النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ الجزء الثالث والعشرون وقيل المراد بقوله - تعالى -: ((عجل لنا قطنا .. )، أى : صحائف أعمالنا النظر فيها قبل يوم الحساب. وقيل المراد به: نصيبهم من الجنة. أى: عجل لنا نصيبنا من الجنة التى وعد رسولك بها أتباعه ، وأعطنا هذا النصيب فى الدنيا قبل يوم الحساب أننا لا نؤمن بوقوعه. وعلى جميع الأقوال، فالمراد بيان أنهم قوم قد بلغ بهم التطاول والترور هنتهاه، حيث استهزءوا بيوم الحساب، وطلبوا تعجيل نزول العذاب بهم فى الدنيا؛ بعد أن سمعوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن عقوبتم مؤجلة إلى الآخرة ... قال - تعالى -: « وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وم يستغفرون»(١). وقال - سبحانه -: «ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوما عنذربك كألف سنة مما تعدون» (٧). ثم واصلت السورة الكريمة تسليتها المرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث أمرته بالصبر، وذكرت له - بشىء من التفصيل - قصص بعض الأنبياء - عليهم السلام - وبدأت بقصة داود - عليه السلام - الذى آناء لله الملك والنبوة ، قال - تعالى -: (اصِرْ قَى ما يُقُولُونَ، واذكُر عبدَنا داودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) (١) سورة الأنفال الآية ٢٣°. (٢) سورة الحج الآية ٤٧. ١٨٢ سورة ص .. إِنَّا سَخَّرْنَ الجبالَ معَهُ يُسَبّحْنَ بالعَشِىِّ والإشراقِ (١٨) والطيرَ محشُورَةٌ كُلّ لهُ أوابٌ (١٩) وشددْناَ مُلكَهُ وَآتيناهُ الحِكْمَةَ وفَضْلُّ الخطابٍ (٢٠) وهَلْ أتاكَ نبَأُ الْحَضْمِ إذْ تسوَّرُوا المحرابَ (٢١) إذْ دخَلُوا عَلَى داودَ فَفَزِعَ مِنِهِم، قَالُوا لا تَخَفْ، خَصِيمانِ بِغَى بَعْضُنا عَلَى بَعْضٍ فاحكُمْ بَيْنَنَا بالحقِّ ولا تَشْطِط واحدٍنَا إلَى سواء الصُّرَاطِ (٢٢) إنّ هذا أَخِى لهَ تِسْعٌ ونِسْعُونَ أَعجةً وَلِ نَعجةٌ واحدةٌ ، فقال اكفِّلْنِها وعزَّنِى فى الخطابِ (٢٣) فالَ لقد ظلَكَ بسؤالِ نَمجَتِكَ إلى نعاجهٍ، وإنَّ كثيراً من الْخَاطَاء لَيْبِغِى بَعْضُهم عَلَى بعضٍ إِلاَّ الذينّ آمنُوا وعمِلُوا الصَّالِحَاتٍ وَقَلِيلِ مَامَ، وظنَّ داود أَنَّما فتَنَّهُ فاسْتَغْفر ربَّهُ وخرّراكِماً وأنابَ (٢٤) فَغَفَرْنَاَ لَهُ ذلكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنَاَ زَلْفِى وحسن مآبٍ (٢٥) يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفةً فى الأرضِ، فَاحِكُمْ بَيْنَ الناسِ بالحقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيَضَلَّكَ عنْ سَبيلِ اللهِ، إِنَّ الذينَ يَضِلُونَ عنْ سبيلِ اللهِ لَهُمْ عذابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَأَ الإِسَابِ (٢٦)». والخطاب فى قوله - تعالى -: «أصبر على مايقولون ... ، للنى -صلى الله عليه وسلم - . أى: اصبر - أيها الرسول الكريم - على ماقاله أعداؤك فيك وفى دعوقك. لقد قالوا عنك إنك ساحر ومجنون وكامن وشاعر ... وقالوا عن القرآن الكريم: إنه أساطير الأولين ... وقالوا فى شأن دعوتك إياهم إلى شراف: ١٨٣ الجزء الثالث والعشرون وحدانية الله - تعالى -((ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة. إن هذا إلا . اختلاق» ... وقالوا غير ذلك مما يدل على جهلهم وجحودهم للحق ، وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تصبر على ما صدر منهم من أباطيل، فإن الصبر مفتاح الفرج ، وهو الطريق الذى سلكا كل فى من قبلك ... وقال - سبحانه -، أصبر على ما يقولون، بصيغة المضارع، لاستحضار الصورة الماضية . وللإشعار بأن ما قالوه فى الماضى سيجدونه فى الحاضر وفى المستقبل. فعليه أن يعد نفه لاستقبال هذه الأقوال الباطلة بصبر وسعة صدر حتى يحكم الله - تعالى- بحكمه العادل ، بينه وبينهم. وقوله - تعالى -: ((وأذكر عبدا داودذا الأيد إنه أواب، معطوف على جملة ( أصبر ٠٠٠) . وداود - عليه السلام -: هو ابن يسى من سبط (بهوذا) بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم . وكانت ولادة داود فى حوالى القرن الحادى عشر قبل المبلاد. وقد منحه الله - تعالى - القبوة والملك. : وقوله - تعالى -: ( ذا الأيد ) صفة لداود. والأيد: القوة . يقال : آد الرجل يفيد أبداً وإيادا، إذا قوى وأشتد عوده، فهو أيد. ومنه قولهم فى الدعاء: أيدك الله. أى: قواك ورأواب) صيغة مبالغة من آب إذا رجع. أى: أصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك حتى يحكم بينك وبينهم واذكر - لنزداد ثباتا وثقة - قصة وحال عبدنا داود، صاحب القوة الشديدة فى عبادتنا وطاعتنا وفى دحر أعدائنا .. ( إنه أواب ) أى: كثير الرجوع إلى ما يرضينا ... ثم بين - سبحانه بعض مظاهر فضله ونعمه على عبده داود ١٨٤ سورة ص - عليه السلام - فقال: ( إنا سخرنا الجبال معه، يسبحن بالمشى والإشراق ... ). والعشى: الوقت الذى يكون من الزوال إلى الغروب أو إلى الصباح. والإشراق: وقت إشراق الشمس، أى سطوعها وصفاء ضوئها، قالوا: وهو وقت الضحى ... فالإشراق غير الشروق ، لأن الشروق هو وقت طلوع الشمس . وهو يسبق الإشراق. أى : إن من مظاهر فضلنا على عبدنا داود، أننا سخرنا وذلنا الجبال معه ، بأن جعلناها بقدرتنا تقتدى به ، فتسبح بتسبيحة فى أوقات العشى والإشراق . وقال - سبحانه - (٠٠ه) الإشعار بأن تسبيحها كان سبيل الاقتداء به فى ذلك . أى: أنها إذا سمعته يسبح الله - تعالى - ويقدسه وينزهه، رددت معه ما يقوله . وهذا التسبيح من الجبال لله - تعالى -، إنما هو على سبيل الحقيقة ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو - عز وجل -، بدليل قوله - سبحانه -: «تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، إنه كان حليما غنومرا(١). والقول بأن تسبيح الجبال كان بلسان الحال ضعيف لأمور منها: المخالفة لما تدل عليه الآية من أن هناك نيحا حقيقيا بلسان المقال، ومنها: أن - (١) سورة الإسراء الآية ٠٤٤ ١٨٥ الجزء الثالث والعشرون تقييد التسبيح بكونه بالعشى والإشراق . وبكونه مع داود ، يدل على أنه تسبيح بلسان المقال، إذ التسبيح بلسان الحال موجود منها فى كل وقت، ولا يختص بکو نه فى هذين الوقتين أو مع داود . وخص - سبحانه - وفى العشى والإشراق بالذكر. للإشارة إلى مزيد شرفوما، وسمو درجة العبادة فيهما . وقوله - تعالى -: (والطير محشورة ... ) معطوف على الجبال وكلة محشورة: بمعنى مجموعة. وهى حال من الطير. والعامل قوله (سخرنا). أى: إذا سخرنا الجبال لتسبيح مع داود عند تسبيحه لنا، كماسخر نا الطير وجمعناها لتردد معه التسبيح والتقديس لنا . والتعبير بقوله «محشورة» بدير إلى أن الطير قد حبست وجمعت اغرض التسبيح معه ، حتى لكأنها تحلق فوقه ولا تكاد تفارقه من شدة حرصها على تسبيح الله - تعالى - وتقدیه. وجملة ((كل له أواب، مقررة لمضمون ما قبلها من تسبيح الجبال والطير . واللام فى ((له)) للتعليل والضمير يعود إلى داود - عليه السلام .. أى : كل من الجبال والطير .من أجل تسبيح داود، كان كثير الرجوع إلى التسبيح. ويصح أن يكون الضمير يعود إلى القه - تعالى - فيكون المعنى كل من داود والجبال والطير، كان كثير التسبيح والتقديس والرجوع إلى الله - تعالى - بما يرضيه. وقوله - تعالى -: ((وشددنا ملكه، أى: قوينا ملك داود، عن طريق كثرة الجند التابعين له، وعن طريق ما منحناه من هيبة ونصرة وقوة .. ((وآتيناه الحكمة، أى: النبوة، وسعة العلم، وصالح العمل، وحسن المنطق. ١٨٦ سورة ص ((وفصل الخطاب)) أى: وآتيناه أيضا الكلام البليغ الفاصل بين الحق. والباطل، وبين الصواب والخطأ، ووفقناه للحكم بين الناس بطريقة مصحوبه بالعدل ، وبالحزم الذى لا يشوبه تردد أو تراجع. ثم ساق - سبحانه - ما يشهد لعبده داود بذلك فقال: « وهل أناكنبأ الخصم إذ تسوروا المحراب». والاستفهام للتعجيب والتشويق لما يقال بعده، لكونه أمراغريبا تتطلع إلى معرفته النفس . والنبأ : الخبر الذى له أهمية فى النفوس ... والخصم: أى المتخاصمين أو الخصماء. وهو فى الأصل مصدر خصمه ى: غلبه فى المخاصمة والمجادلة والمنازعة، ولكونه فى الأصل مصدرا صح إطلاقه على المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث ... قالوا: وهو مأخوذ من تعلق كل واحد من المتنازعين بخصم الآخر . أى : بجانبه، .. والظرف فى قوله: « إذ تسوروا المحراب، متعلق بمحذوف. والسور: اعتلاء السور، والصعود فوقه، إذ صيغة التفعل تفيد العلو والتصعد. كما يقال تستم فلان الجمل، إذا علا فوق سنامه . والمحراب: المكان الذى كان يجلس فيه داود - عليه السلام - للتعبد وذكر الله - تعالى - والمعنى: وهل وصل إلى علمك- أيها الرسول الكريم - ذلك النبأ العجيب، ألا وهو نبأ أولئك الخصوم . الذين تسلقوا على داود غرفته)، وقت أن كان جالسا فيها لعبادة ربه، دون إذن منه ، ودون علم منه بقدومهم . .. ١٨٧ الجزء الثالث والعشرون إن كان هذا النبأ العجيب لم يصل إلى علمك ، فها نحن نقصه عليك . وقوله: (( إذ دخلوا على داود ففزع منهم .. ) بدل بماقبله. والفزع: انقباض فى النفس يحدث الإنسان عند توقع مكروه. أى: أن هؤلاء الخصوم بعد أن تسوروا المحراب ، دخلوا على داود، خاف منهم، لأنهم أقوه من غير الطريق المعتاد الإنيان وهو الباب، ولأنهم أنوه فى غير الوقت الذى حدده للقاء الناس وللحكم بينهم، وإنما أتوه فى وقت عيادته .. ومن شأن النفس البشرية أن تفزع عندما تفاجأ بحالة كهذه الحالة . قال القرطبى : فإن قيل: الم فزع داود وهو فى، وقد قويت نفسه بالنبوة واطمأنت بالوحى، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات . وكان من الشجاعة فى غاية المكانة؟ قيل له : ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والأذية ، ومنهما کان یخاف . ألا ترى إلى موسى وهارون - عليهما السلام - كيف قالا: «إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى» - أى: فرعون -، فقال الله لهما: ((لا تخافظ إثنى معكما أسمع وأرى ... )،(١). .ثم بين - سبحانه - ما قاله أولئك الخصوم لداود عندما شاهد واعليه أمارات الوجل والفزع فقال: «قالوا لاتخف، خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيتنا بالحق ولا نشطط ، واهدنا إلى سواء الصراط ..... (١) تفسير القر طبى ج ١٥ ص ٠١٧٠ ١٨٨ سورة على والبغى: الجور والظلم ... وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد. والشطط: مجاوزة الحق فى كل شىء. يقال: شط فلان على فلات فى الحكم واشقط ... إذا ظلم وتجلوز الحق إلى الباطل. وقوله: ((خصمان)) خبر لمبتدأ محذوف أى: نحن خصمان. والجمعة استئناف معلل للنهى فى قولهم: ((لا تخف)). أى: قالو الداود: لا تخف، نحن خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيتنا بالحكم الحق، ولا نتجاوزه إلى غيره، وأهدنا إلى سواء الصراط، أى؛ وأرشدنا إلى الطريق الوسط ، وهو طريق الحق والعدل . وإضافة سواء الصراط، من إضافة الصفة إلى الموصوف . ثم أخذا فى شرح قضيتهما فقال أحدهما : ((إنهذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحده ، فقال اكفلنيها وعزنى فى الخطاب .. والمراد بالأخوة هنا: الأخوةفیالدین أو فى النسب أو فيهما وفی غیر هما كالصحبة والشركة . ٠ والنعجة: الأنثى من الضأن. وتطلق على أنثى البقر . وقوله: « أكفلنيها، أى: ملكنى إياها، وتنازل لى عنها، بحيث تكون تحت كفالتى وملكينى كبقية النعاج التى عندى، ليتم عددها مائة، وقوله: («وعزنى فى الخطاب، أى: غلبنى فى المحاجة والمخاطبة لأنه أفضح وأقوى منى . يقال: فلان عز فلانا فى الخطاب، إذا غلبه . ومنه قولهم فى المثل: من عزغلب . أى : من غلب غيره سلبه وقه ، أى: قال أحدهما لداود - عليه السلام -: إن هذا الذى يجلس معى للتحاكم أمامك أخى . ١٨٩ الجزء الثالث والعشرون وهذا الأخ له تسع وتسعون نعجة ، أما أنا فليس لى سوى نعجة واحدة، فطمع فى نعجتى وقال لى: «أكفلنيها، أى: ملكنيها وتغازل لى عنها ((وعزنى فى الخطاب .. أى: وغلبنى فى مخاطبته لى، لأنه أقوى وأنصح منى . وأمام هذه القضية الواضحة المعالم، وأمام سكوت الأخ المدعى عليه أمام أخيه المدعى ، وعدم اعتراضه على قوله ... أمام كل ذلك . لم يلبث أن قال داود فى حكمه: «لقد ظلك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ... ،. ٠ واللام فى قوله: ((لقد ... )) جواب لقسم محذوف. وإضافة ((سؤال)) إلى (( فعجتك)) من إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل محذوف. أى: بسؤاله، كمافى - قوله - تعالى -: ( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير» أى : من دعائه . وقوله (( نعاجه، متعلق بسؤال على تضمينه معنى الضم . أى: قال داود - عليه السلام - بعد فراغ المدعى من كلامه، وبعد إقرار المدعى عليه بصدق أخيه فيما أدعاه - واقه إن كان ما تقوله حقا - أبها المدعى - فإن أخاك فى هذه الحالة يكون قد ظلمك بسبب طلبه منك أن تتنازل له عن نسجتك لكى يضمها إلى نعاجه الكثيرة . وإنما قلنا إن داود - عليه السلام - قد قال ذلك بعد إقرار المدعى عليه بصحة كلام المدعى «لأنه من المعروف أن القاضى لا يحكم إلا بعد سماع ججة الخصوم أو الخصمين ، حتى يتمكن من الحكم بالعدل .. ولم يصرح القرآن بأن داود - عليه السلام - قدقال حكمه بعد سماع كلام ١٩٠ سورة ص المدعى عليه. لأنه مقرر ومعروف فى كل الشرائع، وحذف ماهو مقرر ومعلوم جائز عند كل ذى عقل سليم . ثم أراد داود - عليه السلام - وهو الذى آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب - أراد أن بهون المسألة عن نفس المشتكى، وأن يخفف من وقع ما قاله أخوه الغنى له ((وما فعله معه، فقال: وإن كثيراً من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل مام ..... أى: قال دارد المشتكى - على سبيل القسلية له -: وإن كثيرا من الخلطاء، أى الشر كاء - جمع خليط، وهو من يخلط ماله بمال غيره . (( ليبغى بعضهم على بعض)) أى: ليعتدى بعضهم على بعض، ويطمع بعضهم فى مال الآخر (( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يفعلون ذلك لقوة إيمانهم، ولبعدهم عن كل ما لايرضى خالقهم . فالجملة الكريمة منصوبة المحل عن الاستثناء، لأن الكلام قبلها قام موجب. وقوله: «وقليل ما هم بيان لقلة عدد المؤمنين الصادقين الذين يعدلون فى أحکامهم. ولفظ قليل، خبر مقدم ودماء مزيدة الإبهام وللتعجيب من قلتهم. و((هم) مبتد مؤخر. ف.كأنه - سبحانه - يقول: ما أقل هؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويحرصون على إعطاء كل ذى حق حقه. والجملة الكريمة اعتراض تذيلى. وبهذا نرى أن داود - عليه السلام - قد قضى بين الخصمين، بما يحق الحق ويبطل الباطل . ثم بين - سبحانه - ما حاك بنفس داود - عليه السلام - بعد أن دخل عليه الخصمان، وبعد أن حكم بينهما بالحكم السابق فقال: «وظن داود أنما فتناه ، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب)). ١٩١ الجزء الثالث والعشرون والان معناه: ترجيح أحد الأمرين على الآخر . وفتناه: بمعنى امتحناه واختبرفاه وابتليناه، مأخوذ من الفتن ؟" نى الابتلاء والاختبار. أى: وظن داود - عليه السلام - أن دخول الخصمين عليه بهذه الطريقه، إنما هو لأجل الاعتداء عليه. وأن ذلك لون من ابتلاء الله - تع الى - له، وامتحانه لقوة إيمانه، ولكن لما لم يتحقق هذا الظن، وإنما الذى تحقق هو القضاء بينهما بالعدل، أستغفر ربه من ذلك الظن؛ «وخر راكما، أى: سا جداته - تعالى - وعبر عنه بالركوع لأنه فى كل منهما اغناء وخضوع الله - عز وجل - ((وأماب، أى: ورجع داود إلى الله - تعالى - بالتوبة وبالمداومة على العبادة والطاعة. : واسم الإشارة فى قوله - تعالى - :« فغفر فا له ذلك ... ، يعود إلى الفان الذى استغفر منه ربه، وهو ظنه بأن حضور الخصمين إليه بهذه الطريقة غير المألوفة، القصد منها الاعتداء عليه، فلما ظهر له أنهما حضر إليه فى خصومة بينهما ليحكم فيها، استغفر ربه من ذلك الظن السابق، فغفر الله - تعالى - ه. فقوله : - تعالى - ,فغفرنا له ذلك، أى: فغفر ناله ذلك الظن الذى استغفر منه .. وإن له عندنا لزافى، أى: لقربة منا ومكانة سامية , وحسن مآب، أى: وحسن مرجع فى الآخرة وهو الجنة. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة، بتلك التوجيهات الحكيمة، والآداب القويمة، التى وجهها - سبحانه - إلى كل حاكم فى شخص داود - عليه السلام - فقال -: ((يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض ... ، والخليفة: هو من يخلف غيره وينوب منابه. فهو فعيل بمعنى فاعل. والتاء فيه للمبالغة. أى: يا داود إنا جعلناك - بفضلنا ومنتنا - خليفة وفائبا عنا فى الأرض، لتتولى سياسة الناس ، ولتر شدهم إلى الصراط المستقيم. ١٩٢ سورة ص والجملة المكريمة مقولة اقول محذوف معطوفة على ما سبقتها . أى: ففارنا له ذلك ,وقلنا له يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض. ويصح أن تكون مستأنفة لبيان مظاهر الزلقى والمكانة الحسنة التى وهبها - سبحانه - لداود؟ حيث جعله خليفة فى الأرض . والفاء فى قوله - تعالى -: ((فاحكم بين الناس بالحق ولا تقبع الهوى .. » للتفريع، أو هى جواب الشرط مقدر. والهوى: ميل النفس إلى رغباتها بدون تحر للعدل والصواب . أى: إذا كان الأمر كما أخبر ناك. فاحكم - يا داود - بين الناس بالحكم الحق الذى أرشدك الله - تعالى - إليه، وواظب على ذلك فى جميع الأزمان والأحوال : ولا تتبع هوى النفس وشهواتها ، فإن النفس أمارة بالسوء وقوله - سبحانه - فيضلك عن سبيل الله ... ، بيان المصير السوء الذى يؤدى إليه اتباع الهوى فى الأقوال والأحكام . وقوله ، فيضلك، منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببيه، على أنه جواب للنهى السابق. أى: ولا تتبع الهوى، فإن أتباعك له ، يؤدى بك إلى الضلال عن طريق الحق، وعن مخالفة شرع الله - تعالى - ودينه. ثم بين - سبحانه - عاقبة الذين يضلون عن سبيله فقال: « إن الذين يضلون عن سبيل الله، لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب»: أى: إن الذين يضلون عن دين الله وعن طريقه وشريعته، بسبب أتباعهم للهوى، لهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -. لأنهم تركوا الاستعداد ليوم الحساب ، وما فيه من ثواب وعقاب . هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات مايأتى: ١ - سمو منزلة داود - عليه السلام / عند ربه، فقد افتتحت هذه ١٩٣ الجزء الثالث والعشرون الآيات، بأن أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتذكر ما حدث لأخيه داود. ليكون هذا التذكر تسلية له عما أصابه من المشركين، وعونا له على الثبات والصبر . ثم وصف - سبحانه - عبده داود بأنه كان قويا فى دينه، ورجاءا إلى ما يرضى ربه، وأنه - سبحانه - قد وهبه نعما عظيمة، وآناه الحكمة وفصل الخطاب . ثم ختمت هذه الآيات - أيضا - بالثناء على داود- عليه السلام -، حيث قال - سبحانه -:. وإن له عندنا لزافي وحسن مآب))، وببيان أنه - تعالى - قد جعله خليفة فى الأرض . ومن الأحاديث التى وردت فى فضله - عليه السلام - ما أخرجه البخارى فى تاريخه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذاذكرداود، وحدث عنه قال: ((كان أعبد البشر». وأخرجه الديلى عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ((لا ينبغى لأحد أن يقول إنى أعبد من داود)). ٢ - أن قصة الخصمين اللذين تسورا على داود المحراب، قصة حقيقية، وأن الخصومة كانت بين اثنين من الناس فى شأن غنم لهما ، وأنهما حين دخلا عليه بتلك الطريقة الغربية التى حكاها القرآن الكريم، فزع منهما داود عليه السلام - وان أنهما يريدان الاعتداء عليه، وأن الله - تعالى - يريد امتحانه وثباته أمام أمثال هذه الأحداث .. فلما تبین لداود بعد ذلك، أن الخصمين لا يريدان الاعتداء عليه، وإنما يريدان التحاكم إليه فى مسألة معينة، أستغفر ربه من ذلك الظن السابق - أى لن الاعتداء عليه - فغفر الله - تعالى - له ... والذى يتدبر الآيات الكريمة براها واضحة وضوحاجليا فى تأييد هذا المعنى (١٣ - س) ١٩٤ سورة ض قال أبو حيان ما ملخصه - بعد أن ذكر جملة من الآراء -: ((والذى أذهب إليه مادل عليه ظاهر الآبة ، من أن المقسورين للمحراب كانوا من الإنس. دخلوا عليه من غير المدخل ، وفى غير وقت جلوسه للحكم وأنه فرع منهم ظانا أنهم يغتالونه، إذ كان منفردا فى محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا فى حكومته، وبرز منهم إثنان للتحاكم ... وأن ما ظنه غير واقع، استغفر من ذلك الظن، حيث اختلف ولم يقع مظنونه ، وخر ساجدا منيبا إلى الله - تعالى - فغفر له ذلك الظن، ولذلك أشار بقوله: ((فغفرنا له ذلك)) ولم يتقدم سوى قوله - تعالى -: ((وغان داود أنما فتناه، ويعلم قطما أن الأنبياء معصومون من الخطايا، ولا يمكن وقوعهم فى شىء منها، ضرورة أننالوجوزنا عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع، ولم نثق بشىء ممايذكرون أنه أوحى الله به إليهم، فما حكى الله - تعالى - فى كتابه، يمر على ما أراده - تعالى -، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة، طرحنا .... )(١). ٣ - ومع أن ما ذكرناه سابقا، وما نقلناه عن الإمام أبى حيان. هو المعنى الظاهر من الآيات، وهو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه يتناسب مع مكانة داود - عليه السلام -، ومع ثناء الله - تعالى - عليه وتكريمه له ... أقول مع كل ذلك، إلا أننا وجدنا كثيرا من المفسرين عند حديثهم عن قصة الخصوم الذين تسوروا على داود المحراب ، يذكرون قصصا فى نهاية الشكارة ، وأفوالا فى غاية البطلان والفساد . . فمثلا نرى ابن جرير وغيره يذكرون قصة مكذوبة ملخصها: ((أن داود] - عليه السلام- كان يصلى فى محرابه .. ثم تطلع من نافذة المكان الذى كان يصلى فيه، فرأى امرأة جميلة فأرسل إليها فجاءته، فسألها من زوجها، فأخبرته بأن زوجها، اسمه « أوربا، وأنه خرج مع الجيش الذى يحارب الأعداء ... (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج٧° س٣٩٣. ١٩٥ الجزء الثالث والعشرون فأمر داود- عليه السلام - قائد الجيش أن يجعله فى المقدمة لكى يكون عرضة القتل ... وبعد قتله تزوج داود بتلك المرأة ... ،(١). ونرى صاحب الكشاف بعد أن يذكر هذه القصة ، ثم يعلق عليها بقوله: «فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناه المسلين ، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء .... تراه يذكر معها قصصا أخرى ملخصها: ((أن داود - عليه السلام - لم يعمل على قتل ((أوريا، وإنما سأله أن يتنازل له عن امرأته، فانصاع لأمره وتنازل له عنها .. أو أنه خطبها بعد أن خطبها ((أوريا،. فآثر أهلها داود على ((أوربا .... قال صاحب الكشاف : كان أهل زمان داود - عليه السلام - يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكانت لهم عادة فى المواساة بذلك قد اعتادوها .... فاتفق أن عين داود وقعت على أمرا. رجل يقال له (( أوريا). فأحبها، فسأله النزول عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل ، فتزوجها، وهى أم سليمان - عليه السلام - .... وقيل: خطبها « أوربا، ثم خطبها داود، فآثر أهلها داود على «أوربا، .... (٢). والذى نراه أن هذه الأقوال وما يشبهها ، عارية عن الصحة ، وينكرها النقل والعقل ، ولا يليق بمؤمن أن يقيل شيئا منها ... ينكرها النقل لأنها لم تثبت من طريق يعتدبه،بل الثانت أنها مكذوبة ... (١) راجع تفسير ابن جرير = ٢٣ ص ٠٩٣ والقرطبي ١٥٠ ص ١٦١ (٢) راجع تفسير الكشاف = ٤ من ٨٠ ١٩٦ سورة ص قال ابن كثير: وقد ذكر المفسرون ها هناقصة، أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكنروى ابن أبى حاتم هنا حديثا لا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشى، عن أنس ، ويزيد - وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة ... )،(١). وقال السيوطى : القصة التى يحكونها فى شأن المرأة وأنها أعجبته، وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل، أخرجها ابن أبى حاتم من حديث أنس مرفوعا، وفى إسناده ابن لهيعة، ـ وخالد معروف- عن ابن صخر، عن يزيد الرقاشى، وهو ضعيف ... )). وقال البقاعى: وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود . وقد أخبر نى بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك فى حق داود - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - من ذريته، ليجدوا سبيلا إلى الطمن فيه (٢). إذا فهذه القصص وتلك الأقوال غير صحيحة من ناحية النقل ، لأنرواتها معروفون بالضعف ، وبالنقل عن الإسرائيليات. ويروى أن الإمام عليا - رضى الله عنه - قال: من حدث بحديث داودعلى ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وهو حد الفرية على الأنبياء(٣). وهى غير صحيحة من ناحية العقل، لأنه لير من المعقول أن يمدح الله - تعالى - نبيه داودهذا المدح فى أول الآيات وفى آخرها كما سبق أن أشرنا، ثم نرى بعد ذلك من يتهمه بأنه أعجب بامرأة، ثم تزوجها بعد أن احتال لقتل زوجها ، بغير حق ، أو طلب منه التنازل له عنها ، أو خطبها على خطبته . (١) تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٥١ (٢) راجع تفسير القاسمى = ١١ من ٥٠٨٨ (٣) راجع تفسير الكشاف حـ ٤ من ٨١ ١٩٧ الجزء الثالث والعشرون إن هذه الأفعال يتنزه عنها كثير من الناس الذين ليسوا بأنبياء، فكيف يفعلها واحد من أعلام الأنبياء، هو داود - عليه السلام -، الذى مدحه الله - تعالى - بالقوة فى دينه، وبكثرة الرجوع إلى ما يرضى الله - تعالى -، وبأنه - سبحانه - آتاه الحكمة وفصل الخطاب، وبأن له عند ربه («زافى حسن مآب ... والخلاصة : أن كل ما قيل عند تفسير هذه الآيات، ما يتصل زواج داود بتلك المرأة أو بزوجها لا أساس له من الصحة ، لأنه لم يقم عليه دليل أو ما يشبه الدليل ، بل قام الدليل على عدم محته إطلاقا ، لأنه يتنافى مع عصمة الأنبياء، الذين صانهم الله - تعالى - من إرتكاب ما يخدش الشرف والمروءة قبل النبوة وبعدها . قال الإمام ابنحزم ما ملخصه:(( ماحكاه الله- تعالى-هن داود، قول صادق صحيح، لا يدل على شىء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات وأدها اليهود . وإنما كان ذلك الخصم قوما من بنى آدم بلا شك، مختصمين فى نعاج من الغنم . ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء، فقد كذب على الله - تعالى -، ما لم يقل، وزاد فى القرآن ما ليس فيه .. لأن الله - تعالى - يقول: « وهل أتاك نبأ الخصم، فقال هو: لم يكونوا خصمين، ولا بغى بعضهم على بعض ، ولا كان لأحدهما تسع وتسعون نعجة، ولا كان الآخر نعجة واحدة ولا قال له: أكفلنيها .. ))(١). ٤ - هذا، وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات، منها: أن استغفار داود - عليه السلام - إنما كان سببه أنه قضى (١) راجع قصير القاسمى = ١٤ ص ٥٠٨٨ ١٩٨ سورة ص لأحد الخصمين قبل أن يسمع حجة الآخر. قال الإمام الرازى ما ملخصه: «لم لا يجوز أن يقال إن تلك الزلة - الى جعلت داود يستغفر ربه - إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر ، فإنه لما قال له: «لقد ظلك بسؤال نمجته إلى نعاجه .. ، فحكم عليه بكونه ظالما بمجرد دعوى الخصم بغير بيته، لكون هذا الخصم مخالفا للصواب، فعند هذا إشتغل داود بالاستغفار والتوبة، إلا أن هذا من باب ترك الأولى والأفضل.،(١). والذى نراه أن هذا القول بعيد عن الصواب، ولا يتناسب مع منزلة داود - عليه السلام - الذى آتاه الله الحمكمة وفصل الخطاب، وذلك لأن من أصول القضاء وأولياته، أن لا يحكم القاضى بين الخصمين أو الخصوم إلا بعد سماع حججهم جميعا، فكيف يقال بعد ذلك أن داود قضى لأحد الخصمين قبل أن يستمع إلى كلام آخر. قال صاحب الكشاف: ، فإن قلت: كيف سارع داد إلى تصديق أحد الخصمين ، حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه ؟ قلت: ما قال داود ذلك إلا بعد إعتراف صاحبه، ولكنه لم يمك فى القرآن لأنه معلوم ويروى أنه قال: أريد أخذها منه وأكمل ناجى مائة فقال داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى طرف الأنف والجبهة .... (٢). ومنهم من يرى، أن إستغفار داود - عليه السلام - كان سببه: أن قوما. من الأعداء أرادوا قتله، فتسوروا عليه المحراب، فلما دخلوا عليه لقصدقتله وجدوا عنده أقواما. فلم يستطيعوا تنفيذ ماقصدوه، وتصنعوا هذه الخصومة فعلم داود قصدهم، وهزم على الانتقام منهم ، ثم عفا عنهم ، وأستغفر ربه (١) راجع تغير الفخر الرازى = ٧ ص ١٨٢ (٢) تفسير الکشاف ج ٤ ص ٨٧ ١ ١٩٩ الجزء الثالث والعشرون مما كان قد عزم عليه، لأنه كان يرى أن الأليق به العفو لا الإنتقام»(١). وهذا القول - وإن كان لا بأس به من حيث المعنى - إلا أن الرأى الذى سقناه سابقا، والذى ذهب إليه الإمام أبو حيان، أرجح وأقرب إلى ما هو ظاهر عن معنى الآيات . وملخصه : أن الخصومة حقيقية بين إثنين من البشر، وإستغفار داود - عليه السلام - سببه أنه ظن أنهم جاءوا لاغتياله ولإيذاته، وأن هذا إبتلائه من الله - تعالى - إبتلاه به ، ثم قبين له بعد ذلك أنهم ما جاؤا الاعتداء عليه وإنما جاؤا ليقضى بينهم فى خصومة. فاستغفر ربه من ذلك الظن، فغفر الله - تعالى -له . ولعلنا بهذا البيان نكون قد وفقنا للصواب، فى تفسير هذه الآيات الكريمة ، التى ذكر بعض المفسرين عند تفسيرها أقوالا وقصصا لا يؤيدها عقل أو نقل، ولا يليق بمسلم أن يصدقها، لأنها تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الذين إختارهم الله - تعالى - لتبليغ دعوته، وحمل رسالته، وإرشاد الناس إلى إخلاص العبادة له - سبحانه - وإلى مكارم الأخلاق ، وحميد الخصال . ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق السموات والأرض عبنا، وأن حكمته إقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار ، وأن هذا القرآن قد أنزله - سبحانه - التدبر آ ياه، والعمل بتوجيهاه (قال - تعالى -: (( وماً خلقْنَا السَّماء والأرضَ وما بينَهما باطِلاَّ ظنُ الذينَ كَفَرُوا فويلٌ للذينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أم نجعل الذينَ آمنُوا وهمُلُوا (١) تفسير الآلومى =٢٢ ص ٠١٨٦ ٢٠٠ سورة ص الصَّالحَاتِ كالمفسِدِينَ فى الأرض، أم نجعلُ المتقينَ كالفُجَّار (٢٨) كتابٌ أَنزَلَناَهُ إليكَ مباركٌ، ليدَ بَّرُوا آيَاتِهِ وليتَذَ كَّرَ أُولُوا الألباب (٢٩))). والمراد بالباطل فى قوله - تعالى -: «وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا.، العبث واللهو واللعب وما يخالف الحق . والجملة الكريمة. مستأنفة لتقرير أن يوم القيامة حق ، وأن كفر الكافرين به ضلال وجهل . وقوله ((باطلا، صفة لمصدر محذوف، أو مفعول لأجله . أى: وما خلفنا - بقدرتنا التى لا يعجزها شىء - السوات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله - تعالى - ... وما خلقنا ذلك خلفا باطلا لا حكمة فيه ، أو ما خلقناه من أجل متابعة الهوى وترك العدل والصواب . ٤ و إنما خلقنا هذا الكون خلقا مشتملا على الحمكم الباهرة، وعلى المصالح الجمة ، والأسرار البليغه، والمنافع التى لا يحصيها العد، والهيئات والكيفيات التى تهدى من يتفكر فيها إلى اتباع الحق والرشاد . وإسم الإشارة فى قوله - سبحانه -: ((ذاك ظن الذين كفروا . .. يعود إلى ما نفاه - سبحانه - من خلقه السموات والأرض وما بينهما على سبيل اللهو والعبث . : أى: نحن ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا خلقا مشتملا على الحكم الباهرة ... ولكن الذين كفروا هم الذين يظنون ويعتقدون أنناخلقنا هذه المكائنات من أجل الباطل واللهو واللعب .. وسبب هذا الظن والاعتقاد