النص المفهرس

صفحات 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
سُورَة يَس
دكتور
محمد سيد طنطاوي
مفتى جمهورية مصر العربية
( الجزء الثانى والثالث العشرون)
١٤٠٨ ٥ - ١٩٨٨ م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
-

مَطبعة السّعادة،
ميد أن احمد ماهر- شارع الجداوى رقم ١٢
ت ١٩٠٧٣٧٩ ست ١٩٩٧٠

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿رَبِنَ تَفَلْ مِنَّا إِذَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ العَلِيمِ﴾
((صدق الله العظيم،

مقدمة
١ - سورة (يس)) من السور التى يحفظها كثير من الناس، لاشتهارها
فيما بينهم، وهى السورة السادسة والثلاثون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها
بعد سورة « الجن )).
قال القرطبى: وهى مكية بإجماع. وهى ثلاث وثمانون آية . إلا أن
فرقة قالت: إن قوله - تعالى -: ((ونكتب ما قدموا وآثارهم .. ، نزلت
فى بنى سلمة من الأنصار، حين أرادوا أن يتركوا ديارهم ، وينتقلوا إلى جوار
مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -... »(١)
-
٢ - وقد ذكروا فى فضلها كثيراً من الآثار، إلا أن معظم هذه الآثار،
منعفها المحققون من العلماء، لذا نكتفي بذكر ماهو مقبول منها .
قال ابن كثير ماملخصه: أخرج الحافظ أبو يعلى عن أبى هريرة قال :
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من قرأ( يس)) فى ليلة
أصبح مغفورا له ... )) .
وأخرج ابن حبان فى صحيحه ، عن جندب بن عبد الله قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قرأ سورة ((يس)) فى ليلة ابتغاء
وجه الله غفر له ،.
وأخرج الإمام أحمد فى مسنده ، عن معقل بن يسار ، أن رسول الله
(١) السير القرطبى : ١٥ ص١

- ٦ -
- صلى الله عليه وسلم - قال: البقرة سنام القرآن .... ويس قلب القرآن،
لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرء وها على موتاكم))
- أى: فى ساعات الاحتضار وعند خروج الروح ..
ثم قال ابن كثير: ولهذا قال بعض العلماء : من خصائص هذه السورة ،
أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله. وكأن قراءتها عند الميت لتنزل
الرحمة والبركة ، وليسهل عليه خروج الروح .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان ، قال : كان المشيخة
يقولون: إذا قرأت - يعنى إس - عند الميت، خفف عنه بها(١).
وقال الآلوسي ماملخصه: صح من حديث الإمام أحمد ، وأبى داود ،
وابن ماجه، والطبرانى، وغيرهم عن معقل بن يسار، أن رسول الله - صلى اته.
عليه وسلم - قال: يس قلب القرآن .
وذكر أنها تسمى المعمة، والمدافعة، والقاضيه، ومعنى المعمة: التى تهم
صاحبها بخير الدنيا والآخرة . ومعنى المدافعه التى تدفع عن صاحبها كل
سوء. ومعنى القاضية: التى تقضى له كل حاجة - بإذن الله وفضله، (٢) ..
٣ - وقد افتتحت سورة ((بس، بتأكيد صدق الرسول - صلى الله عليه
وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته،
وبتسليته عما أصابه منهم من أذى .
قال - تعالى -: ((يس)) والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين: على صراط
مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم . لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون . لقد
حق القول على أكثرم فهم لا يؤمنون .... ».
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٤٨°
(٢) راجع تفسير الآلوس = ٢٣ ص ٢٠٩

- ٧ -
٤ - ثم ساقت المنورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية,وما جرى
بينهم وبين الرسل الذين جاءوا إليهم هدايتهم، وكيف أهلك الله - تعالى -
المكذبين أرسله . .
قال - سبحانه -: ((واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذا جاءها المرسلون
إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إذا إليكم مرسلون. قالوا
ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شىء إن أنتم إلا تكذبون
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين
٠٠ ..
٥ - ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ، ألوانا من مظاهر قدرة الله
- تعالى -، ومن نعمه على عباده، تلك النعم التى تراها فى الأرض التى يعيشون
عليها، وفى الخيرات التى تخرج منها، كما نراها فى الليل والنهار. وفى الشمس
وفى القمر ... وفى غير ذلك من مظاهر نعمه التى لا تحصى:
قال - تعالى- ،وآية لهم الأرض الميتة. أحييناها، وأخرجنا منها حبا
فته بأكاون. وجعلنا فيها جنات من تخيل وأعناب، وجرنا فيها من العيون.
ليأكلوا من ثمره، وما عملته أيديهم أفلا يشكرون. سبحان الذى خلق
الأزواج كلها مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم وما لا يعلمون ... )).
٦ - وبعد هذا البيان الحكم لمظاهر قدرة الله - تعالى -، وفضله على
عباده، حكت السورة الكريمة جانباً من دعاوى المشركين الباطلة، وردت
عليهم بما يخرس ألسنتهم ، وصورت أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم
مسرعين ، ليقفوا بين يدى الله - تعالى - للحساب والجزاء ...
قال - تعالى -: ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون.
قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ماوعد الرحمن وصدق المرسلون. إن
كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس
شيئا ، ولا تجزون إلا ماكنتم تعملون ...

- ٨ -
٧ - وبعد أن تحكى السورة الكريمة ما أعده الله تعالى بفضله وكرمه
لعباده المؤمنين ، من جنات النعيم ، ومن خير غميم ... تعود فتحكى ماسيكون
عليه الكافرون من هم وغم ، وكرب وبلاء ، بسبب كفرهم ، وتكذيبهم
الحق الذى جاءهم به نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
قال - تعالى -: ( ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم
عدو مبين . وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلا كثيرا
أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التى كنتم توعدون . أصلوها اليوم بما
كنتم تكفرون ....
٨ - ثم تنزه السورة الكريمة النبى - صلى الله عليه وسلم - عما اتهمه به
أعداؤه، من أنه شاعر، وتسايه عما أصابه منهم ، وتبين للناس أن وظيفته
- صلى الله عليه وسلم - إنما هى الإنذار والبلاغ.
قال - تعالى -: ((وما علماء الشعر وما ينبغى له، إن هو إلا ذكر وقر آن
مبين، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ...
إلى أن يقول - سبحانه -: ((فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون
وما يعلنون)».
٩ - ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ماقاله أحد الأشقياء منكرا
البعث والحساب ، وردت عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم ، يرشد كل عاقل
إلى إمكانية البعث ، وأنه حق لاشك فيه ..
.
قال - تعالى -: ((أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم
مبين . وضرب لنا مثلا ونسى خلقه ، قال من يحيي العظام وهي رميم . قل
يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم . الذى جعل لكم من الشجر
الأخضر فارا فإذا أنتم منه توقدون. أو ليس الذى خلق السموات والأرض
بقادر على أن يخلق مثلهم ، بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد

- ٩ -
شيئا أن يقول له كن فيكون: فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء
وإليه ترجعون ).
١
١٠ - وبعد فهذا عرض محمل لسورة (((يس)) ومنه نرى، أن هذه السورة
الكريمة، قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى كمال قدرته
كما اهتمت بإبراز الأدلة المتعددة على أن البعث حق ، وعلى أن الرسول
- صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغة عن ربه ...
كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء
عاقبة الأشرار .
كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر، يغلب عليه قصر الآيات، وإيراد الشواهد
المتنوعة على قدرة الله - تعالى- ، عن طريق مخلوقاته المبثوثة فى هذا
الكون ، والتى من شأن المتأمل فيها بعقل سليم، أن يهتدى إلى الحق ، وإلى
الصراط المستقيم . .
وصدق الله - تعالى - فى قوله: «سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما
تنبت الأرض ومن أنفسهم وما لا يعلمون) .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهرة - مدينة نصر
د. محمد سيد طنطاوى
الأستاذ بجامعة الأزهر
صباح الخميس ٢٣ من شوال سنة ٤٠٥, ٥
١٩٨٥/٧/١١م

التفسير
قال الله - تعالى -:
((يَس (١) والقُرآنِ الحكيم (٢) إنّكَ لِنَّ المُرسِلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ
مُستقيمٍ (٤) تزيلَ العزيز الرحيم (٥) الْتُنذِرَ قوماً ما أُنذِرَ آباؤهمُ
فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لقد حَقَّ القولُ عَلَى أكثَرِمٍ فَهُم لا يُؤْمِنُونَ (٧)
إِنَّا جَعِلًْ فِى أَعناقِمْ أَغْلَالاً فهِىَ إلى الأذقانِ فُهُم مُقمحُونَ (٨) وجَعَلنَ
من بينٍ أَيدِيهِمْ سَدا ومن خَلْفَهِمْ سِدَّا فَأَغْشَيْنَهُ فَهُمْ لا يَبصِرُونَ (٩)
وسواءٍ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهِمْ أَمْ لم تنذِرْمُ لا يُؤمِنُونَ (١٠) إِنَّا تُنْذِرِ من
اتَِّعَ الدِّكْرَ وخشِىَ الرحمنَ بِالغَيبِ فَبِشَّرُهُ مْفِرة وأَجرٍ كُرِيمٍ (١١)
إنّا نحنُ نحي الموَنَى ونكتبُ ماقدَّمُوا وآثارَمُ، وَكَلَّ شَىءِ أحْصَّيِنَاءُ
فى إمامٍ مُبينٍ (١٢) . .
قوله - تعالى -: يس، من الألفاظ التى اختلف المفسرون فى معناها ،
فمنهم من يرى أن هذه الكلمة اسم السورة، أو القرآن، أو للرسول - صلى
الله عليه وسلم - .
ومنهم من يرى أن معناها: يارجل، أو يا إنسان .
ولعل أرجح الأقوال أن هذه الكلمة من الألفاظ المقطعة التى افتتحت
بها بعض السور القرآنية، الإشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، وللتنبيه إلى
أن هذا القرآن المؤلف من جنس الألفاظ التى ينطقون بها، هو من عند
القه - تعالى-، وأنهم ليس فى إمكانهم أو إمكان غيرهم أن يأتوا بمثله،
أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله ...

١١
الجزء الثانى والعشرون
قال الألوسى: قوله - تعالى -: ((يس): الكلام فيه كالكلام فى « ألم،
ونحوه من الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور، إعرابا ومعنى عند الكثيرين.
وظاهر كلام بعضهم أن ((يس) بمجموعة، اسم من أسمائه صلى اللّه
عليه وسلم .
وقرأ جمع بسكون النون مدغمة فى الواو . وقرأ آخرون بسكونها مظهرة
والقراء نان سبعيتان .... ,(١).
وقوله - تعالى -: ((والقرآن الحكيم، قسم منه - تعالى - بكتابه ذى الحكمة
العالية. والهدايات السامية والتوجيهات السديدة ، والتشريعات القويمة ،
والآداب الحميدة ...
وقوله - سبحانه -: (( إِنك لمن المرسلين، جواب لهذا القسم.
أى: وحق هذا القرآن الحكيم، إنك - أيها الرسول الكريم - لمن عبادنا
الذين اصطفيناهم لحمل رسالتنا ، وتبليغ دعوتنا إلى الناس ، لكى يخلصوا
العبادة لنا، ولا يشركوا معنا فى ذلك غيرنا.
وجاء هذا الجواب مشتملا على أكثر من مؤكد، الرد على أولئك
المشركين الذين استنكروا رسالة النبى - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا فى شأنه:
((ليست مرسلا)).
قال بعض العلماء: واعلم أن الأقسام الواقعة فى القرآن، وإن وردت فى
صورة تأكيد المحلوف عليه، إلا أن المقصود الأصلى بها تعظيم المقسم به .
لما فيه من الدلالة على أقصافه - تعالى - بصفات الكمال، أو على أفعاله العجيبة،
أو على قدرته الباهرة فيكون المقصود من الحلف، الاستدلال به على عظم
المحلوف عليه، وهو هنا عظم شأن الرسالة . كأنه قال: إن من أنزل القرآن
(١) راجع تفسير الآلومى = ٣٢ ص ٢١٠

١٢
سورة بين
- وهو ماهو فى عظم شأنه - هو الذى أرسل رسوله محمداً - صلى اللهعليه وسلم-
ومثل ذلك يقال فى الأقسام التى فى السور الآتية ... ) (١).
وقوله - تعالى - ((على صراط مستقيم)) خبر ثان حرف ((إن)) فى قوله
- تعالى - قبل ذلك: (( إنك لمن المرسلين)).
أى: إنك - يا محمد - لمن أنبيائنا المرسلين، على طريق واضح قويم،
لا أهوجاج فيه ولا اضطراب، ولا ارتفاع فيه ولا انخفاض، بل هو فى
نهاية الاعتدال والاستقامة .
قال صاحب الكشاف: قوله: ((على صراط مستقيم، خبر بعد خبر،
أو صلة المرسلين .
فإن قلت : أى حاجة إليه خبرا كان أو صلة، وقد علم أن المرسلين
لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟
قلت : ليس الغرض بذكره ماذهبت إليه من تميز من أرسل على صراط.
مستقيم عن غيره من ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه، ووصف ماجاء
به من الشريعة، تجمع بين الوصفين فى نظام واحد ، كأنه قال : إنك لمن
المرسلين الثابتين على طريق ثابت . وأيضا فإن التفكير فيه دل على أنه أرسل
من بين الصراط المستقيمة ، على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه - أى : فى
التفخيم والتعظيم -،(٢).
ثم مدح - سبحانه - كتابه بمدائح أخرى فقال: ((تنزيل العزيز الرحيم))
وقد قرأ بعض القراء السبعة: «تنزيل)) بالنصب على المدح، أو على المصدرية
لفعل محذوف. أى: نزل الله - تعالى - القرآن تنزيل العزيز الرحيم.
(١) تفسير ((صفوان البيان)) ج ٢ ص ٢١ لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين
محمد مخاوف :
(٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص٤

١٣
الجزء الثانى والعشرون
وقرأ البعض الآخر: ((تنزيل)) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
أى: هذا القرآن هو تنزيل العزيز - الذى لا يغلبه غالب -، الرحم أى
الواسع الرحمة بعباده.
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال :
((لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون)).
٠٠
واللام فى قوله: ((لتنذر)) متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله: (( إنك
لمن المرسلين ، .
والإنذار: إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من الخوف . فإن
لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار. وأكثر ما يستعمل فى القرآن
فى التخويف من عذاب الله - تعالى -.
والمراد بالقوم: كفار مكة الذين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم- الإنذارم،
وهذا لا يمنع أن رسالته عامة إلى الناس جميعا، كما قال - تعالى -: ((قل يأيها الناس
إنى رسول الله إليكم جميعا ... )، و((ما، نافية. والمراد بآبائهم: آباؤه
الأقربون، لأن آباءهم الأبعدون قد أرسل الله - تعالى - إليهم إسماعيل
- عليه السلام - .
أى: أرسلناك - يا محمد - بهذه الرسالة من لدنا، لتنذر قوما، وهم قريش
المعاصرون لك، لم يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سو.
عاقبة الإشراك بالله - تعالى -، فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم
من إخلاص العبادة له ، وطاعته فى السر والعلن .
قال ابن كثير: قوله (( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون)) يعنى هم
العرب ، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله . وذكرهم وحدهم لا ينفى من عدام ،
كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفى العموم، الذى وردت به الآيات ،
والأحاديث المتواترة .. » (١).
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٤٩

١٤
سورة إس
وقال الجمل ما ملخصه: قوله ((لتنذر قوما .. )) أى العرب وغيرهم. وقوله
« ما أنذر آباؤهم، أى الأقربون، وإلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا فآباء
العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل، وآباء غيرهم أنذروا بعيسى ...
و «ها، نافية، لأن قريشا لم ببعث إليهم فى قبل نبينا - صلى الله عليه وسلم -
فالجملة صفة لقوله ((قوما، أى: قوما لم ينذروا. وقوله (، فهم غافلون)) مرتب
على الإنذار .. ))(١).
ثم بين - سبحانه - مصير هؤلاء الغافلين، الذين استمروا فى غفلتهم
وكفرهم بعد أن جاءهم النذير، فقال: ((لقد حق القول على أكثرم، فهم
لا يؤمنون».
والجملة جواب لقسم محذوف . ومعنى (( حق)، ثبت ووجب .
والمراد بالقول: العذاب الذى أعده الله - تعالى - لهم بسبب إصرارهم
علی کفرهم.
أى: والله لقد ثبت وتحقق الحكم أزلا بالعذاب على أكثر هؤلاء المنذرين
بسبب عدم إيمانهم برسالتك، وجحودهم للحق الذى جئتهم به، وإيثارهم
باختيارهم الغى على الرشد ، والضلال على الهدى ..
وقال - سبحانه - على أكثرهم، لأن قلة منهم أنبعت الحق، وآمنت به
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «إن الذين حقات عليهم كلمة ربك لا يؤمنون
ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم».
ثم صور - سبحانه - انكبابهم على الكفر ، وإصرارهم عليه، تصويرا
بليما فقال: ((إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون ...
(١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٠٤٠٣

١٥
الجزء الثانى والعشرون
والأغلال: جمع غل - بضم العين - وهو القيد الذى تشد به اليد إلى العنق
بقصد التعذيب والأذقان: جمع ذقن - بفتح الذال ـ وهو أسفل الفم.
ومقمحون: من الإقاح، وهو رفع الرأس من غض البصر. يقال:
قمح البعير قوحا إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. والفاء فى قوله ((فهى))
وفى قوله ، فهم، : للتقريع.
أى: إذا جعلنا فى أعناق هؤلاء الجاحدين قيودا عظيمة، فهى - أى هذه
القيود - واصلة إلى أذقانهم، فهم بسبب ذلك مرفوعة رءوسهم، مع غض
أبصارهم ، بحيث لا يستطيعون أن يخفضوها، لأن القي ود التى وصلت إلى
أذقانهم منعتهم من خفض ر.وسهم .
فقد شبه - سبحانه - فى هذه الآية، حال أولئك الكافرين ، المصرين على
جحودهم وعنادهمٍ، بحال من وضعت الأغلال فى عنقه ووصلت إلى ذقنه ،
ووجه الشبه أن كليهما لا يستطيع الانفكاك عما هو فيه .
ثم أكد - سبحانه - هذا الإصرار من الكافرين على كفرهم فقال :
( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون)).
أى: أننا لم تكتف يجعل الأغلال فى أعناقهم ، بل أضفنا إلى ذلك أننا
جعلها من أمامهم حاجزاً عظيما، ومن خلفهم كذلك حاجزاً عظيما .. فأغشينام)»
أى: تجعلنا على أبصارهم غشاوة وأغطية تمنعهم من الرؤية ((فهم لا يبصرون))
شيئا بسبب احتجاب الرؤية عنهم .
فالآية الكريمة تمثيل آخر لتصميمهم على كفرهم ، حيث شبههم
- سبحانه - بحال من أحاطت بهم الحواجز من كل جانب ، فمنعتهم من
الرؤية والإبصار .
ولذا قال صاحب الكشاب عند تفسيره لها نين الآيتين: ثم مثل تصميمهم
على الكفر، وأنه لا سبيل إلى ارعواتهم، بأن جعلهم كالمغلولين المقصحين:

١٦
سورة يس
فى أنهم لا يلتفتون إلى الحق ، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون
ر.وسهم له، وكالحاصلين بين سدين، لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم :
فى أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر فى آيات الله))(١).
وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن
جرير عن عكرمة، أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدا لأفعلن ولافعلن،
فأنزل الله - تعالى - قوله: (( إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا ... ، فكانوا
يقولون لأبى جهل: هذا محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقول: أين هو؟
ولا يبصر ،(٢).
وقوله - تعالى -: وسواء عليهم الغذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون،
بيان لما وصل إليه هؤلاء الجاحدون من عناد وانصراف عن الحق.
وقوله ((سواء)) أسم مصدر بمعنى الاستواء، والمراد به اسم الفاعل.
أى: مستو أى: أن هؤلاء الذين جعلنا فى أعناقهم أغلالا .. وجعلنا من بين
أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه، فهم - لسمو.
استعدادهم وفساد فطرهم - لا يؤمنون بالحق الذى جئتهم به سواء دعوتهم
إليه أم لم تدعهم إليه، وسواء خوفتهم بالعذاب أم لم تخوفهم به، لأنهم ماقت
قلوبهم، وصارت لا تتأثر بشىء ما تدعوهم إليه .
ثم بين - سبحانه - من هم أهل للتذكير فقال: ((إنما تنذر من
اتبع الذكر ، .
أى: إنما تنذر - أيها الرسول الكريم - إنذارا نافعا، أولئك الذين اتبعوا
إرشادات القرآن الكريم وأوامره ونواهيه ...
وينفع إنذارك - أيضاً - مع من ((خشى الرحمن بالغيب، أى: مع من
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص٥.
(٢) لباب النقول فى أسباب النزول جـ ١٨٧ السيوطى.

١٧
الجزء الثانى والعشرون
خاف عقاب الرحمن دون أن يرى هذا العقاب، ودون أن يرى الله - تعالى -
الذى له الخلق والأمر.
هؤلاء هم الذين ينفع معهم الإنذار والتذكير والإرشاد، لأنهم فتحوا
قلوبهم للحق ، واستجابوا له .
والفاء فى قوله: « فبشره بمغفرة وأجر كريم» لترتيب البشارة أو الأمر
بها، على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية .
أى: فبشر - أيها الرسول الكريم - هذا النوع من الناس، بمغفرة عظيمه
هنا لذنوبهم ، وبأجر كريم لا يعلم مقداره أحد سوانا .
ثم أكد - سبحانه - أن البعث حق، وأن الجزاء حق ، لكى لا يففل
عنهما الناس، ولكى يستعدوا لهما بالإيمان والعمل الصالح فقال: (( إنا نحن
نحي الموتى .....
أى: إنا نحن بقدر تنا وحدها نحى الموتى بعد موتهم ، ونعيدهم إلى الحياة
مرة أخرى لكى تحاسبهم على أعمالهم .
(((ونكتب ما قدموا وآنارهم، أى: وإنا نحن الذين نسجل عليهم أعمالهم
التى عملوها فى الدنيا سواء أكانت هذه الأعمال صالحة أم غير صالحة.
ونسجل لهم - أيضاً - آثارهم التى تركوها بعد موتهم سواء أكانت صالحة
كعلم نافع، أو صدقة جارية ... أم غير صالحة كدار للهو واللعب، وكرأى
من الآراء الباطلة التى اتبعها من جاء بعدهم ، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون
من ثواب أو عقاب ((وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين، أى: وكل شىء أنبقنا.
وبيناه فى أصل عظيم، وفى كتاب واضح عندنا، ألا وهو اللوح المحفوظ،
أو علمنا الذى لا يعزب عنه شىء.
قال الإمام ابن کثیر ما ملخصه: وفى قوله «وآثارهم ، قولان :
أحدهما : أى: ونكتب أعمالهم التى باشروها بأنفسهم، وآثارهم التى
أثروها - أى تركوها - من بعدهم، فنجزيهم على ذلك - أيضاً -، إن خيراً
( ٢ - سورة يس )

١٨
سورة يس
تغير، وإن شرا فشر. كقوله - صلى الله عليه وسلم - من سن فى الإسلام سنة
حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم
شىء، ومن سن فى الإسلام سنة سيئة، کان عليه وزرها ووزر من عمل بها
من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شى.)) ..
والثانى: أن المراد بقوله ((وآثارهم، أى: آثار خطاهم إلى الطاعة
أو المعصية .. فقد روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: خلت
البقاع حول المسجد ، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: إنه بلغنى أنكم تريدون أن تنتقلوا
إلى المسجد ؟ قالوا : نعم، يارسول الله !.
قد أردنا ذلك. فقال: يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم دياركم
تكتب آثاركم ..
ثم قال ابن كثير : ولا تنافى بين هذا القول والذى قبله ، بل فى القول
الثانى تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه
الآثار تكتب ، فلأن تكتب التى فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق
الأولى(١).
هذا، وتلك الرواية الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية - كما
قیلـ ، لأن هذه الرواية تصرح بأن الرسول-صلى الله عليه وسلم - قد قال
لبنى سلمه، ((دياركم تكتب آثاركم، أى: الزموا دياركم تكتب آثاركم، دون
إشارة إلى سبب النزول .
قال الآلوسى ما ملخصه، والأحاديث التى فيها أن الله - تعال - أنزل هذه
الآية، حين أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم. معارضة بما فى الصحيحين
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ س ٠٥٥١

١٩
الجزء الثانى والعشرون
من أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قرأ لهم هذه الآية، ولم يذكر أنها نزات
فيهم، وقراءته - صلى الله عليه وسلم - لاتنافى تقدم النزول . أى: أن الآية
مكية كبقية السورة(١) .
وبذلك نزى الآيات الكريمة ، قد أثبتت صدق الرسول - صلى الله عليه
وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وبينت الحكمة من رسالته، كما بينت أن يوم
القيامة آت لا ريب فيه .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرأ على الناس
- ليعتبروا ويتعظوا - قصة أصحاب القرية، وماجرى بينهم وبين الرسل الذى
جاءوا لهدايتهم وإرشادهم إلى الطريق المستقيم فقال - تعالى -:
((واضْرِب لهمْ مثلاً أصحابَ القَرْية إذْ جاءها المرسَّلُونَ (١٣)
إِذْ أَرَسَلَنَا إِلَيهِمِ اثْنَيْنِ فكذَّبُوهُما فعزَّزْنَاَ بثالثٍ فقالُوا إنَّا إليكُم
مُرْسَلُون (١٤) قالُوا ما أَنتُّ إِلاَّ بِشَرٌ مِثْلَنَا، وما أَنْزَلَ الرَّحمنُ من
شَىْءِإنْ أَثُم إلاَّ تَكَذِبُونَ (١٥) قَالُوا رِيِّنَا يَعلَمُ إِنَّا إليْكُم لمرسَلُونَ (١٦)
وما علَيْنَا إلَّ البلاغُ المبينُ (١٧) قالُوا إِنَّا تَطيّرْنا بُكْمٍ، أَبْنْ لم تَنْتَهُوا
لَوْتَّكُمْ وليمشَكُم مِنَّا عذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالوا طائِكُمْ معُكُمْ أَمِنْ
ذُ كَّرْثم بل أنَّمَ قَومٌ مُسرِفِونَ (١٩))) .
قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ، واضرب لهم مثلا أصحاب
القرية، وهذه القرية هى أنطاكية فى قول جميع المفسرين ... والمرسلون:
(١) تفسير الآلوسي = ٢٢ ص ٠٢١٨

٢٠
سورة إس
قيل: هم رسل من الله على الابتداء. وقبل إن عيسى بمثهم إلى أنطاكية للدعاء
إلى الله - تعالى - .. )(١).
ولم يرقض ابن كثير ما ذهب إليه القرطبى والمفسرون من أن المراد
بالقرية ((أنطاكية)، كما أنه لم يرتض الرأى القائل بأن الرسل الثلاثة كانوا من.
عند عيسى - عليه السلام -...
فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: وقد تقدم عن كثير من السلف، أن هذه
القرية هى أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلامن عيسى - عليه السلام -.
وفى ذلك نظر من وجوه :
أحدها : أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء کانوا رسل الله - عز وجل -
لا من جهة عيسى، كما قال - تعالى - إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما
فعززنا بثالث ...
الثانى: أن أهل أنطا كية آمنوا برسل عيسى إليهم، وكانوا أول مدينة
آمنت بالمسيح عليه السلام، ولهذا كانت عند النصارى، إحدى المدن الأربعة
التى فيها بتاركه - أى ، علماء بالدين المسيحى ،
الثالث : أن قصه أنطاكية مع الحوار بين أصحاب عيسى ، كانت بعد نزول
التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدرى وغيره، أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة
لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد
ذلك بقتال المشركين ...
فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة. قرية أخرى غير أنطاكية ..
فإن هذه القرية المشهورة بهذا الإسم لم يعرف أنها أهلكت، لا فى الملة النصرانية
ولا قبل ذلك(٢).
(١) راجع تفسير القرطبى = ١٥ ص ١٤.
(٢) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٥٩