النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الجزء الثالث والعشرون
وإنما أطلق الكذب على هذا تجوز، وإنما هو من المعاريض فى الكلام لمقصد
شرعى دينى، كما جاء فى الحديث: إن من المعاريض لمندوحة من الكذب ...
وقيل: قوله ((إنى سقيم)، أى: بالنسبة لما يستقبل. يعنى مرض الموت.
وقيل: أراد بقوله: ((إنى سقيم)) أى: مريض القلب من عبادةكم للأوثان
من دون الله - تعالى - .. )(١) .
ويبدو لنا أى نظر إبراهيم - عليه السلام- فى النجوم، وإنما هو نظر
المؤمن المتأمل فى ملكوت الله - تعالى - المستدل بذلك على وحدانية الله
وقدرته ، وأنه إنما فعل ذلك أمامهم - وهم قوم يعظمون النجوم - ليقنعهم
بصدق اعتذاره عن الخروج معهم ، ويتم له ما يريده من تحطيم الأصنام.
كما يبدو لنا أن قوله: «إنى سقيم، المقصود منه: إنى سقيم القلب بسبب
ما أنتم فيه من كفر وضلال ، فإن العاقل يقلقه ويزعجه وبسقمه ما أنتم فيه
من مكوف على عبادة الأصنام ...
وقال لهم ذلك ليتركوه وشأنه ، حتى ينفذ ما أقسم عليه بالنسبة لتلك
الأصنام .
فكلام إبراهيم حق فى نفس الأمر - كما قال الإمام ابن كثير - وقد ترك
لقومه أن يفهموه على حسب ما يعتقدون ...
ثم حكى - سبحانه - ما فعله إبراهيم بالأصنام بعد أن انفرد بها فقال :
((فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون)).
وأصل الروغ: الميل إلى الشىء بسرعة على سبيل الاحتيال. يقال: راغ
فلان نحو فلان . إذا مال إليه لأمر يريده منه على سبيل الاحتيال .
أى: فذهب إبراهيم مسرعاً إلى الأصنام بعد أن تركها للقوم وانصرفوا
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٠.

١٢٢
سورة الصافات
+١٢
إلى عيدهم ، فقال لها على سبيل التهكم والاستهزاء: أيتها الأصنام ألا تأكلين
تلك الأطعمة التى قدمها لك الجاهلوق على سبيل التبرك؟.
وخاطبها كما يخاطب من يعقل فقال: «ألا تأكلون))، لأن قومه أنزلوها
تلك المنزلة .
وقوله:« مالكم لا تنطقون» زيادة فى السخرية بتلك الأصنام، وفى إظهار
الغيظ منها، والضيق بها ، والغضب عليها .
هذا الغضب الذى كان من آثاره ما بينه القرآن فى قوله: «فراغ عليهم
ضربا باليمين، أى: فمال عليهم ضاربا إياهم بيده اليمنى، حتى حطمهم .
كما قال - تعالى - فى آية أخرى: « جملهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه
رجمون)).
وقال - سبحانه -: ((ضربا باليمين)) للدلالة على أن إبراهيم - عليه السلام-
لشدة حفقه وغضبه على الأصنام - قد استعمل فى تحطيمها أقوى جارحة بملكها
وهى يده اليمنى. وقيل: يجوز أن يراد باليمين: اليمين التى حلفها حين قال :
((وقاقه لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين)).
وانتهى إبراهيم من تحطيم الأصنام، وارتاحت نفسه لما فعله بها، وشفى
قلبه من الهم والضيق الذى كان يجده حين رؤبتها ...
وجاء قومه من رحلتهم، ووجدوا أصنامهم قد تحطمت ، ويترك القرآن
هنا ما قالوه لإبراهيم عندما رأوا منظر آلهتهم بهذه الصورة المفزعة لهم ،
مکتفیا ،إبراز حالهم فيقول: ((فأقبلوا إلیه یزفون)) .،
أى: حين رأوا آلهتهم بهذه الصورة، أقبلوا نحو إبراهيم يسرعون الخطاء
ولهم جلبة وضوضاء تدل على شدة غضبهم لما أصاب آلهتهم ...
يقال: زف النعام يزف زنا وزفيفا، إذا جرى بسرعة حتى لكأنه يطير.
ولم يأبه إبراهيم - عليه السلام - طياج قومه، وإقبالهم نحوه بسرعة.

١٢٣
الجزء الثالث والعشرون
وغضب، بل رد عليهم ردا منطقيا سليما، فقال لهم: «أتعبدون ما تنحتون،
والله خلقكم وما تعملون)).
ای : قال لهم موجخا ومؤنبا أتعبدون أصناما أنتم تنحتوتها و تبرونها من
الحجارة أو من الخشب بأيديكم، وتتركون عبادة الله - تعالى - الذى خلقكم
وخلق الذى تعملونه من الأصنام وغيرها.
قال القرطى ما ملخصه:(( قوله - تعالى -: ((واقه خلقكم وما تعملون)، ((ما)»
فى موضع نصب، أى: خلفكم وخلق ما تعملونه من الأصنام، يعنى الخشب
والحجارة وغيرها ...
وقيل إن ((ما) استفهام، ومعناه: التحقير لعملهم . وقيل: هى نفى. أى:
أنتم لا تعملون ذلك لكن الله خالقه والأحسن أن تكون («ماء مع الفعل
مصدرا. والتقدير: والله خلقكم وعملكم، وهذا مذهب أهل السنة ، أن الأفعال
خلق الله - عز وجل - واكتساب للعباد.
وروى أبو هريرة عن النى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( إن الله خالق
کل صانع وصنعته، (١).
ولكن هذا المنطق الرصين من إبراهيم ، لم يجد أذنا واعية من قومه،
بل قابلوا قوله هذا بالتهديد والوعيد الذى حكاه - سبحانه - فى قوله: (( قالوا
ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم، أى قالوا فيما بينهم : ابنوا لإبراهيم : فيانا،
ثم املتوه بالنار المشتعلة، ثم ألقوا به فيها فتحرقه وتهلكا.
فالمراد بالجحيم : النار الشديدة التأجج . وكل قار بعضها فوق بعض فهى
جحيم. وهذا اللفظ مأخوذ من الحجمة - وهى شدة التأجج والاتقاد - يقال:
جحم فلان النار - كمفع - إذا أوقدها وأشعلها، واللام فيه عرض عن المضاف.
إليه . أى: ألقوه فى جحيم ذلك البنيان الملىء بالنار.
(١) تفسير القرطبي = ١٥ ص ٠٩٦

١٢٤
سورة الصافات
وبنوا البنيان، وأضرموه بالنار، وألقوا بإبراهم فيها، فماذا كانت
النتيجة؟ .
كانت كما قال - سبحانه - بعد ذلك: (,فأرادوا به كيدا، أى: شرا
وهلاكما عن طريق إحراقه بالنار جعلناهم، بقدرتنا التى لا يعجزها شىء
((الأسفلين)) أى: الأذلين المقهورين، حيث أبطلنا كيدهم، وحولنا النار إلى
برد وسلام على عبدنا إبراهيم - عليه السلام -.
وهكذا رعاية الله - تعالى - تحرس عباده المخلصين، وتجعل العاقبة لهم على
القوم الكافرين.
ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك جانباً آخر من قصة إبراهيم
- عليه السلام - هذا الجانب يتمثل فى هجر ته من أجل نشر دعوة الحق، وفى
تضرعه إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة، فتقول .. وقال إنى ذاهب إلى ربى
سيهدين، رب هب لى من الصالحين ... ،.
أى: قال إبراهيم بعد أن نجاه الله - تعالى - من كيد أعداته «إنى ذاهب
إلى ربى، أى : إلى المكان الذى أمرنى ربى بالسير إليه، وهو بلاد الشام،
وقد تكفل ــ سبحانه ـ بهدايتى إلى مافيه صلاح دينى ودنياى .
قال القرطبى :« هذه الآية أصل فى الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك
إبراهيم - عليه السلام - وذلك حين خلصه أنه من النار قال« إنى ذاهب إلى
ربى )، أى: مهاجر من بلد قومى ومولدى، إلى حيث أتمكن من عبادة ربى،
فإنه ((سيدين)) فيما نويت إلى الصواب.
قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة، إلى الأرض
المقدسة وهى أرض الشام ٠٠٠، (٢).
(١) تفسير القرطبى = ١٥ ص ٠٩٦
(٢) تفسير القرطبى = ١٥ ص ٠٩٧

١٢٠
الجزء الثالث والعشرون
والسين فى قوله ، سيهدين، لتأكيد وقوع الهداية فى المستقبل، بناء على
شدة توكله، وعظيم أمله فى تحقيق مايرجوه من ربه، لأنه ما هاجر من موطنه
إلا من أجل نشر دينه وشريعته - سبحانه -.
ثم أضاف إلى هذا الأمل الكبير فى هداية الله - تعالى - له، أملا آخر
وهو منحه الذرية الصالحة، فقال: ((رب هب لى من الصالحين)).
أى: وأسلك ياربى بجانب هذه الهداية إلى الخير والحق ، أن تهب لى ولدا
هو من عبادك الصالحين، الذين أستعين بهم على نشر دعوتك، وعلى إعلاء
کلتك .
وأجاب الله - تعالى - دعاء عبده إبراهيم ، كما حكى ذلك فى قوله:
((فبشرناه بغلام حليم)).
أى: فاستجبنا لإبراهيم دعاءه، فبشر قاه على لسان ملائكتنا بغلام. وصوف
بالحلم وبمكارم الأخلاق.
- قال صاحب الكشاف: ((وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد
فلام ذكر . وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما،(١).
وهذا الغلام الذى بشره الله - تعالى - به. المقصود به هنا إسماعيل
- عليه السلام -.
والفاء فى قوله - تعالى -: «فلما بلغ معه السعى .. ، فصيحة، أى: بشرناه
بهذا الغلام الحليم، ثم عاش هذا الغلام فى كنف أبيه فلما بلغ السن التى فى
إمكانه أن يسعى معه فيها ، ليساعده فى قضاء مصالحه .
قيل : كانت سن إسماعيل فى ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة .
((قال يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى)).
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٠٠٣

١٢٦
سورة الصافات
أى: فلما بلغ الغلام مع أبيه هذه السن، قال الأب لابنه: يا بنى إنى
رأيت فى منامى أنى أذك، فانظر ماذا ترى فى شأن نفسك .
قال الألوسى ما ملخصه: ((يحتمل أنه - عليه السلام - رأى فى منامه
أنه فعل ذلك ... ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك، لكنه لم يذكر التأويل،
كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة، رأيت فى المنام أنى فاج من
هذه المحنة ...
ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى فى اليقظة ... وفى رواية أنه رأى ذلك
فى ليلة التروية فأخذ يفكر فى أمره، فسميت بذلك، فلما رأى ما رآه سابقا
عرف أن هذه الرؤيا من الله، فسمى بيوم عرفة، ثم رأى مثل ذلك فى الليلة
الثالثة فهم بنحره فسمى بيوم النحر .
ولعل السر فى كونه مناما لا يقظة، أن تكون المبادرة إلى الإمتثال، أدل
على كمال الإنقياد والإخلاص ... )،(٤) .
وإنما شاوره بقوله: ((فانظر ماذا ترى، مع أنه سينفذ ما أمره انه
- تعالى - به فى منامه سواء رضى إسماعيل أم لم يرض، لأن فى هذه المشاورة
إعلام له بمارآه، لكى يتقبله بثبات وصبر، وليكون نزول هذا الأمر عليه
أهون ، وليختبر عزمه وجلده .
وقوله: ((قال أبت افعل ما تؤمر، ستجدفى إن شاء اللّه من الصابرين)
حكاية لما رد به إسماعيل على أبيه إبراهيم - عليهما السلام - وهو رد يدل على
كعبة فى الثبات ، وفى احتمال البلاء، وفى الإستسلام لقضاء الله وقدره .
أى: قال الإبن لأبيه: يا أبت افعل ما تؤمر به من قبل الله - تعالى-،
ولا تتردد فى ذلك، وستجدفى - إن شاء الله من الصابرين على قضائه .
(١) تفسير الآلومى جـ ٢٢ ص ٠١٢٩

١٢٧
الجزء الثالث والعشرون
وفى هذا الرد مافيه من سمو الأدب ، حيث قدم مشيئة الله - تعالى - ،
ونسب الفضل إليه، واستعان به - سبحانه - فى أن يجعله من الصابرين
على البلاء.
وهكذا الأنبياء - عليه السلام - يلهمهم الله - تعالى - فى جميع مراحل حياتهم
ما يجعلهم فى أعلى درجات السمو النفسى، واليقين القلبى ، والكمال الخلقى ..
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان من الإبن وأبيه فقال : (فلما أسد)
وقله الجبين)، وأسلما: بمعنى استسلما وافقادا لأمر الله، فالفعل لازم، أو بمعنى:
سهم الذبيح نفسه وسلم الأب ابنه، فيكون متعديا والمفعول محذوف.
وقوله , وقله، أى: صرعه وأسقطه، وأصل التل: الرمى على التل وهو
الرمل الكثيف المرتفع، ثم عمم فى كل رمى ودفع، يقال : قل فلان فلانا
إذا صرعه وألقاه على الأرض.
والجبين : أحد جافى الجبهة ، والموجه جبينان، والجبهة بينهما.
أى: فلما استسلم الأب والإبن لأمر الله - تعالى -، وصرع الأب ابنه
على شبقه، وجعل جبينه على الأرض، واستعد الأب لذبح ابنه ... كان
ما كان منا من رحمة بهما، ومن كرم لهما، ومن إعلاء لقدرهما ...
قال صاخب المكشاف:((فإن قلت: أن جواب لما؟ قلت: هو محذوف
تقديره: فلما أسلما وقله للجبين ((وزاديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا،
كان ما كان ما تنطق به الحال ، ولا يحيط به الوصف من استبشارهما
واغتباطهما، وحمد هما لته، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء
العظيم بعد حلوله وما اكتسبا فى تضاعيفه من الثواب؛ ورضوان الله الذى.
ليس وراءه مطلوب ... )(!) .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٥٥

١٢٨
سورة الصافات
وقد ذكروا هنا آثارا منها أن إسماعيل - عليه السلام - لما هم أبوه يذبحه
قال له : يا أبت اشدد رباطى حتى لا أضطرب، وأكفف عنى ثيابك حتى
لا يتناثر عليها شىء من دمى فتراه أمى فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقى
ليكون أهون للموت على، فإذا أتيت أمى فاقرأ عليها السلام منى ... وكان
ذلك عند الصخرة التى بمنى ... )، (١).
وقوله - سبحانه -: ((وناديناه أن إبراهيم، وقد صدقت الرؤيا ... ».
أى: وعندما صرع إبراهيم إبنه ليذبحه، واستسلما لأمر نا ... نادينا إبراهيم
بقولنا («يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، أى: قد فعلت ما أمر فاك به، ونفذت
ما رأيته فى رؤياك تنفيذا كاملا، يدل صدقك فى إيمانك ، وعلى قوة
إخلاصك
قال الجمل: ((فإن قلت: كيف قال الله - تعالى - لإبراهيم: وقد صدقت
الرؤيا، وهو إنما رأى أن يذبح ابنه، وما كان تصديقها إلا لو حصل
منه الذبح؟
قلت : جعله الله مصدقا لأنه بذل جهده ووسعه، وأنى بما أمكنه،
وفعل ما يفعله الذابح، فأتى بالمطلوب، وهو انقيادهما لأمر الله، (٢).
وجملة (« إنا كذلك نجزى المحسنين، تعليل لما قبلها . أى: فعلنا مافعلنا من
تفريج الكرب عن إبراهيم وإسماعيل، لأن سنتنا قد اقتضت أن نجازى
المحسنين الجزاء الذى يرفع درجاتهم ، ويفرج كرباتهم ، ويكشف الهم
والغم عنهم.
واسم الإشارة فى قوله: ((إن هذا لهو البلاء المبين)) يعود إلى ما بتلى الله
- تعالى - به نبيه إبراهيم وإسماعيل ...
(١) تفسير الألوسى : ٢٣ ص ٢٣.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٠٥٤٨

١٢٩
الجزء الثالث والعشرون
أى: إن هذا الذى ابتلينا به هذين النبيين الكريمين، لهو البلاء الواضح،
والإختبار الظاهر، الذى به يتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، والذى
لا يحتمله إلا أصحاب العزائم العالية، والقلوب السليمة، والنفوس المخلصة فقه
رب العالمين.
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على هذين النبيين الكريمين فقال :
((وفديناه بذبح عظيم، والذبح بمعنى المذبوح، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول،
كالطحن بمعنى المطحون.
أى: وفدينا إسماعيل - عليه السلام - بمذبوح عظيم فى هيئته، وفى قدره،
لأنه من عندنا . وليس من عند غيرنا ...
قيل: إفتداه الله - تعالى - بكبش أبيض، أقرن، عظيم القدر.
, وتركنا عليه فى الآخرين . سلام على إبراهيم. كذلك نجزى المحسنين.
إنه من عبادنا المؤمنين» .
أى: ومن مظاهر فضلنا وإحساننا وتكريمنا لنبينا إبراهيم، أننا أبقينا
ذكره الحسن فى الأمم التى ستأتى من بعده، وجعلنا التحية والسلام منا ومن
المؤمنين عليه إلى يوم الدين، ومثل هذا الجزاء تجزى المحسنين، إنه - عليه السلام-
من عبادنا الصادقين فى إيمانهم .
ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على نبيه إبراهيم فقال:
((وبشر ناه يإسحاق نبيا من الصالحين. وباركنا عليه وعلىإسحاق، ومن ذريتهما
محسن وظالم لنفسه مبين)).
أى: ومن مظاهر تكريمنا لإبراهيم، أننا بشرفاه بولد آخر هو إسحاق،
الذى جعلناه نبيا من أنبيائنا الصالحين لحمل رسالتنا. وأفضنا على إبراهيم وعلى
إسحاق الكثير من بركاتنا الدينية والدنيوية ، بأن جعلنا عدداً كبيراً من
الأنبياء من فسلها .
(٩ -- سورة العادات )

١٣٠
سورة البيانات
ومع ذلك فقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من ذريتهمامن هو محسن فى قوله
وعمله، ومن هو ظالم لنفسه بالكفر والمعاصى ظلماً واضحا بينا، وسنجازى
كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١ - أن الرسل جميعا قد جاءوا من عند الله - تعالى- بدين واحد فى أصوله،
وأن كل واحد منهم قد سار على نهج سابق فى الدعوة إلى واحد انية الله، وإلى
مكارم الأخلاق ، وقد بين - سبحانه - فى مطلع هذه القصة ، أن إبراهيم كان
من شيعة نوح - عليهما السلام - أى: من أتباعه الذين ساروا على سنتهفى دعوة
الناس إلى عبادة الله وحده.
وقد أمر - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدى بإخوانه
السابقين من الأنبياء، فقال: (( أولئك الذين هدى الله فيهدام اقتده .. )).
٢ - أن تعاطى الحيل الشرعية من أجل إزالة المنكر، أمر مشروع، فإن
إبراهيم - عليه السلام - لكى يقضى على الأصنام، اعتذر لقومه عن الخروج
معهم فى يوم عيدهم ، وقال لهم: إنى سقيم - بعد أن نظر فى النجوم -.
وكان مقصده من وراء ذلك، أن يختلى بالأصنام ليحطمها، ويثبت لقومه
أنها لا تصلح للألوهية ...
٣ - أن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يراعى - بفضله وكرمه - عباده
المخلصين ، وأن ينصرهم على أعدائهم، الذين يبيتون لهم الشرور والسوء ..
وزى ذلك جليا فى هذه القصة ، فقد أضمر الكافرون لإبراهيم الكليد
والإهلاك، فأنجاه الله - تعالى - من مكرهم، كما قال - تعالى -: «فأرادوا به
كيدا فجعلناهم الأسفلين)».
٤ - أن على المؤمنين إذا لم يتمكنوا من نشر دعوة الحق فى مكان معين :
أن ينتقل منه إلى مكان آخر متى كان قادرا على ذلك .

١٣١
الجزء الثالث والعشرون
وهذا مافعله إبراهيم - عليه السلام - فقد قال لقومه بعد أن يئس من
صلاحهم، وبعد أن نجاء الله من كيدهم: (( أنى ذاهب إلى ربي سيهدين)).
· - أن الدعاء صدر من نفس عامرة بالإيمان والتقوى، ومن قلب
سليم من الهوى ... كان جديرا بالإجابة .
فلقد تضرع إبراهيم إلى دبه أن يرزقه الذرية الصالحة ، فأجاب الله
دعاء
كما حكى - سبحانه - ذلك فى قوله: «رب هب لى من الصالحين. فبشرناه
بلام حليم ».
ثم قال - سبحانه - بعد ذلك: ((وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين)).
٦ - أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد ضربا أروع الأمثال
فى صدق الإيمان ، وفى الاستسلام لأمر الله - تعالى - فى الرعنا بقضائه.
فكافأهما - عز وجل - على ذلك مكافأة جزيلة، بأن جعل الذكر الحسن
باقيا لإبراهيم إلى يوم القيامة ، وبأن افتدى الذبيح بذج عظيم.
قال - تعالى -: ((وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه فى الآخرين.
سلاماً على إبراهيم. كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين)).
٧ - أن الذبيح الذى ورد ذكره فى هذه القصة، والذى افتداه الله
- تعالى - بذبح عظيم، هو إسماعيل - عليه السلام - وعلى ذلك سار جمهور
العلماء، ومن أدلتهم على ما ذهبوا إليه ما يأتى :
(٩) أن سياق القصة بدل دلالة واضحة على أن الذبيح إسماعيل، لأن الله
- تعالى - حكى عن إبراهيم أنه تضرع إليه - تعالى - بقوله: «رب هب لى من

١٣٢
سورة الصافات
الصالحين)، فبشره - سبحانه - ((بغلام حليم))، وهذا الغلام عند ما بلغ السن
التى يمكنه معها مساعدة أبيه فى أعماله .
قال له أبوه: ((يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ... »
ثم افتدى الله - تعالى - هذا الغلام بذبح عظيم .
ثم قال - تعالى - بعد كل ذلك: ((وبشر ناه بإسحاق فييا من الصالحين)).
وهذا يدل على أن المبشر به الأول وهو إسماعيل، غير المبشر به الثمانى
وهو إسحاق .
(ب) أن البشارة بمولد إسحاق - عليه السلام - قد جاء الحديث عنها مفصلا
فى سورة هود، وظروف هذه البشارة وملابساتها، تختلف عن الظروف
والملابسات التى وردت هنا فى سورة الصافات، وقد أشار إلى ذلك الإمام.
السيوطى فقال :
وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضى القطع - أو ما يقرب منه - على أن
الذبيح إسماعيل ، وذلك لأن البشارة وقعت مرتين :
مرة فى قوله - تعالى -: رب هب لى من الصالحين . فبشرناء بغلام حليم
ولما بلغ معه السعى قال يابنى إنى أرى فى المنام أفى أذبحك ... )).
فهذه الآية قاطعة فى أن المبشر به هو الذبيح .
ومرة فى قوله - فى سورة هود -: ((وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها
بإسحاق .....
فقد صرح فيها بأن المبشر به إسحاق . ولم يكن بسؤال من إبراهيم، بل.
بل قالت امر أته إنها عجوز، وإنه شيخ، وكان ذلك فى بلاد الشام، لما جاءت
الملائكة إليه، بسبب قوم لوط، وكان إبراهيم فى آخر عمره.

١٣٣
الجزء الثالث والعشرون
أما البشارة الأولى فكانت حين انتقل من المزاق إلى الشام ، وحين كان
سنه لا يستغرب فيه الولد ، ولذلك سأله. فعلمنا بذلك أنهما بشارتان فى وقتين
بغلامين ، أحدهما بغير سؤال، وهو إسحاق ، والثانية قبل ذلك بسؤال وهو
غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح ،(١).
٣ - أن القول بأن الذبيح إسماعيل قد ورد - كما قال الإمام ابن القيم -
عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه إسحاق فباطل
بأ کثر من عشرین وجها .
ثم قال الإمام ابن القيم: ((وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله -
يقول: هذا القول إنما هو ملتقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم
فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح إنه (( بكره، وفى لفظ ((وحيده))،
ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاد إبراهيم، (٢).
ومن العلماء الذين فعلوا القول فى هذه المسألة، الإمام ابن كثير ، فقد
قال رحمه الله: ((وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق،
وحكى ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة - أيضا -.
وليس ذلك فى كتاب ولا سنة ، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أخبار أهل
الكتاب وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة
بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: (( وبشرناه بإسحاق نبيا
من الصالحين » .
ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا « إنا نبشرك بغلام عليم)
وقال - تعالى -: ، فبشرناها بإسحاق ومز وراء إسحاق يعقوب)، أى: يولد له
فى حياتهما ولد يسمى يعقوب ، فيكون من ذريته عقب وفل.
(١) راجع تفسير القاسمى = ١٤ ص ٠٥٠٥٧
(٢) راجع تكسير التأسمى = ١٤ ص ٠٠٠٥٣

١٣٤
سورة الصباحي
وقد قدمنا أنه لا يجوز بعد ذلك أن يؤمر بذیهه وهو صغير، لأن اق قد
وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل. فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذيحه
صغيرا، وإسماعيل وصف هنا بالحلم، لأنه مناسب لهذا المقام))(١).
قال الآلوسى - رحمه أنه - بعد أن ساق أقوال العلماء فى ذلك بالتفصيل:
(( والنبى أميل إليه أنه - أى الذبيح - إسماعيل - عليه السلام -، بناء على أن
ظاهر الآية يقتضيه، وأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ، ولم أتهقن
مهمة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك ، وحال أهل الكتاب لا يخفى على
ذوى الألباب )(٢) .
هذه بعض الأحكام والآداب التى يمكن أن نأخذها من هذه القصة، التى
" حكاه ! - سبحانه - عن أبيه إبراهيم - عليه السلام - فى هذه السورة الكريمة
وهناك أحكام وآداب أخرى يستطيع أن يستخلصها المتدبر فى هذه الآيات
الكريمة.
٠٠٠
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة موسى وهارون - عليهما السلام-
وهما من ذرية إبراهيم وإسحاق ، فقال - تعالى -:
((ولقدْ منَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرونَ (١١٣) ونجيَّنَهُما وقومَهماً من
الكربِ العظيم (١١٤) ونصر نَعُ فكانُوا مُ الغالبينَ (١١٥) وآتيناهُما
الكتابَ المستبينَ (١١٦) وهديناهما الصراط المستقيم (١١٧) وتركناً
عَلَيْهِبا فى الآخرينَ (١١٨) سلامٌ عَلَى مُوسَى بِهارون(١١٩) إنَّ كذلة
مجزي المحسنينَ (١٢٠) إنَّهما من عبادِئاً المؤمنين (١٢١))).
(١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٧ ص ٢٣.
(٢) راجع تفسير الآلومى =٢٣ ص١٣٩٪.

47.
الجزء الثالث والعشرون
١٣٥
وموسى : هو ابن عمر أن بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب بن
إسحاق، وكانت ولادته فى حوالى القرن الثالث عشر، ق م.
وهارون: أخو موسى، قيل كان شقيقا له ، وقيل كان أخاله لأن ..
والمعنى: لقد أنعمنا على موسى - وهارون - عليهما السلام بنعمة النبوة،
وبغيرها من النعم الأخرى .
والتى من بينها أننا نجيناهما وقومهما المؤمنين، من استعباد فرعون إياه،
ومن ظبه لهم .
, ونصر نام فكانوا هم الغالبين ، أى و نصرنا موسى وهارون ومن آمن
بهما، فكانوا بسبب هذا النصر الذى منحناهم إياه، هم الغالبين لأعدائهم ،
بعد أن كانوا تحت أسرم وفهرم ...
((وآتيناهما، بعد كل ذلك ((الكتاب المستبين، أى: الكتاب المبين
الواضح وهو التوراة .
يقال: استبان الشىء، إذا ظهر ووضح وضوحا تاما.
(( وهد يناهما الصراط المستقيم، أى: وهديناهما وأرشد ناهما - بفضلنا
وإحساننا - إلى الطريق الواضح الذى لا عوج فيه.
وتركنا عليهما فى الآخرين . -- لام على موسى وهارون، أى: وأبقينا
عليهما فى الأمم المتأخرة الثناء الجميل ، والذكر الحسن .
((إنا كذلك نجزى المحسنين)، أى: مثل هذا التكريم نجازى عبادنا
المحسنين (( إنهما من عبادنا المؤمنين)) أى الذين صدقوا فى إيمانهم ، وفى
طاعتهم لنا.
ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة إلياس - عليه السلام - وهو أيضا من
ذرية إبراهيم وإسحاق، فقال - تعالى -:

١٣٦
سورة الصافات
((وإِنَّ إلياسَ لمن المرسَلين (١٢٢) إذ قالَ لقومِه ألاَ تَتَّقُون (١٢٣)
أَتَدْعُونَ بَعلاً وتذرُونَ أَحْسَن الخالِقِينَ (١٢٤) اله ربُّكُم وربُ آبائكم
الأولينَ (١٢٥) فكذَّبوهُ فإنّهم لمحضّرونَ (١٢٦) إلاَّ عبادَ اللهِ
المخلصينَ (١٢٧) وتركناَ عليهِ فى الآخرينَ (١٢٨) سلامٌ عَلَى إِلْ
ياسِين (١٢٩) إنّا كَذلِكَ نجزِى المحسنينَ (١٣٠) إِنَّهُ مِنْ عبادِنا
المؤمنين (١٣١))).
وإلياس - عليه السلام - هو ابن فنخاص بن السيزار بن هارون - عليه
السلام -، فهو ينتهى نسبه - أيضا - إلى إبراهيم وإسحاق.
ويعرف إلياس فى كتب الإسرائيليين باسم ((إيليا، وقد أرسله الله
- تعالى - إلى قوم كانوا يعبدون صنما يسمونه بعلا.
ويقال: إن رسالته كانت فى عهد («آخاب، أحد ملوك بنى إسرائيل فى
حوالى القرن العاشر ق م .
والمعنى: (( وإن إلياس لمن المرسلين، الذين أرسلناهم إلى الناس ليخر جوم
من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .
وقوله: (( إذا قال لقومه ألا تتقون، شروع فى بيان مانصح به إلياس
قومه، والظرف مفعول لفعل محذوف. والتقدير اذكر وقت أن قال لقومه
ألا تتقون الله. وتخشون عذابه ونقمته. والاستفهام للحض على تقوى الله
- تعالى - واجتناب ما يغضبه.
ثم أذكر عليهم عبادتهم لغيره - سبحانه - فقال: ((أتدعون بعلا وتذرون
أحسن الخالقين . .
والبعل: اسم الصنم الذى كان يعبده قومه، وهو صم قيل: سميت باسمه مدينة
بعلبك بالشام، وكان قومه يسكنون فيها، وقيل: البعل: الرب بلغة اليمن.

١٣٧
الجزء الثالث والعشرون
أى: قال لهم على سبيل التوبيخ والزجر: أتعبدون صنما لا يضر ولا ينفع
وتتركون عبادة أحسن من يقال له خالق ، وهو الله - عز وجل - الذى
خلفكم ورزقكم ...
ولفظ الجلالة فى قوله: ((الله ربكم ورب آبائكم الأواین» بدل من
(( أحسن الخالقين)).
أى: أتعبدون صنما صنعتموه بأيديكم، ونذرون عبادة الله - تعالى - الذى
هو ربكم ورب آبائكم الأولين .
وقرأ غير واحد من القراء السبعة ((الله) - بالرفع - على أنه مبتدأ،
و « ربكم، خبره .
والتعرض لذكر ربوبيته - تعالى - لآ بائهم الأولين، الغرض منه التأكيد
على بطلان عبادتهم لغيره - سبحانه - فكأنه يقول لهم: إن الله - تعالى -
الذی أدعوكم لعبادته وحدہ لیس هو ربکم وحدکم، بل - أيضاً - ربآبائكم
الأولين ، الذين عن طريقهم أقيتم إلى هذه الحياة.
وقوله - تعالى - « فكذبوه فإنهم لحضرون ، بيان لموقفهم من نبيهم، ولما
حل بهم من عذاب بسبب إعراضهم عن دعوته .
أى: دفا إلياس قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده. فكذبوه وأعرضوا
عن دعوته، وسيترقب على تكذيبهم هذا، إحضارهم إلى جهنم إحضارا فيه
ذلهم وهو انهم .
((إلا عباد الله المخلصين)) فإنهم ناجون من هذا الإحضار الأليم، لأنهم
سيكونون يوم القيامة محل تكريمنا وإحساننا.
(((وتركنا عليه فى الآخرين)) أى: وأبقينا على إلياس فى الأمم الآخرين.
((سلام على إلياسين، أى: أمان وتحية منا ومنهم على إلياس ومن
آمن معه .

١٣٨
سورة الصافات
((إذا كذلك نجرى المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين)).
٠
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة لوط مع قومه، فقال
- تعالى - :
(وإنَّ لوطاً لِمِنّ المرسَلِينَ (١٣٢) إذ نجِيَّناهُ وأَهلَه أجمعينَ (١٣٣)
إِلَّ مُجُوزاً فى الغابرينَ (١٣٤) ثم دمّرنا الآخرينَ (١٣٥) وإنكم لمّرُونَ
عليهِمْ مِصبحينَ (١٣٦) وبِالّيلِ أفلا تعقِلُون (١٣٧))).
ولوط - عليه السلام - هو ابن أخ لسيدنا إبراهيم - عليه السلام - وكان
قد آمن به وماجر معه ، کما فى قوله - تعالى: « فآمن له لوط وقال إقى مهاجر
إلى دبي ٠،٠٠٠
وقد أرسل الله - تعالى - لو عنا إلى قرية سدوم - من قرى الشام - وكان أهلها
يعبدون الأصنام ويرتكبون الفاحشة التى لم يسبقهم إليها أحد من العالمين.
أى: ((إن لوطا) - عليه السلام - ((لمن المرسلين، الذين أرسلناهم لهداية
الناس ((إذ نجبناه وأهله أجمعين، أى: اذكر - أيهما العاقل - وقت أن نجيناء.
وجميع المؤمنين معه ، بفضلنا ورحمتنا .
(((إلاعجوزاً فى الغابرين، والمراد بالعجوز: امر أته التى بقيت على كفرها
و كانت تفشى أسرار زوجها .
.
أى: نجينا لوطا والمؤمنين معه من أهله، إلا عجوزا بقيت فى العذاب مع
القوم الغابرين أى : مع الباقين فى العذاب .
«ثم دمرنا الآخرين، أى: ثم دمرنا القوم الآخرين الباقين على كفرهم»
كما دهرنا من قى على كفره من أهل لوط، كامر أته التى أعرضت عن دعوة
الحق ، وانحازت إلى قومها المفسدين.

١٣٩
الجزء الثالث والعشرون
ثم وجه - سبحانه - الخطاب لمشركي قريش فقال: «وإنكم لتمرون عليهم
مصبحبين. وبالليل أفلا تعقلون)»؟
أى: وإنكم يا أهل مكة لتمرون على مساكن قوم لوط المهلكين، وأنتم
سائرون إلى بلاد الشام ، قارة تمرون عليهم وأنتم داخلون فى وقت الصباح،
وتارة تمرون عليهم وأنتم داخلون فى وقت الليل، وترون بأعينكم ماحل بهم
من دمار .
وقوله « أفلا تعقلون، معطوف على مقدر. أى: أتشاهدون ذلك
فلا تعقلون، فالاستفهام للتوبيخ والحض على الاعتبار بأحوال الماضين ..
٠
ثم ختم - سبحانه - هذه القصص، بذكر جانب من قصة يونس - عليه
السلام - فقال :
(وإِنّ يُونُسَ لِمِنّ المرسلينَ (١٣٨) إذاً بِقَ إلى الفُلكِ المشحونِ (١٣٩)
قسام فكانَ من المدحَضِين (١٤٠) فالتقمةُ الحوتُ وهُو مُلِيمٌ (١٤١)
قلولاً أنهُ كانَ من السبّحينَ (١٤٢) للبثَ فى بَطِنه إلى يومٍ
◌ُبعثُونَ (١٤٣) فَنَبِذْنَهُ بالعَراء وهُو سقيمٌ (١٤٤) وأنبتنا عليه شجرةٌ
من يقِطِينٍ (١٤٥) وأرسلناهُ إلى مائة ألفٍ أَو يِزِيدُونَ (١٤٦) فآمنُوا
فَتَّعنام إلى حينٍ (١٤٧))).
ويونس - عليه السلام -: هو ابن متى، وقد ثبت فى الصحيحين عن رسول
الله - صلى اله عليه وسلم - أنه قال ((ما ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من
يونس بن متى ... )) .
وملخص قصته أن الله - تعالى - أرسله إلى أهل نينوى بالعراق، وفى
حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى-
فاستعصوا عليه، فضاق بهم ذرعا، وأخبرهم أن العذاب سيأتيهم خلال ثلاثة

١٤٠
سورة الصافات
أيام، فلما كان اليوم الثالث خرج يونس من بلدة قومه ، قبل أن يأذن الله له
بالخروج، فلما افتقده قومه، آمنوا وقابوا، وتضرعوا بالدعاء إلى الله قبل
أن ينزل بهم العذاب .
فلما لم ير بونس نزول العذاب ، استحى أن يرجع إليهم وقال : لا أرجع
إليهم كذا با أبدا، ومضى على وجهه فأتى سفينة فركبها فذا وصلت اللجة وقفت
ولم تتحرك .
فقال صاحبها : ما يمنعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشتوما، فاقترعوا
ليلقوا فى البحر من وقعت عليه القرعة ، فكانت على يونس، ثم أعادوها فوقعت
عليه، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فى البحر، فالتقمه الحوت ... ))(١).
والمعنى: وإن يونس - عليه السلام - لمن المرسلين، الذين اصطفيناهم لحمل
رسالتنا وتبليغها إلى الناس.
( إذ أبق، أى: هرب من قومه بغير إذن من ربه. يقال: أبق العبد
- کضرب ومنع - إذا هرب من سیده فهو آبق.
(« إلى الف لك المشحون، أى: هرب من قومه إلى الفلك الملىء بالناس
والأمعتة ، فساهم، أى: فقارع من فى السفينة بالسهام، يقال استهم القوم
إذا اقترعوا , فكان من المدحضين)).
أى: من المغلوبين حيث وقعت عليه القرعة دون سواه. يقال: دحضت
حجة فلان ، إذا بطلت وخسرت.
((فالتقمه الحوت وهو مليم، أى: بعد أن وقعت القرعة عليه، ألقى
بنفسه فى البحر، ((فالتقمه الحوت)) أى: ابتلعه بسرعة، يقال: لقم
فلان الطعام - كسمع - والتقمه. إذا ابتلعه بسرعة، وتلقمه إذا ابتلعه
على مهل .
(١) راجع تفسير الألوسى : ٢٣ ص ٠١٤٣