النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ الجزء الثالث والعشرون إلا الله، يقولون له أتدعونا إلى أن نترك ما عليه آباؤنا وأجدادنا من عقائد وأفعال ، وإلى أن نتبع ما جاءنا به هذا الشاعر المجنون. ويعنون بالشاعر المجنون - قبحهم الله - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - هدايتهم. ولذا رد الله - تعالى - عليهم بقوله: (( بل جاء بالحق وصدق المرسلين)). أى: ليس الرسول - صلى الله عليه وسلم ـ شاعرا أو مجنونا، كمازعمتم - أيها الجاهلون -، بل هو رسول صادق فيما يبلغه عن ربه، وقد جاءكم بالحق وهو دين التوحيد الذى دعا إليه جميع الرسل ، فمكان مصدقا لهم فى الدعوة إليه ، فكيف تزعمون أنه شاعر مجنون ؟ « إنكم، - أيها المشركون بسبب هذه المزاعم , لذائقوا، فى هذا اليوم ((العذاب الأليم، الذى يذلكم ويخزيكم ويجعلكم فى حزن دائم ... ((وما تجزون إلا ما كنتم تعملون)، أى: وما نجازيكم بهذا الجزاء الموجع المؤلم . إلا بسبب أعمالكم القبيحة فى الدنيا. . وهكذا نجد الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر بديع ، سوء عاقبة الكافرين ، بسبب إعراضهم عن الحق . واستكبارهم عن الدخول فيه، ووصفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما هو برىء منه. وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين مصير الأشرار ومصير الأخيار - ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حى عن بينة - أتبع - سبحانه - الحديث عن سوء عاقبه الكافرين ، بالحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، فقال - تعالى - : ((إلاَّ عِبادَ الهِ الخَلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فواكِهُ وَهُمْ مكَرَمُونَ (٤٢) فى جنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ ١٠٢ سورة الصافات مُتَّقَبلينَ (٤٤) يُطافٌ عَلَيهِمٍ بِكْأسٍ مِنْ مَِّينِ (٤٥) بيضاء للَّهِ لشَّارِبِينَ (٤٦) لها فيها غَوْلٌ ولا مُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وعندَهُمْ قاصِرَات الطرفٍ مِينٌ (٤٨) كأنَّهُم بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩))). قال الآلوسى ماملخصه: (قوله: (( إلا عباد الله المخلصين)) استثناء منقطع من ضمير ((ذائقوا)، وما بينهما اعتراض جىء به مسارعة إلى تحقيق الحق. ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غير م أصلا . فإلا مؤولة بلكن ... فالمعنى: إنكم - أيها المشركون - لذا ئقوا العذاب الأليم، ولكن عباد الله المخلصين - ليسوا كذلك - أولئك لهم رزق معلوم ... )(1). ولفظ ((المخلصين، قرأه بعض القراء السبعة - بفتح اللام -، أى: لكن عباد الله - تعالى - الذين أخلصهم الله - تعالى- لطاعته وتوحيده ليسوا كذلك . وقرأه البعض الآخر بكسر اللام . أى : لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ، لا يذوقون حر النار كالمشركين . واسم الإشارة فى قوله: (( أولئك لهم رزق معلوم، يعود إلى هؤلاء العبادة المخلصين . أى: أولئك العباد المتصفون بتلك الصفة الكريمة وهى الإخلاص، لهم رزق عظيم معلوم فى قته، كما قال - تعالى -: ((ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياء. ومعلوم فى خصائصه الكريمة وصفاته الحسنة ككونه لذيذ الطعم ، حسن. المنظر. غير مقطوع ولا ممنوع. إلى غير ذلك من الصفات التى تجعله محل الرغبة والاشتهاء ... (١) تفسير الآلوسى = ٢٣ ص٨٥. ١٠٣ الجزء الثالث والعشرون وقوله - تعالى -: ((فواكه وهم مكرمون، بدل مما قبله، أو خبر لمبتدأ محذوف. أى هذا الرزق المعلوم، هو فواكه . والمراد بهذه الفواكه : ما يأكله الآكل على سبيل التلذذ والتفكه. وجميع ما يأ كله أهل الجنة كذلك حتى اللحم والخبز، لأنهم فى الجنة فى غنى عن القوت الذى يحفظون به حياتهم، وخصت الفاكهة بالذكر لأنها أطيب ما يأكله الآكلون . وفضلا عن كل ذلك فهم فيها منعمون مكرمون، لا يحتاجون إلى شىء إلا ويحدونه بين أيديهم ، بفضل الله - تعالى - ورحمته. ثم بين - سبحانه - مكانهم وهيئتهم فقال: (( فى جنات النعيم ، على سرر متقابلين .. أى : هم فى جنات ليس فيها إلا النعيم الدائم، وهم فى الوقت نفسه يجلسون جميعا على سرر متقابلين، بأن تكون وجوههم متقابلة لا متدايرة. فإن من شأن المتصافين أن يجلسوا متقابلين. ( يطاف عليهم بكأس من معين، والكأس: هو الإناء الذى فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فهو قدح. وقد يسمى الشراب ذاته كأسا، فيقال : شربت كأساً ، وذلك من باب أسمية الشىء باسم محله . و («معين، اسم فاعل من معن وهو صفة لكأس. مأخوذ من عان الماء إذا تبع وظهر على الأرض . أى: يطاف على هؤلاء العباد المخلصين وهم فى الجنة، بكأس ملىء بمجمر لذة للشاربين، قابعة من العيون، وظاهرة الأبصار، نجرىء فى أنهار الجنة كما نجرى الأنهار . فالتعبير بقوله - تعالى - ((بكأس من معين)) يشعر بكثرتها، وقربها من يريدها ... ١٠٤ سورة الصافات وقوله - تعالى -: ((بيضاء لذة للشاربين، صفتان للكأس باعتبار ما فيه. أى هذه الخر التى يطاف بها عليهم، بيضاء اللون، لذيذة الطعم والرائحة عند الشاربين . ((لا فيها غول، أى: أذى أو مضرة. والغول. إهلاك الشىء - على غرة وغفلة . يقال: غاله بغوله غولا، واغتاله اغتيالا ، إذا قضى عليه بغتة ، وأخذه من حيث لا يشعر . أى: أن خمر الآخرة ليس فيها ما يضر أو يؤذى، كما هو الحال بالنسبة خر الدنیا. ((وهم عنها ينزفون)، و((عن)) هنا للسببية، فهى بمعنى الياء. أى: ولا م بسبب شربها تذهب عقولهم، وتختل أفكارهم ، كما هو الحال فى خمر الذفيا . وأصل النزف : نزع الشىء من مكانه وإذهابه بالتدريج. يقال : نزف فلان ماء البئر ينزفه - من باب ضرب - إذا نزحه شيئافشيئا إلى نهايته. ويقال: نزف الرجل - كعنى - إذا سكو حتى اختل عقله. وخصت هذه المفسدة بالذكر مع عموم ماقبلها، لكوننا من أعظم مفاسد الخمر . وقوله - تعالى -: ((وعندهم قاصرات الطرف عين)، بيان لمتعة أخرى من المتع التى أحلها القه - تعالى - لهم . وقاصرات: من القصر بمعنى الحبس. وعين: جمع عيناء. وهى المرأة الواسعة العين فى جمال، أى وفضلا عن ذلك. فقد متعنا هؤلاء العباد بمنع أخرى، وهى أننا جعلنا عندهم للمؤانسة نساء قصرن أبصار هن على أزواجهن. لا يمدونها إلى غيرهم. لشدة محبتهن لهم، ومن صفات هؤلاء النساء - أيضاً - أنهن جميلات العيون. ١٠٠ الجزء الثالث والعشرون (( كأنهن)، أى: هؤلاء النسوة بيض مكنون، أى: كانمن كبيض النعام، الذى كنن الريش فى العش ، فلم تمسه الأيدى، ولم يصبه الغبار، فى صفاء البشرة ، ونقاء الجسد ... وشبهون ببيض النعام، لأن لونه مع بياضه وصفاته بخالطه شىء من الصفرة وهو لون محبوب فى النساء عند العرب ولذا قالوا فى النساء الجميلات : بيضات الخدور . وإلى هنا تجد الآيات الكريمة قد بشرت عباد الله المخلصين. بالعطاء المتنوع الجزيل، الذى تنشرح له الصدور، وتقربه العيون ، وتبتهج له النفوس ... ثم حكى - سبحانه - بعض المحاورات التى تدور بين عباده المخلصين ، بعد . أن رأوا ما أعده - سبحانه - لهم من نعيم مقيم ... فقال - تعالى -: (فأقبلَ بعضُهمْ عَلَى بَعْضٍ يَنساءِلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّى كانَ لِى قرينٌ (٥١) يقولُ أَثْنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِنْثَ وَكُنَّا تُرَاباً وعِظَامَ أَئِنَّالمِدِيْنُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَلِعُونَ (٥٤) فاطَلَعَ فرآهُ فى سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تالهٍ إذْ كدتَ لْتُردِينِ (٥٦) وَلَوْلاً ◌ِتَةُ رَبِى السكُنتُ من المحضَرِينَ (٥٧) أقَما نحنُ بَيِّنَ (٥٨) إِلَّ مَوْتَتّناً الأولَى وما نحنُ بِمَعَذَّبِينَ (٥٩) إنَّ هَذَا لَهُوَ الفوزُ العظيمُ (٦٠) لمثل هَذَا فَلَيَعمل العَمِلُونَ (٦١))). قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: علام عطف قوله: «فأقبل بعضهم على بعض ... ،؟ ١٠٦ سورة الصافات قلت: هو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: «يطاف عليهم بكاس من معين)). والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشاربين. قال الشاعر : أحاديث الكرام على المدام وما بقيت من اللذات إلا فيقبل بعضهم على بعض ((يتساءلون، عما جرى لهم وعليهم فى الدنيا. إلا أنه جىء به ماضيا على عادة الله فى أخبار .... (١). أى: أن هؤلاء العباد المخلصين، بعد أن أعطاهم الله ما أعطاهم من النعم، أقبل بعضهم على بعض، يتساءلون فيما بينهم عن ذكرياتهم، وإذا بواحد منهم يقول لإخوانه - من باب التحدث بنعمة الله - : (( إنى كان لى قرين، أى: إنى فى الدنيا كان لى صديق ملازم لى، ينهانى عن الإيمان - بالبعث والحساب، ويقول لى - بأسلوب التهكم والاستهزاء -: (( أمنك لمن المصدقين، أى: أننك - أيها الرجل - لمن المصدقين بأن هناك بمثا وحسابا، وثوابا وعقابا، وجنة ونارا ... ثم يضيف إلى ذلك قوله: «أتذا متنا، وانتهت حياتنا فى هذه الدنيا، ووضعنا فى قبورنا («وكنا ترابا وعظاما، أى: وصارت أجسادنا مثل التراب ومثل العظام البالية .. ((أثنا لمدينون)) أى: أننا بعد كل ذلك المبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى، وبجزيون بأعمالنا. فقوله - تعالى - ((لمدينون، من الدين بمعنى الجزاء، ومنه قوله تعالى - ((مالك يوم الدين، والاستفهام: للاستبعاد والإنكار من ذلك القرين للبعث والحساب. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٤٤ - ١٠٧ الجزء الثالث والعشرون وهنا يعرض هذا المؤمن على إخرانه، أن يشاركون فى الاطلاع على مصير هذا القرين الكافر بالبعث فيقول لهم: «هل أنتم مطلعون، أى: هل أنتم مطلعون معى على أهل النسار لنرى جميعا عال ذلك القرين الذى حكيت لكم حاله؟ والاستفهام للتخصيص، أى: هيا صاحبونى فى الاطلاع على هذا القرين الكافر . «فاطلع، ذلك الرجل المؤمن ومعه إخوانه على أهل النار، فرآه فى سوا. الجحيم ، أى: فرأى ذلك الرجل الذى كان قرينه وصاحبه الملازم له فى الدنيا، ملقى به فى (( سواء الجحيم)) أى: فى وسط النار. وسمى الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى باقى الجوانب . قال الألوسى:(( واطلاع أهل الجنة على أهل النار، ومعرفة من فيها، مع ما بينهما من التباعد، غير بعيد بأن يخلق الله - تعالى - فيهم حدة النظر، ويعرفهم من أرادوا الاطلاع عليه . ولعلهم - إن أرادوا ذلك - وقفوا على الأعراف، فاطلعوا على من أرادوا الاطلاع عليه من أهل النار . وقيل: إن لهم طاقات فى الجنة ينظرون منها من على إلى أهل النار وعلم القائل بأن القرين من أهل النار، لأنه كان منكرا البعث ... )(١). ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله ذلك الرجل المؤمن لقرينه فى الدنيا بعد . أن رآه فى وسط الجحيم فيقول: ((قال تا الله إن كنت لتردين، ولولا نعمة ربى لكنت المحضرين». وقوله: «نا الله، قسم فيه معنى التعجب، و((إن) مخففة من الثقيلة. واللام فى قوله: ((لتردين)) وهى الفارقة بين إن المخففة والنافية، والجملة (١) تفسير الألوسى : ٢٣ ص ٠٩٢ ١٠٨ سورة الصافات جواب القسم ، وتردين: أى تهلكنى يقال: أردى فلان فلانا إذا أهلكه. وردى فلان - من باب رضى - إذا ملك . و((المحضرين)) من الإحضار، بقال: أحضر المجرم ليلقى جزاءه ، وهذا اللفظ يستعمل عند الإطلاق فى الشر، إذ يدل على السوق مع الاكراه والقسر . أى: قال الرجل المؤمن لقرينه الملقى فى وسط جهنم: وحق الله - تعالى - لقد كدت أيها القرين أن تهلكنى صدك إباى عن الإيمان بالبعث والحساب ولولا نعمة ربى على ، حيث عصمنى من طاعتك، ووفقنى الإيمان .. لكنت اليوم من الذين أحضر واللعذاب مثلك ومثل أشباهك، ولساقنى ملائكة العذاب إلى هذا المصير الأليم الذى أنت فيه اليوم، محمد الله - تعالى - على الإيمان والهداية. وقوله - تعالى -: ((أفما نحن بميتين، إلا موقتنا الأولى وما نحن بمعذبين، بيان لمما بقوله هذا الرجل المؤمن لأصحابه الذين معه فى الجنة، وبعد أن انتهى من كلامه مع قريته . وهذا الكلام يقوله على سبيل التلذذ والتحدث بنعمة الله عليهم. والاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام، والمعطوف عليه محذوف . والمعنى: أنحن مخلدون فى هذا النعيم، ولن يلحقنا موت مرة أخرى بعد هو قتنا الأولى التى لحقتنا فى الدنيا، وان يصيبنا شىء من العذاب كما أصاب غيرنا؟ إننا لنشعر جميعا بأننا أن نموت مرة أخرى، وسنبقى فى هذا النعيم الدائم بفضل الله ورحمته . وبعضهم يرى أن هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت. قال القرطبى: ((قوله: (( أذا نحن بميتين إلا موتقنا الأولى.٠٠)): هو من ١٠٩ الجزء الثالث والعشرون قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، ويقال: « يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا ،وت .. )) (١). والإشارة فى قوله - تعالى -: ((إن هذا هو الفوز العظيم)، لما سبق الإخبار به من ففى الموت والعذاب عن أهل الجنة. وهذا القول -أيضا- حكاية لما يقوله ذلك المؤمن لمن معه فى الجنة أى: إن هذا النعيم الدائم الذى نحن فيه - يا أهل الجنة ـ لهو الفوز العظيم، الذى لا يدانيه فوز، ولا يقاربه فلاح. ثم يقول لهم - أيضا -: ((لمثل هذا فليعمل العاملون، أى: لمثل هذا العطاء الجزيل، والنعيم المقيم، فليعمل العاملون ، لا لغير ذلك من الأعمال الدنيوية الزائلة الفانية . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على البون الشاسع. بين النعيم المقيم الذى يعيش فيه عباد الله المخلصين . وبين الشقاء الدائم الذى يعيش فيه الكافرون، فقال - تعالى - : ((أَذَلِكَ خيرٌ نُزُلاً أَمْ شُجَرةُ الرَّقوم (٦٢) إِنَّا جَعْنَاهَا فِتْنَةً الَّظَالمِينَ (٦٣) إنها شجرةٌ تخرجُ فِى أَصلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كأنَّهُ رؤوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فإنّهم لآ كِلُونَ منها فالتُونَ منها البطونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عِلْهَاَ لَوْباً من حيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِتهم لإلَى الجحيم (٦٨) إِنَّهِمْ أَلْفَوْا آباءهُمْ ضَلَيْن (٦٩) فَهُم عَلَى آثارِمْ يُهْرَعون (٧٠) ولقد ثَلَّ قَبلَهُمْ أكثرُ الأوَّلين (٧١) ولقد أَرسَلْنَا فيهم مَنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرُّ كيفَ كانَ ماقَةُ المنذرِينَ (٧٣) إلاَّ عبادَ اللهِ المخلّصِينَ (٧٤))). واسم الإشارة , ذلك)) فى قوله - تعالى -: «أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ، يعود إلى النعيم الذى سبق الحديث عنه، والذى يشمل الرزق المعلوم وما عطف عليه . (١) تفسير القرطبي = ١٥ ص ٨٤. ١١٠ سورة الصافات والاستفهام للتوبيخ والتأنيب . والغزل: ما يقدم للضيف وغيره من طعام ومکان ينزل به . و((ذلك، مبتدأ، و((خير)) خبره، ونزلا: تميز لخير، والخيرية بالنسبة لما اختاره الكفار على غيره. والجملة مقول لقول محذوف. وشجرة الزقوم هى شجرة لا وجود لها فى الدنيا، وإنما يخلقها الله - تعالى فى النار ، كما يخلق غيرها من أصناف العذاب كالحيات والعقارب ... وقيل: هى شجرة سامة متى مست جسد أحد تورم ومات. وتوجد فى الأراضى المجدبة المجاورة للصحراء . والزقوم: من النزقم ، وهو ابتلاع الشىء الكربه، بمشقة شديدة. والمعنى: فل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين أذلك النعيم الدائم الذى ينزل به المؤمنون فى الجنة خير، أم شجرة الزقوم التى يتبلغ بها الكافرون وهم فى النار ، فلا يجدون من ورائها إلا الغم والمكرب لمرارة طعمها، وقبح رائحتها وهیقتها: ومعلوم أنه لا خير فى شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما إختاروا ما أذى بهم إلى نعيم الجنة وهو الإيمان والعمل الصالح. واختار الكافرون ما أدى بهم إلى النار وبئس القرار قيل لهم ذلك على سبيل التوبيخ والتقريع، لسوء اختبارم . ثم بين - سبحانه - شيئا عن هذه الشجرة فقال: ((إنا جعلناها فتنة للظالمين)» أى: إنا جعلنا هذه الشجرة محنة وابتلاء وامتحانا لهؤلاء الكافرين الظالمين، لأنهم لما أخبرهم رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بوجود هذه الشجرة فى النار. كذبوه واستهزؤًا به. فق عليهم عذا بنا بسبب هذا التكذيب والاستهزاء. قال القرطى ما ملخصه:( قوله - تعالى - ((إذا جعلناها فتنة للظالمين، أى: المشركين . وذلك أنهم قالوا: كيف تكون فى النار شجرة، مع أن النار تحرق الشمس .. ؟ الجزء الثالث والعشرون وكان هذا القول جهلا منهم، إذ لا يستحيل فى العقل أن يخلق الله فى النار شجراً من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب .. ،!) . ثم بين - سبحانه - أصل هذه الشجرة ومنبتها فقال: «أنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم، أى: منبتها وأصلها يخرج من أسفل الجحيم ، أما أغصانها وفروعها فترتفع إلى دركاتها . ثم بين - سبحانه - ثمرها فقال: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين، أى: ثمرها الذى يخرج منها، وحملها الذى يتولد عنها، فى تناهى قبحه وكراهيته، ر.وس الشياطين التى هى أقبح ما يتصوره العقل، وأبغض شىء يرد على الخاطر . قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «شبه حمل شجرة الزقوم بر.وس الشياطين، للدلالة على تناهيه فى الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح فى طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر عض لا يخالطه خير . فيقولون فى القبيح الصورة : كأنه وجه شيطان، أو كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون صورة على أقبح صورة . كما أنهم اعتقدوا فى الملك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا أن الصورة الحسنة، قال الله - تعالى -: ((ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم». وهـذا أشبيه تخييلى . وقيل : الشيطان حية عرفظ لها صورة قبيحة المنظر ... جاء التشبيه بها .. .. (٢) . (١) تفسير القرطبي : ١٥ ص ٠٨٩ (٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٤٦ ١١٢ سورة الصافات وقوله - تعالى -: ((فإنهم لآكلون منها فالثون منها البطون) تقريع على ما تقدم من كونها فتنة لهم . أى: هذا هو حال تلك الشجرة، وهذا هو أصلها وثمرها، وإن هؤلاء الكفار الذين يستهزئون بمن يحدثهم عنها لآكلون من ثمارها حتى تمتلى. بطنهم ، رغما عنهم، وإذلالا لهم . (( ثم إن لهم عليها، أى: ما يأكلونه منها ((الشوبا من حميم)) أى: لشرابا مخلوطا بماء شديد الحرارة يقطع الأحشاء، كما قال - تعالى -: «وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم،. فالشوب: الخلط. يقال : شاب فلان طعامه، إذا خلطه بغيره. والحميم : الماء الذى بلغ الغاية فى الحرارة. فطعامهم - والعياذ بالله - قد اجتمع فيه مرارة الزقوم ، وحرارة الماء، وهذا أشنع ما يكون عليه الطعام . ثم بين - سبحانه - مصيرهم الدائم فقال: ((ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم)) أى: ثم إن مرجعهم ومصيرهم ومقرهم الدائم بعد كل ذلك لإلى دركات الجحيم لا إلى غيرها . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السىء فقال - تعالى -: ((إنهم ألفوا آباءهم ضالين. فهم آثارهم يهرعون)). وقوله: (( ألفسواء من الإلف للشىء بمعنى التعود عليه بعد وجوده وحصوله. وقوله: ((يهرعون)) من الإجراع بمعنى الإسراع الشديد، أو الإسراع ١١٣ - الجزء الثالث والعشرون الذى نصحبه رعدة وفزع. يقال: هرع وافرع - بالبناء للمجهول فيهما - إذا استحث وأزعج. وأقل فلان يهرع - بضم الياء - إذا جاء مسرعاً فى غضب أو ضعف أو خوف . أى: إن ما أصاب هؤلاء الكافرين من عذاب أليم ، سببه أنهم وجدوا آباءهم مقيمين على الضلال ، فاقتدوا بهم اقتداء أعمى ، وساروا خلفهم وعلى آثارهم بسرعة وبغير تدبر أو تعقل، كما يسير الأعمى خلف من يذهب به إلى طريق هلاكه . فالآ يتان الكريمتان توبيخ شديدهؤلاء الكافرين، لأنهم لم يكتنفوا بتقليد آبائهم فى الضلال، بل أسرعوا إلى ذلك إسراعا لا تمول معه ولا تدبر. ثم بين - سبحانه - أحوال السابقين عليهم فقال: ((ولقد ضل قبلهم أ کثر الأولین ،. أى: ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين من قومك - أيها الرسول الكريم - أكثر الأقوام السابقين الذين أرسلنا إليهم هدايتهم. وفى التعبير بقوله: ((أكثر)) إنصاف ومدح للقلة المؤمنة التى اتبعت الحق. ((ولقد أرسلنا فيهم منذرين، أى: ولقد أرسلنا فى هؤلاء الأقوام السابقين أنبياء كثيرين ينذرونها ويخوفونهم من عاقبة الكفر والشرك، ولكن أكثر هؤلاء الأقواء لم يستجيبوا للحق. ((فانظر)- أيها الرسول الكريم- ((كيف كان عاقبة المنذرين، أى: فانظر وتأمل كيف كانت عاقبة هؤلاء الذين أنذروا فلم يستجيبوا للحق، لقد كانت عاقبتهم أن دمر ناهم تدميرا («إلا عباد الله المخلصين)، أى: دمرنا هؤلاء الأقوام إلا عبادنا الذين أخلصوا لنا العبادة والطاعة فقد أنجيناهم بفضلنا ورحمتنا . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك قصص بعض الأنبياء السابقين مع أقوامهم (٨ - سورة الصافات) ١١٤ سورة الصافات لتثبيت فؤاد النبى - صلى الله عليه وسلم - وتسليته عما أصابه من قومه، وابتداء تلك القصص : بيان جانب من قصة نوح - عليه السلام - مع قومه فقال - تعالى -: (((ولقَدْ نادَانَاَ نوحٌ فَلِمِ الحِيبونَ (٧٥) ونجيناهُ وأُهْلَه من الكربِ العظيم (٧٦) وجعلناَ ذُرِيتُهُ مُ الباقينَ (٧٧) وتركْنَاً عليه فى الآخرين (٧٨) سلامٌ عَلَى نوحٍ فى العالمينَ (٧٩) إنَّا كذلكَ نجزِى المحسِنِينَ (٨٠) إِنَّه مِنْ عبادِنا المؤمِنِينَ (٨١) ثم أغرقنا الآخرينَ (٨٢)). وقصة نوح - عليه السلام - قد وردت فى القرآن الكريم، فى سور متعددة منها : سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة أوح ، وسورة المؤمنون . . وهذا يحدثنا القرآن عن جانب من النعم التى أنعم بها الله - تعالى - على نبيه نوح - عليه السلام - حيث أجاب له دعاءه، ونجاه وأهله من الكرب العظيم وأهلك أعداء، المكذبين .. واللام فى قوله: ((ولقد نادانا نوح ... ) واقعة فى جواب قسم محذوف والمراد بالنداء الدعاء الذى تضرع به نوح - عليه السلام - إلى خالقه. والمخصوص بالمدح فى قوله: ((فلنعم المجيبون)، محذوق، وهما. فصيحة . والمعنى: وما الله لقد تضرع إلينا عبدنا نوح - عليه السلام - وطلب منا أن ننصره على قومه الكافرين، فاستجبنا له أحسن إجابة ، ونعم المجيبون نحن فقد أهلكنا أعداءه بالطوفان . أخرج ابن مردوية عن عائشة قالت : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى فى بيتى فر بهذه الآية، قال : صدقت ربنا، أنت أقرب من دعى، ١١٥ الجزء الثالث والعشرون وأقرب من بغى - أى طلب لإجابة الدعاء - فنعم المدعو أنت، ونعم المعطى أنت، ونعم المسئول أقت ربنا ونعم النصير))(١). والمراد بأهله فى قوله - تعالى -: ((ونجيناه وأهله من الكرب العظيم)) الذين آمنوا معه . أى: ونجيناه وأهله الذين آمنوا معه - بفضلنا وإجساننا - من الكرب العظيم ، الذى حل بأعدائه الكافرين، حيث أغرقنام أجمعين . ((وجعلنا ذريته هم الباقين)، أى: وجعلنا ذربته من بعده هم الذين بقوا وبقى نسلهم من بعدهم ، وذلك لأن الله -تعالى- أملك جميع الكافرين من قومه أما من كان معه من المؤمنين من غير ذريته، فقد قيل إنهم ماتوأ، ولم يبق سوى أولاده . قال ابن كثير:((قوله - تعالى -: (( وجعلنا ذريته هم الباقين): قال ابن عباس : لم تیق إلا ذريته نوح. وقال قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح . وروى الترمذى وابن جرير وابن حاتم عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فى قوله: (( وجعلنا ذريته هم الباقين، قال: هم («سام، وسام، وبافك ،. وروى الإمام أحمد - بسنده - عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم .... (٢). ((وتركنا عليه فى الآخرين سلام على نوح فى العالمين، أى: وأبقينا عليه فى الأمم التى ستأتى من بعده إلى يوم القيامة، الذكر الحسن، والكلمة الطيبة (١) تفسير الآلوسي : ٢٣ ص ٠٩٨ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ س ٠١٩ ١١٦ سورة الصافات ألا وهى قولهم : سلام على نوح فى العالمين ، أى: تحية وأمان وثناء جميل على فوح فى العالمين . وقوله: ((إنا كذلك نجزى المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين .. تعليل لما منحه - سبحانه - لعبده نوح من نعم وفضل وإجابة دعاء. أى: مثل ذلك الجزاء الكريم الذى جازبنا به فوحا - عليه السلام - نجازى كل من كان محسنا فى أقواله وأفعاله ، وإن عبدنا فو حا قد كان من عبادنا الذين بلغوا درجة الكلام فى إيمانهم وإحسانهم. قال صاحب الكشاف: قوله: ((وتركنا عليه فى الآخرين)) أى من الأمم هذه الكلمة ، وهى: ((سلام على نوح)) يعنى: يسلمون عليه تسلما، وبدءون له . فإن قلت: فما معنى قوله: ((فى العالمين .. قلت : معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل : ثبت الله التسليم على نوح وأدامه فى الملائكة والثقلين، يسلمون عليه من آخرم . علل - سبحانه - بجازاة فوح بتلك التكرمة السنية، من تبقية ذكره ، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر ، بأنه كان محسنا بأنه كان عبداً مؤمنا ، ليريك جلالة محل الإيمان ، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم ، ويرغبك فى تحصيله وفى الازدياد منه ،(١). ثم ختم - سبحانه - القصة بقوله: ، ثم أغرقنا الآخرين، أى: لقد أضفنا إلى تلك النعم التى أعطيناها لنبينا نوح - عليه السلام - أننا أغرقنا أصدا .. الذین آذوه ، وأعرضوا عن دعوته. وتلك سنقنا لا تتخلف، أننا ننجى المؤمنين ، ونهلك الكافرين. وجاءت بعد قصة نوح - عليه السلام - قصة إبراهيم - عليه السلام - + (١) تفسير ابن كثير = ٧ ص ٠١٩ ١١٧ الجزء الثالث والعشرون وقد حكى الله تعالى - ما دار بين إبراهيم وبين قومه، كما حكى بعض النعم التى أنعمها - سبحانه - عليه، بسبب إيمانه وإحسانه ، فقال - تعالى : (( وإنَّ من شيعته لإبراهيمَ (٨٣) إذْ جله ربَّه بقلبٍ سَليم (٨٤) إذ قالَ لأبيه وقومِهِ ماذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أثِفِكاً آلهةً دونَ الله تريدونَ (٨٦) فماظنكُم بربّ العالمين (٨٧) فنظَر نَظْرة فى النّجوم (٨٨) فقالَ إِنِّى سقيمٌ (٨٩) فتولّوا عنهُ مُدبرين (٩٠) فراغَ إلى آلهتهم فقالَ ألاَ تأكَلُونَ (١١) مالكُم لا تنطقون (٩٢) فراغَ عليهِم ضرباً باليمين (٩٣) فأقبلوا إليه يزِقُونَ (٩٤) قال أتعبُدونَ ما تَتحتُون (٩٥) واللهُ خلقكُم وما تجعلونَ (٩٦) قالُوا ابْتُوا لهُ بُنياناً فَأْلُقُوه فى الجحيم (٩٧) فأرادُوا به كيداً فجعلناَمُ الْأسفلِينَ (٩٨) وقال إنّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِى سيهدِين (٩٩) ربِّ هَبْ لِ من الصالحينَ (١٠٠) فلما بلغَ معهُ السَّعىَ قَالَ يَا بَنَىَّ إني أرَى فى المنامِ أني أذنبَحُكَ فانْظُر ماذَا تَرَى، قال يا أبتِ افْعَلْ ما تؤمرُ ستجدني إنْ شاء اللهُ من الصابرينَ (١٠١) فلمَّا أسْلما وتلّه للجبين (١٠٢) ونادَ يناهُ أن يا إبراهيمُ (١٠٣) قد صدَّقتَ الرُّؤْيَاَ إنّا كَذلِكَ نجزِى المحسنينَ (١٠٤) إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبينُ (١٠٥) وفديناه بذيحٍ عظيمٍ (١٠٦) وتركنا عليه فى الآخرِين (١٠٧) سلامٌ عَلَى إبراهيم (١٠٨) كذلكَ نجزى المحسِنِينَ (١٠٩) إِنَّه من عبادِنَا المؤمنينَ (١١٠) وبشّرناه بإسحاقَ نبيًا من الصالحينَ (١١١) وباركْنا عليهِ وَى إِسْحَاقَ ومِنْ ذُرِّيتها مُحسن وظالمٌ النفسِهِ مُبِينٌ (١١٢))). والضمير فى قوله: «وإن من شيعته لإبراهيم، يعود على نوح -عليه السلام- ١١٨ سورة الصافات وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره وأتباعه. وكل جماعة اجتمعوا على أمر واحد أو رأى واحد فهم شيعة ، والجمع شيع مثل سدرة وسدر . قال الفرطى: «الشيعة: الأمر ان وهو مأخوذ من الصباع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار حتى يستوقد ... ،(١). والمعنى: وإن من شيعة نوح لإبراهيم - عليهما السلام - لأنه تابعه فى الدعوة إلى الدين الحق. وفى الصبر على الأذى من أجل إعلاء كلمة انه تعالى ونصرة نبيه وشريعته ... وهكذا جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - اللاحق منهم يؤيد السابق، ويناصره فى دعوته التى جاء بها من عند ربه، وإن اختلفت شرائعهم فى التفاصيل والجزئيات ، فهى متحدة فى الأصول والأركان . وكان بين نوح وإبراهيم ، فبيان كريمان هما هود وصالح - عليهما السلام - والظرف فى قوله تعالى: (( إذ جاءربه بقلب سليم، متعلق بمحذوف تقديره اذكر أى: أذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - وقت أن جاء إبراهيم إلى ربه بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء ... والمراد بمجيته ربه بقليه: إخلاص قلبه لدعوة الحق، وإستعداده لبذل نفسه وكل شىء يملكه فى سبيل رضا ربه عز وجل. فهذا التعبير يفيد الاستسلام المطلق لربه والسعى الحثيث فى كل مايرضيه قالى صاحب الكشاف:« فإن قلت: مامعنى المجىء بقلبه ربه؟ قلت: معناه أنهـ أخلص . قلبه، وعرف ذلك منه، فضرب المجىء مثلا لذلك. (٢). وقوله: ((إذ قال لأ بيه وقومه ماذا تعبدون ، شروع فى حكايته مادار. (١) تفسير القرطبي = ١٥ ص ٩١. (٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٤٨ ١١٩ الجزء الثالث والعشرون بينه وبين أبيه وقومه. والجملة بدل من الجملة السابقة عليها ، أو هى ظرف لقوله (( سليم)، أى: لقد كان إبراهيم - عليه السلام - سليم القلب، نقى السريرة، صادق الإيمان، وقت أن جادل أباه وقومه قائلا لهم: أى شىء هذا الذى تعبدونه من دون الله - تعالى - ثم أضاف إلى هذا التوبيخ لهم وبيخا آخر فقال لهم: ((أنفكا آلهة دون اللّه تريدون.؟ والإمك: أسوأ الكذب. يقال أذك فلان يأفك إفكا فهو أفوك ... إذا اشتد به. وهو مفعول به لقوله(، زيدون، وقوله , آلهة، يدل منه. وجعلت الآلهة نفس الإفك على سبيل المبالغة. أى: أتريدون إفكا آلهة دون ان؟ إن إرادتكم هذه يمجها ويحتقر ما كل عقل سليم . ثم حذرهم من السير فى طريق الشرك فقال: «فما ظنكم برب العالمين). والاستفهام الإنكار والتحذير من سوء عاقبتهم إذا ما استمروا فى عبادتهم لغيره - تعالى - . أى: فما الذى تظنون أن يفعلة بكم خالفكم ورازقكم إذا ما عبدتم غيره؟ إنه لا شك سيحاسبكم على ذلك حسابا عسيراً، ويعذبكم عذابا ألما، ومادام الأمر كذلك فاتركوا عادة هذه الآلهة الزائفة، وأخلصوا عبادتكم الخالقكم ورازقكم . قال الألوسى: ((قوله: ((فما ظنكم برب العالمين، أى: أى شىء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة ، لكونه ربا للعالمين ؟ أشككتم فيه حتى تركتم عبادته - سبحانه - بالكلية، أو أعلمتم أى شىء هو حتى جعلتم الأصنام شركا .. أو أى شىء ظنكم بعقابه - عز وجل - حتى اجترأقم على الإفك عليه، ولم تفافوا هذابه ... ،(١). .(١) راجع تفسير الآلوسي : ١٢ ص ٠١١٠ ١٢٠ سورة الصافات وعلى أية حال ثالآية تدل دلالة واضحة على استنكاره لما كان عليه أبوه وقومه من عبادة لغير الله - تعالى - ، وعلى نفور فطرته لماهم عليه من باطل . ويهمل القرآن الكريم هنا ردهم عليه لتفاهته. وتنتقل السورة الإشارة إلى ما أضمره إبراهيم - عليه السلام - لتلك الآلهة الباطلة فتقول: ((فنظر نظرة فى النجوم , فقال إنى سقيم، فتولوا عنه مدبرين ... )). قالوا : كان قوم إبراهيم يعظمون الكواكب. ويعتقدون تأثيرها فى العالم ... وتصادف أن حل أوان عيد لهم. فدعوه إلى الخروج معهم كما هى عادتهم فى ذلك العيد ... فتطلع إلى السماء، وقلب نظره فى نجومها، ثم قال لهم معتذرا عن الخروج معهم - ليخلو بالأصنام فيحطمها -: ((إنى سقيم، أى مريض مرضا يمنعنى من مصاحبتكم، فتولوا عنه مديرين، أى: فتركوه وحده وانصرفوا إلى خار ج بلدهم. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: ((وإنما قال إبراهيم لقومه ذلك، ليقيم فى البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم ، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عبدلهم ، فأحب أن يختلى بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاما هو حق فى نفس الأمر ، فهموا منه أنه سقيم على ما يعتقدونه، فتولوا عنه مديرين . ۔ قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر فى أمر: نظر فى النجوم، يعنى قتادة: أنه نظر فى السماء متفكرا فيما يليهم به فقال (( إنى سقيم)، أى: ضعيف .. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكذب إبراهيم غير ثلاث كذبات: ثنتين فى ذات الله، قوله: (( إنى سقيم)) وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا» وقوله فى سارة (( هی اختی). ليس المراد بالكذب هنا الكذب الحقيقي الذى يذم فاعله ، حاشا وكلا