النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ الجزء الثانى والعشرون أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين على سبيل التقريع والتعجيز: هؤلاء آلهتكم الذين زعمتموهم آلهة، من دون الله ، اطلبوا منهم أن ينفعوكم أو أن يرفعوا عنكم ضراً نزل بكم ، إنهم بالقطع أن يستطيعوا شيئاً من ذلك . ولذا جاء التأكيد على عجز هذه الآلهة المزعومة بعد ذلك فى قوله - تعالى -: ((لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض .. )). أى : هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئا ما قل أو كثر لا فى السموات ولا فى الأرض ، هل الذى يملك كل شىء، هو الله - تعالى - وحده. فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان حال هذه الآلهة، والكشف عن حقيقتها. والتعبير بعدم ملكيتهم لمثقال ذرة، المقصود به أنهم لا يملكون شيئا على الإطلاق ولأن مثقال الذرة أقل ما يتصور فى الحقارة والقلة. وذكر - سبحانه - السموات والأرض لقصد التعميم، إذهما محل الموجودات الخارجية . أى : لا يملكون شيئاما فى هذا الكون العلوى والسغلى . وبعد أن نفى عن الشركاء الملكية الخالصة لأى شىء فى هذا الكون ، أقبع ذلك بشفى ملكيتهم لشىء ولو على سبيل المشاركة ((فقال - تعالى -: ((وما لهم! فيهما من شرك وما له منهم من ظهير))". أى: أن هؤلاء الذين زعمتموتم شركاء ه - تعالى - فى العبادة، لا يملكون شيئا مافى هذا الكون ملكية خاصة ، ولا يملكون شيئا ما - أيضا - على سبيل المشاركة لغيرهم، وليس لله - تعالى - أحد بعينه أو يظاهره فيما يريد من إيجاد أو إعدام، بل الأمر كله إليه وحده . ١٨٢ -ورقسباً فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نفت عن تلك الآلهة المزعومة، ملكية أى شىء فى هذا الكون، سواء أ كانت ملكية خالصة . أم ملكية على سبيل المشاركة، وأثبتت أن المالك والمتصرف فى هذا الكون إنما هو الله -تعالى- وحده، دون أن يكون فى حاجة إلى مون من تلك الآلهة أم من غيرها. ثم نفى - سبحانه - أن تكون هناك شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه - تعالى - فقال: ((ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له». والشفاعة : من الشفع الذى هو عند الوتر - أى: الفره - ومعناها: انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه ما يمكن دفعه من ضر . أى: ولا تنفع الشفاعة عند الله - تعالى - من أحد لأحد ، إلا من أذن الله - تعالى - له فى ذلك . قال الألوسى ما ملخصه: والمراد ففى شفاعة الأصنام العا بدئها، لكنه - سبحانه - ذكر ذلك على وجه عام ، ليكون طريقا برهانيا . أى : لا تنفع الشفاعة فى حال من الأحوال، أو كائنة لمن كانت ، إلا كائنة الشافى أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة. ومن البين أنهم لا يؤذن فى الشفاعة للكفار، فقد قال - تعالى -: ((لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب ، وعدم الإذن الأصنام أبين وأبين ، فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية ..: ٠ (١) . وقوله : حتى إذا فرع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ... بيان لما يكون عليه المنتظرون الشفااية، من طفة وقلق. (١) تفسير الآاوسى = ٢٢ ص ٠١٢٦ ١٨٢ الحر. الثانى والعشرون والتضعيف فى قوة,فزع، السلب. كا فى قولهم: مرضت المريض "إذا عملت على إزالة عرضه. فمعنى : ((فرع عن قلوبهم)) كشف الفزع عنها ، وهدأت أحوالها بعد .أن أصابها ما أصابها من حول وخوف فى هذا اليوم العديد، وهو يوم القيامة و((حتى)) غاية لما فهم من الكلام قبلها ، من أن هناك تلهفا وترقبا من الراجين للشفاعة ومن الصفعاء، إذ الكل منتظر بقلق لما يؤول إليه أمره من قبول الشفاعة أو عدم قبولها . والمعنى: ولا تقبل الشفاعة يوم القيامة من أحد إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى ذلك، وفى هذا اليوم الهائل الشديد، يقف الناس فى - قاق ولهفة منتظرين قبول الشفاعة فيهم، حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بسبب إذن الله - تعالى - فى قبولها ممن يشاء ومن يشاء، واستبشر الناس وقال بعضهم لبعض، أو قالوا للملائكة: «ماذا قال ربكم ، أى: ماذا قال ربكم فى شأننا ومصيرنا. وهنا تقول لهم الملائكة، أو يقول بعضهم لبعض: ((قالوا الحق، أى: يقولون قال ربنا القول الحق وهو الإذن فى الشفاعة لمن ارتضى. فلفظ ((الحق) منصوب بفعل مضمر. أى: قالوا قال ربنا الحق أوصفة الموصوف محذوف. أى: قالوا: قال ربنا القول الحق . ((وهو) - سبحانه - ((العلى، أى: المتفرد بالعلو فوق خلقه ((الكبير) أى: المتفرد بالكبرياء والعظمة. قال صاحب السكشاف - رحمه الله -: فإن قلت: بم اتصل قوله: -((حتى إذا فرع عن قلوبهم، ولأى شىء وقصحتى غالية؟ ١٨٤ سورة سبأ قلت: أتصل بما فهم من هذا الكلام ، من أن ثم انتظار الإذن ، وتوقعا وتمهلا وفزعا من الراجين الشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم أولا؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملى من الزمان، وطول القربص .. ١. كأنه قيل: ينتظرون ويتوقفون كليا فزمين وجلين، حتى إذا کشف. الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بكلمة يتكلم بها رب العزة فى إطلاق الإذن: نباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا ((ماذا قال ربكم، فااوا، قال ((الحق، أى: القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة من ارتضى .. )) (١) ثم أمر الله - تعالى - رسوله (بِّج) أن يسألهم للمرة الثانية على سبيل التنبيه والتوبيخ، من الذى يملك أن يرزقهم ، فقال - سبحانه -: (قل من يرزقكم من السموات والأرض ... أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين: من الذى يرزقكم من السماء بالمطر وغيره، ويرزق كم من الأرض بالنباتات والمعادن وغير ذلك من المنافع . وقوله - تعالى -: (قل الله)) جواب على هذا السؤال، وهو جواب لا يملكون إلا الاعتراف به : أى: قل لهم منبها ولافتا أنظارهم إلى ما هم فيه من جهل: الله وحده هو الذى يرزقكم بما لا يحصى من الأوراق التى بعضها من السموات ، وبعضها من الأرض. وقوله - سبحانه -: ((وإنا أو إياَ لعلى هدى أو فى ضلال مبين)) داخل فى حيز الأمر السابق، ولكن بأسلوب فيه مافيه من الحكمة والتلطف. ومن حمل المخاطب على التفكر والتدبر حتى يعود إلى الرشد والصواب. (١) تفسير الكفاف = ٣ من ٥٨٠ ١٨٥ الجزء الثانى والعشرون أى: وقل لهم - أيضاً - أيها الرسول الكريم لقد علمتم - يامعشر المشركين أن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده، لأنه هو الذى خلقكم ورزقكم من السموات والأرض ... وإن أحدنا لابد أن يكون على الهدى والآخر على الضلال ، وسنترك تحديد من هو المهتدى ومن هو الضال لعقولكم وضمائركم. وستعدون - علم اليقين - بعد التفكر والتدبر أننا نحن المسلمين على الحق، وأنتم يا معشر المشركين على الباطل. فالجملة الكريمة لون من ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بأسلوب مرفب حكيم، من شأنه أن يحمل القلوب النافرة عن الحق، إلى الاستسلام له، والدخول فيه ... قال القرطى: وقوله: ((وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال(مين)) هذا على وجه الانصاف فى الحجة ، كما يقول القائل لغيره : أحدنا كاذب ، وهو يعلم أنه صادق، وأن صاحبه كاذب، والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادين، وأحد الفريقين مهند وهو نحن، والآخر منال وهو أنتم ، فكنهم بأحسن تصريح التكذيب . والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالله الذی یرزة-کم من السموات. والأرض ... » (١)، وقوله: « أو إياكم، معطوف على اسم إن ، وخيرها هو المذكور. وحذف خبر الثانى الدلالة عليه . أى: وإنا لعلى هدى أو فى ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين. ثم أتبع - سبحانه - هذا الكلام الحكيم فى الدعوة إلى الحق، بكلام (١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٢٩٨. ١٨٩ مورةعا لا يقل فته حكمة وبلاغة فقال: «قل لا تسألون هما أجرمنا ولا فعال مما تعملون)، أى: وقل لهم الدرة الثالثة - أيها الرسول الكريم = أنتم - أبها المشركون - لا تسألون يوم القيامة عن إجرامنا فى حق أضعا - إن كما قد أجرمنا وأخطأنا فى حقها -، ونحن - أيضاً - لا يسألنا الله - تعالى - عن حجب بقائكم فى الكفر وفى الأعمال السيئة، لأننا قد بلغنا كم رسالة ربكم - عز وجل -، وتصحناكم بالإقلاع عن الشرك والمعاصى. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -،«وإن كذبوك فقلى لى حملى ولكم عملكم، أنتم بريتون مما أعمل ، وأنا برىء ما تعملون)،(١). ثم أمره - سبحانه - أن يذكرهم بيوم القيامة ومافيه من حساب دقيق، فقال: (( قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم)). أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إن اله - تعالى- بقدرته سيجمعها وإيا كم يوم القيامة، ثم يحكم بيننا جميعا بحكمه العادل، (هو - سبحانه -«الفتاح العليم ، أى : الحاكم فى كل أمر بالحكم الحق المطلع على جميع أحوال عباده. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بتوجيه رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يقول لهم قولا يخرس به ألسنتهم، ويبطل ججهم فقال: ((قل أروقى الذين الحقتم به شركاء، والرؤية هنا بصرية . ومفعولها الأول الياء، ومفعولها الثانى الاسم الموصول، ولفظ ((شركاء) حال. أى: وقل لهم - أيضاً - للمرة الخامسة على سبيل إلزامهم الحجة: أرونى وأطلعونى على أصنامكم التى ألحقتموها بالله - تعالى - فى العبادة، واتخذتموها شركاء له فى الطاعة ... إنها ماهى إلا أشياء لا تضر ولا تنفع، وأنتم تعرفون ذلك عنها، وها هى أمامكم واقعها وحالها ينبى. بعجرها التام ، . فكيف أشر كتموها مع الله - تعالى - فى العبادة والطاعة؟ (١) سورة يونس الآية ٤١. ١٨٧ الهر. الثانى والعشرون فالمقصود من الرؤية إشهادهم على عجزها، وتبكيتهم على جهالاتهم. وحضهم على نبة الشركاء، وإخلاص العبادة لله الواحد القهار. ويحتمل أن تكون الرؤية هنا علمية، فيكون لفظ ((شركاء)) هو المفعول الثالث. أى: حرفوفى الأصنام والأوثان التى جعلتموها شركاء له - تعالى - فى العبادة . ثم زجرهم - سبحانه - عن هذا الضلال فقال: «كلا بل هو الله العزيز الحکیم ، أی: کلا لیس الأمر کا ذعتم من أن ◌ّه - تعالى- شركاء، بل هو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله. وهكذا نجد الآيات الكريمة قد لقنت النبى - صلى الله عليه وسلم - الحجج التى يرد بها على المشركين، والتى من شأنها أن تحملهم على اعتناق الحق، واجتناب الباطل ، لو كانوا يعقلون . ثم بين - سبحانه - وظيفة الرسول - صلى اله عليه وسلم - وره حلى شيهات المشركين فقال : ١٨٨ سورة سبأ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلُونَ (١٨) وَيَقُولُونَ مَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣٦) قُل لَّكُم مِّعَدُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَفْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ () قـے ◌َقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا أَلْقُرْءَانِ وَلَا ◌ِلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَ إِذِالظَّلِمُونَ مَوَقُوفُونَ عِنْدَ رَبِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ (يَقُولُ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُ وْلَوْلَآ أَنُمْ لَكَُّؤْمِنَ ﴾ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبُ وْلِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ اَلْحُدَى يَعْدَ إِذْ جَاءَ كُمْ بَلْ كُنُحْرِمِنَ (﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أَسْتُضِْفُواْلِلَّذِينَ أَسْتَكْبُواْبَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْتَأْ مُرُ ونَ أَن نَّكْفُرَ بِلّهِ وَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأُ اَلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأُنْلَالَ فِىَ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ ◌ِّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (چ) قال الألوسى: المتبادر أن (( كافة)) حال من الناس، قدم إلا عليه للاهتمام؛ وأصله من الكف بمعنى المنع ، وأريد به العموم لما فيه من المنع من الخروج، واشتهر فى ذلك حتى قطع فيه النظر عن معنى المنع بالكلية . فمعنى جاء الناس كافة : جاءوا جميعا ... ١٨٩ الجزء الثانى والعشرون قال ابن عباس: أرسله الله - تعالى - محمداً (صلى الله عليه وسلم) إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله - تعالى - أطوعهم له .. )) (١). أى: وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا إلى الناس جميعاً، التبشر المؤمن منهم بحسن الثواب، وتنذر من أعرض عن الحق الذى جئت به بسوء العقاب: «ولكن أكثر الناس لا يعلمون، هذه الحقيقة، وهى حموم رسالتك وكونك بشيراً ونذيراً ،. « ويقولون، أى: المشركون على سبيل الاستهزاء بما جتم به ومتى هذا الوعد ، أسى تهددوننا به وهو قيام الساعة ، وما فيها من حساب وثواب وعقاب . أخبرونا عنه - أيها المؤمنون - ((إن كنتم صادقين، فيما تحدثوننا عنه، وفما تدعوننا إليه من إيمان . وهنا أمر الله - تعالى - رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يرد عليهم رداً فيه كل معانى التهديد والوعيد فقال: «قل لكم ميعاد يوم لاتستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون)، و«ميعاد، بجوز أن يكون مصدراً مراداً به الوعد، وأن يكون اسم زمان ، والإضافة البيان . والمراد بالساعة الوقت الذى هو فى غاية القلة. وليس ما اصطلح عليه الناس من كونها ستين دقيقة . أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تتعجلوا - أيها الكافرون - ما أخبرتكم عنه من أن يوم القيامة آت لاريب فيه، ومن أن العاقبة الطيبة ستكون لنا لا لكم ؛ فإن لكم ميقاتا محددا، وموعدا معلوما، عند ما يأذن (١) تفسير الآلومى =٢٢ ص ١٤١ ١٩٠ سورة سبأ الله - تعالى - محلوله وبانتهاء حيالكم ويبعثكم ... ((لا تستأخرون عنه ساعة، من الزمان، ولا تستقدمون عنه ساعة)) كما قال - تعالى -: «إن أجل اله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون» (١). وكما قال - سبحانه -: (( وما نؤخره إلا لأجل معدود. بوم بأت لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقى وسعيد، (٢). ثم حكى - سبيعاته - بعض الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى شأن القرآن الكريم، وصور أحوالهم السيئه يوم العرض والحساب، وكيف أن كل فريق منهم صار يلقى التبعة على غيره، قال - تعالى -: وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن . والمراد بالذى بين يديه فى قوله - تعالى -: ((وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذى بين يديه .... »: الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل . قالوا: وذلك لأن المشركين سألوا بعض أهل الكتاب ، عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) فأخبروهم بأن صفاته فى التوراة والإنجيل، فذهبوا وقالوا ما قالوا (٣). أى: وقال الذين كفر بإصرار وعناد وجحود لكل ما هو حق: قالوا (١) سورة نوح الآية ؛ (٢) سورة هود الآية ١٠٤ - ١٠٥ (٣) تغير الآلوسى + ٢٢ ص ١٤٤ ١٩١ الجزء الثانى والعشرون حـ أن أؤمن بهذا القرآن الذى جئت به با محمد (مَ$) - من عند ربك، ولا نؤمن - أيضا - بالكتب السماوية الأخرى التى أؤيد انك رسول من عند الله - تعالى -. فالآية الكريمة تحكى ماجيل عليه هؤلاء الكافرون من تصميم على الباطل ، ومن فبذ للحق مهما تعددت مصادره . قال الإمام الرازى: لما بين - سبحانه - الأمور الثلاثة من التوحيد والرسالة والحشر، وكانوا بكل كافرين بين كفرهم العام بقوله: ((وقال الذين كفروا لن ؤمن بهذا القرآن، ولا بالذى بين بدبه، وقوله: «ولا بالذى بن يديه، المشهور أنه التوراة والإنجيل ، وعلى هذا فالمراد بالذين كفروا ، المشر كون المنكرون للنبوات والحشر . ويحتمل أن يكون المعنى أن نؤمن بهذا القرآن ، ولا بما فيه من الأخبار والآيات والدلائل فيكون المراد بالذى بين يديه ما اشتمل عليه من أخبار وأحكام، ويكون المراد بالذين كفروا عموم الكافرين بما فيهم أهلى الكتاب لأن الجميع لا يؤمن بالقرآن ولا بما اشتمل عليه.)) (١). وقوله - تعالى -: ((ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عندربهم ، ترجع بعضهم إلى بعض القول، بيان لأحوالهم السيئة يوم القيامة ، ولإصرارهم على الكفر . و«لو)، شرطية، وجوابها محذوف كما أن مفعول ((قرى، محذوف أيضا و((موقوفون، أى محبوسون الحساب يوم القيامة. يقال: وقفت الرجل عن فعل هذا العى. ، إذا منعته وحجزته عن فعله . (١) تفسير الفخر الرازى - بتصرف وتلخيص + ٧ ص ١٨ ١٩٢ سورة سبأ أى ولو ترى - أيها الخاطب - حال الظالمين وقت إحتباسهم عند ربهم يوم القيامة، وهم يتحاورون ويتجادلون فيما بينهم بالأقوال السيئة وكل فريق، يلقى التبعة على غيره . لو ترى ذلك لرأيت أمراً عجيباً، وحالا فظيعة ، تنفطر لها القلوب، وترتعد من هولها النفوس . والتعبير بقوله - سبحانه -: ((ولو قرى، يشعر بذاتهم وبؤسهم، فهم محبوسون الحساب على غير إرادة منهم، كما يحبس المجرم فى سجنه إنتظاراً لمصيره السىء. وقوله: ((عند ربهم)) تبكيت وتوبيخ لهم، على ما كانوا يفعلونه فى الدنيا من إنكار اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وحساب . وقوله - سبحانه -: ((بقول الذين استضعفوا للذين استكبروا، لولا أنتم لكنا مؤمنين، تفصيل لجانب من محاوراتهم فيما بينهم ، ولما كانوا يراجعون فيه القول بعضهم مع بعض . والمراد بالذين استضعفوا. الأنباع والعامة من الناس، والمراد بالذين استكبروا: الزعماء والقادة والرؤساء. أى : يقول الأتباع من الكافرين لقادتهم ورؤسائهم بغيظ وحسرة: لولا أنتم منعتمونا عن إتباع الحق لمكنا مؤمنين به، ومتبعين لما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وسلم) . إنهم يقولون لهم فى موقف الحساب يوم القيامة، ما كانوا عاجزين من قوة فى الدنيا، عند ما كانوا مستقلين لهم، وخاضمه لسلطانهم: ١٩٣ الجزء الثانى والعشرون وهنا يرد الزعماء باستنكار وضيق, ويحكى ذلك القرآن فيقول: «قال الذين استكبروا الذين استضعفوا، على سبيل التوبيخ والتقريع. (أنحن صددنا كم عن الهدى بعد إذ جاء كم، كلا، إنذا ما فعلنا ذلك ، .ولسنا نحن الذين حلنا بينكم وبين اتباع الحق. ((بل) أنتم الذين ((كنتم مجرمين)) فى حق أنفسكم ، حيث انبعتمونا .بإختياركم، ورضيتم عن طواعية منكم أن تتبعوا غير كم بدون تفكر أو تدبر الأمور . ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء، بل حكى القرآن المرة الثانية ردهم عليهم فقال: ((وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا، فى الرد عليهم بحسرة وألم: «بل مكر الليل والنهار، أى قالوا لهم أنتم استم صادقين فى قولكم لنا : إنكم لم قصدونا عن أتباع الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا الليل والنهار، وإغراءكم لنا بالبقاء على الكفر وتهديدكم إبانا بالقتل أو التعذيب إذا ما خالفنا كم وأمركم لنا بأن , نكفر باقه - تعالى - ونجعل له أندادا، أى شركاء فى العبادة والطاعة. كل ذلك هو الذى أحال بيننا وبين إتباع الحق الذى جاءنا به الرسول (صلى الله عليه وسلم) . والمكر: هو الاحتيال والخديعة. يقال مكر فلان بفلان، إذا خدعه «أراد به شراً . وهو هنا فاعل لفعل محذوف والتقدير : بل الذى صدقا عن الإيمان حكركم بنا فى الليل والنهار، فحذف المضاف إليه وأقم مقامه الظرف اقساط ( م ١٣ - سبأ) ١٩٤ سورة سبأ وقوله: ((إذ تأمروننا ... )، ظرف للمكر، أى: بل مكركم الدتم بنا وقت أمركم لنا بأن نكفر بالله ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من دونه - تعالى - هو الله: حال بيننا وبين أتباع الحق والهدى. قال الجمل: وقوله. بل مكر الليل والنهار، فيجوز رفع ((مكر) من ثلاثة أوجه: أحدهما : على الفاعلية بتقدير: بل صدنا مكركم فى هذين الوقعين الثانى: أن يكون مبتدأ خبره محذوف. أى: مكر الليل صدنا عن أتباع الحق الثالث: العكس. أى: سبب كفرنا مكركم، وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازى كقولهم: ليل ماكر، فيكون مصدرا مضافاً لمرفوعه وإما على الإنساع فى الظرف، فجعل كالمفعول به فيكون مضافا لمنصوبه .، (١) : والضمير المرفوع فى قوله - سبحانه -: ((وأسروا الندامة لما رأوا العقاب يعود على الأتباع والزعماء ، وأسروا من الإسرار بمعنى الكتمان والإخفاء . أى: وأضمر الذين استدمفوا والمستكبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا العذاب المعد لهم جميعا، وذلك لأنهم بهتوا وشدهوا حين عاينوه ودفنت الكلمات فى صدورهم فلم يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذى معل الشفاه لا تتحرك، والألسنة لا تنطق ، فالمقصود من أسرار الندامة: بيان عجزهم العديد عن النطق بما يربدور التعاق به لفظعة ما شاهدوه من عذاب غليط قد أعد لهم . وقيل إن وأسروا الندامة، بمعنى أظهروها، لأن لفظ أمر من الأضداد .. (١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٤٥٨ ٠ : L ١٩٥ الجزء الثانى والعشرون قال الآخرسى ما ملخصه: ((وأسروا، أى: أضمر الظالمون من الفريقين ( الندامة، على ما كان منهم فى لدنيا ... (( لما رأو العذاب)) 9 بهتوالما عاينوه فلم يقدروا على النطق . وقيل: أسروا الندامة. بمعنى أظهروها، فإن لفظ(( أسر) من الأضداد، إذا الهمزة تصلح للإنبات والسلب ، فمعنى أسره: جعله سره، أو أرالى سره ... ))(١) . ثم بين - سبحانه - ماحل بهم من عذاب بسبب كفرهم فقال: (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل يجزون إلا ما كانوا يعملون)). والأغلال، جمع غل وهى القيود التى بقيد بها المجرمون. أى: وجعلنا القيوه فى أعناق الذين كفروا جميعا، سواء منهم من كان تابعا أم متبوعا، وما جزيناهم بهذا الجزاء المهين الأليم ، إلا بسبب أعمالهم المدينة، وأفو الهم القبيحة . وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور لنا تصوبرا مؤثرا بديعا، ما يكون عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة وقدم، ومن عداوة وبغضاء، ومن تهم يلقيها كل فريق على الآخر، بدون إحترام من المستضعفين لرعماتهم الذين كانوا بذلوتهم فى الدنيا، بعد أن سقطت وزالت الهيبة الزائفة التى كان الزعماء يحيطون بها أنفسهم فى الحياة الدنيا، وأصبح الجميع يوم الحساب فى الذلة سواء («ووجدوا ما عملو حاضرا ولا يظلم ربك أحدا)). (١) تفحم الآلومى = ٢٣ ض ٠١٤٦ ١٩٦ سورة سبأ ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك جانها من الأفوال الزائفة ، التى كان المغرفون يتذرعون بها البقاء على كفرهم ، ومن الإجابات التى لقنها 1 - سبحانه - لنبيه - صلى عليه وسلم - ل-کی يخرس بها ألسنتهم،ويزيل بها شبهاتهم قال - تعالى - : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّنِ نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَ أُرْسِلْتُم بِهِ، كَِّفِرُونَ ﴾ وَقَالُواْنَحْنُ أَكْثُ أَمْوَلًا وَأَوْلَئًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥) قُلْ إِنْ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ وَمَآ أَمْوَ لُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُ بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنًا . زُلْفَلَّ مَنْ ءَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَزَاءُ اَلِضِّعْفِ ◌ِمَا. عَلُواْ وَهُمْ فِ اَلْغُرْفَنِ ءَ امِنُونَ () وَلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيَ ءَ ايَئِنَا مُعَبِينَ أُوْلَئِكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُ ونَ (﴾ قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ أَلِزْقَ لِمَن بَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ، وَمَا أَنْفَقْتُ مِنْ شَىْءُ وَ يُخْلِفُهُ, وَهُوَ خَيْرُ الَّذِينَ ﴾) قال صاحب الكهاف عند تفسيره لقوله -تعالى -: ((وما أرسلنا فى قرية من تغير إلا قال مقرفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ... »: هذه تسلمهة لرسول لة - صلى الله عليه وسلم - ما منىبه من قومه من التكذيب والكفر بما جاءبه، ١٩٧ الجزء الثانى والعشرونفى والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والتكثر بذلك على المؤمنين ... وأنه - سبحانه -الم يرصلى قط إلى أهل قرية من نذير، إلا قالوا له مثل ما قال أهل مكة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... )، (١) والمعنى: وما أرسلنا فى قرية)) من القرى (من قذير)) ينذر أهلها بسوء العافية إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم . ((إلا قال مترفوما ، أى : أی إلا قال أغنياؤها ورؤسائها وبارتها المتسعون فى النعم فيها، لمن جاءوا لإنفارهم وهدايتهم إلى الحق. ( إنا بما أرسلتم به، من الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - ((كافرون» وبما نحن عليه من شرك وتقليد للآباء مؤمنون. فالآية الكريمة تحكى موقف المفرفين فى كل أمة ، من الرسل الذين جاءوا هدايتهم، وأن هؤلاء المترفين فى كل زمان ومكان، كانوا أعداء الأنيا. والمصلحين، لأن الترف من شأنه أن يفسد الفطرة، ويبعث على الغرور والتطاول ، ويحول بين الإنسان وبين التمسك بالفضائل والقيم العليا، ويهدى إلى الانغماس فى الرذائل والشهوات الدنيا . -- ثم يحكى القرآن الكريم أن هؤلاء المترفين لم يكتفوا بإعلان كفرهم، وتكفيهم الأنبياء والمصلحين، بل أضافوا إلى ذلك التبجح والتعالى على على المؤمنين، فقال - تعالى -: ﴿وقالوا، أى المترفون الذين أبطرتهم النعمة للمؤمنين الفقراء (( نحن أكثر أموالا وأولادا، منكم - أيها المؤمنون-، إذ أموالنا من أموالكم، وأولادنا أكثر من أولادكم، ولولا أننا أفضل عند القه منكم ، لما أعطانا ما لا يعطيكم . فنحن نعيش حياتنا فى أمان وإطمئنان ((وما نحن بمعذبين، بشىء من العذاب الذى تعدوننا به لا فى الدنيا وفى الآخرة . (١) تغير الكفاف = ٣ ص ٠٥٨٥ ١٩٨ سورة سبأ قال الآمام إبن كثير عند تفسيره لهذه الآية : افتخر المترفون - بكثرة الأموال والأولاد ، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم، وإعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا فى الدنيا، ثم يعذبهم فى الآخرة، وهيهات لهم ذلك. قال - تعالى -: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون)،(١). ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يصحح لهؤلاء المترفين خطأهم ، وأن يكشف لهم عن جهلهم، وأن يبين لهم أن مسألة الغنى. والفقر بيد الله - تعالى - وحده، وأن الثواب والعقاب لا يخضعان للغنى أو الفقر، وإنما يتبعان الإيمان أو الكفر، أفقال - تعالى - (قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعدون». وبسط الرزق : سعته وكثرته، وتقديره : تقليله وتضييقه. أى. قل - أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاهلين (( إن ربى)) وحده هو الذى ((يبسط الرزق لمن يشاء، أن يبسطه له ((ويقدر)) أى: ويقتر الرزق ويضيقة على من إشاء أن يضيقه عليه، والأمر فى كلتا الحالتين مرده إلى الله - تعالى - وحده، على حسب ما تقتضيه حكمته فى خلقه ... وربما يوسع رزق العاصى ويضيق رزق المطيع ، أو العكس وربما بوسع على شخص فى وقت وبضيق عليه فى وقت آخر ، ولا ينقاس على ذلك أمر الثواب والعقاب، لأن مناطهما الطاعة وعدمها. ((ولكن أكثر الناس لا يعلمون، هذه الحقيقة التى إقتضتها حكمة الله - تعالى - وإرادته، فزعموا أن بسط الرزق دليل الشرف والقراءة، وأن ضيق الرزق دليل الهوان والذل، ولم يدركوا - لجهلهم وإنطاس بصائرهم. أن بسط الرزق قد يكون الاستدراج ، وأن تضييقه قد يكون للابتلاء والاختبار، ليتميرقوى الإيمان من ضعيفة ... (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٩ ٠٦. ١٩٩ الجزء الثانى وعشرين ثم زاد - سبحانه - هذه القضية توضيحا وتبيينا فقال: «وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زافى ... ،. الزافى ((مصدر كالغربى، وإنتصابه على المصدرية من معنى العامل. أى ليست كثرة أموالكم، ولا كثرة أولادكم بالتى من شأنها أن تقربكم اليناقربى لأن هذه الكثرة ليست دليل محبة منالكم، ولا تكريم منالكم ، وإنما الذى يقربكم منا هو الإيمان والعمل الصالح. كا وضح - سبحانه - هذه الحقيقة فى قوله بعد ذلك: «إلا من آمن وعمل صالحا، فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفان آمنون)). أى: ليس الأمر كما زعمتم - أيها المترفون - من أكثرة الأموال والأولاد ستنجيكم من العذاب ولكن الحق والصدق أن الذى ينجيكم من ذلك ويقربكم منا، هو الإيمان والعمل الصالح ، فهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله - تعالى - الجزاء الحسن المضاعف، وهم فى غرفات الجنات آمنون مطمئنون . قال الشوكانى ما ملخصه: قوله: (إلا من آمن وعمل صالحا، هو إستثناء منقطع فيكون له النصب، أى: لكن من آمن وعمل صالحا .. والإشارة "بقوله: ((فأولئك، إلى ((من، والجمع بإعتبار المعنى، وهو مبتدأً، وخيره «لهم جزاء الضعف، أى: فأولئك بجازيهم الله الضعف، وهو من إضافة . المصدر إلى المفعول . أد فألتك لهم الجزاء المضاعف فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة ... )) (١). ثم بين - سبحانه - سوء عاقبه المصرين على كفرهم فقال: ((والذين يسعون فى آياتنا معاجزين، أولئك فى العذاب محضرون». (١) تفسير فتح القدير الشوكان ج ٤ ص ٠٢٢٠ ٢٠٠ ـررة سبا أى : والذين يسعون فى إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا . (( معاجزين)). أى. زاعمين سبقهم لنا، وعدم قدرتنا عليهم ((أولئك، الذين يفعلون. ذلك , فى المذاب محضرون، أى: فى عذاب جهتم مخلدون، حيث تحضرهم ملائكة العذاب بدون شفقة أو رحمة، وتلقى بهم فيها . وقوله - سبحانه -: ((قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، تأكيد وتقرير لذلك الحقيقة التى سبق الحديث عنها، وهى أن التوسع والتضییق فی الرزق بيد الله - تعالى - وحده . والضمير فى قوله - تعالى - ((له)) يعود إلى الشخص الموسع عليه أو المضيف. عليه فى رزقه. أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المترفين على سبيل التأكيد وإزالة ما هم عليه من جهل: إن ربى - عز وجل - يبسط الرزق لمن. يشاء من عباده، ويضيق هذا الرزق على من يشاء أن يضيقه منهم. وليس فى ذلك ما يدل على السعادة أو الشقاوة، لأن هذه الأمور خاضعة لحكمته فى خلقه - سبحانه -. (( وما أنفقتم، أيها المؤمنون ((من شىء)، فى - جيل الله - تعالى - وفى أوجه طاعته (( فهو) - سبحانه - ((بخلفه)) أى: يعوضه لكم بما هو خير منه يقال: فلان أخلفه لفلان وأخلفه عليه، إذا أعطاه العوض والبدل . ((وهو خير الرازقين ، أى: وهو - سبحانه - خيررازق لعباده لأن. كل رزق يصل إلى الناس إنما هو بتقديره وإرادته، وقد جرت سنته - سبحانه - أن يزيد الأسخياء من فضله وكرمه. وفى الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من يوم يصبح العباد فيه ، إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما: اللهم. أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا .