النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
الجزء الرابع والعشرون
كان قبلهم فقال: «أو لم يسيروافى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين
كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا فى الأرض فأخذهم القه
بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ))
أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك
- يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمر قام تدميرا.
إنهم يمرون عليهم مصيحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام
أعينهم ، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرم .
ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركي قريش فى القوة
واليأس ، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة ...
فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، وأخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز
مقتدر ، بسبب ذنوبهم ، وما كان لهم من دون الله - تعالى - من بدفع عنهم
عذابه ، أو يقيهم من بأسه .
, ذلك، الأخذ من أسبابه , أنهم كانت رسلهم تأتيهم بالبينات، أى:
بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم
(((فكفروا، أى: بالرسل وبما جاءوهم به , فأخذهم الله، أى: فأهلكهم
- سبحانه ـ « إنه قوى شديد العقاب، أى: إنه - سبحانه - قوى
لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل شديد العقاب لمن كفر به ، وأعرض
عن دعوة رسله .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواما متعددة من مظاهر
قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شىء، ومن
أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه
السلام - مع فرعون، فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون

٣٦٢
سورة غافر
إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما،
فقال - تعالى -:
((ولقَدْ أرسَلْنَ موسَى بَآياتِناَ وسُلطانٍ مبينٍ (٢٣) إلى فِرْعونَ
وهامانَ وقارونَ فقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فلمَّا جاءم بالحقِّ مِنْ
عندِنَ قالُوا اقُلُوا أبناء الذينَ آمَنُوا ممهُ واسْتَحْيُوا نِسَاءهُ ، وماكيدُ
الكافِرِينَ إلا فى ضْلاَلٍ (٢٥) وقالَ فِرْعونُ ذَرُ وْنِى أَقْتُلْ موسَى
واليدعُ ربَّهَ إِّى أخافُ أن يبدِّلَ دينكُمْ، أَوْ أَنْ يَظْهرَ فى الأرْضِ.
الفسادَ (٢٦) وقالَ موسَى إِى عذْت بِرَبَى وَرَبُّكُم من كلِّ متكِبْرٍ
لا يُؤْمِنُ بَيَومِ الْحِسَابِ (٢٧))).
والمراد بآ باننافى قوله: ((ولقد أرسلنا موسى بآياتنا، تلك الآيات القسع
التى أعطاها الله - تعالى - لموسى، لتكون معجزات له دالة على صدقه ، وهى:
العصا، واليد، والسنون، والبحر ، والطوفان، والجراد ، والقمل
والضفادع، والدم .
قال - تعالى -: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... ،.
والمراد بالسلطان المبين: الحجة القاهرة الظاهرة الى تغلب بها فى الحجاج
والجدال على فرعون .
أى: وافقه لقد منحنا موسى - عليه السلام - بفضلنا وقدرتنا معجزات.
باهرات، ومنحناه - أنا - حجة قوية واضحة، يدمر بها حجج أعدائه.
قوله - سبحانه -: ((إلى فرعون وهامان وقارون ٠٠٠، بيان لمن أرسله
الله - تعالى - إليهم.
وفرعون: لقب لكل ملك من ملوك مصر فى تلك العهود السابقة، والمراد.

٣٦٣
الجزء الرابع والعشرون
به هنا : ذلك الملك الجبار الظالم الذى أرسل فى عهده موسى - عليه السلام-،
ويقال إنه ((منفتاح، إن رمسيس الثانى.
و («هامان، هو وزير فرعون. و((قارون)) هو الذى كان من قوم
موسى فبغى عليه، وأعطاه الله - تعالى - الكثير من الأموال ... ثم خسف
به وبداره الأرض .
وخص - سبحانه - هؤلاء الثلاثة بالذكر، مع أن رسالة موسى، فكانت
لهم ولأتباعهم، لأنهم ثم الزعماء البارزون ، الذين كانوا يدبرون المكايد عند
موسى - عليه السلام - فيتبعهم العامة من أقوامهم ...
وقوله: (( فقالو! ساحر كذاب، أرسلناه إلى هؤلاء الطغاة ومعه آبائنا
الدالة على صدقه، فكان جوابهم على دعوته إياهم إلى عبادة الله - تعالى -
وحده، أن قالوا فى شأنه، إنه ساحر يموه على الناس بسحره، وإنه كذاب
فى دعواه أنه رسول رب العالمين.
وهكذا كانت نتيجة أول لقاء بين موسى - عليه السلام -، و دین هؤلاء
الطغاة الظالمين، إنه وصفوه بالسحر والكذب. وهو المؤيد بآيات الله،
وبحججه الظاهرة، وما وصفوه ذلك إلامن أجل الحسد والعناد، والحرص
على دنياهم وملكهم.
ثم لم يكتفوا بهذا القول، بل انتقلوا إلى مرحلة أخرى أشد وأطفى،
فقالوا - كما حكى القرآن عنهم -: «فلما جاءهم بالحقمن عندنا قالوا اقتلوا أبناء
الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم .. ..
أى: فين وصل إليهم موسى - عليه السلام - ؛ بدعوته، وخاطبهم بما
أمره الله - تعالى - أن يخاطبهم به، وجابهم بالحق الذى زوده الله - تعالى- به
ما كان منهم إلا أن قالوا - على سبيل التهديد والوعيد -: اقتلوا الذكور
من أبناء الذين آمنوا مع موسى، ودخلوا فى دينه؛ واتركوا الإناث بدون
قتل لخدمتكم، وليكون ذلك أبلغ فى إذلالهم. إذ بقاء النساء بدون رجال فتنة
كبيرة، وذل عظيم ..

٣٦٤
سورة غافر
والتعبير بقوله: «فلما جاءهم الحق من عندنا، يشعر بأن هؤلاء الظالمين قد
جاءهم الحق إلى بيوتهم ومساكنهم، وأنهم لم يخرجوا لطلبه، وإنما هو الذى
جاءهم عن طريق موسى، المؤيد بآيات الله - تعالى ..
والقائلون: ((اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم، هم الملأ
من قوم فرعون، الذين كانوا يزينون له الظلم والعدوان، إرضاء له، وإرها با
لموسى - عليه السلام - ولمن آمن معه.
قال الإمام الرازى: (( والصحيح أن هذا القتل كان غير القتل الذى وقع فى"
وقت ولادة موسى، لأن القتل فى ذلك الوقت كان بسبب أن المنجمين قد
أخبروا فرعون بولادة عدو له يظهر عليه، فأمر بقتل الأبناء فى ذلك الوقت ..
وأما فى هذا الوقت ، فموسى - عليه السلام - كان قد جاءه وأظهر المعجزات،
فعند ذلك أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه ، لئلا ينشأوا على دين موسى،
فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات، فلهذا السبب أمر بقتل
الأبناء. ، (١).
وقوله - تعالى -: ((وماكيد المكافرين إلا فى ضلال مبين، توهين لشأن
الكافرين فى كل زمان ومكان، وتشجيع للمؤمنين على أن يسيروا فى طريق
الحق، دون أن يرهبهم وعد أو وعيد، فإن النصر سيكون فى النهاية لهم .
/ أى: وماكيد الكافرين ومكرهم وعدوانهم، إلا مصيره إلى الضلال
والضياع والبطلان. يقال: ضل فلان الطريق، إذا ضاع منه الرشد، والتبست
عليه السبل، وصار تائها لا يعرف له طريقا يوصله إلى مايريد.
ثم بين - سبحانه - لوا آخر من ألوان لجور فرعون وبغيه فقال: ((وقال
فرعون ذرونى أقتل موسى .....
والجملة الكريمة معطوفة على قوله: ((قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه)
(١) تفسير الفخر الرازى : ٧ ص ٣٠٢

٣٦٥
الجزء الرابع والعشرون
وجملة ((وماكيد الكافرين إلا فى ضلال، إعتراضية، جىء بها مسارعة لبيان
خسرأنهم وضلالهم.
أى: وقال فرعون لحاشيته ومستشاريه وخاصته: أتركونى لأقتلموسى
-عليه السلام- وأتخلص منه ومن أقواله التى فيها ما فيها من الضرر بى وبكم.
ويبدو من أسلوب الآية الكريمة أن اتجاه فرعون لقتل مومى كان يجد
معارضة من مستشاريه، لأنهم يرون أن قتله لا ينهى المتاعب، بل قد يزيدها
اشتعالا لأن عامة الناس سيفهمون أن قتل موسى كان بسبب أنه على الحق،
فتثور ثائرتهم لقتله ، أو لأنهم كانوا يخافون أن قتله سيؤدى إلى نزول العذاب
بهم، غضبا من رب موسى عليهم، ولعل بعضهم كان يعتقد أن موسى على حق
ولكن الخوف منعه من الجهر بذلك، أو لأنهم كانوا يرون أن قتل موسى
سيؤدى إلى تفرغ فرعون لهم، وهم لا يريدون هذا التفرغ، لأنه يؤدى إلى
ضياع الكثير من منافعهم.
قال صاحب الكشاف: ( قوله: (ذرونى أقتل موسى»: كانوا إذا هم
بقتله كفوه بقولهم: ليس موسى بالذى تخافه، وهو أقل من ذلك وأضعف،
وما هو إلا بعض السحرة ... وأنك إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس،
واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة.
والظاهر أن فرعون - لعنه الله - كان قد إستيقن أن موسى نبيا،
وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر ، ولكن الرجل كان قتالا سفا كا للد، !.
فى أهون شىء فكيف لا يقتل من أحسن منه بأنه هو الذى يثل عرشه، ويهدم
ملكه، ولكنه كان يخاف إن م بقتله، أن يعاجل بالهلاك .... (١).
وقوله: (( وليدع ربه، تظاهر من فرعون بأنه لا يبالى بما يكون من ور !.
قتله !رسی . وأنه غير مكترث لا بموسى ولا برب موسى .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٦٠

٣٦٦
سورة غافر
فالجملة الكريمة بيان لما جبل عليه هذا الطاغية من بجور وتكهر وإستهزاء
بالحق ف كأنه يقول: إنى قائل لموسى وليدع ربه لكى يخلصه من ...!!
ثم نرى فرعون بعد ذلك يتظاهر أمام حاشيته ، أنه ماحمله على إرادة قتل
موسى، إلا الحرص على منفعتهم، فيقول: (( إنى أخاف أن يبدل دينكم، أو
أن يظهر فى الأرض الفساد » .
أی: اتر کونی لأقتل موسی ، ولیدع ربه لکی یخلصه منی، إن کان فى
إمكانه ذلك، فإنى أخاف إن لم أقتله أن يبدل دينكم الذى أنتم عليه بدين آخر
أو بأن يظهر فى الأرض التى تعيشون عليها الفساد ، من طريق بث الفتن
بينكم وإيقاد فار العداوة فى صفوفكم، والعمل على إضطراب أمر دنياكم
ومعاشكم.
وهكذا الطغاة الماكرون فى كل زمان ومكان: بضربون الحق بكل سلاح
من أسلحتهم الباطلة ، ثم يزعمون بعد ذلك أمام العامة والبسطاء والمغلوبين على
أمرهم ... إنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل الحرص على مصالحهم الدينية
والدنيوية ! !
قال الإمام الرازى : والمقصود من هذا الكلام، بيان السبب لقتل موسى
وهو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلان
القوم إعتقدوا أن الدين الصحيح هو الذى كانوا عليه، فلما كان موسى ساعيا
فى إفساده كان فى إعتقادهم أنه ساع فى إفساد الدين الحق.
وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم، ويصير ذلك سببا
لوقوع الخصومات وإثارة الفتنة .
ولما كان حب الناس لأدياتهم فوق محبتهم لأموالهم، لا جسوم بدأ
فرعون يذكر الدين فقال :

٣٦٧
الجزء الرابع والعشرون
(( إنى أخاف أن يبدل دينكم، ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال: أو أن
يظهر فى الأرض الفساد ،(١).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله موسى - عليه السلام - بعد أن سمع من فرعون
تهديداته له، وتطاوله عليه، فقال - تعالى -: ((وقال موسى إنى عذت بربى
وربكم من كل متكبر لا يؤمن برب الحساب».
وقوله ((عذت)، بمعنى إستجرت ولجأت. يقال: عاذ فلان بفلان وإستعاذ
به، إذا لجأ إليه. وإستجار به .
أى: وقال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل التثبيت لهم على الحق
ياقوم. إنى إستجرت وتحصفت بربى وربكم من شر كل مستكبر عن الإيمان
بالحق، كافر بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب.
وفى هذا القول الذى قله موسى لقومه: يتجلى صدق إيمانه ، وقوة يقينه
ووثوقه برعاية الله - تعالى - له، كما يتجلى فيه حرصه على نصحه لقومه بالثبات
على الحق، لأن الله - تعالى - الذى هو ربه وربهم، كفيل برعايته ورعايتهم
وبإنجاته وبإنجائهم من فرعون وملئه، كما يتجلى فيه أن الإستكبار عن إتباع
الحق ، والتكذيب بالبعث، على رأس الأسباب التى تعين على قسوة القلب،
وفساد النفس .
قال صاحب الكشاف:((وقوله: (( وربكم)) فيه بعث لهم على أن يقتدوا
به ، فیهوذوا بالله عباده، ويعتصموابالتوكل عليه إعتصامه، وقال : « منكل
متكبر، لتشتمل إستعاذته من فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة
التعريض، فيكون أبلغ. وأراد التكبر: الإستكبار عن الإذعان للحق،
وهو أقبح إستكبار وأدله على دناءة صاحبه، ومهارة نفسه، وهو فرط ظلمه
وعسفه .
وقال: ((لا يؤمن بيوم الحساب، لأنه إذا إجتمع فى الرجل التجبر
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٠٢٠٣

٣٦٨
سورة غافر
والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد إستكمل أسباب القسوة والجراءة
على الله وعباده. ولم يترك عظيمة إلا إرتكبها .... (١).
وخلال هذا الوعيد والتهديد من فرعون ومك لموسى - عليه السلام -،
قيض الله - تعالى - لموسى رجلا، ومنا من آل فرعون كان يخفى إيمانه، هذا
الرجز أخذ يدافع عن موسى دفاعا حكما مؤثرا، يحمل الترغيب قارة
والترهيب أخرى، والإرشاد تارة والتأنيب أخرى ... ويحكى القرآن ذلك
بأسلوبه البليغ فيقول :
((وقالَ رجلٌ مومِنٌ من آلٍ فِرِعونَ يَكْتُم إيمانه، أتقتُلُونَ رجُلاً
أنْ يقولَ ربِيَ اللهُ، وقد جاءَكُم بالبيَِّتِ مِنْ رَبِكُم، وإن يكُ كاذِباً
فعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وإنْ يكُ صادِقًاً يُصِبِكُمُ بعضُ الذى يَعدُم، إِنَّ الهَ
لا يَهَدى من هُو مُسرفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَومِ لكُم الملكُ اليومَ
ظَاهِرِينَ فى الأرضِ، فَنْ ينصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إنْ جاءزاَ، قَانَ فِرعونُ
ما أُرِيكُم إلاَّ ما أَرَى (, وما أهْدِيكُم إلاَّ سبيلَ الرشَادِ (٢٩) وقال الذى
آمَنَ يا قومٍ إِى أخافُ عليكُم مِثلَ يومِ الأحزابِ (٣٠) مِثلَ دأب
قوم نوح وعادٍ وثمود والذينَ من بعْدِيم، وما الله يريد ظلماً للعباد (٣١)
وياقومٍ إنى أخافُ عليكُمْ يومَ التَّناء(٣٢) يومَ ولُوذَ مديِرِينَ مَا لَكُم
من اللّهِ من عاصمٍ، ومن يضلل الله فمالهُ من هَدِ (٣٣) ولقَدْ جَاءكُم
يوسفُ مِنْ قَبلُ بالبيَّتِ فمازِ اثْم فى شَكِّمَا جَاءكُمْ بِهِ، حتَّى إِذَامِلكَ
قلتُّ لن ◌َيْعتَ اللهُ مِنْ بعدِهِ رَسُولاً، كذلكَ يُضِلُّالله مَنْ هُو
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٠١٦١

٣٦٩
الجزء الرابع والعشرون
مسرفٌ مرتابٌ (٣٤) الذينَ يحادِلُونَ فى آياتِ اللهِ بغيرِ سُلطانٍ أَثَمُ
كبُرَ مقتا عند الله وعند الذينَ آمنُوا، كَذلِكَ يَطبعُ الَّهُ عَلَى كَلِّ قَلْبٍ
مُتْكَبِرٍ جَبَّارٍ (٣٥))).
قال الإمام الرازى: (( اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن موسى - عليه السلام-
أنه مازاد فى دفع مكر فرعون وشره على الإستعاذة بالله، بين أنه - تعالى -
قيض إنسانا أجنبيا غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه، وبالغ فى
تسكين تلك الفتنة ، واجتهد فى إزالة ذلك الشر .
ثم قال - رحمه الله -: يقول مصنف هذا الكتاب: ولقد جربت فى
أحوال نفسى أنه كلما قصدنى شرير بشر ولم أتعرض له ، وأكتفى بتفويض
ذلك الأمر إلى الله، فإنه - سبحانه - يقيض أقواما لا أعرفهم ألبتة،
يبالغون فى دفع ذلك الشر ... ،(١).
وظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون
بدليل قوله - تعالى - ,من آل فرعون، ولم يكن من بنى إسرائيل.
وقد رجح ابن جرير - رحمه الله - ذلك فقال: «وأولى القولين فى ذلك
بالصواب عندى : القول الذى قائه الذى ، من الرجل المؤمن كان من آل
فرعون ، ولذا فقد أصغى لكلامه واستمع منه ماقاله ، وتوقف عن قتل
موسى عند نهيه عن قتله ... ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا
القائل له ولملته ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن تستنصح بنى إسرائيل
لاحتداده إياهم أعداءله ... ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع إليه، وكف
فرعون عما كان قد م به من قتل موسى ... )، (٢) .
(١) تفسير الفخر الرازى = ٨ ص ٣٠٤
(٢) تفسير ابن جرير ج ٢٤ ص ٣٨
( ٢٤ - فافر )

٣٧٠
سورة غافر
قالوا: وهذا الرجل المؤمن هو الذى نضح موسى - عليه السلام - بقوله!
((إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فأخرج إنى لك من الناصحين)).
وكان إسمه ((حزقيل، أو« حبيب)).
أى: وقال رجل مؤمن من آل فرعون وحاشيته، وكان يكتم إيمانه
عنهم، حتى لا يصيبه أذى منهم ، قال لهم عندما سمع فرعون يقول : ذرونى
أقتل موسى،: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات
من ربكم ).
أى: أتقتلون رجلا لأنه ربى الله وحده، وقد جاءكم بالحجج البينات،
وبالمعجزات الواضحة من عند ربكم ، كدليل على صدقه فيما يبلغه عنه .
فقوله (( أن يقول ربى الله، فى موضع المفعول لأجله، أى: أتقتلونه
من أجل قوله هذا. وجملة ((وقد جاءكم بالبينات من ربكم، حالية من فاعل
يقول وهو موسى - عليه السلام -.
والمقصود بهذا الإستفهام: الإنكار عليهم، والتيكيت لهم، حيث قصدوا
قتل رجل كل ذنبه أنه عبد الله - تعالى -وحده وقدجاءهم بالمعجزات الواضحات
الدالة على صحة فعله.
قال الإمام ابن كثير:«وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط،
فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون ((ذرونى أقتل موسى))، فأخذت
الرجل غضبة فته - تعالى - و«أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، اللهم
إلا مارواه البخارى فى صحيحه حيث قال :
حدثنا على بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعى، حدثى
عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاصى: أخبرونى بأشدفى.
صنعه المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: بينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم بغناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب

٣٧١
الجزء الرابع والعشرون
رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولوى ثوبه فى عنقه، فخفقه خنقاشديدا. فأقبل
أبو بكر - رضى الله عنه - فأخذ بمنكبة ردفع عن النبى - صلى الله عليه وسلم-
ثم قال : أتقتلوز رجلا أن يقول دبى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم))(١)
وقال القرطبى:« وعن على- رضى الله عنه - قال: اجتمعت قريش
بعد وفاة أبي طالب بثلاث: فأرادوا قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم-،
فأقبل هذايجؤه -: أى: يضربه -، وهذا يتلته - أى: حركه تحريكا شديدا-
فلم يفته أحد إلا أبو بكر وله ضغير تان، فأقبل يجأ هذا وينلتل ذا، ويقول
بأعلى صوته: ويلكم (( أقتلون رجلا أن يقول ربى الله، والله إنه لرسول
الله، فقطعت إحدى ضغير تى أبى بكر يومئذ .. ، (٢).
ثم يحكى القرآن الكريم أن ذلك الرجل المؤمن، لم يكتف بالإنكار على
قومه قصدهم موسى بالقثل بل أخذ فى محاولة إقناعهم بالعدول عن هذا القصد
بشتى الأساليب والحجج فقال:«وإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن بك صادقا
پضبكم بعض الآی یدکم ....
أى: أنه قال لهم: إن كان موسى - على سبيل الفرض - كاذبا فيما يقوله
ويفعله: فعليه وحده يقع ضرر كذبه، وليس عليكم منه شىء، وإن كانت
صادقا فيما يقوله ويفعله، فلا أقل من يصيبكم بعض الذى يعدكم به من سوء
عاقبة مخالفة ما أتاكم به من عند ربه ...
فأنت ترى أن الرجل كان فى حماية المحكمة والإنصاف وحسن المنطق، فى
مخاطبته لقومه، حيث بين لهم أن الأمر لا يخرج عن فرضين، وكلاهما
لا يوجب قضته موسى - عليه السلام = بالفعل.
ورحم الله صاحب الكشاف . فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٣١
(٢) راجع تفسير القرطبى = ١٥ س ١٠٨

٣٧٢
سورة غافر
ما ملخصه: وقوله: ((أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ... ، هذا إنكار عظيم
منه، وتبكيت شديد لهم، كأنه قال: أز تكبون الفعلة الشنعاء التى هى قتل
نفس محرمة، وما لمكم علمة قط فى ارتكابها إلا كلمة الحق التى نطق بها وهى
قوله « ربی اقه ، ..
ثم أخذ فى الاحتجاج عليهم على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو من أن
يكون كاذبا أوصادقا، فإن يك كاذبا فعليه يعود كذبه ولا يتخطاء ضرره
وإن يك صادقا يصبكم بعض ما يعدكم به إن تعرضتم له.
فإن قلت: لم قال: ((بعض الذى يعدكم، وهو - أى موسى - فى صادق،
لابد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه ؟
قلت: لأنه احتاج فى مقاولة خصومموسى ومنا كربه، إلى أن بلاوصهم
- أى يحايلهم - ويداريهم، وإسلك معهم طريق الإنصاف فى القول. وباقيهم
من جهة المناصحة، جاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل فى
تصديقهم له وقبوهم منه، فقال: ((وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم،
وهو كلام المنصف فى مقاله، غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولايردوا عليه،
وذلك أنه حين فرضه صادقا ، فقد أثبت أنه صادق فى جميع ما يعد، ولكنه
أردفه بقوله: (( يصبكم بعض الذى يعدكم، ليهضمه بعض حقه فى ظاهر
الكلام ، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا عن أن يتعصب
له وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل ... (١).
ثم أرشد الرجل المؤمن الحصيف قومه إلى سنة من سنن الله التى لا تتغير
فقال: (( إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب،.
أى: إن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يهدى إلى الحق
والصواب، من كان مسرفا فى أموره، متجاوزا الحدود التى شرعها الله
- تعالى -، ومن كان كذابا فى إخباره عن الله - تعالى -، ولو كان موسى
(١) راجع تفسير الكهاف جع ص ٠١٦٢

٣٧٣
الجزء الرابع والعشرون
صرفاً أو كذابا، لما أيده الله - تعالى - بالمعجزات الباهرة، وبالحجج
الساطعة الدالة على صدقه .
فالجملة الكريمة إرشاد لهم عن طريق خفى إلى صدق موسى فيما يبلغه عن
ربه وتعريض بما عليه فرعون من ظلم وكذب .
قال الجمل فى حاشيته: ((فالجملة الكريمة كلام ذو وجهين نظراً
لموسى وفرعون :
الوجه الأول : أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى.
والمعنى: أن الله هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه الله
إلى ذلك لا يكون مرنا ولا كذابا ...
الوجه الثانى: أن يكون المراد أن فرعون مسرف فى عز مه على قتل موسى)
وكاذب فى ادعائه الألوهية، والله لا يهدي من كان كذلك .. ،(١).
ثم أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم، وفى تحذيرهم من نقمه فقال: ((ياقوم
لكم الملك اليوم ظاهرين فى الأرض ، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ..
أى: وقال الرجل المؤمن لقومه - أيضا: ياقوم، أى: يا أهلى وبا عديرنى.
أنتم اليوم لكم الملك، حالة كونكم ظاهرين، أى: غالبين ومنتصرين فى أرض
مصر، عالين فيها على بنى إسرائيل قوم موسى ...
وإذا كان أمرنا كذلك ، فمن يستطيع أن ينصرنا من عذاب الله، إن
أرسله علينا ، بسبب عدم شكرنا له، واعتدائما على خلقه .
وإنما نسب إليهم ما يسرم من الملك والظهور فى الأرض دون أن يسلك
نفسه معهم، وسلك نفسه معهم فى موطن التحذير ، تطبيبا لقلوبهم ، وإيذانا
بأنه ناصح أمين لهم، وأنه لا يهمه سوى منفعتهم ومصلحتهم ..
وهنا نجد القرآن الكريم يخبرنا بأن فرعون بعد أن استمع إلى نصيحة
الرجل المؤمن ، أخذته العزة بالإثم ، وقال ما يقوله كل طاغية معجب بنفسه:
(( ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد».
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ١٣.

٣٧٤
سورة غافر
أى: قال فرعون لقومه، فى رده على نصيحة الرجل المؤمن : يا قوم،
لا أشير عليكم ولا أخبركم إلا بما أراه صوابا وخيراً، وهو أن أقتل موسى
- عليه السلام - وما أهديكم برأيى هذا إلا إلى طريق السداد والرشاد.
وغرض فرعون بهذا القول ، التدليس والتمويه على قومه، وأنه ما يريد
إلا منفعتهم، مع أن الدافع الحقيقى لقوله هذا، هو التخاض عن موسى حنى
يخلو له الجو فى تأليه نفسه على جهلة قومه فأطاعوه، فإنهم كانوا كما قال
- تعالى - فى شأنهم -، فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين)).
ولكن الرجل المؤمن لم يسكت أمام هذا التدليس والتمويه الذى نطق به
فرعون، بل استرسل فى نصحه لقومه، وحكى القرآن عنه ذلك فقال: ((وقال
الذى آمن ياقوم، إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ... ».
أى قال لهم: يا قوم إني أخاف عليكم إذا تعرضتم لموسى - عليه السلام-
بالقتل أو بالتكذيب ، أن ينزل بكم عذاب مثل العذاب الذى نزل على الأمم
الماضية التى تحزيت على أنبياتها وأعرضت عن دعوتهم، فكانت عاقبتها
خراً ...
فالمراد بالأحزاب: تلك الأمم السابقة التى وقفت من أنبيائها موقف العداء
والبغضاء، وكأن تلك الأمم من حزب، والأنبياء من حزب آخر .
والمراد باليوم هنا: الأحداث والوقائع والعقوبات التى حدثت فيه ،
فالكلام على حذف مضاف.
أى : أخاف عليكم مثل حادث يوم الأحزاب.
وقوله: مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين بعدهم ... ، بدل أو عطف
بیان من قو له , مثل يوم الأحزاب، .
والدأب: العادة الدائمة المستمرة . يقال: دأب فلان على كذا، إذا داوم
عليه وجد فيه، ثم غلب استعماله فى الحال والعأن والعادة .

٢٧٥
الجزء الرابع والعشرون
أى : أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود
والذين من بعدهم كقوم لوط، فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبيائهم فدمر هم الله
- تعالى - تدميرا، فأحذروا أن تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا ،وسى
- عليه السلام - بالقتل والإيذاء، فينزل بكم من العذاب مثل مانزل بهم.
((وما الله)) - تعالى -، يريد ظلما للعباد، أى: فما أنزله - سبحانه - بهم
من عذاب ، إنما هو بسبب إصرارهم على شركهم، وعلى الإعراض عن دعوة
أنبيائهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ثم يواصل الرجل المؤمن تذكير قومه بأهوال يوم القيامة فيقول :
, وبا قوم إنى أعلى عليكم يوم التناد.
أخاف عليكم يوم القيامة الذى يكثر فيه نداء أهل الجنة لأهل النار، ونداء
أهل النار لأهل الجنة، وزداء الملائكة لأهل السعادة وأهل الشقاء.
فلفظ والتناد)) - بتخفيف الدال وحذف الياء - تفاعل من النداء،
بقال : تنادى القوم ، إذا نادى بعضهم بعضا.
وقوله : « يوم تولون مدیرین مالكم من الله من عاصم ٠ ٠٠،بدل مز يوم
التناد ، أى: أخاف عليكم من أهوال يوم القيامة، يوم تنصرفون عن موقف
الحساب والجزاء، فتتلقاكم النار بلهبها وسعيرها، وتحاولون الهرب منها فلا
تستطيعون ، لأنه لا عاصم لكم ولا مانع فى هذا اليوم من عذاب الله
- تعالى - وعقابه.
((ومن يضلل الله فما له من ماد. أى: ومن يضلله الله - تعالى -عن طريق
الحق بسبب سوء إستعداده، وإستحبابه العمى على المدى، فما له من ماد
بهديه إلى الصراط المستقيم
وهكذا نجد الرجل المؤمن بعد خوف قومه من العذاب الدنيوى ، أقبع
ذلك بتخويفهم من العذاب الأخروى .

٣٧٦
سورة غافر
ثم ذكرهم بعد ذلك بما كان من أسلافهم مع أحد أنبيائهم فقال:( ولقد
جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم فى شك مما جاءكم به، حتى إذا ملك
قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ... ))
والذى عليه المحققون أن المراد بيوسف هنا: يوسف بن يعقوب - عليهما
السلام - والمراد بمجيئه إليهم: مجيؤه إلى آبائهم، إذ بين يوسف وموسى
- عليهما السلام - أكثر من أربعة قرون فالتعبير فى الآية الكريمة من باب
نسبة أحوال الآباء إلى الأبناء لسيرهم على منوالهم وعلى طريقتهم فى الإعراض
عن الحق .
أى: ولقد جاء يوسف - عليه السلام - إلى آبائكم من قبل مجيء موسى
إليكم، وكان مجيئه إلى آبائكم مصحوبا بالمعجزات البينات، والآيات
الواضحات الدالة على صدقه.
, فما زلتم فى شك مما جاءكم به، أى: فما زال آباؤكم فى شك مما جاءهم؟»
من البينات والهدى ، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى - عليه السلام -.
((حتى إذا هلك، أى: مات يوسف - عليه السلام -.
((قلتم، أى: قال آباؤكم الذين أنتم من نسلهم (( أن يبعث الله من بعده
رسولا، فهم قد كذبوا رسالته فى حياته ، وكفرابمن بعده من الرسل بعد
موته ، لأنهم تفوا أن يكون هناك رسول من بعده.
فأنت ترى أن الرجل المؤمن يحذر قومه من أن يسلكوا مسلك آبائهم،
فى تكذيب رسل الله ، وفى الإعراض عن دعوتهم.
قال ابن كثير: قوله - تعالى -: ((ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات))
يعنى: أهل مصر، قد بعث الله فيهم ((رسولا من قبل موسى، وهو يوسف
- عليه السلام -، كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته
الفبط ، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة، والجاه الدنیوى ، وهذا
قال: « ذا زلتم فى شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث انته من بعده

٣٧٧
الجزء الرابع والعشرون
رسولا، أى: يفستم فقلتم طامعين: ((أن يبعث الله من بعده رسولا، وذلك
لكفرم وتكذيبهم ،(١).
وقوله: ((كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب)، أى: مثل ذلك
الإضلال الفظيع، يضل الله - تعالى - من هو مسرف فى ارتكاب الفسوق
والعصيان ، ومن هو مرتاب فى دينه. شاك فى صدق رسوله، لاستيلاء الشيطان
والهوى على قلبه .
ثم بين لهم أن غضب الله - تع الى - شديد، على الذين يجادلون فى آياته
الدالة على وحدانيته وعلى كمال قدرته ، وعلى صدق أنبياته ، غيرحجة أو دليل
فقال (الذين يجادلون آيات الله بغير سلطان أتاهم، كبر متقا عند الله وعند
الذين آمنوا .. )).
وقوله: ((الذين يجادلون .. ، مبتدأ، وخبره قوله - تعالى - كبر مقتا .. ))
والفاعل ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من قوله (( يجادلون، أى: كبر
جدالهم و«مقتا، تمييز محول عن الفاعل، أى: عظم بغضا جدالهم عند الله
وعند المؤمنين .
أى: الذين جادلون فى آيات الله الدالة على وحدانيته، وعلى صدق أنبيائه
بغير دليل أو برهان أناهٍ من الله - تعالى - عن طريق رسله، هؤلاء الذين
يفعلون ذلك، كبر وعظم بغضأ جد الهم عند الله - تعالى - وعند الذين آمنوا،
قال الجمل: ((وهذه الصفة - وهى الجدال بالباطل بدون برهان .موجود
فى فرعون وقومه ، ويكون الرجل المؤمن قد عل عن مخاطبتهم إلا الاسم
الغائب ، لحسن محاورته لهم ، واستجلاب قلوبهم، وأبرز ذلك فى صورة
تذكرهم فلم يخصهم بالخطاب .
(١) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٠١٢٣

٣٧٨
سورة غافر
وفى قوله: (( كبر، ضرب من النعجب والاستعظام لجدالهم.،(١)
وقوله :. كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار، أى: مثل ذلك
الطبع العجيب، يطبع الله - تعالى ويهتم بالكفر والعمى على قلب كل
إنسان متكبر عن الاستماع الحق ، متطاول ومتجبر على خلق الله - تعالى.
بالعدوان والإيذاء .
٥
ومع هذا النصح الزاخر بالحكم الحكيمة ، والتوجيهات السليمة ،
والإرشادات القويمة من الرجل المؤمن لقومه .. ظل فرعون سادرافى غيا)،
مصراعى كفره وضلاله .. إلا أن الرجل المؤمن لم يأس من توجيه الصح
بل أخذ يذكر وينذر ويبشر ... وتحكى القرآن الكريم كل ذلك فيقول :
((وقالَ فِرْعَون يا ها مَنُ ابن لِ صَرْحاً لعلّى أَبْلِغُ الأسبابَ (٣٦)
أسبابَ السَّمواتِ فَأَطَّلِع إلى إِلَهِ مُوسى وإنّى لأظُنُه كاذباً، وكذلكَ
ذُيِّنَ لِفِرْعَونَ سوءٍ عَمَلِهِ وصُدَّ عنِ السَّبِيلِ وما كَيدُ فِرْعُونَ إِلاَّ فى
تَبَاب (٣٧) وقالَ الذى آمَنَ ياقومِ اتبعُونٍ أهدِ ثُ سبيلَ الرَّشادِ (٣٨)
يا قومٍ إنَّا هذه الحياةُ الدُّنياً متاعٌ وإنَّ الآخرَةَ هىَ دارُ القَرارِ (٣٩)
مَنْ عَمِلَ سيئةٌ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَها ومَنْ عمِلَ صالحاً من ذكرٍ أوأنثى
وهوَ مُؤْمنُ فَأُولَئِكَ يدخُلُونَ الجنَّةَ يرزَقُونَ فيها بغيرِ حِسابٍ (٤)
ويا قَومٍ مالٍ أَدْعُولُ إلى النَّجاةِ وَتَدْعُونِى إلى النّارِ (٤١) تدعُونِى
لأ كفُرَّ بالهِ وأشْرِك بهِ ما ليسَ لَى بهٍ علمّ، وأنا أَدعولُم إلى المزِيرٍ
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج٤ ص ١٥.

٣٧٩
الجزء الرابع والعشرون
الغفار (٤٢) لاجرَم أنَّ ما تَدْعُونى إليه ليسَ لهُ دعوةٌ فى الدُّنباً ولافى
الآخرَةِ، وأن مَردَّنَا إلى اللهِ وَأن المسْرِفِينَ مُ أصحابُ النَّارِ (٤٣)
فستَذَ كُرونَ ما أقولُ لكُم وَأَفْوَّضُ أَمْرِى إلى اللهِ، إنَّ اللهَ بَصِيرٌ
بالعِبَادِ (٤٤) فوقَهُ اللهُ سيئَاتٍ ما مَكَرُوا وحاقَ بَآلٍ فِرْعَونَ سوء
العذابِ (٤٥) النَّارُ يُعرَضَون عليها غُدوَّا وعشِيًّا ويومَ تقوم الساعةُ
أَدْخِلوا آلَ فِرِعونَ أشدَّ المذَّابِ (٤٦) ».
والمراد بالصرح فى قوله - تعالى -: «وقال فرعون يا هامان ابن لى
صرحا ... ، البناء العالى المكشوف للناس، الذى يرى الناظر من فوقه
ما يريد أن يراه، مأخوذ من التصريح بمعنى الكشف والإيضاح .
والأسباب: جمع سبب، وهو كل ما يتوصل به إلى الشىء، والمراد بها
هذا : أبواب السماء وطرقها، التى يصل منها إلى ما بداخلها.
أى: وقال فرعون لوزيره مامان: يا هامان ابن لى بناء ظاهرا عاليا
مكثرنا لا يخفى على الناظر وإن كان بعيداً عنه، لعلى عن طريق الصعود على
هذا البناء الشاهق أبلغ الأبواب الخاصة بالسموات، فأدخل منها فأنظر إلى
إله موسى .
والمراد بالظن فى قوله ((وإنى لأظنه كاذبا، اليقين لقوله، - تعالى-
فى آية أخرى: « وقال فرعون يا أيها الملأما علمت لكم من إله غيرى فأوقدلى
يا حامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه من
الكاذبين ،(١) .
فقوله - كما حكى القرآن عنه -: ((ما علمت لكم من إله غيرى، قرينة
(١) سورة القصص الآية ٢٨.

٣٨٠
سورة غافر
قوية على أن المراد بالظن فى الآيتين: اليقين والجزم، بسبب غروره وطغيانه.
أى: وإنى لأعتقد وأجزم بأن موسى كاذبا فى دعواه أن هناك إلها
غيرى لكم ، وفى دعواه أنه رسول إلينا .
وكرر لفظ الأسباب لأن اللفظ الثانى بدل من الأول، والشىء إذا أبهم
ثم أوضح، كان تفخيما لشأنه، فذا أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب
السموات أبهمها ثم أوضحها .
وقوله: «فاطلع .. ، قرأه الجمهور بالرفع عطفا على ((ألمغ، فيكون فى
حيز الترجى .
وقرأه بعض القراء السبعة بالنصب فيكون جواب الأمر فى قوله: «ابن
ل صرحا ...
ولاشك أن قول فرعون هذا بجانب دلالته على أنه أبلغ الغاية فى الطغيان
والفجور والإستخفاف بالعقول، يدل - أيضا - على شدة خداعه، إذ
هو يريد أن يتوصل من وراء هذا القول إلى أنه ليس هناك إله سواه ولو كان
هناك إله سواه لشاهده هو وغيره من الناس.
قال الإمام ابن كثير: ((وذلك لأنفرعون بنى هذا الصرح، الذى لم ير فى
الدنيا بناء أعلى منه، وإنما أراد بهذا أن ظهر لرغيته تكذيب موسى فيما قاله،
من أن هناك إلها غير فرعون ... )، (١).
وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه: وقول فرعون هذا، المقصود منه التلبيس
والتمويه والتخليط على قومه توصلا لبقائهم على الكفر، وإلا فهو يعرف
حقيقة الإله ، وأنه ليس فى جهة ، ولكنه أراد التلبيس ، فكأنه يقول لهم :
لو كان إله موسى موجودا لكان له محل، ومحله إما الأرض وإما السماء،
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ١٦