النص المفهرس

صفحات 461-479

٤٦١
الجزء الرابع والعشرون
والمراد به هنا : وسوسة الشيطان وكيده للانسان ،
والمعنى: وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك، وتحملك
على خلاف ما أمرك الله - تعالى - به .. فاستعذ باقه، أى فالتجىء إلى حماه
واستجر به من كيد الشيطان (( إنه) - سبحانه - هو السميع لدعائك، العليم
بكل أحوالك ، القادر على دفع كيد الشيطان عنك .
فالآية الكريمة ترشد المؤمن إلى العلاج الذى يحميه من وسوسة الشيطان
وكيده، ألا وهو الاستعاذة بالله السميع لكل شىء، العليم بكل شىء القادر
على كل شىء.
وبعد هذه البشارات الكريمة، والتوجيهات الحكيمة للمؤمنين ....
ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته،
فقال - تعالى -
(( ومِنْ آياتِهِ الليلُ والنهارُ والشمس والقمرُ، لاَتَسجدُوا للشمسِ
ولا القَمر، واسجدوا للَّهِ الذى خَلَقَهُن إِنْ كنُمْ إِياهُ تعبُدُونَ (٣٧)
فإنٍ استكبَرُوا الذين عندَ ربِّكَ يُسبَحونَ لهُ بالَّيلِ والنَّهَارِ وهُمُ
لا يسأْمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرضَ خاشِعَةً فَإذَا أَنزَلْناَ
عليها الماء اهتزَّتْ وَرَبتْ، إنّ الذى أحياها لُحى الموتى إنَّه عَلَى كلٌّ
شىء قديرٌ (٣٩))).
والمراد بالآيات فى قوله - تعالى -: ((ومن آياته .. ، العلامات الدالة
دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدر ته.
أى: ومن آياته على وحدانيته وقدرته - تعالى - وعلی وجوب

٤٦٢
سورة فصلت
إخلاص العبادة له، وجود الليل والنهار والشمس والقمر بتلك الطريقة
البديعة ، حيث أن الجميع يسير بنظام محكم، ويؤدى وظيفته أداء دقيقاً. كما
قال - تعالى -: ((لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار
وكل فى فلك يسبحون )) .
وقوله - تعالى -: ((لا تسجدوا للشمس ولا القمر، وأسجدواه الذى
خلقون ٢٠٠ نهى عن السجود لغيره - تعالى - ، وأمر بالسجود له وحده .
أى: لا تسجدوا - أيها الناس - للشمس ولا للقمر، لأنهما - كغيرهما -
من جمثة مخلوقات اله - تعالى -، واجعلوا طاعتكم وعبادتكم لله الذى خلق كل
شىء فى هذا الكون، إن كنتم حقا تريدون أن تكون عبادتكم مقبولة عنده
- عز وجل -
فالآية الكريمة تقيم الأدلة على وجوب إخلاص العبادة لله - عزوجل-
وتنهى عن عبادة غيره - تعالى -.
قال الجمل: هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر، وإنما تعرض
للأربعة مع أنهم لم يعبدوا اليل والنهار «الإبذان بكال سقوط الشمس والقمر
عن رقبة السجودية لهما ، بنظمهما فى المخلوقية فى سلك الأعراض التى لاقيام
لها بذاتها ، وهذا هو السر فى نظم الكل فى سلك آياته.
وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث - مع أن فيها ثلاثة مذكرة، والعادة
تغليب المذكر على المؤنث - لأنه لما قال: ومن آياته، فنظم الأربعة فى سلك
الآيات، صار كل واحد منها آية فعبر عنها بضمير الإناث فى قوله
(( خلقين، (!) .
ثم بین - سبحانه - أن إستکبار الجاهاین عن عبادة الله - تعالى - وحده،
لن بنقص من ملكه شيئا فقال: «فإن استكبروا، فالذين عند ربك يسبحون
له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ،
(١) حاشية الجمل جع س٤٤

٤٦٣
الجزء الرابع والعشرون
أی : فإن تکېر هؤلاء الكافرون عن إخلاص العبادة فيه - تعالى - فلا
تحزن - أيها الرسول الكريم - فإن الذين عند ربك من الملائكة. ينزهونه
- تعالى - ويعبدونه عبادة دائمة بالليل والنهار وهم لا يسأمون ولا يملون،
لاستلذاذهم لتلك العبادة والطاعة، وخوفهم من محالفة أمره - عز وجل -
فالآية الكريمة نهون من شأن هؤلاء الكافرين، وتبين أنه - تعالى - فى
غنى عنهم وعن عبادتهم لأن عنده من مخلوقاته الكرام من يعبده بالليل والنهار
بدون سام أو كال .
والمراد بالعندية فى قوله - تعالى-,عند ربك، عندية المكانة والتشريف
لا عندية المكان .
وقوله (( فالذين عند ربك، تعليل الجواب الشرط المقدر، أى: فإن
إستکېروا فدعهم وشأنهم فالذین عند ربك يسبحون له بالليل والنهار .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وله من فى السموات والأرض،
ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار
لا يفترون ».
ثم بين - سبحانه - آية أخرى من آياته الدالة على وجوب إخلاص العبادة
له فقال: «ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت
ودبت .....
و«خاشعه، أى: يابسة جدبة، من خشعت الأرض، إذا أجدبت لعدم
نزول المطر غليها وقوله: ((إهتزت، أى: تحركت بالنبات قبل بروزه منها
وبعد ظهوره على سطحها و«ريت)، أى: إنتفحت وعلت، لأن النبات إذا
قارب الظهور ترى الأرض، إرتفعت له، ثم تشققت عنه. يقال : ربا الشىء
إذا زاد وعلا وإرتفع ، ومنه الربوة للمكان المرتفع من الأرض .
أُی : ومن آباته -تعالی ۔ الدالة على وجوب العبادة له وحده، أنك ۔ ابها

٤٦٤
سورة فصلت
العاقل - ترى الأرض يابسة جامدة، فإذا أنزلنا عليها بقدرتنا المطر، تحركت
بالنبات، وارتفعت بسببه، ثم تصدعت عنه.
وعنى - سبحانه - منا بقوله (خاشعة، لأن الحديث عن وجوب السجود
لله - تعالى - وحده، والحديث عن السجود والطاعة يناسبه الخشوع.
وفى سورة الحج قال - سبحانه - «وترى الأرض هامدة ... ، لأن
الحديث هناك كان عن البعث، وعن إمكانيته ، فناسب أن يعبر بالحمود
الذى يدل على فقدان الحياة .
قال - تعالى - ((يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ((إن خلقنا كممن
تراب ... )(١).
وقوله - تعالى -: ((إن الذى أحياها لمحبى الموتى، إنه على كل شىء قدير)
بیان مظاهر قدرته - عز وجل - .
أى : إن الذى أحياها بنزول المطر عليها، ويخرج النبات منها ، القادر
على أن يحيى الموتى عن طريق البعث والنشور، إنه - سبحانه - على كل شىء
قدير .
٠٠٠
وبعد هذا الحديث عن مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ، جاءت الآيات
بعد ذلك لتهديد الذين يلحدون فى آياته - تعالى - ولتمدح القرآن الكريم،
ولتسلى النبى - صلى الله عليه وسلم .. عما لفيه من أعدائه، ولتبين أن من
عمل صالحا فثمار عمله لنفسه ، ومن عمل سيتا فعلى نفسه وحده ؟ فى ...
قال - تعالى - :
(١) سورة الحج الآية .

٤٦٥
الجزء الرابع والعشرون
(((إِنَّ الذينَ يُحُدُونَ فِى آياتِنَاَ لا يَخْقَوْنَ عَلَينا، أَفَمَنْ يلقَى فى النَّارِ
خَيْرٌ أَمْ مَنْ بَأْتِى آمِنَاَ يومَ القيامةِ اعملوا ما شِئْتُم إنَّهُ بما تقتُلُونَ
بَصِيرٌ (٤) إِنَّالذينَ كَفَرُوا بالذِكْرِ لَّا جاءَهُ وإنَّه لكتابٌ مُزيزٌ (٤١)
لا يأتيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يديهِ وَلا مِنْ خلفه تنزيلٌ مِن حكيم حميدٍ (٤٢)
ما يقالُ لكَ إلاَّ ما قد قِيلَ الرُّسُل من قبلِكَ، إنَّ رَبِّكَ لَذُو مغفرةٍ
وَذُو عقابٍ أليمِ (٤٣) ولو جَعَلناهُ قرآناً أعجميًّا لقالوا لوْلاَ فُصِّلَتْ
آيَاتُهُ أَعْجَمِىٌّ وعربىٌّ، قُلْ هُو الذِينَ آمَنُوا هُدَى وشفاء، والذينّ
لا يُؤمِنُونَ فى آذانِهِم وقرُ وهُو مَلَيهم عَمَى، أولئكَ ينادَوْنَ منمكانِ
بعيدٍ (٤٤) ولقَدْ آتَيْنَاَ مُوسَى الكِتَابَ فاختُلِفَ فيه، ولولاً كلمةٌ
سبقَتْ من ربِّكَ لْقْضِىَ بَعْنَهم، وإِنَّهُم لفى شكّ منهُ مريبٌ (٤٥) من
عمِلَ صالحاً فَلنفسهِ، ومن أساء فَعليها، وما ربْكَ بظلامٍ العبيدِ (٤٥)).
وقوله - تعالى - ((يلحدون)) من الالحاد وهو الميل عن الاستقامة،
والعدول عن الحق .
يقال ألحد فلان فى كلامه إذامال عن الصواب، ومنه اللحد فى القبر، لأنه
أميل إلى ناحية منه دون الأخرى .
والمعنى: إن الذين يميلون عن الحق فى شأناً ياتنا بأن بأولوها تأويلا فاسدا،
أو يقابلوها باللغو فيها وعدم التدير لما اشتملت عليه من توجيهات حكيمة ...
هؤلاء الذين يفعلون ذلك: ((لا يخفون عنا، أى: ليسوا بغائبين عن
علمنا، بل هم تحت بصرها وقدرتنا، وسنجازيهم بما يستحقون من عقاب مهما
ألحدوا ومالوا عن الحق والصواب.
٣٠ - فصلت )

٤٦٦
سورة فصلت
فالجملة تهديد لهم على تحريفهم الباطل لآيات الله - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - اليون الشاسع بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين،
فقال : (أفمن يلقى فى النار خير أم من يأتى آمنا يوم القيامة،؟
والغرض من هذا الاستفهام بيان أن الذين يلحدون فى آيات الله سيكون
مصيرهم الإلقاء فى النار ، وأن الذين استجابوا للحق وساروا على طريقه وهم
المؤمنون ، سيأنون آمنين من الفزع يوم القيامة .
قال الألوسى: ((وكان الظاهر أن يقابل الإلقاء فى الغار بدخول الجنة،
لكنه عدل عنه إلى مافى النظم الجليل، إعتناء بشأن المؤمنين، لأن الآمن من
العذاب أعم وأهم ، ولذا عبر عن الأول بالإلقاء الدال على القهر والقسر،
وعبر عن الثانى بالإتيان الدال على أنه بالاختيار والرضاء مع الأمن ودخول.
الجنة ... )(١) .
1
وقوله - تعالى -: «اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير، تهديد آخر لهم
على إلحادم .
- أى: اعملوا أيها الملحدون ما شئتم من أعمال قبيحة، فإنها لا تخفى على
خالفكم - عز وجل -، لأنه بصير بكم، ومطلع على أفعالكم، وسيجازيكم عليها
الجزاء العادل الذى تستحقوقه .
فالمقصود من الأمر فى قوله - تعالى - ((اعملوا، التهديد والوعيد.
ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق تمديدا ثالثا فقال: ((إن الذين كفروا
بالذكر لما جاءهم ..
وخبر إن هنا محذوف للعلم به مما سبق ، أى: إن الذين كفروا بالقرآن
الكريم حين جاءهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خاسرون
أو الكون أو مذبون عذابا شديدا. «وإنه، أى: هذا القرآن الكريم
(١) تفسير الآلو مرج ٢ -٠١٢٧

٤٦٧
الجزء الرابع والعشرون
فى الحق الذى جاءهم به - صلى الله عليه وسلم -، لعل هذا التدير يوصلهم إلى
الهداية والرشاد .
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد إقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان
ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه
وسلم - فيما بلغه عنه، فقال: ((سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين
لهم أنه الحق . )).
والمراد بالآيات فى قوله ,آياتنا): الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته
- سبحانه۔ وعلی صدق رسوله - صلی الله عليه وسلم-
والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال:
أفق فلان بأدق - كضرب يضرب- إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.
والمعنى: ستطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات
والأرض، من شمس وقمر ومجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع
ونمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.
سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم،
كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس
وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة وزقمة.
ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس
على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم . .، وكلها ندل على
وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإسلام الذى جاء به الرسول
عليه الصلاة والسلام ..
وقوله - تعالى -: ((أو لم يكف يربك أنه على كل شيء شهيد، استئناف
مسوق التوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به
الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عندربه هو الحق المبين. ٠ .٠٩ ..

٤٦٨
سورة فصلت
ثم علل - سبحانه - هذه التسلية وهذا التوجيه بقوله «إن ربك لذومغفرة
وذو عقاب أليم)».
أى: ما يقال لك إلا مثل ما قيل لإخوانك من قبلك ، وما دام الأمر
كذلك . فاصبر كما صبروا، إن ربك الذى تولاك بتربيته ورعايته، لذو مغفرة
عظيمة لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم للكفار المكذبين.
ثم رد - سبحانه - على بعض الشبهات التى أثار وها حول القرآن الكريم
ودا بخرس ألسنتهم فقال: « ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته
[أعجمى وعربى .. ،.
والأعجمى : يطلق على الكلام الذى لا يفهمه العربى: كما يطلق على من
لا يحسن النطق بالعربية. وقوله: العجمى وعربى، خبر لمبتدأ محذوف.
أى: ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة "مجم كما قالوا: هلا أنزل هذا القرآن
بلغة العجم.
لو فعلنا ذلك - كما أرادوا - لقالوا مرة أخرى على سبيل التعجب:
هلا فصلت ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة تفهمها؟ ثم لأضافوا إلى التعجب
والإنكار، تعجبا آخر فقالوا: أقران أعجمى ورسول عربى؟
ومقصدهم من هذه الشبهة الداخضة، إنما هو إنكار الإيمان به سواء أنزل
بلغة العرب أم بلغة العجم .
فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والنوا
فيه ولو نزل بلسان أعجمى، لاعترضوا وقالوا هلا نزل بلسان عربى نفهمه.
ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا: أقرآن أعجمى ورسول عربى
وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم إلا التعنت
والسفاهة .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله -صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بالردالذى
يكبتهم فقال : ((قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء.

٤٦٩
الجزء الرابع والعشرون
أى: قل - أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاحدين: هذا القرآن هو الذين
آمنوا إيماناحقا، هداية إلى الصراط المستقيم، وشفاء لما فى الصدور من أسقام.
كما قال - سبحانه - فى آية أخرى: ، وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة
للمؤمنين .. )).
ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين من هذا الكتاب فقال: ( والذين
لا يؤمنون)، أى: بهذا الكتاب، وبمن نزل عليه هذا الكتاب.
(( فى آذانهم وقر، أى: فى آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم.
(((وهو عليهم عمى، أى: وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن
الاهتداء به .
وقوله - تعالى -: «أولئك ينادون من مكان بعيد، ذم شنيع لهم على
إعراضهم عن هذا القرآن الذى ما أنزله الله - تعالى - إلا لإخراجهم من
الظلمات إلى النور .
أى: أولئك الكافرون الذين لم ينتفعوا بالقرآن، مثلهم فى صمم وإنطاس
بصائرهم، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد، فهو لا يسمع منه شيئًا، ولا يعقل
عنه شيئا، لوجود المسافة الشاسعة بين المثادى ، وبين من وقع عليه النداء .
قال القرطبى: ((قوله - تعالى -: ((أولئك ينادون من مكان بعيد، بقال
ذلك لمن لايفهم من التمثيل .
وحكى أمل اللغة أنه بقال الذى يفهم: أنت تسمع من قريب، ويقال
الذى لا يفهم: أنت تنادى من بعيد. أى : كأنه ينادى من موضع بعيد منه،
فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه .
وقال الضحاك: ((بنادون)، يوم القيامة بأقبح أسمائهم ((من مكان بعيد))
فيكون ذلك أشد لتوبيخهم وفضيحتهم ... ،!).
(١) تفسير القرطى ج ١٥ ص ٠٣٧١

٤٧٠
سورة فصلت
ومن يتدبر هذه الآية الكريمة يرى مصداقها فى كل زمان ومكان. فهناك.
من ينتفع بهذا القرآن قراءة وسماعا وتطبيقا ... وهناك من يستمعون إلى
هذا القرآن، فلا يزيدهم ذلك إلا صمما على صمعهم، ورجسا إلى رجسهم،
وعمى على عمام .
ثم بين - سبحانه - زيادة فى التسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم -،
أن إختلاف الأمم فى شأن ما جاء به الرسل شىء قديم فقال - تعالى -: ((ولقد
آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ....
أى: ولقد آتينا نبينا موسى - عليه السلام - كتابه التوراة ليكون هداية
وفورا لقومه، فاختلفوا فى شأن هذا الكتاب، فمنهم من آمن به، ومنهم من.
عد عنه .
٠
((ولولا كلمة سبقت من ربك، - أيها الرسول الكريم- وهى ألا يمذب
المكذبين من أمتك فى الدنيا عذابا يستأصلهم ويهلكهم.
لولا ذلك ,لقضى بينهم، أى: لأهلكهم كما أهلك السابقين من قبلهم.
, وإنهم ، أى : كفار قومك, لفي شك منه مریب، أى: لفى شك من.
هذا القرآن وربية من أمره ، جعلهم يعيشون فى قلق وإضطراب .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: ((من عمل صالحا
فلنفسه، ومن أساء فعليها .. )).
أى: من عملا عمل صالحا بأن آمن بالله، وصدق بما جاء به رسله، فثمرة.
عمله الصالح لنفسه .
(( ومن أساء فعليها، أى: ومن عمل عملا سيئا، فضرر هذا العمل واقع
عليها وحدها ((وما ربك بظلام للعبيد)، أى: وليس ربك -أيها الرسول.
الكريم - بذى ظلم لعباده الذين خلقهم بقدرته، ورباهم بنعمته .
فقوله (( ظلام، صيغة نسب - كثمار وخباز - وليست صيغة مبالغة.

٤٧١
الجزء الخامس والعشرون
قال بعض العلماء ما ملخصه: ((وفى هذه الآية وأمثالها-والمعروف، وهو
أن لفظه ((ظلام)) فيها صيغة مبالغة ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى
أصل الفعل. فقولك - مثلا -: زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته
فى قتلهم ، فلا ينافى أنه ربما قتل بعض الرجال.
ومعلوم أن المراد بنفى المبالغة - وعى لفظ ظلام - فى هذه الآية
وأمثالها المراد به نفى الظلم من أصله .
وقد أجابوا عن هذا الإشكال بإجابات منها: أن نفى صيغة المبالغة هنا،
قد جاء فى آيات كثيرة مادل على أن المراد به نفى الظلم من أصله، ومن ذلك
قوله - تعالى -: ، ولا يظلم ربك أحدا، وقوله - تعالى -: ((إن الله لا يظلم
الناس شيئا ....
ومنها: أن المراد بالتفى فى الآية، ففى نسبة الظام إليه. لأن صيغة فعال
تستعمل مرادا بها النسبة، فتعى عن ياء النسب ... كقولهم. لبان، أى:
ذو لبن، ونبال أى صاحب لبن ... )،(١).
ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة الكريمة، أن علم قيام الساعة
إليه - تعالى - وحده، وأن الإنسان لا يسأم من طلب المزيد من الخير فإذا
مسه الشربش وقخط. وأن حكمته - تعالى - قد إقتضت أن يقيم للناس الأدلة
على قدرته ووحد انيته من أنفسهم وعن طريق هذا الكون الذى يعيشون
فيه فقال - تعالى -:
((إليه (٢) يُرَدُّ علَمَ السَّاعَةِ وما تَخرجُ من تمراتٍ مِنْ أ كمامها،
وما تحمِلُ من أُنَْى ولا نضَعُ إِلاَّ بِعِلمِهِ ويَوْم يناديهم أينَ شُر كا فى قَلُوا
(١) راجع تفسير أضواء البيان ج٧ ص ١٤٠ الشيخ الشنقيطى.
(٢) أو الجزء الخامس والعشرون.

٤٧٢
سورة فصلت
آذَّاكَ ما مِنَّا من شَهيد (٤٧) وصلَّ عنهم ما كانوا يدُعُونَ مِنْ قبلُ،
وظنُّوا ما لهم من تَخِيص (٤٨) لا يسأم الإنسانُ مِن دُماءِ الخَيرِ، وإنْ
مَسَُّ الشرُ فيئوسٌ قَنَوطٌ (٤٩) ولننْ أَذقناهُ رحمةً مِنَّا مِنْ بعدِ ضراء
مستّهُ ليقولَنَّ هذالى، وما أظنُّ السَّاعةَ قائمةً، ولئنْ رُجعتُ إلى ربِّ
إنّ لى عِندَه للحُسَنَى، فَلَنُقَبْنَّ الذِينَ كَفَرُوا بما عمِلُوا وَلَنَذِيقَنَّهم من
عَذَابٍ غَلَيظِ (٥٠) وإذَا أَنْعَنَا عَلَى الإِنسانِ أعْرضَ ونَآى يجانبِهِ ،
وإذا مسَهُ الشرُّ فَذُو دمَاَءِ عريضٍ (٥١) قلْ أَرأَ يُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عند
اللَّهِ ثم كفَرْتَ بِهِ، مَن أَضَلُّ يِمِّنْ هُوَ فى شقَقٍ بَعيدٍ (٥٢) سَتريهم
آياتِنَ فى الآفاقِ وفى أَنْفُسِهِمْ حتى يتبينَ لهم أنّهُ الحقُّ، أوَ لم يكفٍ
بِرَبِكَ أنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْهِ شَهِيدٌ (٥٣) ألاَ إِنَّهم فى مِرْبَةٍ مِنْ لقاءِ رَبِهِم،
ألاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ مُحِيط.
وقوله - تعالى -: (إليه يرد علم الساعة وما نخرج من ثمرات من أكمامها
وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ... )) بيان لإنفراد الخالق - عزوجل-
بوقت قيام الساعة؛ وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شىء، وإرشاد أدؤمنين إلى
ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك .
والأكمام: جمع كمـ بكسر الكاف - وهو الوعاء الذي تكون الثمرة بداخله.
أى؛ إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، ومافخرج ثمرات
من أوعيتها الكائنة بداخلها ، وما تحمل أثى حملاولا تضعه إلا بعلمه وإرادته
- عز وجل - . و((من)) فى قوله ((من ثمرات)) وفى قوله ((من أنثى)) مزودة
لتأ كيدا لاستعراق. وفى قوله, من أكمامها، إبتدائية.
قال الجمل: «فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك
الكهان والمنجمون؟
:

٤٧٣
الجزء الخامس والعشرون .
قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى -
الذى يرد إليه، وأما الكمان والمنجئون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شىء مما
يقولونه البتة، وإنما غايته إدعاء ظن ضعيف قد لا يصيب، وعلم الله - تعالى ..
هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد،(١).
ثم بين - سبحانه - تبرأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال : ، ويوم
يناديهم أين شركائى قالواآ ذناك ما منا من شهيد، وعضل منهم ما كانوايدعون
من قبل، وظنوا مالهم من محيص)) .
والظرف ((يوم)) منصوب بفعل مقدر، ومعنى «آذاك، أعلناك
وأخبرناك ، آ ذن فلان غيره يؤذفه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.
والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.
والظن هنا بمعنى اليقين.
أى: واذكر - أيها العافل - لتعتبر وتتعظ بوم يناد الله - تعالى-المشركين
فيقول لهم يوم القيامة : أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم
إلى أو ليشفعوا لكم عندى ؟
((قالوا، على سبيل التحسر والتذلل: با ربنا لقد «أذناك، أى: لقد أعلناك
بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا
بأنك أنت الواحد القهار .
( وضل عنهم، أى: وغاب عن هؤلاء المشركين, ما كانوا يدعون من
قبل)) أى : ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.
, وتظنوا ماهم من محيص، أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم
من العذاب .
يقال : حاص يحبص حيصا ومحيصا إذا هرب .
(١) سامية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٤٨،

٤٧٤
سورة فصلت
وقوله - تعالى -: ((لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشرفيئوس
قنوط، بيان لما جيل عليه الإنسان من حب المال وغيره من ألوان النعم .
ومن ضيقه بما يخالف ذلك .
ويبدو أن المراد بالانسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب ، وإلا
فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن
صبروا .
والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والالمطان وما إلى ذلك ما
يشترى .
والسأم: الملل، يقال ستم فلان هذا الشىء، إذ مله وضاق به وانصرف
عنه .
واليأس : أن ينقطع قلب الانسان عن رجاء الحصول على الشىء، يقال:
يئس فلان من كذا - من باب فهم - ، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.
والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته ، بأن يبدو
منكراً متضائلا مهموما.
فكان اليأس شىء داخل عن أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية
التى تظهر علاماتها على الإنسان .
أى: لا يسأم الانسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى الفعم.
((وإن مسه الشر، من عسر أو مرض ((فينوس قنوط)) أى: فهو كثير اليأس
والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك
على هيئته .
وعبر - سبحانه - بيشوص وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للاشارة إلى
شدة حز نه وجزغه غند ما يمتر به الشر .
ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الانسان فقال: «ولئن أذقناه

٤٧٥
الجزء الخامس والعشرون
رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقوان هذالى وما أظن الساعة قائمة، ولئن
رجعت إلى ربى إن لى عنده الحسنى .. ».
أى: ولئن أعطينا هذا الإنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة
أو بغيرهما ، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا ... ليقولن على سبيل الغرور
والبطر: هذا الذى أعطيته شىء أستحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلى.
ثم يضيف إلى ذلك قوله: (وما أظن الساعة قائمة، أى: وما أعتقد أن
هناك بعثا أو حسابا أو جزاء .
((ولئن رجعت إلى ربى)، على سبيل الفرض والتقدير, إن لى عنده
الحسنى)، أى: إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.
وقوله - تعالى -: فلننبتن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب
غليظ، بيان العاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإنسان الجاحد.
أى: فلتعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولفربنهم عكر ما اعتقدوه
بأن نزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون
عليها ، ولنذيقنهم من عذاب غليظ ، لا يمكنهم الفكاك منه أو التقصى عنه
لشدته وإحاطته بهم من كل جانب ، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن
للإنسان أن يخرج منه.
ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإنسان، فقال: ((وإذا أنعمنا
على الإنسان ، بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.
((أعرض ونآتى بجانبه)) أى: أعرض عن شكر ناوطاعتنا،وتكبر وتفاخر
على غيره و ادعى أن هذه النعمة من کسبه واجتهاده.
وقوله (( ونآى بجانبه، كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.
والنآى. البعد. يقال: نآى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.

٤٧٦
سورة فصلت
وقوله - تعالى - ((وإذا مسه الشر فذو دماء عربض)) بيان لحالة هذا
الإنسان فى حالة الشدة والضر.
أى: هكذا حالة هذا الإنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر
ويفتر ويححد .
وفى حالة إنزال الشدائد به بتفرع وبتذال إلينا بالدعاء الكثير الواسع.
وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة ، منها قوله
- تعالى -: « كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه إستغنى)).
وقوله - تعالى -: ((إن الإنسان خلق ملوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا
مسه الخير منوعاً ، .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم- أن يوبخ هؤلا.
الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم
كفرتم به ....
أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا
القرآن من عند اله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين
على وجوب الايمان به .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((من أضل ممن هو فى شقاق بعيد))
للنفى والاذكار أي : لا أحد أكثر ضلالا منكمـ ـ أيها الكافرون - بسبب
معاداتكم للحق. وإبتعادكم عنه، وتفوركم منه نُفوراً شديداً.
والشقاق والمشافة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب ..
فكان كل واحد من المتعاديين أو المتخالفین: صار فیشق غير شق صاحبه.
ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد ، للإشار بأنهم قد بلغوا فى هذا
الضلال، مبلغاً كبيراً ، وشوطا بعيداً.
فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر

٤٧٧
الجزء الخامس والعشرون
((لکناب عز یز » أی : لمکتاب منبع معصوم بعصمة الله - تعالى- له من كل
تحريف أو تبديل .
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن:
خلفه، أى : لا يستطيع الباطل أن يتطرق إليه من أى جهة من الجهات ، لا من
جهة لفظه ولا من جهة معناه لأن الله - تعالى - تكفل بحفظه وصيانته ، كما
قال - تعالى - ((إنا نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون)).
قال صاحب الكشاف: (( فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوله
المبطلون ؟
قلت : بلى، ولكن الله قـ تكفل بحمايته عن تعلق الباطل به، بأن قيض
قوماً عارضوهم بإبطال تأويلهم ، وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا
ممحوقا، ولا قول مبطل إلا مضمحلا .. ،(١).
وقوله ((تنزيل من حكيم حميد، أى: هذا الكتاب منزل من لدن الله الحكيم
فى أقواله وأفعاله، المحمود على ما أسدى لعباده من فهم لا تحصى.
ثم سلى - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم- عما أصابه من أعدائه فقال:
(( ما يقال لك إلا ماقد قيل الرسل من قبلك،:
أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من الأقوال الباطلة التى قالها
المشركون فى حقك، فإن ما قالوه فى شأنك قد قاله السابقونعليهم فى حق رسلهم.
فالآية الكريمة من أبلغ الآيات فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -
لأنها كأنها تقول له: إن ما أصابك من أذى قد أصاب إخوانك، فاصبر
كما صبروا.
وشبيه بهذه الآ يهقوله - تعالى - : «كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول»
إلا قالوا ساحر أو مجنون. أقواصوا به، بل هم قوم طاغون، .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ م ٢٠٢.

٤٧٨
سورة فصلت
والهمزة للإنكار، والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام ، والباء
مزيدة للتأ کید، وقوله (« ربك ، فاعل كفى .
والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا
الدين ، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شىء، وعلى أنك صادق
فيما تبلغه عنه . . بلى، إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شىء ما يغنيك عن كل
شىء سواء.
ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال :
((ألا إنهم فى مرية من لقاء ربهم، ألا إنه بكل شىء محيط)).
أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم
القيامة ، لإنكارم البعث والحساب والجزاء.
ألا إنه - سبحانه - بكل شىء محيط إحاطة قامة لا يخفى عليه شىء
فى الأرض ولافى السماء .
وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((فصلت (( نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
د . محمد سيد طنطاوى
صباح الخميس ٢٥ من المحرم ١٤٠٦ هـ
١٠/ ١٩٨٥/١٠ م

فهرس إجمالى لتفسير ((سورة فصلت))
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصفحة
٤٢١
٨
إن القين آمنوا وعملوا الصالحات ...
٤٢٥
٤٣١
فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة ...
١٣
٤٣٨
١٩
ويوم بحشر أعداء الله ...
وفيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ...
٢٥
٣٠
إن الذين قالوا ربنا الله
٠٠
٣٧
ومن آياته الليل والنهار ...
٤٠
إن الدين باحدون ...
إليه يرد علم الساعة ...
٤٧
٤٤٦
٤٥١
٤٥٦
٤٦١
٤٦٥
٤٧١
٠
المقدمة
حم ...
١