النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجزء الثالث والعشرون وقوله - تعالى -: (( لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار، وكل فى فلك يسبحون، بيان لدقة نظامه - سبحانه - فى كونه، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب فى أسمى درجات الدقة، وحسن التنظيم. أى: لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر فى مسيره فتجتمع معه بالليل. وكذلك لا يصح ولا يتأتى لليل أن يسبق النهار، بأن يزاحمه فى محله أودقته، وإنما كل واحد من الشمس والقمر، والليل والنهار، يسير فى هذا الكون بنظام بديع قدره الله - تعالى - له، بحيث لا يسبق غيره، أو يزاحمه فى سيره. قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: «لا الشمس ينبغى لها أن قدرك القمر ، قال مجاهد، لكل منهما حد لا يعدوه، ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا باء سلطان هذا ... وقال عكرمة : يعنى أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغى للشمس أن تطلع بالليل . وقوله: ((ولا الليل سابق النهار، يقول: لا ينبغى إذا كان الليل أن يكون ليل آخر، حتى يكون النهار ... ،(١) . وقوله - تعالى -: ((وكل فى فلك يسبحون)) التنوين فى ((كل، عوض عن المضاف إليه . قال الآلوسي : والفلك: مجرى الكواكب، سمى بذلك لاستدارته، كفلكة المنزل . وهى الخصبة المستديرة فى وسطه. وفلكة الخيمة. وهى الخشبة المستديرة التى توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة،(٢). أى: وكل من الشمس والقمر ، والليل والنهار، فى أجزاء هذا الكون يسيرون بانبساط وسهولة، لأن قدرة الله - تعالى- تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو الاضطراب. ثم ذكر - سبحانه - فوعا آخر من النعم التى امتن بها على عباده فقال: ((وآية لهم أنا حملنا ذريتم فى الفلك المشحون)). (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٦٤ (٢) تفسير الآلوسى = ٢٣ ص ٠٢٣ . ٤٢ سورة يس وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال منها: أن الضمير فى «لهم، يعود إلى أهل مكة. والمراد بذريتهم: أولادهم صغارا أو كبارا، والمراد بالذلك المشحون: حنس السفن . فيكون المعنى: ومن العلامات الدالة على وحدانيقنا وقدوتنا ، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - أولادهم صغارا وكبارا فى السفن المملوءة بما ينفعهم دون أن يصدهم أذى، وسخرنا لهم هذه السفن اينتقلوا فيها من مكان إلى آخر. ويرى بعضهم أن الضمير فى (لهم» يعود إلى الناس عامة والمراد بذريتهم: آباؤهم الأقدمون، والمراد بالفلك المشحون: سفينة نوح - عليه السلام - التى أتجاه الله - تعالى- فيها بمن معه من المؤمنين، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم. فيكون المعنى: وعلامة ودليل واضح للناس جميعا على قدرتنا ، أننا حملنا - بفضلنا وحملتنا - آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة التى أمرفاه بصنعها، والتى كانت مليئة ومشحوقة، بما ينتفعون به فى حياتهم. قال الجمل: وإطلاق الذرية على الأصول صحيح، فإن لفظ الذرية مشترك بين الضدين ؛ الأصول والفروع، لأن الذرية من الذره بمعنى الخلق. والفروع مخلوقون من الأصول، والأصول خلقت منهم الفروع. فاسم الذرية يقع على الآباء ، يقع على الأولاد ،(١). وهذا الرأى الثانى قد اختاره الإمام ابن كثير ولم يذكر سواء، فقد قال رحمه الله: يقول - تعالى -: ودلالة لهم - أيضا - على قدرته - تعالى - تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ذلك - بل أوله - سفينة نوح التى أتجاه الله فيها بمن معه من المؤمنين. ولهذا قال: ((وآية لهم أنا حملنا ذريتهم، أى: آباءهم. (( فى الفلك المشحون، أى: فى السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات، التى أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين،(٢). (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٥١٥ (٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٦٥ ٤٣ الجزء الثالث والعشرون وقوله - تعالى -: ((وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، بيان لنعمة أخرى من نعمه - تعالى - على عباده : والضمير فى قوله - تعالى - ((من مثله)) يعود على السفن المشابهة لسفينة نوح - عليه السلام - . قال القرطى: ما ملخصه قوله - تعالى -: ((وخلقنا لهم من مثله مايركبون» والأصل ما يركبونه ... والضمير فى ((من مثله)) الإبل. خلقها لهم للركوب فى البر، مثل السفن المركوبة فى البحر، والعرب نشبه الإبل بالسفن . وقيل إنه الإبل والدواب وكل ما يركب . والأصح أنه للسفن. أى : خلقنا لهم سفنا أمثالها، أى: أمثال سفينة أو ح، یرکیون فيها . قال الضحاك وغيره: ((هى السفن المتخذة بعد سفينة نوح - عليه السلام -،(١). ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على الناس فقال: ((وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين)). الصريخ المغيث. أى: فلا مغيث لهم. أو فلا إغاثة لهم، على أنه مصدر كالصراخ، لأن المستغيث الخائف ينادى من ينقذه، فيصرخ المغيث له قائلا : جاءك الغوث والجون. والاستثناء هنا مفرغ من أعم العلل . أ: وإن نشأ أن نغرق هؤلاء المحمولين فى السفن أغرقناهم ، دون أن يجدوا من يغيتهم منا، أو من ينقذهم من الغرق، سوى رحمتنا بهم ، وفضلنا عليهم، وتمتيعنا إياهم بالحياة إلى وقت معين تنقضى عنده حياتهم. (١) تفسير ابن كثيرٍ = ٦ س ٥٦٥ ٤٤ سورة يس فالآ يتان الكريمتان تصوران مظاهر قدرة الله ورحمته بعباده أكمل تصوير وذلك لأن السفن التى لم تجرى فى البحر - مهما عظمت - تصير عندما تشتد أمواجه فى حالة شديدة من الاضطراب، ويغشى الراكبين فيها من الطول والفزع ما يغشاهم، وفى تلك الظروف العصيبة لاتجاة لهم عام فيه إلا عن طريق رعاية الله - تعالى - لهم، ورحمته بهم. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من رد المشركين السىء على من يدعوهم إلى الخير، ومن جهالاتهم حيث تعجلوا العذاب الذى لا محيص لهم عنه ، ومن أحوالهم عند قيام الساعة ، فقال - تعالى - : ((وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيُكُم وما خَافِكُمْ لَمَلِكُم تُرْجُونَ (٤٥) وما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتٍ رَبِّهم إلا كانُوا عنها مُعرِضِينَ (٤٦) وإِذَا فِيلَ لَهُمْ أَ نفِقُوا مما رَزَقَكُم اللّهَ قَالَ الذين كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: أَنُطْعِمُ من لويَشَاءِ اللهُ أَطْعَمَهُ، إنْ أَثُّم إلاَّ فى ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) ويُقُولُونَ مَتَ هذا الوَعدُ إِنْ كنُمْ صَادِقِينَ (٤٨) ما ينظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةٌ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يُخِصِّمُونَ (٤٩) فلا يَسْتَطِيعُونَ توصِيةٌ ولاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وُضِخَ فى الصُّورِ فإِذا ◌ُمْ من الأجْدَاتِ إِلَى رَبِهِمْ يُنْسِلُون (٥١) قَالَوا يا ويلناً مِن بعثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَاَ، هذا ما وَصَدَ الرَّحمنُ وصدَقَ المُرسَلُونَ (٥٢) إنْ كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةٌ فإذَا ثُمْ تَجِيعاً لَدَينَ مُحْضَرُونَ (٥٣) فاليَوْمُ لا تُظْلَمْ نَفْسٌ شَيْئًاً، ولأُجْزَونَ إلاَّ مَا كُنْتُم تحملونَ (٥٤))». ٤٠ الجزء الثالث العشرون وقوله - تعالى -: ((وإذا قيل لهم إنقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ... » حكاية موقف المشركين من الناصحين لهم ، وكيف أنهم صموا آذانهم عن سماع الآيات التنزيلية ، بعد صممهم عن الفكر فى الآيات التكوينية . أى: وإذا قال قائل لهؤلاء المشركين على سبيل النصح والإرشاد : إنقوا ما بين أيديكم وما خلفكم)، أى: إحذروا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر ، وصونوا أنفسكم عن إرتكاب المعاصى التى إرتكبها الظالمون من قبلكم، فأهلكوا بسبها وأبيدوا، وآمنوا بالله ورسوله وإعملوا العمل الصالح ، لملكم بسبب ذلك تنالون الرحمة من الله - تعالى - . وجواب ((إذا)، محذوف دل عليه مابعده، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا عن الناصح، وإستخفوا به ، وتطاولوا عليه. ويشهد لهذا الجواب المحذوف وقوله - تعالى - بعد ذلك: ((وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين)). و(«من، الأولى مزيدة لتأكيد إعراضهم وصممهم عن سماع الحق ، والثانية للتبعيض . أى : ولقد بلغ الجحود والجهل والعناد عند هؤلاء المشركين، أنهم ما تأتيهم آية من الآبات التى تدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعلى أن الرسول - صلی الله عليه وسلم - صادق فی دعو ته ، إلا کانوا عن كل ذلك معرضين إعراضا تاما، شأنهم فى ذلك شأن الجاحدين من قبلهم . وأضاف - سبحانه - الآيات التى أتتهم إليه، لتفخيم شأنها، وبيان أنها آيات عظيمة ، كان من شأنهم - لو كانوا يعقلون - أن يتدبروها، ويتبعوا من جاءبها. ثم حكى - سبحانه - موقفاً آخر، من مواقفهم القبيحة من نصحهم وأرشدهم. ٠٠ ٤٦ سورة بس إلى الصواب، فقال - تعالى -: «وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ... )). وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أن أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - كان يطعم مساكين المسلمين، فلقيه أبو جهل فقال له : يا أبا بكر : أتزعم أن ألقه قادر على أطعام هؤلاء؟ قال نعم. قال: فما باله ثم يطعمهم؟ قال أبو بكر: إبتلى - سبحانه - قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصير، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال أبو جهل: وأنه يا أبا بكر : إن أنت إلا فى ضلال، أنزعم أن اله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم، ثم تطعمهم أنت قنوات هذه الآية.؟ وقيل: كان العاصى بن وائل السهمى، إذا سأله المسكين قال له: إذهب إلى ربك فهو أولى منى بك. ثم يقول: قد منعه الله فأطعمه أنا .... (١). والمعنى. وإذا قال قائل من المؤمنين لهؤلاء الكافرين: أنفقوا على المحتاجين شيئا من الخير الكثير الذى رزقكم الله - تعالى - إياه. قال الكافرون - على سبيل الاستهزاء والسخرية - المؤمنين: هؤلاء الفقراء الذين طلبتم منا أن ننفق عليهم ، لو شاء الله لأطعمهم والأغنام .. كما أغنانا . ((إن أنتم)) أيها المؤمنون (( إلا فى ضلال مبين) فى أمركم لنا بالإنفاق عليهم أو على غيرهم . قال الشوكانى ما ملخصه: وقوله: (( أنطهم من لو يشاء الله أطعمه، حكاية لتهكم الكافرين، وقد كانوا سمعوا المؤمنين يقولون: إن الرازق هو الله، وإنه يغنى من يشاء، ويفقر من يشاء، فمكا نهم حاولوا بهذا القول الإلزام المؤمنين (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٥١٨ ٤٧ الجزء الثالث العشرون وقالوا: نحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لا يطعمه الله. وهذا غلط منهم ومكابرة ومجادلة بالباطل ، فإن الله - سبحانه - أغنى بعض خلقة وأفقر بعضا، وأمر الغنى أن يطعيم الفقير، وإبتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة . وقولهم : « من لو يشاء الله أطعمه، هو وإن كان كلاما صحيحا فى نفسه ، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله، وإنكار جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله ، كان إحتجاجهم من هذه الحيثية باطلا . وقوله (( إن أنتم إلا فى ضلال مبين ) من تتمه كلام الكفار. وقيل: هو ردمن الله عليهم ... ،(١). ثم يحكى القرآن إنكارهم للبعث، وإستهزاءهم بمن يؤمن به فيقول : ((ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)). أى: ويقول الكافرون للمؤمنين - على سبيل الإستهزاء والتكذيب بالبعث - ((متى هذا الوعد، الذى تعدوننا به من أن هناك بعنا ، وحسابا وجزاء ... أحضروه لنا. إن كنتم صادقين، فيما تعدوننا به. وهنا يجىء الرد الذى يزلزلهم، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة، فيفول - سبحانه -: ((ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أملهم يرجعون . ٠ المراد بالصيحة هنا: النفخة الأولى التى ينفخها إسرافيل بأمر الله - تعالى- فيموت جميع الخلائق . وقوله «يخصمون، أى: يختصمون فى أمور دنياهم. وفى هذا اللفظ عدة قراءات سبعية . (١) تفسير فتح القدير = ٤ ص ١٧٣ ٤٨ سور يس منها قراءة أبو عمرو وابن كثير: ((وهم يخصمون)) - بفتح الياء والخاء وتشديد الشاد مع الفتح - ومنها قراءة عاصم والكسائى: «وهم يخصمون، بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر. ومنها قراءة. حمزة ويخصمون، بإسكان الخاء وكسر الصاد مع التخفيف. أى: أن هؤلاء الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة ، ويستبعدون حصولها، جاهلون غافلون, فإن الساعة آتية لا ريب فيها، وستجل بهم بغته فإنهم ما ينتظرون ((إلا صحيحة واحدة، يصيحها إسرافيل بأمرنا، فتأخذم هذه الصيحة وتصمقهم وتهلكهم ((وهم يخصمون)) أى: وم يتخاصمون ويتنازعون فى أمور دنياهم . وعند ما تنزل بهم هذه الصيحة، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بغضا بها يريد أن يقول له، ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم , لأنهم يصعقون فى أماكنهم التى يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة . فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير الأهوال علامات يوم القيامة ، ولسرعه مجىء هذه الأموال . أخرج الشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لتقومن الساعه وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطوياته، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه - أى يسده بالطين - فلا يقى منبه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلين فاقته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فه فلا یطعمها ،(١) . ثم بين - سبحانه - حالهم عند النفخة الثانية فق ل: ((ونفخ فى الصورة فإذا م من الأجداث إلى ربهم ينسلون .. )). والمراد بالنفخ هنا: النفخة الثانية التى يكون معها البعث والحساب . (١) تفسير الآلومى = ٢٣ ص ٠٣١ ٤٩ الجزء الثالث والعشرون والصور: القرن الذى ينفح فيه إسرافيل ، ولا يعلم كيفيته سوى الله - تعالى -. . والأجداث: جمع حدث - بفتحتين - كفرس وأفرأس - وهى القبور. وينسلون: أى: يسرعون بطريق الجبر والقهر لا بطريق الإختيار. والنسلان : الإسراع فى السير . أى: ونفع فى الصور النفخة الثانية ، فإذا بهؤلاء الكافرين الذين كانوا يستبعدون البعث ويشكرونه، يخرجون من قبورهم سراعا - وبدون اختيار منهم - متجهين إلى ربهم ومالك أمرثم ليقضى فيهم بقضائه العادل. ((قالوا)، بعد خروجهم من قبورهم بسرعة وفزع «ياويلنا، أى: ياهلا كنا أحضر فهذا أوان حضورك . ثم بقولون بفزع أشد: ((من بعثنا من مرقدنا، أى: من أثارنا من وقادها، وكأنهم حول ما شاهدوا قد اختلطت عقولهم، وأصيبت بالهول، فتوهموا أنهم كانوا نیاما . قال ابن كثير - رحمه الله - ((قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» يعدون قبورهم التى كانوا يعتقدون فى الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها ، فلما عايشوا ما كذبوه فى محشرهم قالوا: ياويلنا من بعثنا من مرقدنا، وهذا لا ينفى عذابهم فى قبورهم ، لأنه بالنسبة إلى ما بعده فى الشدة کالرقاد . وقوله: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، رد من الملائكة أو من المؤمنين عليهم . أوهو حكاية لكلام الكفرة فى رد بعضهم على بعض على سد ل الحسرة واليأس . و((ما، موصولة والعائد محذوف، أى: هذا الذى وعده الرحمن والذى صدقة المرسلون . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: إذا جعلت ((ما) مصدرية، كان المعنى: هذا وعد الرحمن، وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدق فيه بالوعد والصدق. فما وجه قوله: «وصدق المرسلون، إذا جعلتهاموصولة؟ (٤ - سورة ير ) ٠ سورة بس قلت: تقديره: هذا الذى وعده الرحمن ، والذى مدقه المرسلون، معنى : والذى صدق فيه المرسلون من قولهم : صدقوم الحديث ٠٠. والقتال ثم بين - سبحانه - سرعة امتنالهم وحضورهم للحساب فقال: «إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون)). أى: ما كانت النفخة التى حكيت عنهم آنفاً , إلاصيحة واحدة، صاحما إسرافيل بإذفنا وأمرهم فيها بالقيام من قبورهم , فإذا م جميع)) دون أن يتخلف أحد منهم لدينا محضرون)، ومجموعوز للحساب والجزاء. .((فاليوم)) وهو يوم القيامة (( لا تظلم نفس شيئا، عن الظلم، وإنما كل نفس تو فی حقها . وقوله - تعالى - ((ولا تجزون إلا ماكنتم تعملون)، أى: ولا تجزون إلا جزاء ما كنتم تعملونه فى الدنيا، فالجملة الكريمة تأكيد وتقرير لما قبلها. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وفضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين». وبعد هذا الحديث المتنوع عن أحوالـالكافرين يوم القيامة ، باء الحديث عما أعده الله - تعالى - بفضله وكرمه للمؤمنين، وعما يقال للكافرين فى هذا. اليوم من تبكيت وتأنيب فقال - تعالى -: (إِنَّ أَصْحَبَ الجِنَّةِ اليومَ فى شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) مُمْ وَأَزْ وَاجُهُم فى ظِلاَلٍ عَلَى الْأرائِكِ مُتَّكِتَونَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فَكِهَةٌ ولَهُمْ ما يدّعُونَ (٥٧) سَلاَمٌ قولاً من رَبِّ رَحِيمٍ (٥٨) وامتَزُوا اليَوْمَ أَيُّها المُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا ◌َِ آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا ٠١ الجزء الثالث والعشرون الشيطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مبينٌ (٦٠) وأَن اعْبُدُوفى هذا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) ولقَدْ أَضَلَّ مِنكُم چِلاً گمِيراً أَفَلَمْ تُونُوا تَعَقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَّمُ التى كُنْتُم ◌ُوعَدُونَ (٦٣) املّوْهَاَ اليومَ بما كنتم تكفُرُونَ (٦٤))). فقوله - تعالى -: ((إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون)) بيات لأحوالهم الطيبة ، بعد بيان أحوال المكافرين السيئة. والشغل : الشأن الذى يشغل الإنسان عما سواه من الشئون، لمكونه أم عنده من غيره . وما فيه من التفكير التفخيم ، كأنه قيل : في شغل أی شغل . وفاكهون: أى. متنعمون متلذذون فى النعمة التى تحيط بهم ، مأخوذ من الفكاهة - بفتح الفاء - وهى طيب العيش مع النشاط. يقال: فكه الرجل فكها وفكاهة فهو فكه وفاكه، إذا طاب عيشه، وزاد سروره، وعظم نشاطه وسميت الفاكهة بذلك لتلذذ الإنسان بها . أى: يقال للكافرين فى يوم الحساب والجزاء زيادة فى حسرتهم - إن أصحاب الجنةاليوم فى شغل عظيم ، بتلدذون فيه بما يشرح صدورم ، ويرضى نفوسهم ، ويقر عيونهم ويجعلهم فى أعلى درجات التنعم والغبطة . وعبر عن حالهم هذه بالجملة الأسمية المؤكدة، للاشعار بأن هذه الحال ثابتة لهم ثبوتا قاما، بفضل الله - تعالى - وكرمه. ثم بين - سبحانه - جانبا من كيفية هذا التمتمع بالجنة ونعيمها فقال : . م وأزواجهم فى ظلال على الأرائك بتكثون)). و«هم)، مبتدأ، و((أزواجهم، معطوف عليه. و((متكئون)، خبز المبتدأ . قال الإمام الرازى : ولفظ الأزواج هنا يحتمل وجهين : ٠٢ سورة يس أحدهما: أشكالهم فى الإحسان. وأمثالهم فى الإيمان ، كما قال - تعالى -: (((وآخر من شكله أزواج)). وثانيهما : الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل ، كا فى قوله - تعالى -: ((إلا على أزواجهم أو ماملكت إيمانهم .. )) (١). ويبدو أن المراد بالأزواج هنا: حلاتلهم اللاتى أحلهن الله لهم، زبادة فى مسرتهم وبهجتهم وعلى هذا سار عامة المفسرين . والظلال: جمع ظل أو ظلمة ، وهى ما يظل الإنسان ويقيه من الحر . والأرائك: جمع أريكة وهى ما يجلس عليه الإنسان من سرير ونحوه للراحة والمتعة . أى : أن أصحاب الجنة هم وحلائلهم يجلسون على الأرائك متكئون فى متعة ولذة . «لهم فيها، أى فى الجنة ((فاكهة، كثيرة متنوعة ((ولهم ما يدعون)، أى: ولهم فوق ذلك جميع ما يطلبونه من مطالب وما يتمنونه من أمنيات . فقوله: « يدعون، يصح أن يكون من الدعاء بمعنى الطلب، كما يصح أن يكون من الإدعاء بمعنى الثمنى . يقال: أدع على ماشئت أى: تمن على ماشئت. ويقال: فلان فى خير ما يدعى ، أى: فى خير ما يتمنى ... ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الجزيل للمؤمنين بقوله: ((سلام قولا من رب رحيم» . والمفسرين فى إعراب قوله: ((سلام)) أقوال منها: أنه مبتد أ خبره الناصب للفظ. (,قولا، أى: سلام يقال لهم قولا ... (١). (١) تفسير الفخر الرازى حـ ٧ ص ١٠٠ (٢) راجع حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٠٥٢١ ٥٣ الجزء الثالث والعشرون دة: وقد أشار صاحب الكشاف إلى بعض هذه الأقوال فقال: وقوله: (« سلام» بدل من قوله «ما يدعون)) كأنه قال لهم: سلام يقال لهم قولا من جھة رب رحيم . والمعنى: أن الله - تعالى - يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة فى تكريمهم ، وذلك غاية متمنام ... (١). وقد ذكر الإمام ابن كثير عنذ تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث ، منها ما رواه ابن أبى حاتم - بسنده - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بينما أهل الجنة فى نعيمهم، إذ سطع لهم فور؛ فرفعوا رءوسهم فإذا الرب - تعالى- قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله: ((سلام قولا من رب رحيم)) قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلفتون إلى شىء من النعيم ماداءوا ينظرون إليه. حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفى ديارهم، (٢). والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة - كما يقول الإمام الفخر الرازى - يراها تشير إلى أن أصحاب الجنة ليسوا فى تعب، كما تشير إلى وحدتهم، وإلى حسن المكان، وإلى إعطائهم كل ما يحتاجونه، وإلى تلذذهم بالنعيم وإلى تلقيهم لأجمل تحية .. ،(٣). هذا هو حال المؤمنين، وهذا بعض ما يقال لهم من ألفاظ التكريم ، فماذا يقال للمجرمين . لقد بين - سبحانه - بعد ذلك ما يقال للجرمين فقال: ((وامتازوا اليوم أيها المجرمون، أى: ويقال للمجرمين فى هذا اليوم - على سبيل الزجر والتأنيب انفردوا - أيها المجرمون - عن المؤمنين، واتجهوا إلى ما أعد لكم من عذاب فی جهنم، بسبب كفركم وجهودكم للحق . (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٢٢ (٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص.) (٣) راجع تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٠١٠١ ٠٤ سورة يس يقال: امتاز وتميز القوم بعضهم عن بعض، إذا انفصل كل فريق عن غيره . قال تعالى: ((وبوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة بحبرون. وأما الذين كفروا وكدبوا بآياتنا واقاء الآخرة فأولئك فى العذاب محضرون،(١) . وقوله - تعالى - بعد ذلك- ألم أعهد إليكم يابنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان» من جملة ما يقال لهم - أيضاً - على سبيل التقريع والتوبيخ. والعهد بالشىء: الوصية به، والمراد به هنا: وصية الله - تعالى - للناس. على ألسنة رسله، أن يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن يخالفوا: ما يوسوس لهم به الشيطان من شرك ومعصية . قال الآلوسي: والمراد بالعهد هنا . ما كان منه - تعالى - على ألسنة الرسل - عليهم السلام - من الأوامر والنواهى التى من جملتها قوله - تعالى -: «يابنى آدم لا يفتنتكم الشيطان كما أخرح أبويكم من الجنة ... ». وقيل: هو الميثاق المأخوذ عليهم فى عالم الذر، إذ قال - سبحانه - : (( ألست بربكم قالوا بلى». وقيل: هو ما نضب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله - تعالى - الزاجرة عن عبادة غيره ... والمراد بعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم ، ويز بتهلهم، عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها . والمعنى : لقد عهدت إليكم - يا بنى آدم - عبدا مؤكدا على ألسنة رسلى» أن لا تعبدوا الشيطان وأن لا نستمعوالوسوسته، وأن لا تتبعوا خطواته» لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، بحيث لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء. (١) سورة الروم الآيات من ١٤ - ٠١٦ الجزء الثالث والعشرون جملة («إنه لكم عدو مبين، تعليل لوجوب الانتهاء عن طاعة الشيطان . وقوله: (( وأن أعبدونى هذا صراط مستقيم)، بيان لمما يجب عليهم أن يفعلوه بعد النهى عما يجب عليهم أن يجتنبوه)). و((أن، فى قوله (( أن لاتعبدو)) وفى قوله , وأن اعبدونى، مفسرة، والجملة الثانية معطوفة على الأولى . أى: لقد عهدت إليكم بأن تتركوا عبادة الشيطان: وعهدت إليكم أن تعدونی و حدی دون غیری . ٠ فالإشارة فى قوله: « هذا صراط مستقيم، تعود إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - . أى: هذا الذى أمرتكم به من إخلاص العبادة والطاعة لى هو الطريق الواضح المستقيم، الذى يوصلكم إلى عز الدنيا ، وسعادة الآخرة . وقوله - سبحانه -، (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون)» استئناف مسوق لتأكيد النهى عن طاعة الشيطان . ولتحديد التوبيخ لمن اتبع خطواته . (( وجبلا كثيراً، بمعنى: خلقا كثيرا حتى إنهم لكثرتهم كالجبل العظيم . ولفظ« جبلا)، قرأه نافع وعاصم - بكسر الجيم والباء، وقرأه ابن كثير وحمزة والكبائى ((جبلا)) بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وقرأه أبو عمرو وابن عامر ((جبلاء بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام وجميع القراءات بمعنى واحد . أى: ولقد أغوى الشيطان منكم يابنى آدم خلقا كثيرا، فهل عقلتم ذلك، ٥٦ سورة يس وانعظتم بما فعله مع كثير من أبناء جنسكم، وأخلصتم لنا العبادة والطاعة ، واتخذتم الشيطان عدوا لمكم كما صرح هو بعدارتكم. وبالعمل على إغوائهكم. قال - تعالى -: ((إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير»(١). وقال - سبحانه - حكاية عنه. وقال فيعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين ... )(٢). وبعد هذا التوبيخ لمن أطاعوا الشيطان ، يقال لهم فى النهاية : «هذه جهنم التى كنتم توعدون» . أى: هذه جهنم مائلة أمام أعينكم أيها الكافرون ، وهى التى كنتم توعدون بها فى الدنيا . وكنتم تقابلون ذلك بالسخرية والتكذيب . « أصلوها اليوم بما كنتم تكفرون أى: ذوقوا حرما ولهيبها وسعيرها، بسب كفركم فى الدنيا، وموتكم على هذا الكفر. والأمر فى قوله - تعالى -: ((اصلوها) للتحقير والإهانة، كما فى قوله - تعالى -: «ذق إنك أنت العزيز الكريم، والذين يأمرونهم بذلك م خزنة النار، بأمر من الله - تعالى -. ثم تنتقل السورة الكريمة فتحكى لنا جانبا آخر من أحوال الكافريز فى هذا اليوم العصيب، كما تحكى لنا جانبا من مظاهر قدرة الله - تعالى - فنقول: (اليومَ تَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِم وَتُكَلِّناً أيدِيهِمْ، وَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ. بما كانُوايكسِبُونَ (٦٥) ولو نشاءٍ أَطَمَسْناَ عَلَى أَعْيْنِهِم فاسْتَبَّقُوا الصَّرَاطَ. فَأَنِّى يْصِرُونَ (٦٦) ولو نَشَاءِ لَمَسَخْنَهُ عَلَى مكانتهِمْ فما استظَمُوا مُعِيًّاً ولاَ يَرْجِعُونَ (٦٧) ومَنْْ ثُمَعِّرَهُ نُنَكَّسَهُ فِى الْقٍ. أَفَلاَ يَعْقِلُونَ (٦٧) ». (١) سورة فاطر الآية ٦. (٢) سورة ص الآية ٠٨٣،٨٢ الجزء الثالث والعشرون والمراد باليوم فى قوله - تعالى - : «اليوم نختم على أفواههم ... ، يوم القيامة . وقوله: «نختم، من الختم، والختم الوسم على الشىء بطابع ونحوه. مأخوذ من وضع الخاتم على الشىء وطبعه فيه للاشتياق ، لكى لا يخرج منه ماهو بداخله ، ولا يدخله ماهو خارج عنه . أى: فى يوم القيامة نختم على أفواه الكافرين فنجعلها لا تنطق ، وإنما تكلمنا أيديهم ، وتشهد عليهم أرجلهم بما كانوا يكسبونه فى الدنيا من أقوال باطلة ، وأفعال قبيحة . قالوا : وسبب الختم على أفواههم ، أنهم أنكروا أنهم كانوا مشركين فى الدنيا، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى -: ((ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قلوا والله ربنا ما كنا مشركين»(١). أو لیکو نوا معروفین لأهل الموقف فى ذلك اليوم العصيب. أو لأن إقرار غير الناطق أبلغ فى الحجة من إقرار الناطق ... أو ليعلموا أن أعضاءهم التى ارتكبت المعاصى فى الدنيا، قد صارت شهودا عليهم فى الآخرة . وجعل - سبحانه - ما تنطق به الأيدى كلاما، وما تنطق به الأرجل شهادة، لأن مباشرة المعاصى - غالبا - تكون بالأيدى، أما الأرجل فهى حاضرة لما ارتکب بالأیدی منسيئات ، وقول الحاضر علی غیره شهادة بما له، أما قول الفاعل فهو إقرار ونطق بما فعله . قال الجمل: وقال الكرخى : أسند سبحانه فعل الختم إلى نفسه ، وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا، أو قهراً. والإقرار مع الإجبار غير مقبول. فقال: تكلمنا (١) سورة الأنعام آية ٢٣. ٥٨ سورة پی أيديهم وتشهد أرجلهم، أى: باختيارها بعد إقدار الله لها على الكلام، ليكون أدل على صدور الذنب منهم(١). وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث. التى صرحت بأن أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم القيامة بما ارتكبه فى الدنيا من سيئات. ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - أنه قال: كنا عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أتدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال من مجادلة العبد ربه يوم القيامة . يقول: رب ألم تجرنى من الظلم ؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز على إلا شاهدا من نفسى، فيقول الله - تعالى - له : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا . قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه - أى لأعضائه -: ((انطق). فتنطق بما عمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً فمسكن كنت أناضل ،(٢). وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ، حتى إذا ماجاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ... ,(٢). ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء الكافرين هم فى قبضته فى كل وقت فقال : ((ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون)). وقوله: ((لطممناء: الطمس إزالة الشىء عن طريق محوه. يقال: طمست الشىء طها من باب ضرب بمعنى محوقه وأزلت أثره. والمطموس والطميس (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٠٥٢٣ (٢) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٥٧٣، وتسير القرطبى = ١٥ ص ٠٤٨ (٣) سورة فصلت الآية ١٩ و ٢٠. ٥٩ الجزء الثالث والعشرون الأعمى. ومفعول المشيئه محذوف. والصراط: الطريق وهو منصوب بنزع الخافض. أى : ولو شاء طمس أعينهم بأن نمحو عنها الرؤية والإبصار لفعلنا، ولكنا لم تفعل بهم ذلك فضلا منا عليهم، ورحمة بهم ، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوا فعمنا بالشكر لا بالكفر. وقوله - سبحانه -: ((فاستبقوا الصراط، معطوف على «لعامسنا، على سبيل الفرض . أى: لو نشاء محو أبصارهم نحوناها، فلو أرادوا فى تلك الحالة المبادرة إلى الطريق ليسيروا فيه، أو ليعبروه لما استطاعوا ذلك، لأنهم كيف يستطيعون ذلك وم لا يبصرون شيئا . فالاستفهام فى قوله - تعالى -: «فأنى يبصرون، لاستبعاد إجتيازهم الطريق، وففى قدرتهم على التصرف. وقوله - سبحانه - ولو نشاء لمخناهم على مكانتهم، فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون، والمسخ: تبديل الخلقة وتحويلها من حال إلى حال ، ومن هيئة إلى هيئة . أى: وفى قدرتنا إذا شئنا، أن تغير صورهم الإنسانية، إلى صور أخرى قبيحة كان تحولهم إلى قردة أو حيوانات وهم ((على مكانتهم، أى: وم فى مكانهم الذى يقيمون فيه ((فما استطاعوا)) بسبب هذا المسبخ ((مضيا)) أى: ذها با إلى مقاصدهم ((ولا يرجعون)) أى: ولما استطاعوا - أيضا - إذا ذهبوا أن يرجعوا . أى: فى إمكاننا أن نمسخهم وهم جالسون فى أماكنهم ، فلا يقدرون أن بعضوا إلى الأمام، أو أن يعودوا إلى الخلف . فالمقصود بالآيتين الكريمتين تهديدهم على استمرارهم فى كفرم وبيان أنهم تحت قدرة الله - تعالى - وفى قبضته، وأنه - سبحانه - قادر على أن ٦٠ سورة يس يفعل بهم ما يشاء من طمس للأبصار، ومن مسخ للصور، ومن غير ذلك بما يريده - تعالى -. ثم بين - سبحانه - أحوال الإنسان عندما يتقدم به العمر فقال: ((ومن نعمره فنكسه فى الخلق أفلا يعقلون)». وقوله: ((نعمره)) من التعمير، بمعنى إطالة العمر . ٠ قال القرضى: وقوله: « تعكسه، قرأه عاصم وحمزه - بعضم النون الأولى وتشديد المكاف - من التنكيس. وقر أه الباقون:، فدكسه، ـ بفتح النون الأولى وضم الكاف - من نكست الشىء أنكه تكيا إذا قلبته على رأسه فانتكس. قال قتادة: المعنى: أنه يصير إلى حال الهرم الذى يشبه حال الصبا ... قال الشاعر : وخانه ثفتاه السمع والبصر من عاش أخلفت الآ یام جدته فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا .. وقد استعاذ النبى - صلى الله عليه وسلم - من أن يرد إلى أرذل العمر .. )(١). والمعنى: ومن فطل عمره نتكسه فى الخلق، أى: ترده إلى أرذل العمر ، فنجعله - بقدرتنا - ضعيفا بعد أن كان قويا، وشيخاً بعد أن كان شابا فتيا، وناقص العقل بعد أن كان مكتمله .... (( أفلا تعقلون، ذلك - أيها الناس - مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم ، وتعرفون أن من قدر على تحويل الإنسان من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف ... قادر - أيضاً - على إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته . وشيبه بهذه الآية قوله - تعالى - الله الذى خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة ، ثم جعل من بعد قوة ضعفا ، وشيبة ، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير »(٢) . (١) تفسير القرطبي = ١٥ ص ٥١. (٢) سورة الروم آ ٩ ٥٤. .