النص المفهرس

صفحات 281-288

٢٨١
الجزء الثانى والعشرون
لهم: إذا كانوا لم يخلقوا شيئاً من الأرض، فهل لهم معنا شركة فى خلق
السموات أو فى التصرف فيها وحتى يستحقوا لذلك مشار كتنا فى العبادة
والطاعة .
وقوله : ((أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه، تبكيت ثالث لهم، أى:
وقل لهم إذا كانوا لم يخلقوا شيئاً من الأرض، ولم يشاركونا فى خلق
السموات ، فهل نحن أنزلنا عليهم كتابا أقررنا لهم فيه بمشاركتنا، فتكون
لهم الحجة الظاهرة البينة على صدق ما يدعون ؟
والاستفهام فى جميع أجزاء الآية الكريمة للإفكار والتوبيخ.
والمقصود بها قطع كل حجة يتذرعون بها فى شركهم، وإزهاق باطلهم
بألوان من الأدلة الواضحة التى تثبت جهالاتهم، حيث أشر كوا مع الله- تعالى-
مالا يضر ولا ينفع ، ومالا يوجد دليل أوما يشبه الدليل على صحة ماذهبوا
إليه من كفر وشرك.
ولذا ختمت الآية الكريمة بالإضراب عن أوهامهم وبيان الأسباب التى
حملتهم على الشرك، فقال - تعالى -: «بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا
إلا غرورا).
أى: أن هؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئاً لامن الأرض ولا من السماء.
ولم نؤتهم كتابا بأنهم شركاء أنا فى شىء، بل الحق أن الظالمين يدع بعضهم
بعضا، ويعد بعضهم بعضا بالوعود الباطلة، بأن يقول الزعماء لأتباعهم:
إن هؤلاء الآلهة هم شفعاؤنا عند الله، وأننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اله
زلفى، فيترتب على قولهم هذا، أن ينساق الأتباع وراءهم كما تنساق الأنعام
وراء راعيها .
وبعد أن بين - سبحانه - ما عليه المعبودات الباطلة من مجزوضعف، أتبع

٢٨٢
سورة فاطر
ذلك ببيان جانب من عظيم قدرته، وعميم فضله فقال: ((إن الله يمسك
السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده))
أى: إن الله - تعالى - بقدرته وحدها، يمسك السموات والأرض
كراهة أن تزولا ، أويمنعهما ويحفظهما من الزوال أو الاضمحلال
أو الاضطراب، ولئن زالتا - على سبيل الفرض والتقدير - فلن يستطيع
أحد أن يمسكهما ويمفعهما عن هذا الزوال سوى الله - تعالى - ، إنه))
- سبحانه - ((كان)) وما زال ((حلما)، بعباده «غفوراء لمن تاب إليه
وأناب، كما قال - تعالى -: ((وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا
ثم اهتدى ».
قال الآلوسي: قوله: ((ولئن زالتا، أى: إن أشرفتا على الزوال على
سبيل الفرض والتقدير: «إن أمسكهما، أى: ما أمسكهما (( من أحد من
بعده، أى: من بعد إمساكه - تعالى - أو من بعد الزوال، والجملة
جواب القسم المقدر قبل لام التوطئة فى «لنن)، وجواب الشرط محذوف
لدلالة جواب القسم عليه .... و«من الأولى مزبدة لتأكيد العموم،
والثانية للإبتداء (١).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما كان عليه المشركون من نقص
العهود، ومن مكرمى. حاق بهم، ودعاهم - سبحانه - إلى الاعتبار بمن
سبقهم، وبين لهم جانباً من مظاهر فضله عليهم ورأفته بهم فقال - تعالى -:
(١) تفسير الآلومى = ٢٢ ص ٢٠٤

٢٨٣
الجزء الثانى والعشرون
وَأَقْسَمُوْ ◌ِلِّ جَهْدَ أَيْنِهِمْ لَبْن ◌َجَآءُ هُمْ
تَذِيرٌ لَّيَكُونُنْ أَهْدَىْ مِنْ إِحْدَى الْأُمِّ قَ ◌َهُم ◌َذِيرٌ مَّازَادَهُمْ
إِلَّ نُفُورًا ( أَسْتِكَّارًا فِ اْأَرْضِ وَمَكْرَ السِّيٍّ وَلَ يَحِقُ الْمَكُرُ
السَِّّ إِلَّ ◌ِهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ سُنَّتَ الْأُوْلِنَّ قَلْن ◌َجِدَ لُنَّتِ
اللَّهِتَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَتِ آلِهِحْوِيلًا ﴾ أَوَلَّ يَسِيرُوا فِي
الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَدِقِيَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْنِزُ، مِنْ شَىْءٍ فِ السَّعَلَوْتِ وَلَا فِى
الْأَرْضَِّ إِنَُّ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرً (﴾ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا
كَسَبُوْ مَاتَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآَّةٍ وَلَكِنِ يُؤَبِرُهُمْ إِلَ أَجَلِ مُسَّىَّ
فَإِذَا جَاء أَجُلُهُمُ فَإِنَّ الََّ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا ()
قال القرطى: قوله - تعالى -: «وأقسموا بالله جهد أيمانهم لتن جاءهم
نفير ليكونن أهدى من إحدى الأمم .. ،: هم قريش أفسموا قبل أن يبعث
الله رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - حين بلغهم أن أهل الكتاب، كذبوا
رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم ١١،٠٠).
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٠٣٥٨

٢٨٤
سورة اخر
و«جهد أيمانهم)، أى: أقوى أيمانهم وأغلظها والجهد: الطاقة
والوسع والمشقة .
يقال : جهد نفسه يجهدها فى الأمر ، إذا بلغ بها أقصى وسعها
وطاقتها فيه .
والمراد: أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها، بكل ألفاظ التوكيد والتوثيق.
أى: أن كفار مكة، أقسموا باقه - تعالى - قسما مؤ كدا موثقا مغلظا،
(( لئن جاءهم نذير، أى: فيى ينذرهم بأن الكفر باطل وأن الإيمان بالله هو الحق.
((ليكونن أهدى، سبيلا (( من إحدى الأمم)، أى: ليكونن أهدى من.
اليهود ومن النصارى ومن غيرهم «فى اتباعهم وطاعتهم، لهذا الرسول
الذى يأتيهم من عند ربهم لهدايتهم إلى الصراط المستقيم .
((فلما جاءهم تذير)) وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -. الذى هو
أشرف الرسل .
« مازادهم إلا نغورا، أى: ما زادهم مجيئه لهم إلا نفورا عن الحق،
وقباعدا عن الهدى. أى: أنهم قبل مجىء الرسول - بَل ـ كانوا
بتمنون أن يكون الرسول منهم، لامن غيرهم وأقسموا بالله بأنهم سيطيعوله
فلما جاءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفروا عنه ولم يؤمنوا به.
وإنما كان القسم باته - تعالى - غاية أيمانهم لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم
وبأصنامهم، فإذا إشتد عليهم الحال، وأرادوا تحقيق الحق، حلفوا باقه
- تعالى - .
وقوله ((ليكونن، جواب القسم المقدر. وقوله ( ما زادهم إلا نفورا).
جواب لما .
. وقوله - تعالى -: (إستكبارا فى الأرض) بدل من(نفورا) أو مفعول.
لأجله (ومكر السىء) معطوف على قوله (إستكبار).
1

:
الهو. الثانى والعشرون
٢٨٥
والمراد بمكرهم الىء: تصميمهم على الشرك، وتكذيبهم الرسول- صلى
الله عليه وسلم -، من أجل المعاندة للحق، والإستكبار عنه، ومن أجل المكر
الىء الذى إستولى على نفوسهم، والحقد الدفين الذى فى قلوبهم.
وقوله (السىء) صفة الموصوف المحذوف، وأصل التركيب: وأن مكروا
المكر السىء، فأقيم المصدر مقام أن والفعل، وأضيف إلى ما كان صفة له.
وقوله - تعالى -: (ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله) بيان لسوء عاقبة
مكرهم، وأن شره ما نزل إلا بهم .
وقوله: ( يحيق) بمعنى يحيط ويقول. يقبول: حاق بفلان الشىء، إذا
أحاط ونزل به. أى: ولا ينزل ولا يحيط شر ذلك المكر السىء إلا بأهله
الماكرين.
قال صاحب الكشاف: لقد حلق بهم يوم بدر. وعن النبى - صلى انه
عليه وسلم -: ( لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا، فإن الله - تعالى - يقول:
ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله. ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا، فإن الله -تعالى-
يقول: (يا أيها الناس إنما يفيكم على أنفسكم)(١).
وقال الألوسى - رحمه الله - والآية عامة على الصحيح، والأمور بعوافيها
-والله - تعالى - يمهل ولا يهمل، ووراء الدنيا الآخرة، وسيعلم الذين ظلموا
أى منقلب ينقلبون .
وبالجملة: من مكر به غيره، ونفذ فيه المكر عاجلا فى الظاهر، ففى الحقيقة
هو الفائز، والماكر هو الهالك (٢).
وقوله - تعالى - ( فهل ينظرون إلا سنة الأولين) حض لهم على
الاستجابة للحق، وترك المكر والمخادعة والعناد. والسنة: الطريقة.
(١) تفسير الكاف جـ ٣ من ٠٦١٨
.(٢) تفسير الآلوسى + ٢٢ ص ٢٠٦

٢٨٦
سورة فاطر
أى: إذا كان الأمر كماذكرنا ، فهل ينتظر هؤلاء الماكرون، إلا طريقتنا
فى الماكرين من قبلهم، وهى إهلاكهم ونزول العذاب والخسران بهم، إنهم
ما ينتظرون إلا ذلك ،
وقوله - سبحانه -: «فلن تجد لسنة الله تبديلا، وأن تجد لسنة اللهـ
تحويلا)، تأكيد لثبات سنته - تعالى - فى خلقه، وتعليل لما يفيد، الحكم
بانتظارهم العذاب.
أى: هذه منتنا وطريقتنا فى الماكرين والمكفبين لرسلهم ، أننا نمهلهم
ولا تهملهم، ونجعل العاقبة السيئة لهم، ولن تجد لسنة الله - تعالى -فى خلقه
تبديلا بأن يضع غيرها مكانهم ولن نجدلها تحويلاعما سارت عليه وجرت به
قال الجمل ما ملخصه: قوله: ((فهل ينظرون إلا سنة الأولين، مصدر
مضاف لمفعوله قارة كماهنا، ولفاعله أخرى كقوله . فلن تجد لسنة الله تبديلا»
لأنه - تعالى - سنها بهم، فصحت إضافتها الفاعل والمفعول. والفاء فى
قوله «فلن تجد، لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارم المذاب ، وافى وجدان
التبديل والتحويل، عبارة عن نفى وجودهما بالطريق البرهانى، وتخصيص
كل منهما بنفى مستقل لتأكيد إنتفائهما.
والمراد : بعدم التبديل، أن المذاب لا يبدل بغيره. وبعدم التحويل:
أنه لا يحول عن مستحقه إلى غيره ، وجمع بينهما هنا : تعميما لتهديد
المسىء لقبح مكره (١).
ثم ساق لهم - سبحانه - ما يؤكد عدم تغيير سفته فى خلقه، بأن حضهم.
على الإعتبار بأحوال المهلكين من قبلهم، والذين يرون بأعينهم آثارهم، فقال
- تعالى -: ((أو لم يسيروا فى الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من
قبلهم وكانوا أشد منهم قوة،.
(١) حاشية الجمل على مجلالين +٣ ص٠٠

٢٨٧
الجزء الثانى والعشرون
أى أعمى هؤلاء الماكرون عن التدبر، ولم بسيروا فى الأرض ، فيروا
بأعينهم فى رحلاتهم إلى الشام إلى اليمن أو غيرهما، كيف كانت عاقبة
المكذبين من قبلهم ، لقد دمر ناهم تدميرا، مع أنهم كانوا أشد من مشركى مكه
قوة، وأكثرجمعا ((وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموات ولا فى الأرض
أى وما كان شأن الله - تعالى - أن يعجزه شىء من الأشياء، -وا.
أكان فى السموات أو فى الأرض «بل كل شىء تحت أمره وتصرفه.
((إنه)) - سبحانه - ((كان عليما) بكل شىء ,قديرإ على كل شئ.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جانب من رحمته بعباد. فقال
( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) من الذنوب أو الخطايا.
( ما ترك على ظهرها) أى على ظهر الأرض (من دابة) من الدواب التى
تدب عليها، ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) وهو يوم القيامة.
( فإذا جاء أجلهم ) الذى حدده - سبحانه - لحسابهم ، جازاهم بما
يستحقون (فإن الله كان بسيادة بصيرا) أى: لا يخفى عليه شىء من أحوالهم.
وبعد: فهذا تفسير لسوة فاطر، فسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتبه الراجى عفو ربه
محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
صباح الأحد: ٢٠ من شوال سنة ١٩٨٥/٧/٢٥١٤٠٥ م

٢٨٨
فهرس إجالى لتفسير سورة (( فاطر))
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصحة
٢٢٧
المقدمه ..
٢٣١
الحمد لله فاطر السموات والأرض ..
١
٢٣٧
وإن يكذبوك فقد كذبت ..
٤
٢٤٣
واة الذى أرسل الرياح ..
٩
٢٥٧
١٥
يأيها الناس أنتم الفقراء ..
ألم تر أن أنزل ..
٢٧٥
٢٧
ثم أورثنا الكتاب . .
٣٢
والذين كفروا لهم نار جهم ..
٣٦
هو الذى جعلكم خلائف ..
٣٩
٢٢٠
٢٧٧
٢٧٨
وأقسموا بالله جهد أيمانهم ..
٤٣
٢٨٤
٧ ش الباب الأخضر المشهد الحسينى
ت ٩٣٦٠٠٨
القاهرة