النص المفهرس
صفحات 161-180
: قال - تعالى -: ولقد فتنا فتنة سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب. قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب. فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص ... ٦ - تم مداح - سبحانه - نبيه أيوب - عليه السلام - على صبره، وعلى كثرة تضرعه إلى ربه، وكيف أنه - تعالى - قد كافأه على ذلك بما يستحقه .. قال - تعالى -: واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى منى الشيطان بنصب وعذاب. اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب: ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولى الألباب . وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا نحنث، إذا وجدناه صابراً، نعم العبد، إنه أواب)) . ٧ - ثم أثنى - سبحانه - على أنبيائه: إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وإسماعيل واليسع وذا الكفل، وبين ما أعده لهم ولأمثالهم من عباده الأخيار كما بين ما توعد به الفجار من عذاب أليم .. قال - تعالى -: «هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب. جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ، متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب . وعندم قاصرات الطرف أراب. هذا ماتوعدون ليوم الحساب، إن هذا ارزقنا ما له من نفاد، هذا، وإن للطاغين لشر مآب)) .. ٨ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن قصة آدم وإبايس وكيف أن الملائكة جميعا سجدوا لآدم إلا إبليس فإنه أبى واستكبر وقال أنا خير منه خلقتنى من فار وخلقته من طين . فكانت عاقبته الطرد من رحمة الله - تعالى -. ٩ - ومن هذا العرض المجمل لسورة، ص، نرى أنها قد اهتمت اهتماما واضحا، بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن يوم القيامة حق، كما اهتمت ( ١١ - ص) - ١٦٢ - بحكاية شبهات المشركين ثم الرد عليها ، كما ذكرت جانبا من قصص بعض الأنبيا. ليعتبر بقصصهم كل ذى عقل سليم، كما أنها قد اهتمت ببيان حسن عاقبة الأخبار وسوء عاقبة الأشرار، ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات: وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ﴾ وصحبه وسلم . د. محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر الخميس ٢١ من ذى القعدة سنة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥/٨/٨ م التفسير قال تعالى : ((ص. والقُرآنِ ذِى الذِّكرِ (١) بَلِ الذينَ كَفَرُوا فى عِزَّةِ وشِفاق (٢) كم أَهْلِكْنَا قَبلِهم من قَرْنٍ فنادَوْوا ولاتَ حينَ مناصٍ (٣) وحِيُوًا أنْ جاءهم مُنذِرٌّ منهم وقالَ الكافِرُونَ هذا ساحِرٍ كَذَّابٌ (٤) أحْمَلَ الآلهةَ إِلَ واجداً إنَّ هذا لشِىءٌ عُجَّاب (٥) وانطلَقَ الملأ منهم أنِ امْتُوا وَاصْبِرُوا عَلَى الْهَتِكُم إنّ هذا لشىءٌ يُراد (٦) ما ◌َمِنَاً بهذا لِلَةِ الآخرةِ إِنْ هذا إلاَّ اختلاقٌ (٧) أَأُنزِلَ عليهِ الذكرُ مِنْ بِذَاَ فِلٍ مُ فى شَكّ من ذَكْرى بل لمَّا يَذُوقُوا عذابٍ (٨) أَمْ عِنْدَهُ خزَّائِنُ وحةٍ ربِّكَ العزِيزِ الوهّابِ (٩) أمْ لَهُم مُلْكُ السموَاتِ والأرضِ وما بَيْهما فَلِيرْ تَقُوا إِىِ الأسْبابِ (١٠) جُنّدٌ مَاَ هُنَلِكَ مَهْزُومٌ مِنّ "الْأجزَّابِ (١١))). سورة « ص » من السور القرآ فیة التی افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن بينا بشىء من التفصيل آراء العلماء فى هذه المسألة، عند تفسيرنا السور البقرة، وآل عمران، والأعراف . ويونس ... وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف القطعة قد وردت فى بعض السور القرآنية على سبيل الإيقاظ والتفيه للذين تحداهم القرآن . . فكان أنه - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله ١٦٤ سورة ص هاكم القرآن ترونه مؤلما من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم . فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فها توا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، أو فى الإتيان بعشر سور من مثله ، أو بسورة واحدة من مثله . فعجزوا وانقلبوا عامرين . وثبت أن هذا القرآن من عند الله -تعالى -. والواو فى قوله - تعالى -: «والقرآن ذى الذكر، للقسم. والمقسم به القرآن الكريم . وجواب القسم محذوف ، لدلالة ما بعده عليه . والذكر ، يطلق على الشرف وقباهة الشأن ، يقال فلان مذكور، أى : صاحب شرف ونباهة . ومنه قوله - تعالى -: («وإنه لذكر لك ولقومك)». ويطلق ويراد به التذكير على أنه مصدر، لأن القرآن مشتمل على المواعظ والأحكام وقصص الأنبياء . وغير ذلك مما يسعد الناس فى دينهم. ودنيام ... وهذان الإطلاقان ينطبقان على القرآن، فيكون المعنى: وحق القرآن الكريم ذى الشرف العظيم، وذى التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس . دنياهم وآخرتهم ... قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أنهم اختلفوا فى تعيين الشىء الذى أقيم الله - تعالى - عليه فى قوله: ((والقرآن ذى الذكر،. فقال بعضهم إن المقسم عليه مذكور، وهو قوله - تعالى -: «إن ذلك L. ١٦٥ الجزء الثالث والعشرون لحق تخاصم أهل النار، أو قوله - تعالى - ((إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ، أو قوله - تعالى - كم أهلكنا من قبلهم من قرن ... والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط . وقال آخرون إن المقسم عليه محذوف، واختلفوا فى تقديره، فقال صاحب الكشاف: التقدير: ((والقرآن ذى الذكر)) إنه لمعجز. وقدره ابن عليه فقال: والتقدير: ((والقرآن ذى الذكر، ليس الأمر كما يقول الكفار ... ،(١). وقوله - تعالى -: ((بل الذين كفروا فى عزة وشقاق) انتقال من القسم والمقسم به، إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد . والمراد بالعزة هنا: الحمية والاستكبار عن إتباع الحق ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم حسبه جهنم ولبئس المراد،(٢) . ." وليس المراد بها القهر والغلبة كما فى قوله - تعالى - ,ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يفقهون، (٣). وأصل الشقاق المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما فى شق غير الذى فيه الآخر. والمراد به هنا: مخالفة المشركين لما جاءم به النی - صلى اله عليه وسلم -. والمعنى: وحق القرآن الكريم ذى الشرف ومو القدر. إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك، واست كما يقول أعداؤك فى !. (١) راجع تفسير أضواء الي إن جـ ٧ ص ٨ الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. ١٠. (٢) سورة البقرة الآية ٢٠٦ (٣) سورة المنافقون الآية ٨ ١٦٦ سورة ص شأنك . بل الحق أن هؤلاء الكافرين فى حمية واستكبار عن قبول الهداية التى جئتهم بها من عند ربك، وفى مخالفته ومعارضته لكل مالا يتفق مخ ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة الأصنام، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة. والتعبير بفى فى قوله ((فى عزة وشقاق) الإشعار بأن ماهم عليه من عناد ومن مخالفته للحق قد أحاط بهم من كل جوانبهم، كما يحيط الظروفى بالمظروف . ثم خوفهم - سبحانه - بما أصاب الأمم من قبلهم، وحذرهم من أن يكون .صيرهم كمصير المكذبين السابقين فقال: «كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حین مناص ». ((وكم)) هنا خبرية. ومعناها: الإخبار عن عدد كبير. وهى فى محل نصب علىّ أنها مفعول به لأهلكنا . وصيغة الجمع فى أهلمكنا للتعظيم. و((من)) فى قوله ((من قبلهم، لابتدأ .. الغاية، وفى قوله: ((من قرن)) ميزة لكم ، والقرن: يطلق على الزمان الذى يعيش فيه جيل من الناس، ومدته - على الراجح - مائة سنة والمراد به منا أهل هذا الزمان. i والمراد بالنداء فى قوله تعالى -: فنادواء الاستغاثة والضراعة إلى الله أن يكشف عنهم العذاب . و «لات) ھی لا المشبهة بلاس - وهذا رأی سییویه-، فهی حرف فى ز یدت فیه التاء لتأكيد هذا النفى . وأشهر أقوال النحويين فيها أنها تعمل عمل ليس، وأنها لا تعمل إلا فى المين خاصة ، أو فى لفظ الحين ونحوه من الأزمنة، كالساعة والأوان، وأنها لابد أن يحذف اسمها أو خبرها، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب . ١٦٧ الجزء الثالث والعشرون والذين : ظرف مبهم يتخصص بالإضافة : ، وقوله: مناص)) مصدر ميمى بمصفى الفرار والخلاص . يقال: ناص فلان من عدوه ـ من باب قال - فهو ينوص نوصا ومناصا، إذا فر منه وهرب من لقائه. أو بمعنى النجاة والفوت: يقال : ناصه ينوصه إذا فاته ونجا مته: والمراد بقوله - تعالى .. أهلكنا، الشروع فى الإهلاك، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك ,فنادوا))، إذ من المعروف أن من ملك بالفعل لا يستغيث ولا ینادی . والمعنى: إن هؤلاء الكافرين المستكبرين عن طاعتنا وعبادتنا، قد علموا أننا أهلكنا كثيراً من السابقين أمثالهم، وأن هؤلاء السابقين عندما رأوا أمارات العذاب ومقدماته، جاروا إلينا بالدعاء أن نكشفه عنهم، واستغائوا استغائة جاءت فى غير وقتها، ولقد قلنا لهم عندما استغائوا بنا عند فوات الأوان : « ولات حین مناص)). أى: ليس الوقت الذى استفتم بنا فيه وقت نجاة وفرار من العقاب، ) بل هو وقت تنفيذ العقوبة فيكم، بعد أن تماديتم فى كفركم، وأعرضتم عن دعوة الحق بدون إنابة أو ندم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده، وكفرنا بما كنا مشر كين «فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ... (١) وقوله - سبحانه -«حتى إذا أخذنامترفيهم بالعذاب إذا هم ؛أروت. لا نجارون اليوم إنكم منا لا تنصرون،(٢). (١) سورة غافر الآيتان ٠٨٥٤٨٤ (٢) سورة المؤمنون الآيتان ٠٦٥،٦٤ ١٦٨ سورة ص ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن استكبارهم وشقافهم فقال: «وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن أمشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا الشىء براد ... ». وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآبات روايات منها:أن جماعة من قريش اجتمعوا فى نفر من مشيخة قريش؛ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبى طالب، لنكلمه فى شأن إن أخيه ... فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا . وندعه وإلهه. فقال أبو طالب للنبى - صلى الله عليه وسلم -: باين أخى هؤلاء مشيخة قريش، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. فقال - صلى الله عليه وسلم .. ياعم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟قال: وإلام تدعوهم؟ قال: أدعوهم أن يتكلموا بكلمة قدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم. فقال أبو جهل من بين القوم: ما هى وأبيك؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها. فقال - صلى الله عليه وسلم - تقولون: (( لا إله إلا الله)). فنفر أبو جهل وقال ٠ سلنا غير هذا. فقال - صلى الله عليه وسلم- لو جئتمونى بالشمس -ى تضع ها فى يدى، ما سألتكم غيرها ». فقاء وا غضابا، وقالوا : والله لمشتمنك وإلهك الذى أرسلك هذا ... (). (١) راجع تفسير ابن كثير «٧ ص ٠٤٦ ١ ١٦٩ الجزء الثالث والعشرون وقوله - تعالى - ((وعجبوا ... ، مأخوذ من العجب، وهو تغير فى النفس من أمر لا ترتاح إلیه، وتخفى لديها أسبابه. أى: وعجب هؤلاء الكافرون من محىء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك . ويأمرهم بعبادة الله - تعالى - وحذه. (( وقال، هؤلاء,الكافرون، عندما دعاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الدين الحق . ((هذا ساحر كذاب)) أى: قالوا هذا الرسول ساحر لأنه يأتينا بخوارق لم تألفها، وكذاب فيما يسنده إلى الله - تعالى - من أنه - سبحانه - أرسله إلينا. وقال - سبحانه -: ((وقال الكافرون، بالإظهار دون الإضمار، التسجيل الكفر والجحود عليهم. وللإبذان بأن كفرم هو الباعثلهم على وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما هو منزه عنه من السحر والكذب. ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل، أقوالا أخرى لا تقل عن غيرها فى البطلان والفساد. فقالوا - كما حكى القرآن -: «أجعل الآلهة إلها واحدا)). والاستفهام الإنكار. أى: أجعل محمد - صلى الله عليه وسلم - الآلهة المتعددة، إلها واحداً . وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة ؟ (((إن هذا الشى عجاب، أى: إن هذا الذى طلبه منا، ودعانا إليه، لدى. قد بلغ النهاية فى العجب والغرابة وجارزة ما يقبله العقل. و((عجاب، أبلغ من عجيب، لأنك تقول فى الرجل الذى فيه طول: هذا رجل طويل، بينما تقول فى الرجل الذى تجاوز الحد المعقول فى الطول : هذا رجل طوال. فلفظ ((عجاب، صيغة مبالغة سماعية، وقد حكاها - سبحانه- عنهم، الإشعار بأنهم كانوا يرون- لجهلهم وعنادهم- أن ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم- هو شىء قد تجاوز الحد فى العجب والغرابة . ١٧٠ سورة ص واسم الإشارة يعود إلى جهله صلى الله عليه وسلم .. الآلهة إلها واحدا، لأنهم يرون - لانطماس بصائرهم - أن ذلك مخالف مخالفة قامة لما وراوة عن آبائهم وأجدادهم من عبادة الأصنام. ثم صور سبحانه حرصهم على صرف الناس عن دعوة الحق. تصويرًا بديعا ، فقال : وانطلق الملأ منهم أن أمشوا واصبروا على آلهتكم. أى: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبى طالب، بعد أن سمعوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أغضبهم وخيب آمالهم. انطلقوا يقولون: أن امشوا فى طريقكم التى كان عليها آباؤكم، واصبروا على عبادة آلهتكم مهما هون محمد - صلى الله عليه وسلم - من شأنها، ومهما نهى عن عبادتها . (( إن هذا لشىء يراد، أى: إن هذا الذى يدعوا إليه محمد - صلى اقه عليه وسلم - من عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة آلهتنا لشىء يراد من جهته هو ، وهو مصمم عليه كل التصميم ، ونحن من جانبنا يجب أن نقابل تصميمه على دعوته ، بتصميم منا على عبادة آلهتنا . وعلى هذا المعنى تكون الإشارة هنا عائدة إلى ما يدعوهم إليه النبى -صلى الله عليه وسلم - من عبادة الله وحده. ويصح أن تكون الإشارة إلى دينهم م ، فيكون المعنى: إن هذا الدين الذى نحن عليه لشىء يراد لنا، وقد وجدنا عليه آباءنا، وما دام الأمر كذلك فإن نتركه مهما كرهنا فيه محمد - صلى الله عليه وسلم. قال الآلوسي: قوله: ((إن هذا الشىء يراد، تعليل الأمر بالصبر. والإشارة إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبي - صلى الله عليه وتصلبه فى أمر التوحيد، ونفى ألومية آلهتهم .. أى: إن هذا الشىء عظيم يراد من جهته - صلى الله عليه وسلم - ١٧١ الجزء الثالث والعشرون إمتداؤه وتنفيذه. فاقطعوا أطباءكم عن استنزاله إلى إرادتكم، واصبروا على عبادة آلهتكم .. وقيل: إن هذا الأمر لشىء من نوائب الدهر يراد بنا، فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر . وقيل: إن هذا أى: دينكم يطلب لينتزع منكم ويطرخ ويراد إبطاله .. (١). ثم يضيفون إلى ذلك قولهم: ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة ... ، أى: ما سمعنا بهذا الدين الذى يدعونا إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - فى ملة العرب التى أدركنا عليها آباءنا أو ما سمعنا بهذا الذى يقوله محمد - صلى الله عليه وسلم- فى الملة الآخرة وهى ملة عيسى - عليه السلام- فإن أتباعه يقولون بالتثليث، فيقولون بأنه الدين الذى جاء به عيسى. وعلى هذين القولين يكون قوله ((فى الملة الآخرة، متعلق بسمعنا. ويصح أن يكون المعنى: ما سمعنا بهذا الذى يدعونا إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - كائنا فى الملة التى تكون فى آخر الزمان، والتى حدثناعنها الكهان وأهل الكتاب . وعلى هذا الرأى يكون قوله (( فى الملة الآخرة، حالا من اسم الإشارة، وليس متعلقا بسمعنا. ثم أكدوا نفيهم لعدم سماعهم لما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقولهم: ((إن هذا إلا اختلاق)). أى: ما سمعنا شيئا مما يقوله، وما يقوله ماهو إلا كذب ونخرص اختلقه من عند نفسه، دون أن يسبقه إليه أحد . يقال: اختلق فلان هذا القول، إذا افتراه واصطنعه واخترعه من عند نفسه، أن يكون له أصل من الواقع. ثم صرحوا فى نهاية المطاف بالسبب الحقيقى الذى جال بينهم وبين الإيمان، (١) راجع تفسير الآلوسى = ٢٢ ص ٠١٦٧ سورة ص والحقد والحسد ، وإنكار أن يختص الله تعالى رسوله من بينهم بالرسالة، - كما حكى القرآن عنهم -: «أنزل عليه الذكر من بيننا ... )). .الاستفهام الإنكار والنفى أى: كيف يدعى محمد - صلى الله عليه وسلم - . أنزل عليه القرآن من بيننا، ونحن السادة الأغنياء العظماء وهو دوننا ٤؟ إننا ننكر وفتفى دعوة النبوة من بيننا . ال صاحب الكشاف : أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم .اثهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، كما قالوا: «لو لا نزل هذا القرآن جل من القريتين عظيم، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورم الأسد على ما أوتى من شرف النبوة من بينهم))(!). .لقد حكى القرآن أحقادهم هذه على النبى - صلى الله عليه وسلم - ت كثيرة ورد عليها بما يبطلها ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وإذا م آية قالوا أن نؤمن حتى نؤتى مثلما أوتى رسل الله، الله أعلم حيث رسالته .... . لقد صرح أبو جهل بهذا الحسد للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعند ما سأله ،، أتظن محمداً على حق أم على باطل؟ كان جوابه: إن محمدالعلى ولكن متى كنا لبنى هاشم تبعا. أى: متى كانت أسرتنا تابعه باشم !!. فى رواية أنه قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا ' هذا، وحملوا نجملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب ، كفر مى وهان، قالوا: منا فى يأنيه الوحى من السماء. فمتى ندرك ) والله لا تؤمن به أبداً ولا نصدقه . ١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٧٤ ١٧٣ الجزء الثالث والعشرون وقولة - سبحانه -: (« بل هم فى شك من ذكرى)) إضراب عن كلام يفهم من السياق. وتسلبة للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من أذى . أى: هؤلاء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى فى شأنك -أيها الرسول التكريم - وفى شأن ماجئتهم به، ولم يستندوا فى أقوالهم إلى دليل أو ما يشبه الدليل، وإنما هم فى شك من هذا القرآن الذى أيدناك به، بدليل أنك ترام يصفونك تارة بالسحر، وقارة بالكهانة، وقارة بالشعر ... ولو عقلوا وأنصفوا لآمنوا بك وصدقوك . وقوله - سبحانه -: (( بل لما يذوقوا عذاب، إضراب عن مجموع الكلامين السابقين المشتملين على الحسد والشك . أى: لاتحزن - أيها الرسول الكريم - من مسالكهم الخبيثة. وأقوالهم الفاسدة. فإنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم لم يذوقوا عذابه بعد ، فإذا ذ قوه زال حسدهم وشكهم. وتيقنوا بأنك على الحق المبين ، وهم على الباطل الذى لا يحوم حوله حق . وفى التعبير بقوله ((لما، إشارة إلى أن نزول العذاب بهم وتذوقهم له، قريب الحصول . ٠ ثم أنكر عليهم - سبحانه - بعد ذلك اعتراضهم على اختيار نبيه - صلى الله عليه وسلم - الرسالة، وساق هذا الإنكار بأسلوب توبيخى تمكى فق ل - تعالى -: «أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب». أى: أنهم لم يملكوا خزائن رحمة ربك. أيها الرسول الكريم - حتى يعطوا منها من يشاءون ويمنعوها عمن يشاءون، ويتخيروا للنبوة صاديدم ويترفعوا باعنك ... ١٧ سورة ص وإنما المالك لكل ذلك هو الله - تعالى - العزير - الذى لا يغليه غالب- ساب)) أى: الكثير العطاء لعباده. والمراد بالعندية فى قوله « عندهم .: الملك والتصرف. وتقديم الظرف ند، لأنه محل الإنكار. وفى إضافة الرب - عز وجل - إلى الضمير ند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، تشريف وتكريم له - صلى الله عليه لم - . وجىء بصفة ((العزيز)، للرد على ما كانوا يزعمونه لأنفسهم وآلهتهم ترفع و تکېر ، كما جىء بصفة («الوهاب، للإشارة إلى أن النبوة هبة من الله - تعالى- يختاره من عباده، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته . وقوله - عز وجل -: « أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما .. ، أيد لمها أفادته الآية السابقة من عدم ملكيتهم لشىء من خزائن إنه الى - . أى : أن هؤلاء المكافرين ليست عندهم خزائن ربك-أيها الرسول الكريم. سوا بمالكين شيئا - أى شىء - من هذه العوالم العلوية أو البليفية، وإنما خلق صغير من خلقنا العظيم الكبير . وقوله - سبحانه -: «فايرتقوا فى الأسباب، تعجيز لهم، وهكر بهم، ستخفاف بأقوالهم ومزاعمهم. والأسباب: جمع سبب وهو كل ما يتوصل لی غيره من حبل أو نحوه. ٠ والفاء جواب الشرط محذوف . والتقدير: إن كان عندهم خزائن رحمتنا لحم شىء من ملك السموات والأرض وما بينهما). فليصعدوا فىالطرق القز سلهم إلى ما نملكه حتى يستولوا عليه ويدبروا أمره وينزلوا الوجى على يختارونه للنبوة من أشرافهم وصناديدهم . ١٧٥ الجزء الثالث والعشرون فالجلة للكريمة قد اشتملت على نهايه التعجيز لهم، والتهكم بهم وبأقوالهم حيث بين - سبحانه - أنهم أدعياء فيما يزعمون، وأنهم بهرفون بما لا يعرفون ... ثم بشر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالنصر عليهم فقال: , چند ما هنالك مهزوم من الأحزاب،. ولفظ ((جند)، خبر لمبتدأ محذوف. و«ما، مزيدة للتقليل والتحقير، نحو قولك: أكلت شيئا ما. أى شيئا قليلا، وقيل: هى للتمكثير والتهويل كقولهم: لأمر ما جدع قصير أنفه . أى: لأمر عظيم ... وعلى كلا المعنين فالمقصود أنهم لا وزن لهم بجانب قدرة اقه - تعالى - . و((هنالك، صفه لجنة، أو ظرف المهزوم. وهو إشارة إلى المكان البعيد. و(«مهزوم) خبر ثان للمبتدأ المقدر، وأصل الهزم: غمر الشىء الياس حتى يتحطم ويكسر. يقال: تهزمت القريبة، بمعنى يبست. وتكسرت. وهزم الجيش، بمعنى قلب وكبير . . والمعنى: هؤلاء المشركون - أيها الرسول الكريم - لا تهتم بأمرهم، ولا تكترث بجموعهم، فهم سواء أكانوا قليلين أم كثيرين، لا قيمة لهم بجانب قوقنا التى لا يقف أمامها شىء ومهما تحزبوا عليك فهم جند مهزومون ومغلوبون أمام قوة المؤمنين فى مواطن متعددة . فالآية الكريمة بشارة المؤمنين بالنصر على أعدائهم كما قال - تعالى -: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر». ١٧٦ سورة ص قال صاحب الكشاف: قوله: (( جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب، يريد ما هم إلا جيش من الكفار المتحزبين على رسل الله، مهزوم مكسور عما قريب، فلاتبال بما يقولون، ولا تكترث لما به بدون، و((ما، مزيدة، وفيها معنى الاستعظام ... إلا على إنه على سبيل الاستزاء بهم. و((هنالك)) إشارة حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لست هنالك، (٢). وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوال المشركين، وردت عليها رداً يكتبهم ويزهق باطلهم، وختمت بما يبشر المؤمنين بالنصر عليهم. ٥ ثم ساق - سبحانه - جانبا مما أصاب السابقين من دمار حين كذبوا رسلهم لكى يعتبر المشركون المعاصرون للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولكى يقلعوا عن شركهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أمثالهم من المتقدمين عليهم ، فقال - تعالى -: «كَذَّبَتْ قبلَهُم قومُ نوحٍ وماءٌ وفرعونُ ذو الأوتادِ (١٢) ونموهُ وقومُ لُوطٍ وأصحابُ الأيكَةِ أُولئِكَ الْأحزَابُ (١٣) إِنْ كُلِّ إِلاَّ كذّبَ الرُّسُلَ فْقَّ عِقَبٍ (١٤) وما ينظُرُ مَؤلاء إلاَّ صَيحةً وَاحدةٌ مالهاَ مِنْ فَوَاقِ (١٥) وقالُوا رَبَّا عَجِّل لنا قِطَّنَاَ قبلَ يوم الحسابِ (١٦)». فقوله - تعالى -: (كذبت قبلهم قوم نوح ... استئناف مقرر أو عيد قريش بالهزيمة. ولوعد المؤمنين بالنصر. وتأنيث قوم باعتبار المعنى، وهو أنهم أمة وطائفة . (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٧٥ ١١٧ الجزء الثالث والعشرون أى: ليس قومك - يا محمد - م أول المكذبين ارسلهم، فقد سبقهم إلى هذا التكذيب قوم نوح ، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان . وسبقهم - أيضاً - إلى هذا التكذيب قوم عاد، فقد كذبوا نبهم هودا ، فكانت عاقبتهم الإهلاك بالريح العقيم. التى ما أتت على شىء إلا جعلته کالرميم. وقوله: ((وفرعون ذو الأوتاد)، معطوف على ما قبله ،أى: وكذب - أيضاً - فرعون رسولنا موسى - عليه السلام- وقوله: ((ذو الأوتاد، صفة لفرعون . والأوتاد: جمع ((وقد، وهو ما يدق فى الأرض لتثبيت الشىء وتقويته . والمراد بها هنا : المبانى الضخمة العظيمة، أو الجنود الذين يثبتون ما-كا كما نثبت الأوتاد البيت، أو الملك الثابت ثبوت الأوتاد. قال الآلوسى ما ملخصه: والأصل إطلاق ذى الأوتاد على البيت المحدود والمثبت بها، فشبه هنا فرعون فى ثبات ملكا ... ببيت ثابت ذى عماد وأوتاد ... . أو المراد بالأوقاد الجنود: لأنهم يق وون ملكا كما يقوى الوقد الشىء. أو المراد بها المبانى العظيمة الثابتة. ويصح أن تكون الأوتاد على حقيقتها. فقد قيل إنه كان يربط من يريد قتله بين أوتاد متعددة ،ويتركه مشدوداً فيها حتى يموت ... ))(١). أى: وفرعون صاحب المبانى العظيمة، والجنود الأقوياء، والملك (١) تفسير الآلوسى = ٢٣ ص ٠١٧٠ (١٢ - س) ١٧٨ سورة ص . الوطيد ... كذب رسولنا موسى - عليه السلام -، فكانت عاقبة هذا التكذيب أن أغرقناه ومن معه جميعا من جنوده الكافرين. وكذب - أيضاً. قوم ثمود بيهم صالحاً ، وقوم لوط نبيهم لوطا، وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب. كذبوه كذلك - فكانت نتيجة هذا التكذيب الإملاك لهؤلاء المكذبين - كما قال - تعالى -: ((فكلا أخذنا بذنبه. فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة. ومنهم من خسفنا به الأرض. ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلهم. ولكن كانوا أنفسهم يظلمون،(١) والإشارة فى قوله - تعالى -: ((أولئك الأحزاب، تعود إلى هؤلاء الأقوام المكذبين لرسلهم وسموا بالأحزاب ، لأنهم تحزبوا ضدرسلهم، وانضم بعضهم إلى بعض فى تكذيبهم، ووقفوا جميعا موقف المحارب لهؤلاء الرسل الكرام. و قوله - سبحانه -: « إن كل إلا كذب الرسل فق عقاب، استئناف. مقرر لما قبله من تكذيب هؤلاء الأقوام لرسلهم ، وبيان الأسباب التى أدت إلى عقاب المكذبين . و((إِن) هنا نافية، ولا عمل لها لانتقاض النفى بإلا. و«إلا , أداة استثناء مفرغ من أعم الصفات أو الأحكام: وجملة («كذب الوسل)» فى محل رفع خبر ((كل)). أى: ليس لهؤلاء الأقوام من صفات سوى تكذيب الرسل . فكانت نتيجة هذا التكذيب أن حل بهم عقابى وثبت عليهم عذابى. الذى دمرم تدميراً . ٨ والإخبار عن كل حزب من هذه الأحزاب بأنه كذب الرسل ، إما لأن تكذيب كل حزب لرسوله يعتبر من باب التكذيب لجميع الرسل لأن دعوتهم (١) سورة العنكبوت الآية ٤٠ ١٧٩ الجزء الثالث والمشرون واحدة، وإما من قبيل مقابلة الجمع بالجمع، والمقصودتكذیب کل حزب لرسوله . .. وقد جاء تكذيبهم فى الآية السابقة بالجملة الفعلية ، كذبت قبلهم .. ، وجاء فى هذه الآية بالجملة الإسمية: لبيان إصرارهم على هذا التكذيب، ومداومتهم عليه، لإعراضهم عن دعوة الرسل لهم إعراضا تاما. وقوله - سبحانه -: ((وما ينظر هؤلاء إلى صيحة واحدة ماله من فواق. بيان للعذاب المعد المشركين المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، بعد بيان العقاب الذى حل بالسابقين. والمراد بالصيحه هنا. النفخة الثانية التى ينفخها إسرافيل فى الصور فيقوم الخلائق من قبورهم للحساب والجزاء: وقيل المرادبها لنفخة الأولى وضعف هذا القول بأنهم ان يكونوا موجودين وفتها حتى يصعقو بها. وينظرون هنا بمعنى ينتظرون . وجعلهم - سبحانه المنتظرين العذاب مع أهم لم ينتظروه على سبيل الحقيقه - للاشعار بتحقق وقوعه، وأنهم عدد لقائه ، فهم لذلك فى حكم المنتظرين له . أى : وما ينتظر هؤلاء المشركون الذين هم أمثال المهلكين من قبلهم، «إلاصيحة واحدة)) أى: نفخة واحدة، ينفخها إسرافيل ((فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون،، وهذه النفخة، مالها من فواق)، أى: ليس لها مز ونف وانتظار حتى ولو بمقدار فواق فاقة وهو الزمن، الذى يكون بين الحلبتين أو الزمن الذى يكون فيه رجوع اللبن فى الضرع بعد الطلب. والمقصود بيان أن هذه الصيحة سريعه الوقوع، وأنها ان تتأخر. عن وقتها، وأنها صيحة واحدة فقط يتم بعدها كل شىء يتعلق بالبعث والجزاء . ٠٠ ١٨٠ سورة ص قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه: قوله: ((مالها من فواق ، يجوز أن كون قوله ولها ((رافعا لقوله. ((من فواق)) على الفاعلية لاعتماده على النفى. وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر، وعلى التقديرين فالجملة المتفية صفة لصيحة ، ومن مزيدة ... والفواف - بفتح الفاء وضعها - الزمان الذى بين حلبتى الحالب ورضعى الراضع . والمعنى: مالها من توقف قدر فواق فاقة. وفى الحديث: العبادة قدر فواق ناقة . .. (١) . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، ببيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جهالات وسفاهات ، حيث تعجلوا العقاب قبل وقوعه بهم، فقال - تعالى -: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب). والقط: النصيب والقطعة من الشىء . مأخوذ منقط الشىء إذا قطعه وفصله عن غيره. فهم قد أطلقوا القطعة من العذاب على عذابهم ، باعتبار أنها مقتطعة من العذاب الكلى المعدلهم ولغيرهم . أى: وقال هؤلاء المشركون الجاهلون ياربنا «عجل لناقطنا ( أى: عجل لنا نصيبنا من العذاب الذى توعدتنا به، ولا تؤخره إلى يوم الحساب. وتصدير دعائهم بنداء الله - تعالى - بصفة الربوبية، إشعر بشدة استهزائهم بهذا العذاب الذى توعدهم الله - تعالى - به، على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم . . ونسب - سبحانه - القول إليهم جميعا مع أن القائل (هوالنضر بن الحارث» أو أبو جهل ... ، لأنهم قدرضوا بهذا القول، ولم يعترضوا على قائله .. (١) خاصية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٠٥٦٤