النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الجزء الثالث والعشرون
وقوله - سبحانه -: «ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد
علم شيئاً ، (١) .
٠
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا
استمروا فى كفرهم، وبينت جانبا من فضل الله - تعالى - عليهم، لعلهم
يفيئون إلى رشدهم ، ويشكرونه على نعمه .
ثم زد - سبحانه - على الكافرين الذين وصفوا النبى - صلى الله عليه وسلم-
بأنه شاعر، كما قالوا عن القرآن أنه شعر، فقال - تعالى -:
((وما عَلَمْتَ، الشعر، وما يَنْبغى له، إنْ هُوَ إلا ذَكْرٌ وقرآن
مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا، ويَحِقّ القَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)).
أى: وما علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشعر، وإنما الذى علمناه
إياه هو القرآن الكريم، المشتمل على ما يسعد الناس فى دنياهم وفى آخرتهم.
فالمقصود من هذه الجملة المكريمة. ففى أن يكون القرآن شعرا بأبلغ وجه،
لأن الذى علمه الله - تعالى - لنبيه هو القرآن وليس الشعر، وما دام الأمر
کذلك فالقرآن ايس شعرا .
وقوله - تعالى -: «وما ينبغى له، أى: ماعلمناه الشعر وإنما علمناه القرآن
فقد اقتضت حكمتنا أن لانجعل الشعر فى طبعه - صلى الله عليه وسلم - ولا فى
سليقته، حتى لو حاوله - على سبيل الفرض - فإنه لا يتأنى له، ولا يسهل عليه
ولا يستقيم مع فطرقة - صلى الله عليه وسلم -.
والضمير فى قوله - تعالى -: ((إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)) يعود إلى
القرآن الكريم :
أى: ما هذا القرآن الكريم إلا ذكر من الأذكار النافعة. والمواعظ الناجعة
والتوجيهات الحكيمة، وهو فى الوقت نفسه ((قرآن مبين)) أى: كتاب مقروء
من الكتب السماوية الواضحة ، التى لا تختاط ولا تلتبس بكلام البشر.
(١) سورة النحل الآية ٧٠

٦٢
سورة يس
وقد أنزلناه علی الرسول الکریم «لینذر ، به « من کان حیا» .
أى: من كان مؤمنا عاملا ذا قلب حى، ونفس نقية، وأذن واعية،
لأن من كانت هذه صفاته انتفع بالإنذار والتذكير .
((ويحق القول على الكافرين)) أى: أن من كان ذا قلب فإنه ينتفع
بالإنذار ، أما من كان مصرا على كفره وضلاله ، فإن كلبة العذاب قد حقت
عليه ، وعارت نها يته الإلقاء به فى جهنم وبئس القرار .
وقد تكلم المفسرون هنا كلاماً مفصلا . من كون القرآن ليس شعرا،
وكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس شاعر!، وعلى رأسهم صاحب
الكشاف فقد قال ما ملخصه: «كانوا يقولون لرسول الله - صلى عيله وسلم-
إنه شاعر، فرد الله عليهم بقوله: ((وما علمناه الشعر)) أى: أن القرآن ليس
بشعر، وأين هو من الشعر، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على
معنى، فأين الوزن ؟ وأين التقفية ؟
وأين المعانى التى ينتحيها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم من
نظمه وأساليبه ...
(((وما ينبغى له، أى. وما يصح له، ولا يتطلبه إن طلبه، أى جعلناه
بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل ، كما جعلناه أميا .. لتكون
الحجة أثبت ، والشبهة أدحض ...
فإن قلت : فقوله :
أنا النى لا كذب أنا ابن عبد المطلب
قلت: ماهو إلا كلام من جنس كلامه - صلى الله عليه وسلم - الذى كان
يرمى به على السليقة. من غير صفعة ولا تكلف. إلا أنه اتفق ذلك من
غير قصد إلى ذلك، ولا التفات منه إليه إن جا.موزونا، كما يتفق فى كثير من

م٦
الجزء الثالث والعشرون
إنشاءات الناس فى خطبهم ورسائلهم، أشياء موزونة، ولا يسميها أحد
شعرا، ولا يخطر ببال السامع ولا المتكلم أنها شعر ...... (١).
ثم ذكر - سبحانه - المشركين ببعض النعم التى أسبغها عليهم، والتى
يرونها بأعينهم، ويعلمونها بعقولهم، وسعلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما
لقيه منهم ، فقال - تعالى - :
(( أَوَلَمْ يَرَوْا أنا خَلَقْناَ لَهُمْ يِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَ أَنَْمَ هُمْ لها
مالِكُونَ (٧١) وذلّنَهَاَ لَهُم، فَيْهَاَ رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَاَ يَأْ كُلُونَ (٧٢)
ولَهُمْ فيها منافِعُ ومَشَرِبُ أفْلاَ يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ
دُونِ الهِ آلِهَةَ الَلَّهُمْ يَنصَرَونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيُونَ نَصْرُ وهُمْ
لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فلا يحزُنْكَ قَوْلُهِمْ إذَا تَعلَمُ مَا يُسِرُونَ
وما يُعْلِنُونَ (٧٦) ».
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا
أفعاما ... ، للإنكار والتعجب من أحوال هؤلاء المشركين، والواو العطف
على مقدر يقتضيه المقام .
والأنعام: جمع نعم: وهى الإبل والبقر والغنم .
والمعنى: أعمى هؤلاء المشركون عن مظاهر قدرتنا ، ولم يروا بأعينهم،
ولم يعلموا بعقولهم. أنا خلقنا لهم مما عملته أيدينا، وصفعته قدرتنا. أنعاما
كثيرة هم لها مالكون يتصرفون فيها تصرف المالك فى ملكه .
وأسند - سبحانه - العمل إلى الأيدى، للاشارة إلى أن خلق هذه الأنعام
كان بقدرته - تعالى - وحده دون أن يشاركه فى ذلك مشارك ، أو يعاونه
(١) راجع تفسير الكشاف ج٤ ص ٢٩. وراجع تفسير الآلوسي ج٢٢ ص ٠٤٧

٦٤
سورة يس
معاون . كما يقول القائل: هذا الشىء فعلته بيدى وخدمى، للدلالة على
تفرده بفعله :
والتعبير بقوله - تعالى -: ((لهم)) للاشعار بأن خلق هذه الأنعام إنما
حدث لمنفعتهم ومصلحتهم .
و((ما)، فى قوله «مما عملت، موصولة، والعائد محذوف. أى
عملته أيدينا .
وقوله: (( فهم لها مالكون، بيان لإحدى المنافع المترتبة على خلق هذه
الأنعام لهم .
أما المنافع الأخرى فقد جاءت بعد ذلك فى قوله: («وذللناها لهم . ..
أى: وجعلنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم، بحيث أصبحت فى أيديهم
سهلة القيادة، مطواعة لما يربدونه منها، يقودونها فتنقاد للصغير والكبير.
كما قال القائل :
فلم يستغن بالعظم البعير
لقد عظم البعير بغير لب
ويحبسه على الخسف الجرير(١)
يصرفه الصبى بكل وجه
فلا غير لديه ولا نكير (٢)
وتضربه الوليدة بالهراوى
ففى هذه الجملة الكريمة تذكير لهم بنعمة تسخير الأنعام لهم ، ولو شاء
- سبحانه - لجعلها وحشية بحيث ينفرون منها.
والفاء فى قوله: ((فمنهاركوبهم ومنها يأكلون)) تفريع على ما تقدم وركوب
بمعنى مركوب .
أى: وصيرنا هذه الأنعام مذالة ومسخرة لهم ، فمنها ما يستعملونه فى
(١) الجرير : الحبل الذى يربط به البعير.
(٢) فلا غير أه ولا نسكير: أى فلا غيرة فيه ولا إنكار منه لما ينزل به
من خف .

٦٥
الجزء الثالث والعشرون
وكوبهم والانتقال عليها من مكان إلى آخر، ومنها ما يستعملونه فى مآ كلهم
عن طريق ذبحه .
وفضلا عن كل ذلك،، فإنهم ((لهم، فى تلك الأنعام ((منافع) أخرى غير
الركوب وغير الأكل كالانتفاع بها فى الحراثة وفى نقل الأثقال ... ولهم
فيها - أيضاً - (( مشارب ، حیث یشربون من ألبانها .
والاستفهام فى قوله: «أفلا يشكرون، للتحفيض على الشكر. أى: فهلا
يشكرون الله - تعالى - على هذه النعم ، ويخلصون له العبادة والطاعة.
ثم بين - سبحانه - موقفهم الجهودى من هذه النعم فقال: ((واتخذوا من
دون الله آلهة المتهم ينصرون)).
أى : إن هؤلاء الكافرين لم يقابلوا نعمنا عليهم بالشكر، وإنما قابلوها
بالجحود والبطر، فقد تركوا عبادتنا، واتخذوا من دوننا آلهة أخرى لا تنفع
ولا تضر ، متوهمين أنها تنصرم عند ما يطلبون نصرها. وراجين أن تدفع
عنهم ضرا عند التماس ذلك منها.
وقوله - تعالى -: «لا يستطيعون نصرهم .. ، دفع لما توهموه من نصرم
وثفى لما وقعوه من نفعهم.
أى: هذه الآلهة المزعومة ، لا يستطيعون نصر هؤلاء الكافرين . لأنهم
أعجز من أن ينصروا أنفسهم، فضلا عن نصرهم لغيرهم.
( وقال - سبحانه -: ((لا يستطيعون)) بالواو والنون على طريقة جمع العقلاء
بناء على زعم المشركين أن هذه الأصنام تنفع أو تضر أو تعقل.
والضمير ((هم)) فى قوله - تعالى -: ( وم لهم جند محضرون، يعود إلى "
المشركين ، والضمير فى قوله ((لهم) يعود إلى الآلهة المزعومة.
أى: وهؤلاء الكفار - لجهالتهم وانطماس بصائرهم - قد صاروا فى الدنيا
(٥ - سورة يس )

٦٦
سورة يس
بمنزلة الجند الذين أعدوا أنفسهم لخدمة هذه الآلهة والدفاع عنها. والحضور
عندها لخدمتها ، ورعايتها وحفظها.
ويرى بعضهم أن الضمير («هم، الآلهة، والضمير فى ((هم)) للمشركين،
مكس القول الأول، فيكون المعنى: وهؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر المشركين
وهم - أى الآلهة - ((لهم)) أى: المشركين، ((جند محضرون، أى: جند
محضرون معهم إلى النار، ليلقوا فيها كما باقى الذين عبدوم، كما قال - تعالى -
((يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليهم نارا وقودها الناس والحجارة)).
والفاء فى قوله - تعالى -: ((فلا يحزنك قولهم) للإفصاح. أى: إذا كان
حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من الجهالة والغفلة،
فأعرض عنهم، ولا تحزن عليهم، ولا تبال بأقوالهم .
وقوله - سبحانه -: ((إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون)) تعليل للنهى عن
الحزن بسبب أقوالهم . أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوالهم
" .. ، فإنا تعلم علماً قاما مايرونه من حقد عليك وما يعلنونه من أعمال قبيحة،
• عاقبهم على كل ذلك العقاب الذى يستحقونه.
منية الكريمه تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما كان يلقاه من.
هؤلاء المشركين .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بإقامة الأدلة الساطعة على أن البعث
حق، وعلى أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شىء، فقال - تعالى -:
((أَوَلَمْ يَرَ الإنسانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِنْ نُطفةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ
مبينٌ (٧٧) وضرب لنا مثلاً وَسِيَ خَلْقَه قالَ مَنْ يُحِ العِظَمَ وَهِىَّ
رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحِيهاَ الذى أَنشَأْهَا أَوَّلَ مرةٍ وَهُوّ بِكُلِّ خَلْقٍ
عليمٍ (٧٩) الذى جعلَ لكُم منّ الشَّجَر الأخضَرِ نَاراً، فإذَا أنْتُم مِنْهُ
٦

٦٧
الجزء الثالث والعشرون
تُوقِدُونَ (٨٠) أو لبسَ الذى خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ بقادِرِ عَلَى أَنْ
يُخْلُقَ مِثْلَهُمْ، بَى وهُوَ الْلّقُ العليمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُ، إِذَا أَرادَ شيئاً
أنْ يقولَ لهُ كُنْ فِيكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الذى بِيَدِهِ ملَكُوتُ كلِّ
شىء وإليهِ تُرْجَعُونَ (٨٣))).
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات، أن أبي بن خلف جاء إلى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وفى يده عظم رسم، وهو يفتنه ويذريه فى الهواء
ويقول يامحمد، أنزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: نعم،
يمينك الله - تعالى -، ثم يبعنك، ثم يحشرك إلى النار. ونزات هذه الآيات
إلى آخر السورة ،.
والمراد بالإنسان: جنسه. ويدخل فيه المفكرون للبعث دخولا أولا).
وأصل النطفة: الماء القليل الذي يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها قطف
ونطاق، يقال : نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة .
والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة .
والخصيم : الشديد الخصام والجدال لغيره والمراد به هنا : الكافر
والمجادل بالباطل .
والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا ، من
؛ ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة . وأن من أوجده
من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت .
لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده ، بادر
بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل، وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع عنه.
يأصل خلقته .
قال الآلوسي ما ملخصه: وقوله - تعالى -: « أو لم ير الإنسان أنا خلق:".

٦٨
سورة إس
من نطفة، كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ماشاهدوا
فى أنفسهم ما يوجب التصديق به .. والهمزة الإنكار والتعجب من أحوالهـ
وإبراد الإنسان مورد الضمير، لأن مدار الإنكار متعلق بأحوله من حيث
هو إنسان. والمراد بالإنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر
للبعث مطلقا .
وقوله:، فإذا هو خصيم مبين، عطف على الجملة المنفية ، داخل فى حيز
الإنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم يرانا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها،
فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة ... (١).
وقوله - تعالى -: ((وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحى العظام.
وهي رميم ، معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإنكار .
أى: أن هذا الإنسان الجاهل المجادل بالباطل ، لم يكتف بذلك ، بل
ضرب انا مثلا هو فى غاية الغرابة ، حيث أفكر قدرتنا على إحياء الموتى ،
وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال : - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - . من حي
العظام وهي رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرصم بزنة فعيل بمعنى فاعل.
من رم اللازم بمعنى بلى أو بمعنى مفعول. من رم المتعدى بمعنى أبلى. يقال:
رمه إذا أبلاه ، فيستوى فيه المذكر والمؤنث .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: لم سمى قوله: (( من يحيى العظام وهى
رميم )) مثلا ؟
قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل ، وهی إنكار قدرة الله
- تعالى - على إحياء الموتى ... مع أن ما أذكر من قبيل مايوصف الله
- تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى.))(٢).
(١) تفسير الآلوسى = ٢٣ ص ٥٣
(٢) تفسير الكشاف = ٤ ص ٣٠

٦٩
الجزء الثالث والعشرون
ثم لقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى
يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال : « قل يحيها الذى أنشأها أول مرة وهو
بكل خلق عليم، .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإعادة
الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحى هذه الأجساد البالية، الله - تعالى - الذى
أوجدها من العدم دون أن تكون شيئا مذكورا، ومن قدر على إيجاد الشىء
من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه ، وهو - سبحانه - بكل
شی.فى هذا الوجود علیم علما تاما، لايخنیعلیه شىء فى الأرض ولا فى السماء
سواء أكان هذا التى صغيرا أم كبيرا، مجموعا أم مفرقا .
قال الشوكانى: وقد إستدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآ ية
على أن العظام ما تحمله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسه ـ.
وقال الشافعى: لاتحله الحياة، وأن المراد بقوله: ((من يحى العظم))
من يحيى أصحاب العظام، على تقدير مضاف محذوف ، ورد بأن هذا التقدير
خلاف الظاهر،(١) .
وقوله - تعالى -: «الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، فإذا أنتم
منه توقدون» دليل آخر على إمكانية البعث. وهو بدل من قوله - تعالى -
قبل ذلك : «الذى أنشأها أول مرة ٠٠٠).
والمراد بالشجر الأخضر : الشجر الندى الرطب، كشجر المرخ والعفار
وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر، إتقدت منهما شرارة خارج
بقدرة الله - تعالى -.
قال ابن كثير: المراد بذلك سرح - أى؛ شجر - المرخ والعفار. يفيت
.(١) تفسير فتح القدير. ج ٤ ص٣٨٣

٧٠
سورة يس
بأرض الحجاز ، فيأتى من أراد قدح فار وليس معه زناد ، فيأخذ منه عودين
أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، تنتولد النار من بينهما، كالزناد سواء
بسواء .
روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: لكل شجر
فار، وإستمجد المرخ والعفار»(١).
أى: لسكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار:
المرخ والعفار ، فهو مثل بضرب فى تفضيل بعض الشىء على بعض.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المنكرين البعث: يحمى الأجساد
البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم ـ بفضله ورحمته
وقدر ته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر
أوقدون النار، وتفتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم .
وإذا فمن قدر على أحداث النار من الشجر الأخضر - مع مافيه من المائية
المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.
ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخا آخر، فقال:
■ أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم».
والاستفهام - كسابقة - للإنكار والتعجب من جهالاتهم، والواو العطف
على مقدر يقتضيه المقام، والضمير فى ((مثلهم)) يعود إلى المنكرين للبعث.
والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية
العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل،
ضعيف القوة .
وجملة: (( بلى وهو الخلاق العليم) جواب من جهته - تعالى- وتصريح بما
أفاده الاستفهام الإنكارى، من تقرير مابعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه-
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٨١

٧١
الجزء الثالث والعشرون
على الخلق والإعادة. لأن «بلى، حرف جواب، يؤتى به لإثبات فعل ورد
قبله منفيا .
أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم
الحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - ((الخلاق)) أى: الكثير المخلوقات
((العليم، أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شيء.
ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شىء فقال: «إنما أمره إذا أراد
شيئا أن يقول له كن فيكون)).
أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشىء، أنه إذا أراد إحداثه، أن
يقول له كن، أى: كن موجودا فيكون، أى: فهذا الشىء يكون ويوجد
فى الحال ... قال الشاعر :
إذا ما أراد الله أمرا فإنما
يقول له « کن، قولهفیکون
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص،
فقال (( فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون)).
أى: فتزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شىء ملكا تاما، والذى إليه
المرجع والمآب ، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.
فهو - سبحانه - لا يعجزه شيء، ولا يخفى على علمه شىء، ولا يحول دون
قدرته شىء « ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)).
وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة (يس، نسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصا لوجهه ، وقافعا لعباده.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
. كتبه الراجي عفو ربه
وصحبه وسلم.
محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر: صباح الثلاثاء ٥ من ذى القعدة سنة ١٤٠٥ هـ
الموافق ١٩٨٠/٧/٢٣م

فهرس إجمالی لتفسیر «سورة یس)»
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصفحة
المقدمة
٣
يس ٠٠٠
١
واضرب لهم مثلا ...
١٣
١٩
١٠
وجاء من أقصى المدينة ...
٢٠
٢٤
وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ...
٣٣
٣٣
وإذا قيل لهم اتقوا ...
٤٤
٤٥
إن أصحاب الجنة ... ..
٥٠
٥٦
اليوم نختم على أفواههم ...
٦٥
وما علمناه الشعر ....
٦٩
أو لم يروا أنا خلقنا ...
٧١
أو لم يروا الإنسان أنا خلقنا.
٧٧
٦١
٦٣
٦٦
-

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم.
تفسیر
:
سُورَة الصَّافّاتُ
دكتور
محمد سيد طنطاوي
مفتى جمهورية مصر العربية.
(الجزء الثالث والعشرون)
٠١٤٠٨ - ١٩٨٨ م
الطبعة الثانية
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿رَبَّنَاَ تَقَّلْ مِنَّا إِذَّكَ أَنْتَ السَّيِعُ العَلِيم)
((صدق الله العظيم،

مقدمة وتهید .
١ - سورة الصافات هى السورة السابعة والثلاثون فى ترتيب المصحف،
وكان نزولها كما ذكر صاحب الإتقان - بعد سورة ((الأنعام))(١).
ومعنى ذلك أن نزولها كان فى السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة ، لأننا
قد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أنه يغلب على الظن أن نزولها
كان فى السنة الرابعة من البعثة (٢).
٢ - قال الآلوسى: هى مكية . ولم يحكوا فى ذلك خلافا. وهى مائة
فإحدى وثمانون آية عند البصريين. ومائه واثنتان وثمانون آية عند غيرهم(٣)
وتعتبر هذه السورة - من حيث عدد الآيات - السورة الثالثة من بين
السور المكية ، ولا يفوقها فى ذلك سوى سورفى الأعراف والشعراء.
٣ - وسميت بهذا الاسم لافتتاحها بقوله - تعالى -: ((والصافات صفاء.
وقد سماها بعض العلماء بسورة ((الذبيح))، وذلك لأن قصة الذبيح لم تأت
فى سور أخرى سواها .
٤ - وقد افتتحت سورة ((الصافات بقسم من الله - تعالى - بجماعات من
خلقه على أن الألوهية والربوبية الحقة إنما هى لله - تعالى - وحده، ثم أقام
(١) راجع الإفتان فى علوم القرآن ج ١ ص٢٧.
(٢) راجع مقدمه تفسير سورة الأنعام المؤلف .
(٣) تفسير الآلوسي : ٢٣ س ٠٦٤

- ٧٨ -
- سبحانه - بعد ذلك ألوانا من الأدلة على صدق هذه القضية، منها خلقه
السموات والأرض وما بينهما ! ومنها تزبينه السماء الدنيا بالكواكب.
قال - تعالى -: والصافات صفا. فالزاجرات زجرا. فالتاليات ذكرا.
إن الحكم لواحد. رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق .
إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد ...
٥ - ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى تذرع بها المشركون فى
إنكارهم للبعث والحساب، ورد عليها بما يمحقها، فقال - تعالى -: ((وقالوا إن
هذا إلا سحر مبين. أهذا متنا وكنا ترابا وعظاما أثنا المبعوثون. أو آباؤنا
الأولون . قل نعم وأنتم داخرن. فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم
ينظرون، ...
٦ - وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء المشركين، وتوبيخ
الملائكة لهم، وإقبال بعضهم على بعض للتساؤل والتخاصم ... بعدكل ذلك
بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، فقال - تعالى -:. وما تجزون إلا ما كنتم
تعملون: إلا عباد الله المخلصين . أولئك لهم رزق معلوم. فواكة وم
مكرمون. فى جنات النعيم . على سرر متقابلين. يطاف عليهم بكأس من
معين . بيضاء لذة للشاربين . لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ... )).
٧ - ثم حكى - سبحانه - جانبا من المحاورات التى تدور بين أهل الجنة
وأهل النار ، وكيف أن أهل الجنة يتوجهون بالحمد والشكر لخالقهم، حيث
أنعم عليهم بنعمة الإيمان ، ولم يجعلهم من أهل النار الذين يأكلون من
شجرة الزقوم ...
قال - تعالى -: إن هذا هو الفوز العظيم. لمثل هذا فليعمل العاملون .
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم. إنا جعلناها فتنة للظالمين . إنها شجرة

- ٧٩ -
تخرج فى أصل الجحيم، طلعها كأنه رءوس الشياطين . فإنهم لآ كلون منها
فالئون منها البطون ... ».
٨ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه، ومن
قصة إبراهيم مع قومه. ومع ابنه إسماعيل - عليهما السلام -.
ومن قصة موسى وهارون وإلياس ولوط ويونس - عليهم الصلاة
والسلام - .
٩ - ثم أخذت السورة الكريمة - فى أواخرها - فى توبيخ المشركين
الذين جعلوا بين الله - تعالى - وبين الملائكة نسبا، ونزه - سبحانه - ذاته
عن ذلك. وعدد أولئك الكافرين بأشد ألوان العذاب بسبب كفرهم وأقوالهـ
الباطلة .
وبين بأن عباده المؤمنين هم المنصورون ، وختم - سبحانه - السورة
الكريمة بقوله : سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين .
١٠ - والمتأمل فى هذه السورة الكريمة - بعد هذا العرض المجمل لآياتها -
يراها بأنها قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى -، وعلى أن البعث
حق، وعلى أن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه ،
وذلك لكى تغرس العقيدة السليمة فى النفوس ... كما يراها تهتم بحكاية أقوال
المشركين وشبهاتهم ... ثم ترد على تلك الأقوال والشبهات بما يزهقها ويبطلها،
كما يراها - كذلك - تسوق ألوانا من المحاورات التى تدور بين المشركين
فيما بينهم عندما يحيط بهم العذاب يوم القيامة ، وألوانا من المحاورات التى تدور
بينهم وبين أهل الجنة الذين نجاهم الله - تعالى - من النار وسعيرها .
كما يراها - أيضا تسوق لنا نماذج من قصص الأنبياء مع أقوامهم . قارة
بشىء من التفصيل كما فى قصة إبراهيم مع قومه. وتارة بشى. من التركيز
والإجمال كما فى بقية قصص الأنبياء الذين ورد الحديث عنهم فيها ...

- ٨٠ -
وتمتاز بعرضها للمعانى والأحداث بأسلوب مؤثر. تزى فيه قصر الفواصل
وكثرة المشاهد، والمواقف . مما يجعل القارىء لآياتها فى شوق إلى مانسوقه
من نتائج ...
نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأفس نفوسنا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
. وكتبه الراجى عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
مساء الجمعة ٨ من ذى القعدة سنة ١٨٠٥ هـ
١٩٨٥/٧/٢٦ م