النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ الجزء الثانى والعشرون والذى يبدو لنا أن ماذهب إليه الإمام ابن كثير هو الأقرب إلى الصواب وأن القرآن الكريم لم يذكر من هم أصحاب القرية، لأن اهتمامه فى هذه القصة وأمثالها، بالعبر والعظات التى تؤخذ منها . وضرب المثل فى القرآن الكريم كثيرا ما يستعمل فى تطبيق حالة غريبة، بأخرى تشبهها، كما فى قوله - تعالى - «ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة فرح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فانتاهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، وقيل أدخلا النار مع الداخلين)). فيكون المعنى: واجعل - أيها الرسول الكريم - حال أصحاب القرية، مثلا لمشركي مكة فى الإصرار على الكفر والعناد، وحذرهم من أن مصيرهم سيكون كمصير هؤلاء السابقين ، الذين كانت عاقبتهم أن أخذتهم الصيحة فإذا هم خامدون، لأنهم كذبوا المرسلين . وقوله له - سبحانه -: ((إذا جاءها المرسلون)) بدل اشتمال من «أصحاب القرية». والمراد بالمرسلين: الذين أرسلهم الله إلى أهل تلك القرية، هدايتهم إلى الحق. وقوله: (( إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما .. )) بيان لكيفية الإرسال، ولموقف أهل القرية ممن جاءوالإرشادهم إلى الدين الحق . أى: إن موقف المشركين منك - أيها الرسول الكريم -، يشبه موقف أصحاب القرية من الرسل الذين أرسلناهم هدايتهم، إذ أرسلنا إلى أصحاب هذه القرية اثنين من رسلنا ، فكذبوهما، وأعرضوا عن دعوتهما. والفاء فى قوله (( فكذبوهما) الإفصاح، أى: أرسلنا إليهم اثنين لدعوتهم إلى إخلاص العبادة لنا فذهبا إليهم، فكذبوهما . وقوله: ((فعززنا بثالث، أى: فقوينا الرسالة برسول ثالث، من التعزيز اننى التقوية. ومنه قولهم: تعز لحم الناقة، إذا اشتد وقوى. وعزز المطر الأرض، إذا قواها وشدها. وأرض عزاز، إذا كانت صلبة قوية . ٢٢ سورة يس ومفعول وفعززنا، محذوف لدلالة ما قبله عليه أى: فززناهما برسول ثالث «فقالوا)) أى الرسل الثلاثه لأصحاب القرية. ((إنا إليكم مر سلون)) لا إلى غيركم، فأطيعونا فيما ندعوكم إليه من إخلاص العبادة لله - تعالى -، ونبذ عبادة الأصنام. ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الرسل وأصحاب القرية من مخورات فقال: ((قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شىء، إن أهم إلا تكذبون)). أى: قال أصحاب القرية للرسل على سبيل الاستنكار والتطاول: أنتم لستم إلا بشر مثلنا فى البشرية، ولا مرية لكم علينا، وكأن البشرية فى زعمهم. تتنا فى مع الرسالة ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: وما أنزل الرحمن من شىء. ما تدعو فنا إليه . ثم وصفوم بالكذب فقالوا لهم: ما أنتم إلا كاذبون، فیما تدعو نه من أنكم رسل إلينا . وهكذا قابل أهل القرية رسل الله، بالإعراض عن دعوتهم وبالتطاول عليهم ، وبالإنكار لما جاءوا به، وبوصفهم بالكذب فيم يقولونه . ولكن الرسل قابلوا كل ذلك بالأناة والصبر، شأن الواثق من صدقه ، فقالوا لأهل القرية: «ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين)). أى: قالوا لهم بثقة وأدب: ربنا - وحده - يعلم إنا إليكم المرسلون، وكفى بعلمه علما، وبحكمه، حكما، وما علينا بعد ذلك بالنسبة لكم إلا أن نبلغكم ما كلمنا بتبليغه إليكم قبليغا واضحا ، لا غموض فيه ولا التباس . فأنت ترى أن الرسل لم يقابلوا سفاهة أهل القرية بمثلها، وإنما قابلوا تكذيبهم لهم، بالمنطق الرصين، وبتأكيد أنهم رسل الله، وإنهم صادقون فى رسالتهم، لأن قولهم («ربنا يعلم إنا إليكم المرسلون، جار مجرى القسم فى التوكيد . ٢٣ الجزء الثانى والعشرون وقولهم: (وما علينا إلا البلاغ المبين)) تحديد للوظيفة التى أرسلهم الله - تعالی ۔ من أجلها . ولكن أهل القرية لم يقتنعوا بهذا المنطق السليم، بل ردوا على الرسل رداً قبيحاً، فقالوا لهم: ((إنا تطيرنا بكم، لئن لم تنتهوا لترجمنكم، وليمسنكم منا عذاب أليم ، والتطير: التشاؤم . أى قالوا فى الرد عليهم: إنا تشاء منا من وجودكم بيننا، وكرهنا النظر إلى وجوهكم، وإذا لم ترحلوا عنا، وتكفواعن دعوتكم لنا إلى ما لا تريدة، لترجمنكم بالحجارة، وليمستكم منا عذاب شديد الألم قد ينتهى بقتلکم وهلا کكم . قال صاحب الكشاف : قوله ((تطيرنا بكم، أى: تشاء منا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم ، ونفرت منه نفوسهم ، وعادة الجهال أنهم يقيمنوا بكل شىء مالوا إليه، واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم ، ويتشاءموا مما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم خير أوبلاء، قالوا: ببركة هذا وبشؤم هذا ... Q. ولكن الرسل قابلوا هذا التهديد - أيضاً - بالثبات، وبالمنطق الحكيم فقالوا لهم: ((طاتركم معكم، أثن ذكر تم بل أنتم قوم مسرفون)). أى: قال الرسل لأهل القرية: ليس الأمر كما ذكر تم من أننا سبب شؤمكم بل الحق أن شؤمكم معكم، ومن عند أنفسكم، بسبب إصراركم على كفركم،. وإعراضكم عن الحق الذى جئناكم به من عند خالقكم . وجواب الشرط لقوله: ((أن ذكرتم)) محذوف، والتقدير: أنز وعظتم وذكر قم بالحق، وخوفتم من عقاب الله ... تطير قم وتشاءمتم. وقوله: (( بل أنتم قوم مسرفون)) إضراب عما يقتضيه الإستفهام والشرط من كون التذكير سبباً للشؤم. أى: ليس الأمر كما ذكر تم من أن وجودنا بينكم هو سبب شؤمكم، بل (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦. ٢٤ سورة يس الحق أنكم قوم عادتكم الإسراف فى المعاصى، وفى إيثار الباطل على الحق ، والغى على الرشد ، والتشاؤم على التيأمن . ثم بين - سبحانه - بعد تلك المحاورة التى دارت بين أهل القرية وبين الرسل والتى تدل على أن أهل القرية كانوا مثلا فى السفاهة والكراهة الخير والحق . إين - سبحانه - بعد ذلك مادار بين أهل القرية، وبين رجل صالح منهم ساءه أن يرى من قومه تنكرهم لرسل الله - تعالى -، ونطاوهم عليهم، وتهديدهم لهم بالرجم ، فقال - تعالى -: ((وجاء من أقصى المدينةِ رجلٌ يسعى، قالَ يا قومٍ اَّبِعوا المرسلين (٢٠) اتَّبِعُوا من لا يَسْألكُم أجراً ومُ مُهْتَدُونَ (٢١) ومالِّ لا أُعبدُ الذى فَطَرَنِى وإلَيْهِ تَرجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذْ من دُونِهِ آلهةً إنْ يُردّفى الرحمنُ بِضُرٍّ لا تُتْن عَنَّى شِقَاءَتُهُمْ شيئاً ولا ينقِذُونِ (٢٣) إنى إذاً لفى ضلالٍ مبينُ (٢٤) إنى آمنْتُ بِرَ بُّكُم فاسمعونْ (٢٥) قيلَ ادخَلٍ الجنَّةَ قالَ يا ليتَ قَومى يَمَونَ (٢٦) بما غفَر لِى رَبِّى وجَعلِى من المكرَمِين (٢٧) وما (١) أنْزَلَنَا عَلَى قَومهٍ من بعده من جُندٍ من السماء وما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٣٨) إنْ كانَتْ إِلا صَيْحَةً واحدةً فإذا م خامدُ ونَ (٢٩) ياحسرةٌ عَلَى العبادِ ما يأْتِهِمْ من رسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَستهزِقُونَ(٣٠) ألم يَرَوْا كم أَهلَكْنَا قَبْلَهُم منّ الْقُرونِ أنَّهُمُ إليهِم لا يرْجِعُونَ (٣١) وإنْ كَلِّ لما جميعٌ لِدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢))»، أول الجزء الثالث والعشرون . ٢٥ الجزء الثالث والعشرون وقوله - سبحانه -: ((وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى .. معطوف على كلام محذوف يفهم من سياق القصة ، والتقدير : وإنتشر خبر الرجل بين أصحاب القرية ، وعلم الناس يتهديد بعضهم لهم وجاء من أنصى المدينة، أى من أبعد مواضعها (( رجل يسعى، أى: رجل ذو فطرة سليمة، يسرع الخطأ لينصح قومه، وينهاهم عن إذاه الرسل ويأمرهم بإتباعهم. قالوا: وهذا الرجل كان إسمه حبيب النجار ، لأنه كان يشتغل بالتجارة . وقد أكثر بعض المفسرين هنا من ذكر صناعته وحاله قبل مجيئه، ونمن نرى أنه لا حاجة إلى ذلك، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فيما ذ کروه عنه . ويكفيه خيرا هذا الثناء من الله - تعالى - عليه بصرف النظر عن إسمه أو . صنعته أو حاله ، لأن المقصود من هذه القصة وأمثالها فى القرآن الكريم ، هو الاعتبار والاقتداء بأهل الخير. وعبر هنا بالمدينة بعد التعبير عنها فى أول القصة بالقرية ، الإشارة إلى سعتها، وإلى أن خبر هؤلاء الرسل قد انتشر فيها من أولها إلى آخرها . والتعبير بقوله. (( يسعى)): يدل على صفاء نفسه، وسلامة قلبه، وعلو همته، ومضاء عزيمته، حيث أسرع بالحضور إلى الرسل وإلى قومه، ليعان أمام الجميع كلمة الحق ، ولم يراض أن يقبع فى بيته - كما يفعل الكثيرون .. بل هرول نحو قومه، ليقوم بواجبه فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقوله - تعالى -: ((قال ياقوم اتبعوا المرسلين ، بيان لما بدأ ينصح قومه به بعد وصوله إليهم . ٢٦ سورة يس أى: ((قال)، لقومه على سبيل الإرشاد والنصح « ياقوم اتبعوا المرسلين)) الذين جاؤا لهدا يتمكم إلى الصراط المستقيم، ولإنقاذكم من الضلال المبين الذى الفمتم فيه. ثم أكد هذه الدعوة بقوله: ((اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون)) اتبعوا هؤلاء الرسل الذين جاءوا بأمر ربكم إليكم، لير شدوكم إلى طريق الحق ، والحال أنهم فى أنفسهم ثابتون على الهدى ، راسخون فى التمسك بالعقيدة السليمة . ثم أخذ بعد ذلك فى حض قومه على إتباع الحق ، عن طريق بيان الأسباب التى حملته على الإيمان، حتى يستثير قلوبهم نحو الهدى، فقال - كما حكى القرآن عنه -: «ومالى لا أعبد الذى قطر فى وإليه ترجعون. أأتخذ من دونه آلهة ؟ إن يردن الرحمن بضر لاتغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إنى إذا لفى هلال مبین . إنی آمنت بر بكم فاسمعون». أى: قال الرجل الصالح لقومه: وأى مانع يمنعنى من أن أعبد الله - تعالى - وحده، لأنه هو الذى خلقنى ولم أكن قبل ذلك شيئا مذكورا ، وهو الذى إليه يكون مرجعكم بعد عملتكم، فيحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا، وبجازبكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب . والاستفهام فى قوله: «التخذ من دونه آلهة ... ، للافكار والنقى. أى: لا يصح ولا يجوز أن اتخذ معه فى العبادة آلهة أخرى، كائنة ما كانت هذه الآلهة، لأنه ((إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا، من النفع، حتى ولو كان هذا النفع فى نهاية القلة والحقارة . ((ولا ينقذون)) أى: ولا تستطيع هذه الآلهة إنقاذى وتخليسى مما يصيبنى من ضر أراد الرحمن أن ينزله بى. ٢٧ الجزء الثالث والعشرون (( إنى إذا، لو اتخذت هذه الآلهة شريكا مع الله فى العبادة , أفى ضلال مبين )، أى : لأكونن فى ضلال واضح لايخفى على أحد من العقلاء، ثم ختم حديثه معهم بإعلان إيمانه بكل صراحة وقوة فقال: « إنى آمنت بربكم، الذى خلفكم ورزقكم ((فاسمعون)) أى: فاسمعوا مانطقت به، وأشهدوا لى بأنى آمنت بربكم الذي خلقكم وخلقنى، وكفرت بهؤلاء الشركاء ، وان أشرك معه - سبحانه - فى العبادة أحدا، مهما كانت النتائج . وهكذا زى الرجل الصالح الذى استقر الإيمان فى قلبه ومشاعره ووجدانه يدافع عن الحق الذى آمن به دفاعاً قويا دون أن يخشى أحدا إلا الله، ويدعو قومه بشتى الأساليب إلى إتباعه ويقيم هم ألوانا من الأدلة على صحة ما يدعو إليه . ثم إصارحهم فى النهاية. ويشهدهم على هذه المصارحة، بأنه قد آمن ؟ا جاء به الرسل إيمانا لا يقبل الشك أو التردد ، ولا يثنيه عنه وعد أو عيد أو إيذاء أو قتل . ورحم الله صاحب الكشاف . فقد أجاد فى تصوير هذه المعانى فقال ما ملخصه: قوله: اتبعوا من لايسألكم أجرا وهم مهتدون): كلمة جامعة فى الاستجابة لدعوة الرسل، أى : لا تخسرون معهم شيئا من دنيا كم، وتربحون صحة دينكم ، فيختظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة . ثم أبرز الكلام فى معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد منا صحتهم ، ليتاطف بهم ويداريهم ... فقال: ((وما لى لا أعبد الذى فطرفى وإليه ترجعون)). ثم قال: (( إنى آمنت بربكم فاسمعون، يريد فاسمعوا قولى وأطيعونى، فقد نبيتكم على الصحيح الذى لا معدل عنه، أن العبادة لا تصح إلا من منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم .... (١) . (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١١ ٢٨ سورة يس ولكن هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه، لم تصادف أذاناً واعية بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه ، فقد قال - تعالى - بعد أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه: ((قيل أدخل الجنة .. )). أى: قالت الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة : أدخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الطيب . قال الآلومى: قوله: « قيل أدخل الجنة ... ، استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك . والظاهر أن الأمر المقصود به الإذن له بدخول الجنة حقيقة ، وفى ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الحياة فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه ... ٠٠ وقيل: الأمر للتبشير لا الإذن بالدخول حقيقة، أى: قالت ملائكة الموت وذلك على سبيل البشارة له بأنه من أهل الجنة - يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث .. )(١) . وقوله - تعالى - : « قال باليت قومی یعلمون بما غفر لی ربی وجعانى من المكرمين ، استئناف بيانى لبيان ما قاله عند البشارة . أى: قيل له أدخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الصالح، فرد وقال : ياليت قومى الذين قتلونى ولم يسمعوا نصحى، يعلمون بما لته من ثواب من ربى، فقد غفر لى - سبحانه - ذنوبى، وجعلنى من المكرمين عنده، بفضله وإحسانه . قال ابن كثير: ومقصوده ـ من هذا القول - أنهم لو اطلعوا على ماحصل عليه من ثواب ونعيم مقيم، لقادم ذلك إلى إتباع الرسل ، فرحمة الله ورضى عنه ، فلقد كان حريصا على هداية قومه . (١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ٠٢٢٨ ٢٩ الجزء الثالث والعشرون روى ابن أبى حاتم أن عروة بن مسعود الثقفى، قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - : أيمثنى إلى قومى أدعوهم إلى الإسلام، فقال له - صلى الله عليه وسلم - ((إني أخاف أن يقتلوك)). فقال: يارسول الله، لو وجدونى نائماً أيقظونى. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «انطلق إليهم، فانطلق إليهم فى على اللات والعزى فقال: لأصبحنك غدا بما يسوؤك، فغضبت ثقيف . فقال لهم: يا معشر ثقيف: أسلموا تسلموا - ثلاث مرات -. فرماه رجل منهم فأصاب أكحله فقتل - والأكحل : عرق فى وسط الذراع - فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هذا مثله كمثل صاحب يس,قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى دبى وجعلنى من المكرمين،(١). وقال صاحب الكشاف ما ملخصه: وقوله: « يا ليت قومى يعلمون ... إنما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن الكفر، والدخول فى الإيمان ... وفى حديث مرفوع: « نصح قومه حياً وميتاً ». وفيه تغبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ و الحلم عن أهل الجهل والترؤف " على من أدخل نفسه فى غمار الأشرار وأهل البغى ، والتشمر فى تخليصه ، والتلطف فى افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به ، والدعاء عليه ، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، وللباغين له الغوائل وهم كفرة وعبدة أصنام .... (٤). ثم بين - سبحانه - ما نزل بأصحاب القرية من عذاب أهلكهم فقال: ((وما أنزلنا على قومه من بعده: أى: من بعد موته. ((من جند من السماء)، لأنهم كانوا أحقر وأهون من أن نفعل معهم ذلك . (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٥٥٨. ٣٠ سورة إس , وما كنا منزلين، أى: وما صح وما استقام فى حكمتا أن تنزل عليهم جنداً من السماء، لهوان شأنهم ، وهوان قدرهم . ((إن كانت إلا صيحة واحدة)، أى: ما كانت عقو بقنا لهم إلا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل بأمرنا. ((فإذا هم خامدون، أى: هامدون ميتون، شأنهم فى ذلك كشأن النار التى أصابها الخمود والانطفاء، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة . يقال . خمدت النار تحمد خمودا . إذا سكن لهيبها، وانطفاً شررها. وخمد الرجل - كمقعد - إذا مات وانقطعت أنفاسة . ؛ وهكذا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين، وقتلوا المصلحين، فقد نزات بهم عقوبة الله - تعالى - جملتهم فى ديارهم جائمين. . وبعد أن بين - سبحانه - سوء مصارع المكذبين، أتبع ذلك بدعوة الناس إلى الاتعاظ بذلك من قبل فوات الأوان، فقال - تعالى -: «ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون». والحسرة : الغم والجزن على ما فات، والندم عليه قدماً لا نفع من ورائه، كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت، وصار فى غير استطاعته إرجاعها . و ((باء حرف نداء. و«حسرة، منادى وفداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء. ٠ والمراد بالعباد: أولئك الذين كذبوا الرسل، وآثروا العمى على الهدى ويدخل فيهم دخولا أولياً أصحاب تلك القرية المهلكة . والمقصود من الآية الكريمة، التعجب من حال هؤلاء المهلكين، وبيان ٣١ الجزء الثالث والعشرون أن حالهم تستحق التأثر والتأسف والاعتبار ، لأنها حالة تدل على بؤسهم وظلهم لأنفسهم وجهلهم . ٠ والمعنى : يا حسرة على العباد الذين أهلكوا بسبب إصرارهم على كفرهم احضرى فهذا أوأن حضورك فإن هؤلاء المهلكين كانوا فى دنياهم ما يأتيهم من رسول من الرسل، إلا كانوا به يستهزئون، ويتغامزون، ويستخفون به وبدعوته ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون - لقابلوا دعوة رسلهم بالطاعة والانقياد. قال صاحب الكشاف: قوله:" يا حسرة على العباد ... ، نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها : تعالى يا حسرة فهذه من أحو الك التى حقك أن تحضرى فيها ، وهى حال استهزائهم بالرسل . والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ، ويتلهف عليهم المتليفون. أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. وقرىء: ياحسرة العباد، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم، من حيث إنها موجهة إليهم ،(١) . . أى: ياحسرة العباد منهم على أنفسهم ، بسبب تكذيبهم أرسلهم ، و استهزاتهم بهم. ثم وبخ - سبحانه - كفار مكة، بسبب عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال ( ألم يرواكم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون)). والقرون: جمع قرن. وهم القوم المفترفون فى زمن واحد. و((كم)) خبرية بمعنى كثير . أى: ألم يعلم كفار مكة أننا أهلكنا كثيرا من الأمم السابقة عليهم، بسبب (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٣. - ٣٢ سورة يس إصرارهم على كفرهم، واستهزائهم برسلهم، وأن عزلاء المهلكين لن يرجعوا إليهم ليخبروهم بما جرى لهم، لأنهم لن يستطيعوا ذلك فى الدنيا، لحكمة أرادها الله - تعالى -. ولكن الجميع سيعودون إليه - سبحانه - وسيبعثهم يوم القيامة من قبورهم للحساب والجزاء، كما قال - تعالى -: ((وإن كل لما جميع لدينا محضرون ». و((إن)) حرف نفي. و((كل)) مبتدأ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه . و((لما)، بمعنى إلا. و((جميع)) خبر المبتدأ. و((محضرون)) خبر ثان. أى: لقد علم أهل مكة وغيرهم أننا أهلكنا كثيرا من القرى الظالم أهلها، وأن هؤلاء المهلكين لن يرجعوا إلى أهل مكة فى الدنيا، ولكن الحقيقة التى لاشك فيها أنه ما من أمة من الأمم ، أو جماعة من الجماعات المتقدمة أو المتأخرة إلا ومرجعها إلينا يوم القيامة، لنحاسبها على أعمالها، ولنجازيها بالجزاء الذى نستحقه . كما قال - سبحانه - فى آية أخرى: «وإنّكلالما ليوفينهم ربك أعمالهم أنه بما يعملون خبير)،(١). ٠ ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألواناً من الأدلة الدلة على وحدانيته وقدر ته، وهذه الأدلة منها ما هو أرضى، ومنها ماهو سماوى ، ومنها ما هو بحرى ، وكلها تدل - أيضاً - على فضله ورحمته، قال - تعالى -: (١) سورة هود آية ٠١١١ ٣٣ الجزء الثالث والعشرون (وآيةٌ لَهُم الأرضُ الميتَّةُ أَحْيَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَاَ مِنها حَبَّا فَمِنْهُ يأْكُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيها جناتٍ مِنْ نخيلٍ وأعنابٍ وفَجَّرنَاًفيها من العُيونِ (٣٤) ليأْ كُلُوا من ثَمَرِه وماَ عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أفلا يشكرون (٣٥) سبْحَانَ الذى خلقَ الْأزوَاجَ كُلَّهَا مِمّا ◌ُنْيِتُ الأرضُ ومِنْ أَنفُسِهِم وثمّا لا يَعلمونَ (٣٦) وآيةٌ لَهُمُ الَّيِلُ نَسْلَخُ منهُ النهارَ فإذَا مْ مُظْلُونَ (٣٧) والشَّمسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرْ لها ذلكَ تَقْدِيرُ العَزيز العليمِ (٣٨) والقمرَ قَدَّرْنَهُ منازِلَ حتَّى عادَ كالمُرجُون القديم (٣٩) لا الشَّمسُ يَنْبِى لها أَنْ تُدْرِكَ القمرَ ولا الليلُ سَابِقُ النََّرِ وَكُلّ فى ذَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وآيةٌ لَهُم أَنَّا خَلْناَ ذُرَيَتَهم فى الفُلكِ المَشْعُونِ (٤١) وَخَلَقْاَ لَهُمْ مِنْ مِثِلهِ ما يَرْ كَبُونَ (٤٢) وإنْ تَشَأَّ تُتْرِقُمُ فلا صَرِيحٌ لَهْم ولاُ يُنْقَذُونَ (٤٣) إلاَّ رحمةً مِنَّا ومتاعاً إلى حِينٍ (٤٤))). قال الإمام الرازى ما ملخصه قوله: ((وآية لهم الأرض الميتة أحيانا)) وجه تعلقه بما قبله، أنه - سبحانه - لما قال: ((وإن كل لما جميع لدينا: محضرون» كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم، واستبعادهم، وعنادهم فقال: ((وآية لهم الأرض الميتة أحببناها ... )) أى: ((وكذلك نحي الموتى ... ))(١). والمراد بالآية هنا: العلامة والبرهان والدليل . والمراد بالأرض الميتة: الأرض الجدباء التى لا نبات فيها. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٧ ص ٧٧ ٠ (٣ - سورة يس ) ١ ٣٤ سورة يس والمراد بالحب : جنسه من حنطة وشعير وغيرهما . أى: ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى، أننا ننزل الماء على الأرض الجدباء. فتهتز وتربو، وتخرج ألوانا وأصناف من الحبوب التى يعيشون عليها . ويأكلون منها . ونكر - سبحانه - لفظ «آية، للإشعار بأنها آية عظيمة، كان ينبغى لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها، لأنهم يشاهدون بأعينهم الأرض القاحلة السوداء، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر عليها. والله - تعالى - الذى قدر على ذلك، قادر - أيضا - على إحياء الموتى وإعادتهم إلى الحياة . وقوله: «أحييناها، كلام مستأنف مبين لكيفية كون الأرض الميتة آية . وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله ((فمنه يأكلون) للدلالة على أن الحب هو الشىء الذى تكون منه معظم المأكولات التى يعيشون عليها، وأن قلته تؤدى إلى القحط والجوع . ثم بين - سبحانه - بعض النعم الأخرى التى تحملها الأرض لهم فقال : (( وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وبجرنا فيها من العيون)). والآية الكريمة معطوفة على قوله: ((أحييناها))، ونخيل جمع فخل كعبيد جمع عبد، وأعناب جمع عنب. والعيون: جمع عين. والمراد بها الآبار التى تسقى بها الزروع . أى: أحبينا هذه الأرض الميتة بالماء .. وجعلنا فيها - بقدرتنا ورحمتنا. بساتين كثيرة من تخيل وأعناب، وجرنا وشققنا فيها كثيرا من الآبار والعيون التى تسقى بها تلك الزروع والثمار .! وخص النخيل والأعناب بالذكر، لأنهما أشهر الفواكه المعروفة لديهم، وأنفعها عندهم . ٣٥ الجزء الثالث والعشرون واللام فى قوله: «ليأكلوا من ثمره، فتعلق بقوله: ((وجعلنا ... )). والضمير فى قوله: (( من ثمره يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل والأعناب. أو إلى الله - تعالى -. ٠ أى: وجعلنا فى الأرض ماجعلنا من جنات ومن نخيل ومن أعناب ، ليأكلوا ثمار هذه الأشياء التى جعلناها لهم، وليشكرونا على هذه النعم . و((ما، فى قوله: ((وما عملته أيديهم أفلا يشكرون، الظاهر أنها نافية والجملة حالية ، والاستفهام للحض على الشكر. أى جعلنا لهم فى الأرض جنسات من نخيل وأعناب، ليأكلوا من ثمار ما جعلناه لهم، وإن هذه الثمار لم تصنعها أيديهم، وإنما الذى أوجدها وصنعها هو الله - تعالى - بقدرته ومشبقته. وما دام الأمر كذلك، فهلا شكرونا على نعمنا، وأخلصوا العبادة لنا . قال ابن كثير: وقوله: «وما عملته أيديهم، أى: وما ذاك كله إلا من وحمتنا بهم، لا يسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن عباس وقتادة. ولهذا قال: « أفلا يشكرون)) أى: فلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التى لا تعد ولا تحصى ... )(١). ويصح أن تكون ((ما)) هنا موصولة فيكون المعنى: ليأكلوا من ثمره ومن الذى عملته أيديهم من هذه الثمار كالعصير الناتج منها، وكفرسهم لتلك الأشجار و تعهدها بالسقی وغيره، إلى أن آتت أكلها . قال الشوكانى: وقوله: ((وما عملته أيديهم، معطوف على ثمره، أى: ليأكلوامن ثمره، ويأكلوامما عملته أيديهم كالعصير والدبس وتحوجما، وكذلك ماغرسوه وحفروه على أن ((ما)، موصولة، وقيل هى فافية. والمعنى: لم يعملوه (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٦١ ٣٦ سورة فى بأيديهم، بل العامل له هو أنه ... )(١) . ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال: ((سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ، ومن أنفسم، وبما لا يعلمون)). ولفظ: ((سبحان) اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، والتقدير: سبحان الله سبحانا، أى: تسبيحا . بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء، وعظمته تعظيما . و((من، فى الآية الكريمة للبيان. أى: ننزه الله - تعالى - تنزيها عن كل سوء. ونعظمه تعظيما لا نهاية له، فهو - عز وجل - الذى خلق (( الأزواج كلها، أى: الأنواع، والأصناف كلها ذكوراً وإناثاً . ((مما تنبت الأرض، أى خلق الأصناف كلها التى تنبت فى الأرض من حبوب وغيرها . (( ومن أنفهم، أى: وخلقها من أنفسهم، إذ الذكر من الأثى والأفى من الذكر . ((وبما لا يعلمون)) أى: وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لاعلم لهم بها، وإنما مرد عليها إليه وحده - تعالى - كما قال - سبحانه - ((ويخلق مالا تعلمون)). فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته - تعالى - وبديع خلقه، حيث خلق الأصناف كلها، نرى بعضها فابتا فى الأرض، وترى بعضها متمثلا فى الإنسان المكون من ذكر وأنثى ، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا لله - تعالى -. وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر قدرته عن طريق التأمل فى الأرض التى نعيش عليها، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل فى تقلب الليل (١) السير فتح القدير ج ٤ ص ٣٦٨. ٣٧ الجزء الثالث والعشرون والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، فقال - تعالى -: ((وآية لهم الليل نسلخ منه النهار، فإذا م مظلمون)). وقوله: (( نسلخ)) من السلخ بمعنى الكشط والإزالة، يقال: سلخ فلان جلد الشاة ، إذا أزاله عنها . والمراد هنا: إزالة ضوء النهار عن الليل، ليبقى لليل ظلمته . قال صاحب الكشاف: سلخ جلد الشاة، إذا كشطه عنها وأز اله. ومنه: سلخ الحيه لخر شائها - أى: لجلدها - فاستغير ذلك لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل، وملقى ضاله )،(!) . أى: ومن البراهين والعلامات الواضحة ، الدالة على وحدانية الله ، على إحياء الموتى، وجود الليل والنهار بهذه الطريقة التى نشاهدها ((حيث ينزع - سبحانه - عن الليل النهار، فيبقى لليل ظلامه ويصير الناس فى ليل مظلم، بعد أن كانوا فى نهار مضىء. فمعنى « فإذا هم مظلمون)): فإذا هم داخلون فى الظلام، بعد أن كانوا بعيدين عنه. يقال: أظلم القوم. إذا دخلوا فى الظلام. وأصبحوا، إذا دخلوا فى وقت الصباح . وقوله - تعالى -: ((والشمس تجرى لمستقر لها، بيان لدليل آخر على قدرته - تعالى - وهو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: ((وآية لهم الليل ..... قال الآلومى ما ملخصه وقوله: ((لمستقر لها، أى لحد معين تنتهى إليه .. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٦ (٢) تفسير الآلوسى : ٢٣ س ٠١٢ ٣٨ سورة يس شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره ... والمستقر عليه اسم مكان واللام بمعنى إلى ... ويصح أن يكون اسم زمان، على أنها تجرى إلى وقت لها لا تتعداه ، وعلى هذا فمستقرها: انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا ... ) (١). والمعنى: وآية أخرى لهم على قدرتنا، وهى أن الشمس تجرى إلى مكان معين لا تتعداه، وإلى زمن محدد لا تتجاوزه، وهذا المكان وذلك الزمان ، کلاھما لا يعلمه إلا الله - تعالى - . قال بعض العلماء: قوله - تعالى -: ((والشمس تجرى لمستقر لها، أى: والشمس تدور حول نفسها ، وكان المظنون أنها ثابتة فى موضعها الذى تدور فيه حول نفسها . ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة فى مكانها، وإنما هى تجرى فعلا تجرى فى اتجاه واحد ، فى هذا الفضاء المكونى الهائل بسرعة حسبها الفلكيون بإثنى عشر ميلا فى الثانية . واه ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول: إنها تجرى لمستقر لها، هذا المستقر لها. هذا المستقر الذى ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ولا يعلم موعده سواء. وحين تتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى فى الفضاء ولا يسندها شىء، حين نتصور ذلك ، ندرك طرفا من صفة القدرة التى تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم))(١). وقد ساق القرطبى عند تفسيره لهذه الآيه جملة من الأحاديث فقال : وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله - تعالى -: ((والشمس تجرى لمستقر لها، قال مستقرها تحت العرش». (١) فى ظلال القرآن : ٢٣ ص ٢٥. ٣٩ الجزء الثالث والعشرون ولفظ البخارى عن أبى ذر قال: قال النبى - صلى عليه وسلم - لى حين غربت الشمس: (( تدرى أين تذهب))؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها . فقال لها : ارجعى من حيث جئت. فتطلع من مغربها. فذلك قوله - تعالى -: ((والشمس تجرى لمستقر لها ... )،(١). واسم الإشارة فى قوله: (ذلك تقدير العزيز العليم، يعود إلى الجرى المفهوم من (( تجرى )). أى . ذلك الجريان البديع العجيب المقدر للشمس، تقدير انه - تعالى - العزيز الذى لا يغلبه غالب، العليم بكل شىء فى هذا الكون علما لا يخفى من قليل أو كثير من أحوال هذا الكون. ثم ذكر - سبحانه - آية أخرى تتعلق بكمال قدرته فقال: ((والقمر قدر ناء منازل ... ،. ولفظ القمر قرأه جمهور القراء بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده . والمنازل جمع منزل. والمراد بها أماكن سيره فى كل ليلة، وهى ثمان. وعشرون منزلا ، تبدأ من أول ليلة فى الشهر، إلى الليلة الثامنة والعشرين منه. ثم يستتر القمر ليلتين إن كان الشهر تاماً. ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر قسما وعشرين ليلة . أى: وقدر ناسير القمر فى منازل ، بأن ينزل فى كل ليلة فى منزل لايتخطاه ولا يتقاصر عنه، إذكل شىء عندنا بمقدار . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ((والقمر، بالرفع على الابتداء ، وخبره جمله (( قدر ناء)). (١) راجع تفسير القرطي = ١٥ من ١٧ وابن كثير جـ٢ ص ٠٥٦٢ ٤٠ سورة یی؟ .. .. قال الألوسى ما ملخصه. قوله: ((والقمر قدرناه)) - بالنصب -: أى: وصيرنا سيره، أى: محله الذى يسير فيه («منازل» فقدر بمعنى صير الناصب لمفعولين. والكلام على حذف مضاف، والمضاف المحذوف مفعوله الأول ((ومنازل)) مفعوله الثانى . . وقرأ الحرميان وأبو عمرو: ((والقمر، بالرفع، على الابتداء. وجملة « قدر ناه ، خبره . والمنازل: جمع منزل، والمرادبه المسافة التى يقطعها القمر فى يوم وليلة(١). وقوله - سبحانه -: حتى عاد كالمرجون القديم)) تصوير بديع لحالة القمر وهو فى آخر منازله . . والعرجون: هو قنو النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها وهو الذى يحمل ثمار النخلة سواء أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية . وسمى عرجونا من الانعراج، وهو الانعطاف والقوس ، شبه به القمر فى دقته وتقوسه واصفراره . أى: وصيرنا سير القمر فى منازل لا يتعداها ولا يتقاصر عنها، فإذا صار فىآخر منازله، أصبح فىدقته و تقوسه کالعر جون القديم ، أى : العتيق اليابس، قال بعض العلماء: والذى يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة . يدرك ظل التعبير القرآنى العجيب، حتى عاد كالعرجون القديم، وبخاصة ظل ذلك اللفظ ((القديم)). فالقمر فى لياليه الأولى هلال . وفى لياليه الأخيرة هلال . ولكنه فى لياليه الأولى يبد وكأن فيه نضارة وقوة . وفى اياليه الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم ، ويكون فينه شحوب وذبول . ذبول العرجون القديم . فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب، (٢). (١) راجع تقدير الألوسى جـ ٢٣ ص ٠١٦ (٢) تفسير : فى ظلال القرآن : ٢٣ ص ٢٥.