النص المفهرس
صفحات 241-260
التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَةِ الزَّمُّنْ محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية (الجزء الثالث والرابع العشرون) ١٤٠٨ ٠ - ١٩٨٨ م الطبعة الثانية حقوق الطبع محفوظة للمؤلف بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبَّا تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ العَلِيم) (( صدق الله العظيم، جيـ المقدمة ١ - سورة ((الزمر)) هى السورة التاسعة والثلاثون فى ترتيب المصحف أما ترتيبها فى النزول فهى السورة الثامنة والخمسون من السور المكية ، وكان زولها بعد سورة سبأ . وقد ذكر صاحب الإتقان أنها تسمى - أيضاً - بسورة ((الغرف))، لقوله - تعالى -: (( لكن الذين اتقواربهم لحم غرف من فوقها غرف مبنية ... ». ٢ - ويرى المحققون أن السورة بكاملها مكية . قال الآلوسى. عن ابن عباس أنها نزلت بمكه ولم يستثنى، وأخرج النحاس عنه أنه قال: نزلت سورة الزمر بمكه سوى ثلاث آيات زات بالمدينة فى وحشى قاتل حمزة، وهى قوله - تعالى -: ((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اته ..... ٣ - وآياتها خمس وسبعون آية فى المصحف الكونى، وثلاث وسبعون فى المصحف الشامى، واثنتان وسبعون فى غيرهما .... (١). ٤ - وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - الذى أنزل القرآن بالحق على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: ((والذى خلق السموات والأرض بالحق والذى خلق الناس جميعاً من نفس واحدة»، قال - تعالى -: («تنزيل الكتاب من اله العزيز الحكيم، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، فاعبد الله مخلصا له الدين الاته الدين الخالص ...... (١) تفسير الآلوسى + ٢٣ ص ٢٣٢ - ٢٤٦ - ٥ - ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن حالة الإنسان عندما ينزل به الضر وعن الجزاء الجسن الذى أعده - سبحانه - للصابرين، وعن العقاب الأليم الذى أعده للخاسرين. (( قل يا عبادي الذين آمنوا اتقواربكم للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة، وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأمرت لأن أكون أولى المسلمين، قل لقى أضاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل اللّه أعبد مخلصاً له دينى فاعبدوا ما شئتم من دونه، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين ... ». ٦ - ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى هذا الكون عن طريقإنواله الماء من السماء، وعن طريق إنزاله أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعرمنه جلود الذین یچشون ربهم ١٠٠ قال - تعالى -: (( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه، ثم يرسج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما. إن فى ذلك أذ كرى لأولى الألباب ... » ٧ - ثم دعا - سبحانه - الناس بعد ذلك إلى تدير آيات القرآن، المشتمل على الهدايات والإرشادات والأمثال، وإلى اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى جاءهم بالصدق، لأن هذا الاتباع يؤدى إلى تكفير شيئاتهم.، ورفع درجاتهم عند ربهم ... قال - تعالى -: (ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون، قرآنا عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون.، ... ٨- وبعد أن عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - ٢٤٧ - - تعالى - فى قبضه الأرواح، وفى كشفه الضر عن خلقه ... أتبعت ذلك بمحاجة المشركين، وببيان ماهم عليه من ضلال ، وبيان أحوالهم عند ما يذكر إنّه - تعالى - وحده، وببيان سوء عاقبتهم ... قال - تعالى -: « وإذا ذکر الله وحده اشمازت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون. قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ... .. ٩ - ثم ساق - سبحانه - لعباده ما يدل على سعة رحمته بهم، ودعاهم إلى الإنابة إليه، من قبل أن يأتى اليوم الذى لا ينفع فيه الندم ... قال - تعالى -: ، قل باعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ... ٠٠ ٠ ١٠ - ثم تحدثت السورة فى أواخرها عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، وعن أموال هذا اليوم ... قال - تعالى -: ((ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ... )). وختمت ببيان ما أعده - سبحانه- للكافرين من شديد العقاب، وما أعده للمتقين من كريم الثواب ... قال - تعالى -: ((وسيق الذين انقوا ربهم إلى الجنة زمرا، حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين . وقالوا الحمدقه الذى صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض نتبوا من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين. وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون يحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين». - ٢٤٨ - ١١ - هذا، والمتأمل فى سورة (( الزمر)) بعد هذا العرض المجمل لها، يراها قد اشتملت على مقاصد متنوعة من أهمها ما يأتى : (١) إقامة الأدلة المتعددة على وحدانية الله - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له، قارة عن طريق خلق السموات والأرض، وتكوير الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر ، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة ... وقارة عن طريق لجوء المشركين إليه وحده عند الشدائد، وتارة عن طريق توفى الأنفس حين موتها، وتارة عن طريق ضرب الأمثال، كما فى قوله - تعالى -: «ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلان سلما لرجل، هل يحتويان مثلا؟ الحمد فقه، بل أكثرهم لا يعلمون)). (ب) تذكير الناس بأهوال الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب . وبعث ونشور، وفرح يعلو وجوه المتقين، وكابه تجلل وجوه الكافرين ... نرى ذلك فى مثل قوله - تعالى -: «ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس فى جهنم مثوى للمتسكهرين، وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم، لايمسهم السوء ولا هم يحزنون )). وفى مثل قوله - تعالى -: «ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. وأشرقت الأرض بنورربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء، وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون. ووفيت كل نفس ماخملت وهو أعلم بما يفعلون ... )). (جـ) تلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحجج والإجابات التى يرد بها على شبهات المشركين ، وعلى دعاواهم الباطلة، فقد تكرر لفظ ((قل)، فى هذه السورة كثيراً، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين)). ((قل أفر أيتم ماتدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هل من كاشفات ضره. ٠٠ ( قل يا قوم اعملوا على ٠كانتكم إنى عامل فسوف تعلمون . من بأتبه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم .. , قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون)) - ٢٤٩ - (((قل الله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون)). (د) الإكثار من المقارنة بين عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار، بأسلوب يغلب عليه طابع الاستفهام الإنكارى، الذى حذف فيه الخبر للعلم به من سياق الكلام .. ومن ذلك قوله -تعالى -: ((أم من هو قانت آناء الليل ساجدا قائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون))! وقوله - تعالى -: «أفن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار)). وقوله - سبحانه - أفن شرح الله صدره للإسلام فهو على أور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ...... وقوله - عز وجل -: « أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ، وقيل للظالمين ذوقوا ماكنتم تكبون)). هذه بعض المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة، وهناك مقاصد أخرى يدركها القارىء لهذه السورة الكريمة بتدبر وتفكر ... نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأفس نفوسنا. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . كتب الراجي عفو ربه القاهرة - مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى صباح الجمعة ٢٧ من ذى الحجة سنة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥/٩/١٣ م ٢٥٠ سورة الزمر التفسير قال تعالى : ((تنزيلُ الكتاب منَ اللهِ العزيز الحكيم (١) إنّا أَنزلتا إليكَ الكتابَ بالحقِّ فاعْبُدِ اللهَ مخلصًا لهُ الدِّينُ (٢) أَلاَ شِ الدِّين الخالِصُِ، والذين اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياً، ما نَعبدهم إلاَّ ليقرَّبُوا إلى اللهِ زَلْقَى إِنَّ اللهَ يُحُكُمْ بَيْنَهم فى مَا مُ فيهِ يُخْتَلِفُونَ ، إنَّ اللهَ لا يَهْدِى مَنْ هُوّ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لوْ أرَادَ اللهَ أنْ يتخِذَ وَلداً لاصْطَفى ممّا يُخْلُقُ ما يَه، سبحانَه هُوَ الله الواحِدِ القَّار (٤))). أفتتحت سورة ((الزمر، بالثناء على القرآن الكريم، وبيان مصدره ، قال - تعالى -: ((تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم). أى: هذا الكتاب وهو القرآن الكريم، قد نزل عليك ـ يا محمد - منلد الله - تعالى - ((العزيز، أى: الغالب على كل شىء ((الحكيم)) فى كل قصرها". وأفعاله، وليس هذا القرآن قولا مفترى كما زعم الجاحدون الذين الطمسا بصائرهم ، واستحبوا العمى على الهدى . والذى يتتبع آيات القرآن الكريم، يرى أن الله - تعالى - إذا ذكر تنزه لكتابه ، أتبع ذلك بعض أسمائه الحسنى، المتضمنة لصفاته الجميلة. ففى أول سورة غافر نجد قوله - تعالى -: ((حم، تنزيل الكتاب من ا العزيز العليم ، . ٢٠١ الجزء الثالث والعشرون وفى أول سورة الجاثية نجد قوله - تعالى -: ((حم، تنزيل الكتاب من أه العزيز الحكيم ..... وفى أول سورة الأحقاف نجد مثل هذا الافتتاح. وفى أول سورة فصلت تجد قوله - تعالى -: ((حم تنزل من الرحمن الرحيم .... . وفى صدر سورة (يس)، نجد قوله - سبحانه -: «تنزيل العزيز الرحيم. لتنف قوما أنذر آباؤم ..... ولا يخفى أن ذكره - سبحانه - لبعض أسمائه الحسنى، بعد ذكره لتنزيلى هذا القرآن على قلب رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيه مافيه من الثناء على القرآن الكريم، ومن بيان أنه قد نزل من عند الله - تعالى - وحده؛ الذى له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدعو الناس إلى قبول هذا الكتاب ، وإلى العمل بهداياته، فقال - تعالى -: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق .. )). أى: هذا الكتاب هو تنزيل من عند الله - تعالى - الغالب على كل شىء، والحكيم فى أقواله وأفعاله، وقد أنزله - سبحانه - عليك ـ يا محمد - تنزيلا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، أو ما يشبه الباطل ، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل مافيه .. قال الآلوسي: ((قوله - تعالى -: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ... )) ولكونه نازلا بالحق ، وتوعئة لما يذكر بعد ... أو شروع فى بيان المنزل إليه ، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل ... والباء متعلقة بالإنزال، وهى للسببية . أى: أنزلناه بسبب الحق. أى: إثباته وإظهاره. أوبمحذوف وقع حالا من المفعول وهى للملابسة . أى: أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب. ٢٥٢ سورة الزمر والمراد أن كل مافيه موجب للعمل والقبول حتما .. ,(١) . واقاء فى قوله - تعالى -: ((فاعبد الله مخلصا له الدين)) لتر قيب ما بعدها على ما قبلها . والعبادة: أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود - عز وجل- والإخلاص معناه : أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه الله - تعالى -. أى: أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذا الكتاب بالحق الذى لا يشوبه باطل ، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تخاص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا تاما ، لا يحوم حوله رياء أو تفاخر ، أو غير ذلك بما يتنافى مع إخلاص الخضوع لله - تعالى - وحده. قال الشوكانى: «وفى الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها عن الشوائب لأن الإخلاص من الأمور القلبية التى لا تكون إلا بأعمال القلب وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر فى الأقوال والأفعال النية، كمافى حديث: «إنما الأعمال بالنيات .. ، وحديث: ((لاقول ولاعمل إلا بنية)) (٢). وجملة (( ألا له الدين الخالص)، مؤكدة ومقررة لمضمون ماقبلها من وجوب إفراد العبادة والطاعة قه - تعالى - وزادها تأكيدا وتقريرا لما قبلها تصديرها بأداة الاستفتاح ، ألا) واشتمالها على أسلوب القصر. أى: ألا إن لله - تعالى - وحده - وليس لأحد سواه-، الدين الخالص من شوائب الشرك والرياء ، والعبادة لوجهه وحده، والخضوع لقدرته 4ق لا يعجزها شى . ... ثم بين - سبحانه - ما عليه المشركون من ضلال فقال: «والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله يحكم بينهم ... )). (١) تفسير الآلومى = ٢٣ ص٢٣٣، (٢) تفسير فتح القدير ج ٤ ص ٠٤٤٨ ٢٥٣ الجزء الثالث والعشرون فالمراد بالموصول المشركون، ومحله الرفع على الابتداء ، وخبره قوله - تعالى - بعد ذلك: ((إن الله يحكم بينهم)) وجملة« ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)) فى محل نصب على الحال بتقدير القول. والاستثناء مفرغمن أعم العال. والزلفى: إسم أقيم مقام المصدر الذى يتلاقى معه فى المعنى. والمأخوذ من قوله ((ليقربونا)). أى: لله - تعالى - وحده الدين الخالص، والمشر كون الذين اتخذوا معبودات باطلة ليعبدوها من دون الله، كانوا يقولون فى الرد على من ينهام عن ذلك : إننا ما نعبد هذه المعبودات إلا من أجل أن نتوسل بها، لكى تقربنا إلى الله قربى، ولتكون شفيعة لنا عنده حتى يرفع عنا البلاء والمحن . (( إن الله يحكم بينهم، أى: بين هؤلاء المشركين. وبين غيرهم من المؤمنين الذين أخلصوا فته - تعالى - العبادة والطاعة ((فيما هم فيه يختلفون، من أمر التوحيد والشرك، بأن يجازى المؤمنين بحسن الثواب ، ويجازى الكافرين بسوء العقاب. (((إن الله، - تعالى - ((لا يهدى، أى: لا يوفق للاعتداء للحق ((من هو کاذب کفار» . . أى: من كان دائم الكذب على دين الله، شديد الجحود لآيات الله وبراهينه الدالة على وحدانيته، وعلى أنه لارب لهذا الكون سواه. ثم أبطل - سبحانه - كل تصور للشرك والشركاء، بأن نزه - تعالى - ذاته من إتخاذ الولد فقال: «لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء، سبحانه هواقه الواحد القهار)» .. أبى: لو أراد الله - تعالى- على سبيل الفرض والتقدير - أن يتخذ ولدا ، .. لاختار من خلقه ما يريده الضالون، لمكنه بسبحانه لم يختر أحدا ليكون ٢٥٤ سورة الزمر ولدا له ، فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة بنات له، أو بأن عزير ابن الله، أو بأن المسيح ابن الله . ((سبحانه هو الله الواحد القهار) أى: تنزه - عز وجل - من شىء من ذلك، فإنه هو الله الواحد فى ذاته وفى صفاته ، القهار لكل مخلوقاته . قال الإمام ابن كثير : بين - تعالى - فى هذه الآية أنه لا ولد له كما يزعمه جولة المشركين فى الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى فى العزير وعيسى فقال: (( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصعافى مما يخلق ما يشاء، أى: لكان الأمر على خلاف مايزعمون . وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجريلهم فيها إدعوه وزعموه، كما قال: «لو أردنا أن تتخذ لهو الاتخذظه من لد ناإن كنا فاعلين، وكما قال: ((قل إن كان الرحمن ولد فأما أول العايدين .. كل هذا من باب الشرط، ويجواز تطابق الشرط على المستحول الضحية المتكلم،(١). وقال بعض العلماء ماملخصه:« إرادة إتخاذ الوالد- منا ختمة، أن الإرادة لا تتعلق إلا بالممكنات. وإتخاذ الولد محال، كما ثبت بالبرهان القطعى لتستتحميل إرادته ... وجعلها فى الآية شرطا وتعليق الجوزاب عليها، لا يقتضى إمكانها فضلا عن وقوعها. وقد عرف فى نصيح المكلام: تعليق المحتال على الجمال جوازا ووقوعا . على أن الوالدية تقتضى التنافس بين الوالد واللؤاد .. إذبهو اقلية منه، وقد ثبت أن كل ما عداه - سبحانه - عليقبله، فيازم بموجب (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٧٥ ٢٥٥ الجزء الثالث والعشرون المبانى أن يكون المخلوق من جنس الخالق، وهو يستلزم حدوث الخالق، أو قدم المخلوق، وكلاهما محال ... »(١). ٥ ثم أقام - سبحانه - المزيد من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق التأمل فى ملكوت السموات والأرض، وفى ظاهرة الليل والنهار، وفى تسخير الشمس والقمر، وفى خلق بنى آدم من نفس واحدة ... فقال - تعالى - : (خَلَقَ السمواتِ والأرضَ بالحقَّ، يكوِّرُ الليلَ عَلَى النَّهارِ ويكوِّرُ الثّهارَ عَلَى الَّيل، وسخّر الشّمْسَ والقمّرَ كَلِّ يَجْرِى لَأجَلِ مَسَعَّى، ألاَ هوَ العزيزُ الغفارُ (٥) خلقُكُم من نَفْس وَاحِدَةٍ ثُمْ جَعَل منها زَوْجَها وأنزلَ لِكُم مِنَ الأنعامِ ثمانية أزوَاجٍ يَخْلِقِكُم فى بُطُونِ أُمّهاتِكُم خَلْقَاً مِنْ يَبْدٍ خَلْقٍ فى ظلماتٍ ثلاثٍ ذلكُم الهُ رَبَّكُمْ لَهُ الْمُلك، إلاّ إِلهَ إِلَّ هُوَّ فَأَنََّ نَصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فإنَّ اللّهَ عَنِىٌّ عَنكُم وَلاَ يرضَى لعبادِهِ السُكُفْرَ، وإِنْ تَشْكُروا يَرْنَهُ لِكُمْ، وَلاَ تَزِرُ وَائِرَةٌ وِزّرَ أُخْرَى، ثم إلى رَبْكُم مَنْسِكُمْ فَيُنُكُمْ بما كُنْتُم تَلُونَ إِنْه عليمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)». فقوله - تعالى -: ((خلق السموات والأرض بالحق، تفصيل لبعضى أفعاله الدالتحلی وحدائيته - سبحانه - وقدر ته .. أى: الله وحده هو الذى أوجد هذه السموات وتلك الأرض، إيجادا (١) صفوة البيان : ٢ ص ٢٤٩ لفضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف. ٢٥٦ سورة الزمر ملتبساً بالحق والحكمة والمصلحة التى تعود عليكم - أيها الناس - بالخير والمنفعة ومن كان شأنه كذلك ، استحال أن يكون له شريك أو ولد. ثم ساق - سبحانه - دايلا ثانيا على وحدانيته فقال: «يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل ». والتكوير فى اللغة: طرح الشىء بعضه على بعض. يقال: كور فلان المتاع، إذا ألقى بعضه على بعض ، ومنه كور العمامة. أى. انضمام بعض أجزائها على بعض . والمقصود أن الليل والنهار كلاهما يكر على الآخر فيذهبه ويحل محله ، بطريقة متناسقة محكمة لا اختلال معها واضطراب .. قال صاحب الكشاف: ((والتكوير: اللف واللى. يقال: كار العمامة على رأسه وكورها . وفيه أوجه، منها: أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويأتى مكانه هذا، وإذا غشى مكانه، فكانما ألبسه ولف عليه، كما يلف اللباس على اللابس. ومنها : أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه فى تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ماغيبه عن مطامح الا بصار. ومنها : أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا ، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض ... ، (١). وقال بعض العلماء ما ملخصه:«والتعبير بقوله «كور ... ، تعبير عجيب، يقسر الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض فهو يصور حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض، فالأرض الكروية قدور (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١١٣ ٢٥٧ الجزء الثالث والعشرون جول نفسها فى مواجهة الشمس، فالجزء الذى يواجه الشمس من سطحها المكور بعمره الضوء ويكون نهارا. ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور. وكذا تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذى كان عليه النهار. وهذا السطح مكور ، فالنهار كان عليه مكورا، والليل يقبعه مكورا كذلك، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل، وهكذا حركة دائبة ((يكرر -سبحانه - الليل على النهار ويكور النهار على الليل)). واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع ,ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها. وكروية الأرض ودورانها، يفسران هذا التعبير تغيرا أدق من أى تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية .. ، (١). ثم ذكر - سبحانه - دليلا ثالثا على وحدانيته وقدرته فقال: «وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى)). والتسخير: التذليل والإنقياد والطاعة التامة. أى: وجعل - سبحانه - الشمس والقمر منقادين لأمره إنقيادا تاما وكلاهما يجرى فى مداره إلى الوقت المحدد فى علم اللّه الله - تعالى - لنها ية دورانه، وإنقطاع حركته. وهما فى جريانهما يسيران بنظام محكم دقيق غاية الدقة، كما قال - تعالى -: « لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار. وكل فى فلك يسبحون» . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ((ألا هو العزيز الغفار)). وفى تصدير الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح ((ألا)، إشارة إلى كمال الاعتناء بمضمونها ، وإلى وجوب التدبر فيما اشتملت عليه. أى: ألا إن الله - تعالى - وحده هو الخالق لكل تلك المخلوقات، وهو (١) فى ظلال القرآن : ٢٣ ص ٠١٢٢ (١٧ - الزمر ) ٢٥٨ سورة الزمر وحده المتصرف فيها، والمهيمن عليها، وهو وحده «العزيز، الغالب على كل ماسواه، الكثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه توبة نصوحا. ثم ساق - سبحانه - أدلة أخرى على وحدانيته فقال: «خلقكم من نفس واحدة ثم خلق منها زوجها .... أى: خلفكم - سبحانه - من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم ثم خلق من هذه النفس الواحدة، زوجها وهى أمكم حواء. قال الشوكانى: «والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف ثم . للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم، أدخل فى كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة لأن آدم هو على عادة الله المستمرة فى خلقه. وخلق حواء على الصفة المذكورة . لم نجر به عادة، لكونه - تعالى - لم يخلق أثى من ضلع رجل غيرها(1)). وقال الجمل: «فإن قلت كيف عطف بثم مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه؟ أجيب بأن ثم هنا للترتيب فى الإخبار لا فى الايجاد . أو المعطوف متعلق بمعنى واحدة، فثم عاطفة عليه لا على خلفكم فمعناه خلقكم، من نفس واحدة أفردت بالإيجاد، ثم شفعت بزوج. أو هو معطوف على خلقكم، لكن المراد بخلقهم، خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة لا على هذا الخلق الذى هم فيه الآن بالتوالد والتناسل ... ،(٢). وقوله - تعالى -: ((وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ... » بيان لبعض آخر من أفعاله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته. والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها وهى قوله: ((وخلفكم)). أى: وأنزل لكم من كل من الإبل والبقر والغنم والمعز زوجين: ذكر وأثى يتم بهما التناسل وبقاء النوع . (١) تفسير فتح القدير ج٤ ص٤٥٠+ (٢) حاشية الجمل على الجلالين =٣ ص ٠٥٩٠ ٢٥٩ الجزء الثالث والعشرون قالوا: وعبر - سبحانه - عن الخلق بالإنزال، لما يروى أنه - تعالى - خلق هذه الأنواع فى الجنة ثم أنزلها، فيكون الإنزال على سبيل الحقيقة. أو أن الكلام على سبيل المجاز، لأن هذه الأنعام لا تعيش إلا عن طريق ما تأكله من نبات، والنبات لا يخرج إلا بالماء النازل من السماء فكات الأنعام نازل من السماء، لأن سبب سببها منزل منها .. أو أن أنزل منا بمعنى أنشأ وأوجد، أو لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء . وقوله - تعالى - ((يخلفكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ... ) بيان لكيفية خلق ماخلقه من الأناسى والأنعام بتلك الطريقة العجيبة ... أى أنه - تعالى - يخلفكم - أيها الناس - بقدرته فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق، بأن يحولكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى عظام مكسوة باللحم ، ثم يحولكم بعد ذلك إلى خلق آخر، وهذه المراحل كلها تنم وأقم فى ظلمات بطون أمهاتكم، وظلمات الأرحام التى بداخل المحاور وظلمات الغشاء الذى بداخل الأرحام والبطون، وذلك كله من أقوى الأدلة على قدرة الله - تعالى -، ورعايته لخلقه . وصدق الله إذ يقول: ألم نخلقكم من ماء مهين. بجعلناه فى قرار مكين. إلى قدر معلوم. فقدرنا فنعم القادرون » . وإسم الإشارة فى قوله - تعالى - ((ذلكم الله ربكم له الملك، لا إله إلا هو فأنى تصرفون، يعودإليه - سبحانه - باعتبار أفعاله السابقة . وتصرفون: من الصرف بمعنى الابتعاد عن الشىء إلى غيره .. أى : ذلكم العظيم الشأن الذى ذكرنا لكم بعض مظاهر قدرته ، هو الله الذى له ملك كل شىء ، والذى لا معبود بحق سواه ، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره ؟ وكيف تزعمون أن له شريكا أو ولدا ... مع توفر الأدلة على بطلان ذلك . ١٦٠ سورة الزمر والمتأمل فى هاتين الآيتين راهما قدذكرنا ألوانا من البراهين على وحدانية الله - تعالى - وقدرته. كخلق السموات والأرض بالحق ، وتكوير الليل على النهار، والنهار على الليل، وتسخير الشمس والقمر لمنافع الناس ، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة ، ورعايتهم بلطفه وإحسانه فى مراحل حياتهم، وإيجاد الأنعام التى تنفعهم فى شئونهم المختلفة . ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن خلقه، وأنهم ثم الفقراء إليه فقال: « إن تكفروا فإن الله غنى عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم ....... أى: إن تكفروا - أيها الناس - بعد أن سقنا لكم من الأدلة ماسقنا على صحة الإيمان وفساد الكفر، فإن اته - تعالى - غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن الخلق أجمعين . ومع ذلك فإنه - سبحانه - لرحمته بكم، لا يرضى لعباده الكفر ، أى: لا يحبه منهم ولا يحمده لهم، ولا يجازى الكافر المجازاة التى يجازى بها المؤمن فإن المؤمن له جنات النعيم، أما الكافر فله نار الجحيم. وإن تشكروا الله على نعمه - أيها الناس - بأن تخلصوا له العبادة والطاعة وتستعملوا نعمه فيما خلقت له، يرض لكم هذا الشكر، ويكافتكم عليه مكافأة جزيلة ، بأن يزيدكم من نعمه وإحسانه وخيره . (ولاتزروا وازرة وزر أخرى، أى: ولا تحمل نفس يوم القيامة حمل أخرى، وإنما كل نفسن تجازى على حسب أعمالها فى الدنيا . ((ثم إلى ربكم مرجعكم)) يوم القيامة ((فينبئكم) أى: فيخبركم , بما كنتم تعملون، فى دنياكم، ويجازى الذين أساؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.