النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الجزء الثالث والعشرون
(((التفسير)
قال الله - تعالى -:
((وَالصَّفَّاتٍ صَفًّا (١) فالزَّاجِرَاتٍ زَجْراً (٢) فالتَّالِيَاتِ
في كراً (٣) إِنَّ إلهكمُ بِوَاحِدٌ (٤) ربُ السَّمواتِ وَالأرْضِ وما ينَهُمَاَ
وَرَبُ المشارِق (٥))).
والواو فى قوله - تعالى -: ((والصافات)، للقسم. وجوابه قوله: ( إن
إحكم لواحد ، .
و((الصافات)) من الصف، وهو أن تجعل الشىء على خط مستقيم .
تقول : صففت القوم فاصطفوا، إذا أقمنهم على خط مستقيم . سواء أكانوا
فى الصلاة، أم فى الحرب، أم فى غير ذلك .
والزاجرات: من الزجر ، وهو الدفع بقوة. تقول : زجرت الإبل
زجرا - من باب قتل - إذا منعتها من الدخول فى شىء ودفعتها إلى غيره.
والتاليات : من التلاوة، بمعنى القراءة فى تدبر وتأمل .
وأكثر المفسرين على أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات : جماعة
من الملائكة ، موصوفة بهذه الصفات ...
فيكون المعنى: وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله
- تعالى - وطاعته ، أو الذين يصفون أجنحتهم فى السماء انتظار الأمر اته ،
والذين يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصى أو يزجرون السحاب إلى الجهات
التى كلفهم الله - تعالى - بدفعه إليها ، والذين يتلون آيات الله المنزلة على أنبيائه
تقربا إليه - تعالى - وطاعة له.
وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون فى قوله - تعالى-فى السورة نفسها:
«وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون)).
(٦ - سورة الصافات)

٨٢
سورة الصافات
كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم فى صحيحه عن حذيفة قال : قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا
كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت لنا تربتها طهورا
إذا لم نجد الماء ،(١).
وفى حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: « ألا تصفون كما نصف الملائكة عند ربهم ؟ قلنا :
وكيف تصف الملائكة عندربهم ؟ قال : «يتمون الصفوف المتقدمة،
وبترامون فى الصف ،(٢).
وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء ،
لأجل الإعذار والإنذار به . كما فى قوله - تعالى - فى أوائل المرسلات:
(((فالملفيات ذكرا. عذرا أو نذرا)).
قال الإمام ابن كثير: «قوله:، فالتاليات ذكرا، هم الملائكة يجيئون
بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس، وهذه الآية كقوله - تعالى - :
((فالملفيات ذكرا. عذرا أو نذرا))(٢) ومنهم من يرى أن المراد بالصافات
والزاجرات والتاليات هنا: العلماء الذين يصفون أقدامهم عند الصلاة وغيرها
من الطاعات، ويزجرون غيرهم عن المعاصى ، ويتلون كلام الله - تعالى -.
ومنهم من يرى أن المراد بالصافات: الطيور التى تصنف أجنحتها فى الهواء
وبالزاجرات وبالتاليات: جماعات الغزاة فى سبيل الله، الذين يزجرون أعداء
الله - تعالى - ويكثرون من ذكره.
ويبدو لنا أن القول الأول هو الأظهر والأرجح، لأن الآيات القرآنية،
(١) محيح مسلم كتاب المساجد =٢ ص٦٣ .
(٢) محيح كتاب الصلاة ٢٥ ص٢٩.
(٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص٣

٨٣
الجزء الثالث والعشرون
والأحاديث النبوية التى سقنا ها قبل ذلك تؤيده، ويؤيده - أيضا - ما يجىء بعد
ذلك من أوصاف للملائكة كما فى قوله - تعالى -: «لا يسمعون إلى الملأ الأعلى
ويقذفون من كل جانب ... ، والمراد بالملأ الأعلى منا. الملائكة ...
ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن مسعود
وابن عباس ، ومسروق ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد.
وإنما أقسم الله - تعالى - هنا بالملائكة، لشرفهم، وسمو منزلتهم وامتثالهم
لأوامره - سبحانه - امتثالا قاما وله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه،
تنويها بشأن المقسم به، ولفتا لأنظار الناس إلى مافيه من منافع ...
ولفظ ((الصافات) مفعوله محذوف، والتقدير، وحق الملائكة الصافات
نفوسها أو أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر الله - تعالى -.
والترقيب بالفاء فى هذه الصفات، على سبيل الترقى، إذ الأولى كمال ،
والثانية أكمل، لتعدى منعتها إلى الغير، والثالثة أكمل وأكمل ، لتضمنها
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتخلى عن الرذائل ، والتحلى
بالفضائل .
وقوله« صفا ، وزجرا، وذكرا)) مصادر مؤكدة لما قبلها.
وقوله - سبحانه -: ((إن الحكم لواحد)) جواب القسم، وهو المقسم عليه.
أى: وحق الملائكة الذين تلك صفاتهم، إن ربكم - أيها الناس - لواحد
لا شريك له فى ذاته ، ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، ولا فى خلقه ...
وقوله: «رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق)) بدل من
قوله , لواحد، أو خير بعد خبر لمبتدأ محذوف.
أى: إن الحكم - أيها الناس - لواحد: هو - سبحانه - رب السموات
والأرض، ورب ما بينهما من مخلوقات كالهوا. وغيره، ورب المشارق التى

٨٤
سورة الصافات
تشرق منها الشمس فى كل يوم على مدار العام، إذ لها فى كل يوم مشرق معين
تشرق منه، ولها فى كل يوم - أيضاً - مغرب تغرب فيه.
واكتفى هنا بذكر المشارق على المغارب ، لأن كل واحد منهما يستلزم
الآخر ولأن الشروق أدل على القدرة، وأبلغ فى النعمة، ولأن الشروق سابق
على الغروب. وقد قال - سبحانه - فى آية أخرى: «رب المشرق والمغرب
لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا))(١).
والمراد بهما هنا جنسهما، فهما ضادقان على كل مشرق من مشارق الشمس
التى هى ثلاثمائة وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل مغرب من مغاربها
التى هى كذلك.
وقال فى سورة الرحمن: «رب المشرقين ورب المغربين)» أى: مشرق الشتاء
ومشرق الصيف ومغربها أو مشرق الشمس والقمر ومقربهما .
وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجىء هذه الألفاظ قارة مفردة، وتارة
على سبيل التثنية ، وثارة على سبيل الجمع.
قال بعض العلماء: قوله، ورب المشارق)، أى: ولكل نجم مشرق، ولكل
كوكب مشرق فهى مشارق كثيرة فى كل جانب من جوانب السموات الفسيخة ..
وللتعبير دلالة أخرى دقيقة فى التعبير عن الواقع فى هذه الأرض التى نعيش
عليها كذلك ، فالأرض فى دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها
المختلفة - كما تتوالى المغارب، فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس ، كان هناك
مشرق على هذا القطاع. وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له فى الكرة
الأرضية .. وهى حقيقة ما كان يعرفها الناس فى زمان نزول القرآن الكريم،
أخبرهم الله - تعالى - بها فى ذلك الزمان القديم .. ))(٢).
(١) سورة المزمل الآية ٩.
(٢) فى ظلال القرآن : ٢٣ صن ٤٦.

٨٠
الجزء الثالث والعشرون
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر قدرته فى خلقه لهذه السموات
وكيف أنه - تعالى - قد زين السماء الدنيا بالكواكب. وحفظها من تسلل
أى شيطان إليها فقال تعالى :
((إِنَّا زَيَّا السَّماءِ الدُّنْيَاَ بِزِينَةِ الكَواكِبِ (٦) وحِفظاً من كلِّ
شيطانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمونَ إلى الملأُ الأعلَى وَيْذَفُونَ مِنْ كُلِّ
جَانِبٍ (٨) دُحُوراً ولَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلاَّ مَنْ خطَِ الْلِفَةَ
فأَتْبَعَهُ شِهَبٌ ثَقِيبٌ (١٠))).
وقوله - تعالى - ((زينا)) من التزيين بمعنى التحسين والتجميل. والمراد
بالسماء الدنيا: السماء التى هى أقرب سماء إلى الأرض. فالدنيا مؤنث أدنى
بمعنى أقرب .
والكواكب : جمع كوكب وهو النجم الذى يرى فى السماء .
وقوله: (( بزينة الكواكب، فيه ثلاث قراءات سبعية فقد قرأ الجمهور
بإضافة زينة إلى الكواكب . أى: بلا تنوين فى لفظ «زينة)). وقرأ
بعضهم بتغوين لفظ «زينة، وخفض لفظ الكواكب على أنه بدل منه.
وقرأ بعضهم بقنوين لفظ (( زينة)) ونضب لفظ الكواكب، على أنه مفعول.
لفعل محذوف أى : أعنى الكواكب.
والمعنى: إنا بقدرتنا وفضلنا زينا السماء الدنيا التى ترونها بأعينكم ـ أبها
الناس - بالكواكب، جعلناها مضيئة بحيث تهتدون بها فى سيركم من مكان
إلى مكان :
كما قال - تعالى- فى آية أخرى: «ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها
وجوما للشياطين .....
(١) سورة الحجر آية ١٦.

٨٦
سورة الصافات
ومما لاشك أن منظر السماء وهى مليئة بالنجوم، يشرح الصدور، ويؤأس
النفوس، وخصوصا السائرين فى دجاج الأرض، أو ظلمات البحر ...
وقوله - سبحانه -: «وحفظا من كل شيطان مارد، بيان لما أحاط به
- سبحانه - السماء الدنيا من حفظ ورعاية .
ولفظ « حفظا)، منصوب على المصدرية بإضمار فعل قبله. أى: وحفظناها
حفظا، أو معطوف على محل ((بزينة)).
والشيطان : كل متمرد من الجن والإنس والدواب. والمراد به هنا :
المتمرد من الجن .
والمارد: الشديد العتو والخروج عن طاعة الله - تعالى - المتعرى من
كل خير .
أى : إنا جعلنا السماء الدنيا مزينة بالكواكب وضيائها، وجعلناها
كذلك محفوظة من كل شيطان متجرد من الخير ، خارج عن طاعتنا ورحمتنا .
وقوله - سبحانه .: ((لا يسمعون إلى الملأ الأعلى، ويقذفون من كل
جانب . دحورا ولهم عذاب واصب، جملة مستأنفة لبيان حالهم عند حفظ
السماء، وبيان كيفية الحفظ، ولما يصيبهم من عذاب وهلاك إذا ما حاولوا
استراق السمع منها .
ولفظ ((يسمعون)) بتشديد السين - وأصله يتسمعون، فأدغمت التاء فى
السين ، والضمير الشياطين وقرأ الجمهور ((لا يسمعون)، بإسكان السين.
قال صاحب الكشاف: ((الضمير فى ((لا يسمعون)) لكل شيطان، لأنه
فى معنى الشياطين، وقرىء بالتخفيف والتشديد. واصله ((يقسمعون)).
والقسمع: تطلب السماع. يقال: تسمع فسمع، أو فلم يسمع ...
فإن قلت : أى فرق بين سمعت فلانا يتحدث، وسمعت إليه يتحدث ،
وسمعت حديثه، وإلی حديثه ؟

٨٧
الجزء الثالث والعشرون
قلت : المعدى بنفسه يفيد الإدراك . والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع
الإدراك .. ،(١).
والملأ فى الأصل: الجماعة يجتمعون على أمر فيملئون النفوس هيبة.
والمراد بالملأ الأعلى هنا: الملائكة الذين يسكنون السماء.
وسموا بذلك لشرفهم ، ولأنهم فى جهة العلو ، بخلاف غير ثم فإنهم
يسكنون الأرض .
وقوله: « ويقذفون)) من القذف بمعنى الرجم والرمى. و((دحورا))
مفعولا لأجله . أى: يقذفون لأجل الدحور، وهو الطرد والإبعاد، مصدر
دحره بدحر دحرا ودحورا : إذا طرده وأبعده.
والواجب: الدائم، من الوصوب بمعنى الدوام، يقال: وصب الشىء
يصب وصوبا، إذا دام وثبت. ومنه قوله: وله الدين: واصبا، أى :
دائم ثابتا:
والمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بنور الكواكب، وحفظناها - بقدرتنا
ورعايتنا - من كل شيطان متجرد من الخير، فإن هذا الشيطان وأمثاله كلما
حاولوا الاستماع إلى الملائكة فى السماء، لم تمكنهم من ذلك، بل قدقنام
ورجمناهم بالشهب والنيران من كل جانب من جوانب السماء ، من أجل أن
قدمريم وفطرده ونبعدهم عنها، ولهم منا - فوق كل ذلك - عذاب ذائم ثابت
لا نهاية له .
وقوله: ((إلا من خطف الخطفة .. ، استثناء من الواو فى ((يسمعون))
و «من» فى محل بدل من الواو.
والخطف: الأخذالشى. بسرعة وخفية واختلاس وغفلة من المأخوذمنه.
أى: لا يسمع الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلا الشيطان الذى خطف
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٢٥

٨٨
سورة الصافات
الخطفة من كلام الملائكة بسرعة وخفة، فيما يتفاوضون فيه من أحوال البشر
- دون ما يتعلق بالوحى - فإنه فى هذه الحالة يتبع هذا الشيطان ويلحقهمشهاب
ثاقب)، أى: شعلة من النار تثقب الجو بضوتها فتهلكه وتحرقه ونثقبه وتمزقه .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وأنا لمسنا السماء فوجد ناها ملئت
جرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن
يجد له شهابا وصدا ،(١).
ومما يدل على أن استراقهم للسمع، واختطافهم للخطفة، إنما يكون فى
غير الوحى، قوله - تعالى - ((إنهم عن السمع لمعزولون،(٢).
وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال:« كانت للشياطين مقاعد فى
السماء فكانوا يستمعون الوحى، قال: ، وكانت النجوم لا تجرى، وكانت
الشياطين لا ترمى. قال: فإذا سمعوا الوحى نزلوا إلى الأرض، فزادوا فى
الكلمة تسعا. قال: فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل الشيطان
إذا قعد مقعده ، جاءه شهاب فلم يخطئه حتى بحرقه ... ،(٣).
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ المنتكرين
البعث والحساب ، وحكى جانبا من أقوالهم الباطلة حول هذه القضية ، ورد
عليهم ردا يزهق باطلهم ... فقال - تعالى - :
((فَأَسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقَاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَ، إِنَّا خَلَقْنَهُم مِنْ طِينٍ
لازِبٍ (١١) بَلْ مَحِيتَ ويسخرُونَ (١٢) وإذا ذُكَرُوا
لا يذكُرونَ (١٣) وإذا رَأَوْا آيةَ يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وقالُوا إِنْ هذَا
(١) سورة الجن الآيتان ٠٩،٨
(٢) سورة الشعراء الآية ٢١٢
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٥

٨٩
الجزء الثالث العشرون
إِلَّ سِحْرٌّ مبينٌ (١٥) أَئِذَا مِثْنَاَ وكُنَّا تراباً وعِظاماً أَئِنَّ مْتُوتُونَ (١٦)
أَوَآباؤُ نَ الأولونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ داخِرونَ (١٨) فإنما هى ذّجْرَةٌ
واحِدَةٌ فإذا هُمْ يِنُظُرونَ (١٩) وقالوا يَا وَيَنَاَ هذَا يومُ الدِّينِ (٢٠)
هذَا يومُ الفَصْلِ الذى كُنْتُم بِهِ تُكَّذِّبُونَ (٢١))).
والفاء فى قوله - تعالى -: ((فاستفتهم ... ) هى الفصيحة، والاستفتاء:
الاستخبار عن الشىء ومعرفة وجه الصواب فيه .
والمراد من الاستفهام فى الآية: توبيخ المشركين على إصرارهم على
شركهم وجهلهم، وتعجب العقلاء من أحوالهم .
واللازب: أى: الملتصق بعضه ببعض . يقال: لزب الشىء يلزب لزبا
ولزوبا، إذا تداخل بعضا فى بعض ، والتصق بعضه ببعض. والطين اللازب:
هو الذى يلزق باليد - مثلا - إذا ما التقت به. قال النابغة الذبيانى :
فلا تحسبون الخير لا شر بعده
ولا تحسبون الشر ضربة لازب
أى: ضربة ملازمة لا مفارقة لها .
والمعنى: إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - من أن
كل شىء فى هذا الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا، فاسأل هؤلاء المشركين
, أهم أشد خلقا، أى: أهم أقوى خلقة وأمتن بنية، وأضخم أجسادا ...
« أم من خلقنا، من ملائكة غلاظ شداد ، ومن سماوات طباقا، ومن أرض
ذات نجاج ...
لاشك أنهم لن يجدوا جوابا يردون به عليك، سوى قولهم: إن خلق
الملائكة والسموات والأرض ، أشد من خلفنا .
وقوله - تعالى - ((إنا خلقناهم من طين لازب، إشارة إلى المادة الأولى
الى خلقوا منها فى ضمن خلق أيهم آدم - عليه السلام -.
أى: إنا خلقنا من طين ملتصق بعضه ببعض، وبتداخل بعضه فى بعض.

٩٠
سورة الصافات
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث
الذى أنكره المشركون .
أما الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السموات والأرض
والملائكة .. أعظم وأكبر منهم ... ومن كان قادرا على خلق الأعظم
والأكبر كان من باب أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر .
وقد ذكر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -
((لخلق السموات والأرض أكبر من خلف الناس، ولكن أكثر الناس
لا يعدون )،(1) .
وأما الدليل الثاني فهو قوله - تعالى -: ((إنا خلقنائم من طين لازب))
وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب ، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى
بعد أن يصير واترابا وعظاما .
إذ من المعروف لدى كل عاقل أن الإعادة أيسر من الإبتداء . وقد قرر
- سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات منها قوله - تعالى -: «وهو الذى يبدؤ
الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى فى السموات والأرض،
وهو العزيز الحكيم، (٢).
ثم بين - سبحانه - أن حال هؤلاء المشركين تدعو إلى العجب فقال:
«(بل عجبت ويسخرون)).
قال الجمل: وقوله: ((بل عجبت)) إضراب إما عن مقدر دل عليه قوله:
(«فاستفتهم، أى: هم لا يقرون بل عجبت. وإما عن الأمر بالاستفتاء، أى:
لا تستفتهم فإنهم معاندون، بل أنظر إلى تفاوت حالك .... (٣).
(١) سورة غافر الآية ٥٧
(٢) سورة الروم الآية ٢٧ .
(٣) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٠٥٣٢

٩١
الجزء الثالث والعشرون
أى: بل عجبت - أيها الرسول الكريم - ومن حقك أن تعجب، من إنكار
هؤلاء الجاحدين لإمكانية البعث، مع هذه الأدلة الساطعة التى سقناها لهم على
أن البعث حق .
وجملة ((ويسخرون، حالية، أى: والحال أنهم يسخرون من تعجبك من
إنكارك عليهم ذلك، ومن إيمانك العميق بهذه الحقيقة، حتى إنك لترددهاءلى
مسامعهم صباح مساء.
قال الألوسى: ((وقرأ حمزة والكسائى: ((بل عجبت)) - بضم التاء ....
وأولت هذه القراءة بأن ذلك من باب الفرض، أى: لو كان العجب مما يجوز
على لعجبت من هذه الحال ...
ثم قال : والذى يقتضيه كلام السلف أن العجب فينا انفعال يحصل
للنفس عند الجهل للسبب ، ولذا قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب ، وهو فى
الله - تعالى - بمعنى بليق لذاته - تعالى -، وهو - سبحانه - أعلم به، فلا يعيدون
معناه .. ،(١).
وقوله - تعالى -: ((وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأى آية يستسخرون)»
بيان لشدة تماديهم فى الباطل ، وإصرارهم عليه.
أى : أن هؤلاء القوم من دأبهم ومن صفاتهم الملازمة لهم ، أنهم إذا
وعظوا بما ينفعهم لا يتعظون، وإذا رأوا آية واضحة فى دلالتها على الحق
( يسخرون)) أى: يبالغون فى السخرية وفى الاستهزاء بها؛ يقال: إستسخر
القوم من الشىء، إذا استدعى بعضهم بعضا للاستهزاء به.
ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بالسخرية، بل قالوا أقوالا تدل على
جحودهم وجهلهم، فقال - تعالى -: «وقالوا إن هذا إلا سحر مبين)).
أى: وقالوا - على سبيل الجحود والعناد - ما هذا الذى أمانا به محمد
... (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٠.٣٣

٩٢
سورة الصافات
- صلى الله عليه وسلم - إلا سحر واضح بين، ولا يشك أحد منا فى
كونه كذلك .
, أندا متنا وكنا ترابا وعظاما أثنا لمبعوثون. أو آباؤنا الأولون)).
أى: أنهم لم يكتفوا بقولهم: إن ماجاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -
سحر واضح، بل أضافوا إلى ذلك على سبيل المبالغة فى الإنكار لما چا.هم به
قولهم : أثذا متنا وانتهت حياتنا ووضعنا فى قبورنا، وصرنا ترابا وعظاما،
أثنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا الأولون الذين
صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعوثون أيضاً ؟
ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على انطماس بصائرهم ، وعلى شدة
غفلتهم عن آثار قدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شئ . . والتى من آثارما
إيجادهم من العدم ...
ولذا لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يخرس
ألسنتهم فقال: ((قل نعم وأتم داخرون)).
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - ستبعثون أنتم وآباؤكم الأقدمون،
وأنتم جميعا (((داخرون)) أى: صاغرون مستسلمون، لا يستطيعون التأخر
أو التردد ... يقال: دخر الشخص يدخر - بفتح الخاء - دخورا، إذ أذل
وصغر ومان.
٧٠
ثم بين - سبحانه - أن بعثهم من قبورهم إنما يقع بصيحة واحدة فقال :
(( فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم ينظرون)).
والزجرة واحدة من الزجر. يقال: زجر الراعى غنمه إذا صاح عليها،
ومنعها من شىء معين. والضمير راجع إلى البعثه المدلول عليها بسياق الكلام.
والفاء : هى الفصيحة .
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا، فإنما بعثهم من مرقدم يكون بصيحة

١
الجزء الثالث والعشرون
٩٣
واحدة يصيحها إسرافيل فيهم بأمرنا ، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون إلى
ما حولهم فى ذهول ، وينتظرون فى استسلام وذلة حكم الله - تعالى - فيهم.
والمراد بهذه الزجرة النفخة الثانية التى يقوم بها إسرافيل بأمر الله - تعالى-
كما قال - تعالى -: «وففخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض
إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا تم قيام ينظرون »(١).
والتعبير عن الصيحة بالزجرة، للدلالة على شدتها وعنفها على هؤلاء المشركين،
وأنها قد أنتهم من لا يستطيعون معصية أمره.
ثم بين - سبحانه - أخر الهم بعد هذه الزجرة فقال: ، وقالوا يا ويلنا ،
أى: وقالوا بعد أن خرجوا من قبورهم فى ذهول: «ياويلنا، أى: ياهلا كنا
أحضر فهذا أوان حضورك.
وقوله : «هذا يوم الدين، يصح أن يكون من كلام بعضهم مع بعض بعد
أن رأوا أن ماكانوا بشكرونه، قد أصبح حقيقة واقعة أمام أعينهم.
أى: قال بعضهم البعض فى ذعر وفزع: يا ويلنا هذا يوم الجزاء على
الأعمال، الذى كنا نذكره فى الدنيا، قد أصبح حقيقة ماثلة أمام أعيننا.
ويصح أن يكون هو وما بعده، وهو قوله - تعالى -: ((هذا يوم الفضل
الذى كنتم به تكذبون ، من كلام الملائكة على سبيل التأنيب لهم .
أى : تقول لهم الملائكة : أطلبوا ماشئتم من الويل والهلاك، فهذا اليوم
هو يوم الجزاء على الأعمال، وهر يوم الفصل والقضاء الذى كنتم تكذبون
به فى الدنيا، واستهزئون من يأمركم بحسن الاستعداد له، وينذركم بسوء المصير
إذا ما سرتم فى طريق الكفر به، والإنكار له .
ثم بين - سبحانه - حكمه العادل فيهم، وصور أحوالهم البائسة تصويرا
(١) سورة الزمن آية ٠٦٨

٩٤
سورة الصافات
تقشعر من هوله الجلود، وحكى جانبا من حسراتهم خلال تساؤلهم فيما بينهم
فقال - تعالى -:
(«احْتُرُوا الذينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهم وما كانوا يَعبدُونَ (٢٢) مِنْ
دُونِ الهِ فاهْدُومُ إلى صراطِالْجَحِيمِ (٢٣) وقِفُومُ إِنَّهُم مَسْئولونَ (٢٤)
مالكُمْ لا تَنَصَّرُونَ (٢٥) بَلْ هُم اليومَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وأقبلّ
بَعْضُهم عَلَى بَعضٍ يَتَسَاءلُونَ (٢٧) قالوا إنكُم كُنْتُمْ تَأْتُونَنَآَ مَن
المِينِ (٢٨) قالوا ◌َلْ لم تكُونوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وما كانَ لَنَا عَلَيْكُمْ منْ
سُلطانٍ بَلْ كُنتُم قوماً طَغِينَ (٣٠) فَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيِّنَ إِنَّا لذاتِقَوزَ (٣١)
فَأَغْوَيْنَ كُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهم يومئِذٍ فى العذاب مُشتركُونَ (٣٣)
إِذَّا كذلكَ نَفعَلُ بالمجرمِين (٣٤) إِنْهم كانوا إذَا قِيلَّ لَهُمْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ
يَنْتَكْبِرُونَ (٣٥) ويَقُولُون ◌َنِيّالنَارِكُوا آلِنَا لِشَاعِرٍ تَجْنُونٍ (٣٦)
بَلْ جَاءَ بالْحَقِّ وصدَّقَ الُرْسَلِنَ (٣٧) إنكُمْ لذائِقُوا العَذابِ
الأليم (٣٨) وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ أَعْمَلُونَ (٣٩)).
وقوله - تعالى -: ((احشروا)) من الحشر بمعنى الجمع مع السوق . يقال:
حشر القائد جنده حشرا - من باب قتل - إذا جمعهم. والمحشر: المكان الذى
يجتمع فيه الخلائى.
والمراد بالذين ظلموا: المشركون الذين أشركوا مع الله - تعالى -آلهة
أخرى فى العبادة. ومن الآيات التى وردت وأطلق فيها الظالم على الشرك
والكفر، قوله - تعالى -: ((إن الشرك لظلم عظيم)، وقوله - سبحانه -:
(((والكافرون هم الظالمون).

٩٠
الجزء الثالث والعشرون
وقد ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - فسر الظلم
بالشرك فى قوله - تعالى -: ، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم
الأمن وهم مهتدون ، .
والمراد (, بأزواجهم)): أشباههم، ونظراؤهم. وأمثالهم فى الشرك والكفر،
وهذا التفسير مأثور عن عدد من الصحابة والتابعين ، منهم: عمر بن الخطاب
والنعمان بن بشير ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وجاهد ،
وأبو العالية ...
وقيل المراد (( بأزواجهم)): قرناؤهم من الشياطين، بأن يحشر كل كافر
مع شيطانه ..
وقيل المراد بهم: نساؤهم اللائى كن على دينهم ، بأن كن مشركات فى الدنيا
كأزواجهن، ويبدو لنا أن جميع من ذكروا محشور - والعياذ بالله - إلى جهنم،
إلا أن تفسير الأزواج هنا: بالأشباه والنظائر والأصناف أولى ، خصوصا
وأن إطلاق الأزواج على الأصناف والأشباه جاء كثيرا فى القرآن الكريم،
ومن ذلك قوله - تعالى -: ((سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنيت
الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعدون)).
والمراد بما كانوا يعبدونه: الآلهة الباطلة التى كانوا فى الدنيا يعبدونها
من دون الله ، كالأصنام والأونان .
والأمر من الله - تعالى - للملائكة فى هذا اليوم الشديد، وهو يوم القيامة.
أى: احشروا واجمعوا الذين كانوا مشركين فى الدنيا، وأجمعوا معم م
كل من كان على شاكلتم فى الكفر والضلال، ثم اجمعوا معهم - أيضا -
آلهتهم الباطلة التى عبدوها من دون الله - تعالى - ثم ألقوا بهم جميعا فى جهنم،
ليذوقوا سعيرها وحرها .

٩٦
سورة الصافات
وفى حشر الآلهة الباطلة مع عابديها، زيادة تحسير وتخجيل لهؤلاء العابدين،
لأنهم رأوا بأعينهم بطلان وفسر أن ما كانوا يفعلونه فى الدنيا .
والضمير فى قوله: «فاهدوهم إلى صراط الجحيم، يعود إلى المشركين
وأشباههم وآلهتهم. وقوله: ((فاهدوهم)) من الهداية بمعنى الدلالة على الشىء
والإرشاد إليه .
أى : احشروهم جميعا جهنم، وعرفوهم طريقها إن كانوا لا يعرفونه،
وآروم إياه إن كانوا لا يرونه .
والتعبير بالهداية والصراط فيه مافيه من التهكم بهم، والتأنيب لهم، فكأنه
- سبحانه - يقول: بما أنهم لم يهتدوا فى الدنيا إلى الخير وإلى الحق، وإلى
الصراط المستقيم، فليهتدوا فى الآخرة إلى صراط الجحيم.
وقوله - سبحانه -: ((وقفوهم إنهم مسؤولون)، زيادة فى توبيخهم وإذلالهم:
والموقف هنا : بمعنى الحبس .
قال القرطبى: « يقال: وقفت الدابة أففهاوقفا فوقفت هى وقوفا .. أى:
احبسوهم . وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم، وفيه تقديم وتأخير ، أى:
قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار ... ، (١) أى: واحبسوهم فى موقف
الحساب ، لأنهم مسئولون عما كانوا يقترفونه فى الدنيا من عقائد زائفة ،
وأفعال منكرة، وأقوال باطلة .
ولا تعارض بين هذه الآية وأمثالها من الآيات التى صرحت بأن المجرمين
يسألون يوم القيامة، وبين آيات أخرى صرحت بأنهم يسألون كمافى قوله - تعالى -:
((فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولاجان» .
أقول لا تعارض بين هذه الآيات، لأن فى يوم القيامة مواقف متعددة ،
(١) تفسير القرطي = ١٥ ص ٠٧٤

٩٧
الجزء الثالث والعشرون
فقد يسألون فى موقف ولا يسألون فى آخر .. أو أن السؤال المثبت هو سؤال
التوبيخ والتقريع والسؤال المنفى هو سؤال الاستعلام والاستخبار ...
وقوله - تعالى : ((ما الكم لا تناصرون، تقريع آخر لهم، أى: ما الذى
جعلكم فى هذا اليوم عاجزين عن التناصر فيما بينكم - أيها الكافرون -، مع
أنكم فى الدنيا كنتم تزعمون أنكم جميع منتصر ؟
ثم أضرب - سبحانه - عما تقدم إلى بيان حالهم يوم القيامة فقال:
(« بل هم اليوم مستسلمون)).
والاستسلام : أصله طلب السلامة. والمراد به هنا : الانقياد التام ،
والخضوع المطلق. يقال: استسلم العدو لمدوه، إذا انقاد له وخضع
لأمره.
أى: ليسوا فى هذا اليوم بقادرين على التناصر ، بل هم اليوم خاضعون
ومستسلمون، لعجزهم عن أى حيلة تنقذهم ما هم فيه من بلاء.
ثم يحكى - سبحانه - ما يدور بينهم من مجالادلات يوم القيامة فيقول :
((وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)).
ويبدو أن التساؤل والتجادل هنا. يكون بين الأتباع والمتبوعين، أو بين
العامة والزعماء.
كما فدل عليه آيات منها قوله - تعالى -: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند
ربهم، يرجع بعضهم إلى بعض القول، يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا،
لو لا أنتم لكنا مؤمنين)) (١).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله الضعفاء للزعماء فقال: «قالوا إنكم كنتم تأتوننا
عن اليمين ، وللمفسرين فى تأويل معنى اليمين هذا اتجاهات منها:
(١) سورة سبأ آية ٢١.
(٧ - سورة الصافات)

٩٨
سورة الصافات
F
أن المراد باليمين هنا: الجهة التى هى جهة الخير والين: أى: قال للضعفاء
للرؤساء: إنكم كنتم فى الدنيا توحموفنا وتخدعوننا بالبقاء على ما نحن عليه من
عبادة الأصنام والأوثان، لأن بقاءنا على ذلك فيه الخير واليمن والسلامة ..
فأين مصداق ماقلتموه لنا وقد نزل بنا مانزل من أهوال وآلام؟
فالمقصود بالآية الكريمة بيان ما يقوله الأتباع للمتبوعين على سبيل
الحسرة والندامة ، لأنهم خدعوا بوسوستهم ، وأصيبوا بالخيرة بسبب
إتباعهم لهم.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: المين لما كانت أشرف
العضوين وأمتنهما ، وكانوا يقيمنون بها، يصالخون، بماسحون، ويناولون،
ويتناولون ، ويزالون أكثر الأمور ..
لما كانت كذلك أستعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل: أناه عن اليمين،
أى من الخير وناحيته ... ،(١) .
سنــ
-٠
ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا: اليمين الشرعية التى هى القسم . وعن
بمعنى الباء .
أى: قالوا لهم: إنكم كنتم فى الدنيا تأتوننا بالإيمان المغلظة على أننا
وأنتم على الحق فصدقنا كم واتبعناكم، فأين نحن وأنتم الآن من هذه
الإيمان المغلظة؟ لقد ظهر كذبها وبطلانها، وأنتم اليوم مسؤولون عما نحن فيه
من كرب .
ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا: القوة والغلبة. أى: أنكم كنتم
فى الدنيا تجبروبنا وتقسروننا على اتباعكم لأننا كنا ضعفاء وكنتم
أقويا . ...
(١) تقسم الكشاف.

19
الجزء الثالث والعشرون
والذى نراه أن الآية الكريمة تسع كل هذه الأقوال، لأن الرؤساء
أو هموا الضعفاء بأنهم على الحق ، وأقسموا لهم على ذلك ، وهددوهم بالقتل
أو الطرد إن هم اتبعوا ماجاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ومقصود الضعفاء من هذا القول ، إلقاء المسئولية كاملة على الرؤساء،
توهما منهم أن هذا الإلقاء سيخفف عنهم شيئاً من العذاب.
ثم يحكى القرآن بعد ذلك : أن الرؤساء قد ردوا عليهم بخمسة أجوبة :
أولها:« قالوا بل لم تكونوا مؤمنين، أى: قال الرؤساء الأتباع: نحن
لم تتسبب فى كفركم فى الدنيا . بل أنتم الذين أبيتم الإيمان باختياركم، وآ ثرتم
عليه الكفر باختباركم - أيضا -. فكفركم نابع من ذواتكم، وليس من شىء
خارج عنكم، ولم يدخل الإيمان قلوبكم فى وقت من الأوقات .
فالجملة الكريمة إضراب إبطالى من المتبوعين ، عما ادعاه التابعون .
وثانيها: يتجل فى قوله - تعالى -: ((وما كان لنا عليكم من سلطان، أى:
وما كان لنا عليكم من قوة أو غلبة تجبركم على البقاء فى الكفر والضلال ،
ولكنكم أنتم الذين رضيتم بالكفر عن اختيار واقتناع منكم به .
وثالثها: قوله - تعالى -: ((بل كنتم قوما طاغين، أى: نحن لم يكن لنا
عليكم سلطان، بل أنتم الذين كنتم فى الدنيا قوما طاعنين وضالين مثلنا ..
والطنیان مجاوزة الحد فى كل شىء.
ورابعها: نراه فى قوله - سبحانه -: « حق علينا قول ربنا إنا لذاثقون))
والفاء للتفريع على ما تقدم . من كون الرؤساء لم يجبروا الضعفاء على البقاء
فى الكفر.
أى: نحن وأنتم لم تكونوا مؤمنين أصلا، فكانت نقيجتنا جميعا، أن
استحققنا العذاب، وأن لزمنا ماتوعدنا به خالقنا من ذوق العذاب ، جزاء
کفر نا وشر کنا به - تعالى -.

١٠٠
سورة الصافات
وخامس هذه الأجوبة : بینه - سبحانه - فى قوله - حكاية عنهم - :
((((أنمويناكم إذا كنا غاون)).
أى: فدعوناكم للغواية والضلالة دعوة غير ملجئة، فاستجبتم لنا باختياركم
الغى على الرشد (( إنا كنا غاوين)، مثلكم، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم، فنحن
ما أخبرناكم على اتباعنا ولكن أنتم الذين اتبعتمونا باختباركم.
وهكذا رد الرؤساء على الضعفاء فيما اتهموهم به من أنهم السبب فيما حل
بهم من عذاب أليم يوم القيامة .
وهنا يبين - سبحانه - حكمه لعادل فى الجميع، فى الرؤساء والأتباع فيقول
((فإنهم بومئذ فى العذاب مشتركون)).
أى : كما كانوا متشاركين فى الدنيا فى الغواية والضلالة، فإنهم فى الآخرة
مشتركون جميعا فى حلول العذاب بهم ، وذوقهم لآلامه وسعيره .
فالضمير فى قوله ((فإنهم)) يعود للتابعين والمتبوعين ، لأنهم جميعا
مستحقون للعذاب .
ثم بين - سبحانه - الأسباب متى أدت بالكافرين جميعا إلى هذا المصير
السىء فقال: (( إذا كذلك نفعل بالمجرمين)) أى: مثل هذا العذاب الأليم نفعل
بالمجرمين ، لأفهم أشركوا معنا غيرنا فى العبادة، ((وآذوا رسلنا الذين جاءوا
لهدايتهم وإرشادهم .
((إنهم كانوا)) فى الدنيا ((إذا قيل لهم، على سبيل النصيحة والدعوة إلى
الحق (( لا إله إلا الله يستكبرون)) عن قبول هذه النصيحة، ويعرّضون
عنها، ويصرون على كفرهم وجحودهم للحق، ويستكبرون عن النطق بكلمة
الإيمان ...
(((ويقولون، لمن نصحهم: (( أثنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون)).
أى: ويقولون باستهزاء وغرور لمن دعاهم إلى الإيمان وإلى قول لا إله