النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ الجزء الرابع والعشرون منها حروفكم، فإن کنتم فی شک فی أنه من عند الله- تعالى - فهاتوا مثله، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله، فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيراً . وقوله - تعالى -: ((تنزيل الكتاب من الله، جملة من مبتدأ وخبره أى: هذا الكتاب منزل عليك - أيها الرسول الكريم - من الله - تعالى - وحده، وليس من عند أحد غيره . ثم وصف - سبحانه - ذاته بثمانى صفات تليق بذاته فقال: ((العزيز، أى: الغالب لكل من سواه من العز بمعنى القوة والغلبة. يقال: عزفلان يعز-من باب تعب - فهو عزيز، إذا كان معروفا بالقوة والمنعة، ومنه قولهم: أرض هزاز إذا كانت صلبة قوية . ((العليم، أى: المطلع على أحوال خلقه دون أن يخفى عليه شيء منها. ,غافر الذقب، أى: سائر لذنوب عباده، ومزيل لأثر هاعنهم بفضله ورحمته. فلفظ (( غافر، من الغفر بمعنى الستر والتغطية، يقال: غفر الله - تعالى- ذنب فلان غفرا ومغفرة وغفرانا، إذا غطاه وستره وعفا عنه . ولفظ الذنب : يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته، مأخوذمن ذنب الشىء، أى: نهايته. ((وقابل التوب، والتوب مصدر بعفى الرجوع عن الذنب والتوبة منه . يقال: قاب فلان عن الذنب قوبة وقوبا إذا رجع عنه . أى: أنه - سبحانه - يغفر ذنوب عباده، ويقبل أو بتهم، فضلامنه وكرما. قال صاحب الكشاف :« ما بائى الواو فى قوله: ((وقابل التوب))؟ قلت: فيها نكتة جليلة، وهى إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأنه لم يذهب. كأنه قال: جامع المغفرة والقبول ... ،(١). ٢) تفسير الكشاف - ٤ ص.١٤٩ ٣٤٢ سورة غافر ((شديد العقاب، أى: لمن أشرك به، وأعرض عن الحق الذى جاءه به ٦ الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ذى الطول،، أى: ذى الفضل والثواب والإنعام على من يشاء من عباده .. والطول : السعة والغنى والزيادة، يقال: لفلان على فـ لان طولى، أى زيادة وفضل ،ومنه الطول فى الجسم لأنه زيادة فيه ، قال - تعالى -: ،و.ن لم يستطع منكم طولا ... ، أي: غنى وسعة. ((لا إله إلا هو)، أى: لا إله بحق وصدق إلا هو - سبحانه- (((إليه المصير، أى: إليه المرجع والمآب يوم القيامة، ليحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا. قال القرطی : روى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنهبأنه افتقدر جلا. ذا بأس شديد من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له : تتابع فى هذا الشراب. فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد إنه إليك الذى لا إله إلا هو «بسم الله الرحمن الرحيم، خم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم .. إلى قوله - تعالى -: («إليه المصير). ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا. ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما وصل الكتاب إلى الرجل جهل بةرؤهو يقول: قد وعدنى الله أن يغفر لى، وحذرنى عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن النزع وحسنت قوبته . فلما بلغ عمر ذلك قال: «كذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلته فسددوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه (!) . (١) تفسير القرطبى =١٥ ص٠٢٩١ ٣٤٣ الجزء الرابع والعشرون ثم جون - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من شأن الكافرين، وأخبره بأنهم أتفه من أن يغتر بهم فقال: (( ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا، فلا يغررك نقلبهم فى البلاد .. والمراد بالجدال هنا : الجدال بالباطل ، وأما الجدال من أجل الوصول إلى الحق فمحمود . وقوله: ( فلا يغررك .. )) جواب الشرط محذوف. والتقلب: التنقل من مكان إلى آخر من أجل الحصول على المنافع والمكاسب . أى: ما يجادل فى آيات اله الدالة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق التكذيب بها والطعن فيها ... إلا الذين كفروا بالحق لما جاءهم، وإذا تقرر ذلك ، فلا يغررك ـ أيها الرسول الكريم - تقبلهم فى البلاد، وتصرفهم فيها عن طريق التجارات الرابحة ، وجمع الأموال الكثيرة ، فإن ما بين أيديهم من أموال إنما هو لون من الاستدراج، وعماقر یب سنزولهذه الأموال من ینایدیهم ، وستكون عليهم حسرة ... ( كذبت قبلهم، أى: قبل هؤلاء الكافرين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ((قوم نوح)) الذين أغرقناهم بسبب هذا التكذيب لنبيهم. ((والأحزاب من بعدهم، أى: وكذلك الأقوام الآخرون الذين جاءوا من بعد قوم نوح، قد تحزبوا على أنبيائهم، وأجمعوا على تكذبيهم ، كمافعل قوم عاد مع نبيهم هود ، ولما فعل قوم ثمود مع نبيهم صالح ، وكما فعل أهل مدين لمع فيهم شعيب ... التغير فى قوله - تعالى - «من بعدهم، يعود إلى قوم نوح، وأفردهم - سبحانه - بالذكر لأنهم أول قوم كذبوأ رسولهم بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ولم يزدهم دعاءه لهم إلا عتوا وفورا. ٣٤٤ سورة غافر وقوله - تعالى -: ((وهمت كل أمة رسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.)) بيان لما فعله هؤلاء الأقوام الظالمون مع أنبيائهم الذين جاءوا هدايتهم . أى: أن هؤلاء الأقوام المجرمين،لم يكتفوا بالتكذيب أنبيائهم . بل إن كل أمة منهم قد مكرت بنبيها ، وأرادت به السوء، وحاولت أن تتمكن منه بالأسر أو بالقتل، وجادلته بالجدال الباطل ، لتنزيل به الحق الذى جاء به من عند ربه وتبطله . والتعبير بقوله:(( ليأخذوه، يشعر بأن هؤلاء المجرمين كانوا حريصين على التمكن من إيذاء نبيهم ومن الاعتداء عليه، كما يحرص الشخص على أخذ عدوه وأسره ليفعل به ما يشاء. وقوله - تعالى - :«فأخذتهم فكيف كان عقاب ، بيان لماآل إليه مكرم وجدالهم بالباطل. أى : هموا بماهموا، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وحاولوا أن يجعلوا رسولهم بمنزلة الأسير فيهم .. فكانت فقيمة كل ذلك أن أخذنام أخذ عزيز مقتدر، بأن دمرناهم تدميراً، فكيف كان عقابى لهم؟ لقد كان عقابا مدمراً، جعلهم أثرابعد عين ، وترك آثار مساكنهم تشهد بهلاكهم وإستئصالهم ... ثم بين - سبحانه - سنة من سفته التى لا تختلف فقال: ((وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار .. أى: وكما حقت كلمة ربك - أيها الرسول الكريم - ووجبت بإهلاك الأمم الماضية التى كذبت أنبياءها، وجعلهم وقوداً للنار . فكذلك تكون سنتنا مع المكذبين لك من قومك، إذا ما استمروا فى تكذيبهم لك، ولم يعودوا إلى طريق الحق . ٣٤٥ الجزء الرابع والعشرون فالآيات الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحذير لمشركى قريش من الاستمرار فى غيهم . ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر رحمته بالمؤمنين ، وتكريمهم ، فذكر أن حملة عرشه من وظائفهم الاستغفار المزمنين ، والدعاء لهم بالخير فقال - تعالى -: (الذينَ يُحِلُون العرشَ ومَنْ حَوْلهُ يُسَبحونَ بِحَمْدِ رِبهم، ويُؤْمِنُونَ به، ويستغفِرُونَ الذِينَ آمَنُوا، ربَّناً وسِعْتَ كَلَّ شىءٍ رحمةً وعلماً، فاغفِرْ لَّذِينَ تَابُوا واتّهموا سَبِّكَ ، وفيِم عذاب الجعيمِ (٧) ربَّنَا وأدخِلْهِمْ جناتٍ عَدْنٍ التى وعدتَهُم، ومَنْ صَلَح من آبْهِمْ وَأَرْوَاجهم وذرّهِم إنكَ أنتَ العَزِيزُ الحكيمُ (٨) وقيم السيئاتٍ ومَنْ تَقِ السيئاتِ يومَئذٍ فَقَدْ رحْتَّهُ، وذلكَ هو الفَوْزُ العظيمُ (٩))). والمراد بالذين يحملون العرش: عدد من الملائكة المقربين إلى الله -تعالى- ولا يعلم عددهم أحد سوى الله - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح فى تحديد عددم. والمراد بمن حوله: عدد آخر من الملائكة يطوفون بالعرش مهلين مسيحين مكبرين قد تعالى - كما قال - تعالى -: («وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ٤٠. وعرش أنه - تعالى - كما قال الراغب - ما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، فعلينا أن نؤمن بأن لقه - تعالى - عرشا عظيما، أما كيفيته وهيئنه فنفوض معرفتها إلى الخالق - عز وجل -. وقد ذكر هذا اللفظ فى القرآن الكريم فى إحدى عشر آية. ٣٤٦ سورة غافر والاسم الموصول فى قوله - تعالى -: ((يحملون العرش، مبتدأ. وخبره قوله: (( يسبحون .. ،. والجملة الكريمة مستأنفة ومسوقة لتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم-بيان أن هؤلاء الملائكة الذين هم أقرب الملائكة إلى الله - تعالى - ضمون إلى تسبيحهم لذاته - سبحانه -، الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم. وقد ذكر كثير من المفسرين كلاما طويلا فى صفة هؤلاء الملائكة وفى صفة العرش . رأينا أن نضرب عنه صفحا لضعفه وقلة فائدته . أى : الملائكة الكرام المقربون إلينا، والحاملون لهرشنا، والحافون به من صفاتهم أنهم ((يسبحون بحمد ربهم ، أى: يفزهون الله - تعالى - عن كل نقص، ويلهجون بحمده وبالثناء عليه بما يليق به . (((ويؤمنون به، - تعالى - إيمانا تاما لا يشوبه ما يتنافى مع هذا الإيمان والإذعان لله الواحد القهار. قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: ما فائدة قوله - تعالى -: «ويؤمنون - به، ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟ قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله ، والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء فى غير موضع من كتابه بالصلاح كذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله - تعالى -: (ثم كان من الذين آمنوا، فأبان بذلك فضل الإيمان)(١). ويستغفرون الذين آمنوا، أى: أهم بجانب تسبيحهم وجدهم لربهم، وإعنهم. به، يتضرعون إليه - سبحانه - أن يغفر الذين آمنوا ذنوبهم. وفى هذا الاستغفار .. منهم للمؤمنين، إشعار بمحبتهم لجم، وعنايتهم. بشأنهم، لأنهم مثلهم فى الإيمان بوحدانية الله تعالى .. وفى وجوب إخلاص. العبادة و"طاعة له. (١) تفسير الكشاف حـ٤ ص ١٥٢ + ٣٤٧ الجزء الرابع والعشرون ثم حكى - سبحانه - كيفية استغفارهم للمؤمنين فقال: «ربنا وسعت كل شىء رحمته وعلما » . والجملة الكريمة على تقدير قول محذوف، وهذا القول فى محل نصب على الحال من فاعل ((يستغفرون)). وقوله. رحمة وعلما، منصوبان على التميز. أى: أنهم يستغفرون للذين آمنوا، حالة كونهم قائلين: يا ربنا بامن وسعب رحمتك ووسع علمك كل شىء ، تقبل دعاءنا ..: («فاغفر، بمقتضى سعة رحمتك وعلمك ((للذين تابوا، إليك قوبة صادقة نصوحا, واتبعوا سبيلك، الحق، وصراطك المستقيم. ((وقهم عذاب الجحيم، أى: وصنهم ياربنا وإحفظهم من الوقوع فى جهنم لأن هذابها كرب عظيم. يا «ربنا وأدخلهم جنات عدن، أى: وأدخلهم جناتك دخولا دائما لا إنقطاع معه . يقال: عدن فلان بالمكان يعدن عدنا، إذ لزمه وأقام فيه. دون أن يبرحه، ومنه سمى الشىء المخزون فى باطن الأرض بالمعدن، لأنه مستقر بداخلها . ((التى وعدتهم، فضلا منك وكرما. وأدخل معهم «من صلح، لدخولها بسبب إيمانهم وعملهم الطيب ((من آبائهم وأزواجهم وذوياتهم إنك أنت)) يامولانا «العزيز، أى: الغالب لكل شىء « الحكم» فى كل تصرفاتك وأفعالك. فالمراد بالصلاح فى قوله - تعالى -: ((ومن صلح من آبائهم»: من كان. منهم مؤمنا باقه، وعمل عملا صالحا . ودعوا لهم بذلك، ليتم سرورهم وفرحهم. إذ وجود الآباء والأزواج والذرية مع الإنسان فى الجنة ، يزيد سروره وإشراحه . ٢٤٨ سورة غافر ((وقهم)) باربناء السيئات)) أى: احفظهم ياربنا من إرتكاب الأعمال السيئات، ومن العقوبات التى تترتب على ذلك، بأن تتجاوز عن خطايام .. « ومن تق السيئات يومئذ ، أى: فى يوم القيامة الذى نجارى فيه كل نفس بما كسبت (، فقد رحمته، أى: فقد رحمته برحمتك الواسعة من كل سوء. ((وذلك، الذى تقدم من رحمتهم ومن إدخالهم الجنة، ومن وقايتهم السوء (((هو الفوز العظيم، الذى لا يضارعه فوز، والظفر الكبير الذى لا يقاربه ظفر ، والأمل الذى لا مطمع وراءه لطامع. وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة، قد أخبرتنا أن الملائكة المقربين يدعون للمؤمنين بما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم . وكعادة القرآن الكريم فى قرن الزغاب أو العكس: جاء الحديث بعدذلك من الكافرين، مبينا إنقطاعهم عن كل من يشفع هم، أو بدءو لهم مخير- كما دعا الملائكة للمؤمنين .. فقال - تعالى -: (((إِنَّ الذينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لمقتُ الله أكبرُ من مَقتِكَم أَنْفُسَكُم، إذ تُدَعَونَ إِلى الإيمَانِ فَتَكْفُرونَ (١٠) قَالُوا رَبَّا أَمْتَّنَا" اثْتَشَيْنِ وَأَحْيَيْنَ اثنتَيِْ فاعترفناَ بِذُنُوبِناَ فَلْ إلى خُروجٍ مِن سَبِيلٍ (١١) ذلكُم بأنّهُ إذَا ادعِىَ اللهُ وحدَه كَفَرْتُم، وإن يُشْرَك به تؤمنُوا، فالحِكْمُ لَّهِ العَلَىِّ الكَبيرِ (١٢)». والمقت : أشد أنواع البغض والغضب، يقال: مقته مفتا، إذا غضب عليه غضبا شديدا، ومنه قوله - تعالى -: ((ولا تقربوا الزنا إن كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا .. والمنادى لهؤلاء الكافرين: هم الملائكة خزنة النار، أو المؤمنون. وهذا النداء إنما يكون يوم القيامة، يوم توفى كل نفس ما كسبت. ٣٤٩ الجزء الرابع والعشرون أى: إن الذين كفروا بعد أن أحاطت بهم النار، وبعد أن عادواعلى أنفسهم بأشد ألوان الندامة والحسرة والمقت. الإيثارها الكفر على الإيمان. بعد كل ذلك «ينادون) بأن يقال لهم: إن مقت الله - تعالى - لكم بسبب إصراركم على الكفر حتى ملكتم ... أشد وأعظم من مقتكم لأنفسكم مهما بلغ مقتكم لها و كراميتكم لها . قال الألوسى ماملخصه: ((قوله ((ينادون) المنادى لهم الخزنة أو المؤمنون يقولون إعظاما لحسرتهم: « لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم، وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى القول، كأنه قيل: بنادون عقولا لهم: لمقت ... ومقت)) مصدرها إلى الإسم الجليل ؛ إضافة المصدر لفاعله، وكذا إضافة المقت الثانى إلى ضمير الخطاب ... )) (!). وقوله - سبحانه -: « إذا تدعون إلى الإيمان فتكفرون، تعليل لمقت الله أى: لغضب الله - تعالى - عليكم، أشد من غضبكم على أنفسكم الأمارة بالسوء وذلك لأنكم جاءتكم دعوة الحق على ألسنة وسلمكم، فأعرضتم عنها، وصمعتم على الكفر والفسوق والعصيان، حتى أدرككم الموت، وما أنتم اليوم تجزون ما كنتم تعملونه فى الدنيا . ثم يحكى- سبحانه - ما يقوله الكافرون بعدأن أنزل بهم - سبحانه - عقابه العادل فيقول : ((قالوا ربنا أمتنا إثنتين وأحييتنا إثنتين. ٠٠. وأرادوا بالموتة الأولى: خلقهم من مادة لا روح فيها وهم فى بطون أمهاتهم ، وأرادوا بالثانية: قبض أرواحهم عند إنقضاء آجالهم. ١ - وأرادوا بالحياة الأولى: نفخ أرواحهم فى أجسادهم وهى فى الأرحام، وأرادوا بالثانية إعادتهم إلى الحياة يوم البعث ، للحساب والجزاء. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «كيف تكفرون باقه وكنتم أموانا فأحياكم، ثم يميتكم ثم يحييكم .... (٢). - (١) تفسير الآلوسي ج ٤ ص٥٠ (٢) سورة البقرة الآية ٢٨ ٢٠٠ سورة غافر ((فاعترفنا بذنوبنا، أى: أنت يا ربنا الذى - بقدرتك وحدها - أمتنا. إماتتين اثنتين، وأحييتنا إحياءتين اثنتين، وها نحن قد اعترفنا بذنوبناالتى وقعت منا فى الدنيا ، وقدمنا على ما كان منا أشد الندم ... (((فهل إلى خروج من سبيل، أى: فهل بعد هذا الاعتراف، فى الإمكان أن تخرجنا من النار، وأن تعيدنا إلى الحياة الدنيا، لنؤمن بك حق الإيمان، وتعمل غير الذى كنا نعمل .. فأنت ترى أن الآية تصور ذلهم وحسرتهم أکمل تصویر، وأنهم يتمنون العودة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم ، ولكن هذا التمنى والتليف جاء بعد فوات الأوان . قال ابن كثير ما ملخصه: « هذه الآية كقوله - تعالى -: «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحباكم ثم يميتكم ثم يحييكم .... وهذا هو الصواب الذى لاشك فيه ولا مرية . وقال السدى: أميتوا فى الدنيا ثم أحيوا فى قبوم بخوط وا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة . وقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم، ثم خلفهم فى الأرحام، ثم أماتهم يوم القيامة . وهذا القولان ضعيفان لأنه يلزمهما على مافالاثلاث إحياءات وإهانات . . والمقصود من هذاكله أن الكفار يسألون الرجعة وم وقوف بین یدی الله، كما قال - تعالى - ,ولو ترى إذ المجرمون فاكسوا رءوسهم عند ربهم، ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا فعمل صالحا إنا موقنون ... )(١). ثم بين - سبحانه - أن تذللهم هذا لن يجديهم ، وأن ما هم فيه من عذاب (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٢٢ ٣٥١ الجزء الرابع والعشرون سيه إعراضهم على دعوة الحق فى الدنيا، فقال: «ذلكم بأنه إذا دعى ا وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا، فالحكم لقه العلى الكبير». أى: ذلكم الذى نزل بكم من عذاب سببه، أنكم كنتم فى الدنيا إذا عبدالله - تعالى - وجده، وطلب منكم ذلك كفرتم به - عز وجل -، وإن يشرك به غيره من الأصنام أو غيرها آمنتم، ومادام هذا حالكم فى الدنيا، فاخسارا فى النار ولا تؤملوا فى الخروج منها، بحال من الأحوال، فالحكم لله وحده دون غيره، وهو - سبحانه - الذى حكم عليكم بما حكم ... وهو - سبحانه -، العلى، أى: المتعالى عن أن يكون له مائل فى ذاته أو صفاته ((الكبير)) أنى: العظيم الذى هو أعظم وأكبر من أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد . جمع - سبحانه - لذاته بين هذين الوضعين، الدلالة على كبرباته وعظمته . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على فضله ورحمته بعبادة، وعلى وحدانيته وكمال قدرته، وعلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، وعلى أن كل نفس ستجازى فى هذا اليوم بما كسبت بدون ظلم أو محاباة، لأن القضاء فيه قه الواحد القهار. فقال - تعالى -: ((هُو الذى يريِكُمْ آيَاتِهِ وينزُّلُ لكُم من السماءِ رِزْقاً وما يتَذكَّر إلا مَنْ ينِيبُ (١٣) فادْهُـوا اللهَ مُخلصينَ له الدين ولوكرة الكافِرُون (١٤) رفيعُ الدَّرجاتِ ذُو العرشِ يلقِى الروحَ من أمرِهِ عَلَ مَن يشاء من عبادهِ ليُنذرَ يومَ الثَّلاقِ (١٥) يوْمَ م بارِزُ ونَ لَا يُخْفَى ٣٥٢ سورة غافر عَلَى الله مِنْهم شىءٍ، لَمَنْ الُلكُ اليَومَ، لَهِ الواحدِ القَّارِ (١٦) اليوْمَ تجزَى كُلُّ نَفْسٍ بما كسبَتْ لَا فِظْلَمَ اليومَ، إنّاللهَ سَرِيعُ الحسابِ (١٧) وأنذِرْهُم يومَ الآزفةِ إذِ القلوبُ لدى الحناجر كاظِينَ، ما للظالمين من حميمٍ ولا شَفِيعِ يطاعُ (١٨) يَمُ غَئنةَ الأمينِ وماتخفِى الصُّدُورُ (١٩) واللّهُ يَقْضِى بالحقَّ، والذينَ يَدْعُون من دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَىءٍ، إِنَّ اللّه هُو السميعُ البصير (٢) أوَ لم يَسِيروا فى الأرضِ فَيْظُرُوا كيفَ كانَ عاقبةُ الذينَ كانُوامِنْ قَبلِهِمْ، هم أشدَّ مِنهم قوةً وَآثاراً فى الأرضِ فأخذَهُ الله بذنوبهم وما كانَ لهُم من اللّهِ من واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَهُم كَانَتْ تأتيهِمْ رِسْلُهم بالبيَّتِ فَكَفَرُوا، فَأَخَذَم الهُ، إنَّهُ قوىٌ شديد العقابِ (٢٢)». والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: «هو الذى يريكم آياته .... الدلائل الدالة على وحدانيته وقدر ته، کخلقه للشمس والقمر ، والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة .. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود ... أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ، لتزدادوا . أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار. وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ٣٥٣ 1 الجزء الرابع والعشرون « إن فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار الآيات. لأولى الألباب،(١). : (( ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتفاؤكم وقوله - عز وجل من فضله ... )،(٢) . وقوله - تعالى -: ((إن فى اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله فى السموات. والأرض ، لآيات لقوم يتقون.(٢). والمراد بالرزق فى قوله:((وبنزل من السماء رزقا،: الأمطار التى تنزل من. السماء على الأرض ، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يا بسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار . وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا، لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده، لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه ، الموجبة لشكره- عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له . وقوله - تعالى -: ((وما يتذكر إلا من ينيب)» بيان لمن هو أهل الانتفاع بهذه الآيات . أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة، وعن الكفر إلى الإيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم . فقوله (( ينيب) من الإنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى، إلى الإيمان والطاعة . (١) سورة آل عمران الآية ١٩٠ (٢) سورة الروم الآية ٢٣ (٣) سورة يونس الآية ٦ ٫ ٢٣ - فافر ) ٣٥٤ سورة غافر والفاء فى قوله - تعالى -: ((فادعوا الله مخلصين له الدين ... ، للإفصاح عن شرط مقدر. أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شىء فى هذا الوجود بدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة ,ولوكره المشركون، منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراميتهم، وامضوا فى طريق الحق ، ودعوهم بموتوا بغيظهم .. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب إخلاص العبادة فه - تعالى -، ووجوب الإكثار من التضرع إليه بالدعاء. ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، مارواه الإمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أمى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الز بير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم:« لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: (( وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهال بهن دبر كل صلاة،(١). ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: ((رفيع الدرجات ذو العرش ... ، أى: هو - تعالى- وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو ... قال الآلومى ((قوله: ((رفيع الدرجات)) رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رفع الشىء إذا علا ... والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم الى عرشه .... وبحوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله (١) راجع تفسير ابن كثير ج ٧ ص ١٢٤ ٣٥٥ الجزء الرابع والعشرون - تعالى - ,ذو العرش، كناية عن ملكه - جل جلاله -.. ) (١). والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: « يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده،: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه ، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - . أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإلقاء من عباده الصالحين. فقوله: (( من أمره، متعلق بمحذوف عال من الروح. وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء. وقوله - تعالى -: ((لينذر يوم التلاق)) بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده - لإلقاء الوحى عليه. والأنذار: الإعلام المقترن بالتخويف والتحذير ، فكل إنذار إعلام، وليس على إعلام إنذارا. والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة ، وسمى بيوم التلاق ، لأنه بتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون ، والظالمون والمظلومون ... الكل يتلاقى فى ساحة الحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل. أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، ليندروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم. ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: ((يوم ثم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء ..... وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله (( يوم التلاق»، أى: باقي - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شىء على الله - تعالى -. (١) تفسير الآلومن = ٥٤ ١٥، ٥٥. ٣٥٦ سورة غافر والله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أمرم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هــ ذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون القستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - ,ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه، ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم مايسرون وما يعلنون، إنه عليم بذات الصدور . ورحم الله صاحب الكشاف، فقد قال: (( قوله: « يوم مم بارزون، أى: ظاهرون لا يسترثم شىء من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف ، ولا عليهم ثياب ، إنماهم عراة مكثوفون، كماجاء فى الحديث: «يحشرون عراة حفاة غرلا، « لا يخفى على الله منهم شىء، أى: من أعمالهم وأحوالهم ... فإن قلت: قوله: ((لا يخفى على الله منهم شىء)) بيان وتقرير لبروزم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شىء بروزا أم لم يرزوا، فى معناه؟ قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استقروا بالحيطان والحب، أن الله لا يراهم و تخفی علیه أعمالهم، فهم الیوم صائرون من البروز والافكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه. قال - تعالى- (( ولكن ظننتم أن الله. لا يعلم كثيرا مما تعلمون ... ))(١). وقوله - تعالى - «لمن الملك اليوم لله الواحد القهار، السائل والمجيب هو الله - تعالى -. أى : ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: (قه الواحد القهار)). (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٥١ ٣٥٧ الجزء الرابع والعشرون قال القرطبى ما ملخصه: ((قال الحسن: هو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: ((لله الواحد القهار). وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة ، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا بنادى: (( لمن الملك اليوم، فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: «لله الواحد القهار،. فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا ، ويقوله الكافرون غما وإنقيادا وخضوعا ... ١ ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار إنفراده - تعالى- بالملك عند إنقطاع دعاوى المدعين، وإنتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وما كـ ... ،(١). وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده ، أتبع ذلك يبيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: ((اليوم تجزى كل نفس بما كسبت .. )). أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة ، والبارة والفاجرة . بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية . «لا ظلم اليوم، ولا جور ولا محاباة ولا وساطات .... وإنما نعطى كل نفس ما نستحقه من ثواب أو عقاب. ( إن الله سريع الحساب، لأنه - سبحانه - لايحتاج إلى تفكر عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شىء علما، كما قال - تعالى -: ((عالم الغيب ، ولا يغرب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين)). (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص٠١٥٦ ٣٥٨ سورة غافر ثم بوجه الله - تعالى - أمره إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن بحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: «وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ..... والآزفة: القيامة . وأصل معنى الآزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل، إذا دنا وقرب. والخناجر : جمع حنجرة وهى الحلفوم. وكاظمين : حال من أصحاب القلوب على المعنى، فإن ذكر القلوب دل على ذكر أصحابها . وأصل الكظم : الحبس والإمساك للشىء . يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء ، وسدفاها ، حتى لا يخرج منها شىء من الماء. والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم ، ومتشبئة بحنا جرهم ، ويكونون كاظمين عليها ومسكين بهاحتى لاتخرج مع أنفاسهم، كما يمسك صاحب القربة فها لكى لا يتسرب منها الماء. فالآية الكريمة تصوير بديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شدید، و کرب عظيم، وخوف ليس بعده خوف . والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: ((اقتربت الساعة وانشق القمر ... )). وقوله - سبحانه -: ((اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون ... )). والظاهر أن قوله هنا « يوم الآزفة، هو المفعول الثانى الإنذار وليس ظرفا له، لأن الإنذار والتخويف من أهو ال یوم "قيامةواقع فى دار الدنيا. وقوله (( إذا القلوب) بدل من يوم الآزفة . ٠ قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت ((كاظمين)) بم انتصب؟ قلت: هوحال ٣٥٩ الجزء الرابع والعشرون من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجر كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر . وإنما جمع السلامة، لأنه وصفها بالكام الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: «والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين ... )،(١). وقوله - تعالى -: ((ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)، نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم. والحميم: هو الإنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل خاصة الرجل : حامته. والشفيع؛ من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان الفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه . أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم ، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون على غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم . فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم والشفيع الذى يدفع لهم، والإنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم . ثم أكد - سبحانه - شم ول علمه لكل شىء، فقال: ((يعلم خائنة الأعين وماتخفى الصدور ) . والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يقسال بها المستسلل ليطلع على ما حرم الله الإطلاع عليه . والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإضافة فى قوله ((خائنة الأعين)) على معنى من، وغائنة نعت لمصدر محذوف . (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص٠١٥٧ ٣٦٠ سورة غافر أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون . قال القرطبى: ((ولما جىء بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله - صلى الله. عليه وسلم - بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طويلا، ثم قال: (( نعم)). فلما انصرف قال - صلى الله عليه وسلم - لمن حوله: ((ماصمت إلا ليقوم إليه .بعضكم فيضرب عنقه». فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلى يارسول الله؟ فقال: ((إن النبى لا تكون له خائنة أعين . (١). ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: (( والله يقضى بالحق ..... أى: واقه - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل . ((والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء .. ، أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشىء أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شىء، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم . ((إن الله)) - تعالى - «هو السميع، لكل شىء ((العليم، بكل شىء ، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء . ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن (١) تفسير القرطبي = ١٥ ص ٣٠٣