.
الفاصلة، وقضائه العادل، كما قال - تعالى -: «بل تقذف بالحق على الباطل
فيدمغه فإذا هو زاهق ... ،
((إِنه، سبحانه -«عليم بذات الصدور، أى: مطلع على ما تخفيه الصدور
من أسرار ونوايا ، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا في السماء ، وسيجازى
كل إنان بما يستحقه من خير أو شر .
ثم تحدثت السورة الكريمة عن دلائل الإيمان فى الأنفس والآفاق، وعن
آثار القدرة فيما يحيط بالناس ، وهيما يتعلق بحياتهم ومعاشهم. وفيما يتعلق
بمظاهر لطفه بهم، وفضله عليهم ، فقال - تعالى -:
((وهُو الذى يقبلُ التوبةَ عن عبادِه، ويعقُو عنِ السَّئاتِ ويعلم
ما تفعلَونَ (٢٥) ويستجيبُ الذين آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ ويزيدمُ
من فَضْله، والكافِرُونَ لهم عذابٌ شديدٌ (٢٦) ولو بسطَ اللهُ الرزقّ
لعبادِه لَيِّوا فى الأرْضِ، ولكِنْ يُنْزَّلُ بقدرِ ما يشاء ، إنَّه بعبادِ.
خبيرٌ بصيرٌ (٢٧) وهو الذى ينزِّلُ الغيثَ من بعد ما قَنْطُوا، وينشَرُ
رحمتَه، وهو الوَلِيُّ الحميدُ (٢٨) ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ والْأَرْضِ
وما يتَّ فيهما من دابةٍ وهو على جَمِهِم إذَا بشاء قديرٌ (٢٩) وما أصابكم
من مُصيبةٍ فِيا كسَبَتْ أَيدِيُّكُم ويَعفو عن كثير (٣٠) وما أَثُم بمعجزينَ
فى الأرْضِ وما لُم من دُونِ الله مِنْ ولِيِّ ولا نَصِيرٍ (٣١) ومن آياتِه
الجِوَارِ فى البحرِ كالأعلام (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسكن الرِّيحَّ فَيظَنَ رَوَاكِدَ
على ظَهرٍ إِنَّ فى ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَّارٍ شُكُورٍ (٣٣) أو يُوبِقْهُنَّ
بما كسبُوا ويَنْفُوعن كثيرٍ (٣٤) ويعلَ الذينَ يجادِ لُونَ فى آياتِنا مالهم

٣٨
سورة الشورى
من تحميصٍ (٣٥) فما أُوتِيتُم مِنْ شَىءٍ فَتَاعُ الحياةِ الدُّنياً، وما عندَ اللهِ
خيرٌ وَأَبْقَى للذينَ آمَنُوا وَعَلَى ربهم يتوكلُوزَ (٣٦)).
قال الجمل فى حاشيته: قوله - تعالى -: ((وهو الذى يقبل النوبة عن
عباده ... )، قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. والتوبة واجبة من
كل ذقب ، فإن كان معصيته بين العبد وربه فلها ثلاثة شروط: الإقلاع عن
المعصية، والندم على فعلها ، والعزم على عدم العودة إليها .
وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدم ، أضيف إلى ذلك: أن يبرأ من حق
صاحبها ....!! )
والمعنى: وهو - سبحانه- وحده الذى يقبل التوبة من عباده التائبين
إليه، شفقة عليهم، ورحمة بهم بأن يكفر سيئاتهم، ولا يعاقبهم عليها.
والقبول يعدى بعن ، لتضمنه معنى الإبانة والقطع، ويعدى من لتضمنه
معنى الأخذكما فى قوله - تعالى -: « وما منعهم أن تقل منهم نفقاتهم إلا أنهم
كفروا بالله وبرسوله ... ،
وعدى بعن هنا الإشارة إلى تجاوزه سبحانه عن خطايا عباده
وقوله - تعالى - ((ويعفو عن السيئات، نأكيد لما قبله وتقرير له. أى:
أنه عز وجل يقبل التوبة من عباده التائبين، وفضلا عن ذلك، يعفو عن
سيئاتهم، ويسترها عليهم، بل ويحولها - بفضله إلى حسنات، كما قال - تعالى-
(( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات؟.
وقوله - سبحانه- ((ويعلم ما تفعلون، تحذير من التمادى فى تأخير التوبة،
وفى اقتراف ما نهى عنه، فكأنه - تعالى - يقول: لقد فتحت لكم باب التوبة
والعفو ، فأقبلوا على طاعتى؛ واتركوا معصيتى، فإنى عليم بما تفعلونه من خير
أو شر، وسأجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
(١) حاشية الجمل على الجلالين « ٤ صـ ٦٣:".

٣٩
الجزء الخامس والعشرون
و((ما)، فى قوله ((ويعلم ما تفعلون، موصولة، والعائد محذوف. أى:
يعلم الذى تفعلونه دون أن يخفى عليه تعالى شىء منه .
وقوله - تعالى -: ((ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدم
من فضله .. )، معطوف على قوله: ( يقبل التوبه عن عباده ..
أى: ويستجيب سبحانه للذين آمنوا دعاءهم، ويزيدهم من فضله وإحسانه،
بأن يعطيهم من النعم والخيرات أكثر مما سألوا .
قال الآلوسي ما ملخصه: والموصول مفعول بدون تقدير شىء، بناء على
أن ((يستجيب)، يتعدى بنفسه، كما يتعدى باللام، نحو شكرته وشكرت له ،
أو بتقدير اللام على أنه من باب الحذف والإيصال، والأصل: ويستجيب
للذين آمنوا ..... (١)
(( والكافرون لهم عذاب شديد)) أى: هذا هو حال المؤمنين يجيب
لهم - سبحانه - دعاءهم، ويزيدهم من فضله وإحسانه ... أما الكافرون الذين
ستروا نعمه ، وجحدوا فضله، فلهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا هو
- سبحانه - .
ثم بين - سبحانه - جانبا مما اقتضته حكمته فى تدبير أمور عباده فقال :
, ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض، ولكن ينزل بقدر
ما يشاء ... ،
والبغى. تجاوز الحدفى كل شىء. يقال بغى الجرح. إذا أظهن ما بداخله
من دم أو غيره .
وبغى القوم ، إذا تجاوزوا حدودهم فى العدوان على غيرهم .
أى: ولو بسط الله - تعالى - الرزق لعباده، بأن وسعه عليم جميعاً توسعة
فوق حاجتهم .((لبغوا فى الأرض، أى: لتجاوزوا حدودهم، ولتكبروا
(١) تفسير الآلومى = ٢٥ ٥ ٣٧

٤٠
سورة الشورى
فيها، ولطغوا وعتوا وتركوا الشكر لنا، وقالوا ما قاله قارون: ((إنما أوتيته
على على عندى ».
وقوله: ((ولكن ينزل بقدر ما يشاء، بيان لما اقتضته حكمته - تعالى -.
أى: أن حكمته - تعالى - قد اقتضت عدم التوسعة فى الرؤق لجميع عباده، لأن
هذه التوسعة تحملهم على التكبر والغرور والبظر، لذا أنزل الله - تعالى - لحم
الرزق بتقدير محدد اقتضته حكمته ومشيئته، كما قال - سبحانه -: ((وإن من
شىء إلا عندنا خزائنه وما تنزله إلا بقدر معلوم،.
وقوله - سبحانه -: ((إنه بعباده خبير بصير، تعليل لتنزيله الرزق على
عباده بتقدير وتحديد دقيق .
أى: فعل ما فعل - سبحانه - من إنزال الرزق على عباده بقدر، لأنه
- تعالى - خبير بخفايا أحوال عباده، وبطوايا نفوسهم، بصير بما يقولونه
وبما يفعلونه .
قال صاحب الكشاف: أى أنه - تعالى - يعلم مايؤول إليه حالهم ، فيقدر
لهم ما هو أصلح لهم ، وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغنى، ويمنع ويعطى ،
ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعا لبغوا، ولو
أفقرم لهلكوا .
ولا شبهة فى أن البغى مع الفقر أقل، ومع البسط أ کثر وأغلب،وكلا هما
سبب ظاهر للإقدام على البغى والإحجام عنه، فلو عم البسط ، لغلب البغى
حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما هو عليه الآن ، (١)
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده، وكلها تدل
على وحدانيته وكمال قدرته فقال - تعالى -: ((وهو الذى ينزل الغيث من
بعد ما قطوا .. ،
(١) تفسير الكشاف = ٤ جـ ٢٢٤