النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
الجزء الثانى والعشرون
والاستفهام التعجب من حالهم ، ومن ذهولهم من التفكر والتدبر،
العطف على مقدر يقتضيه المقام .
والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرون فلم يعتبروا ولم يتعظوا بما يشاهدونه
من مظاهر قدرته - عز وجل - المحيطة بهم من كل جانب والمنقشرة فى
آفاق السموات وفى جوانب الأرض ؟
إن تأملهم فى مظاهر قدرتنا الواضحة أمام أعينهم ، ومن شأنه أن
يهديهم إلى الحق الذى جاءهم :« رسولنا (صلى الله عليه وسلم)، ومن شأنه
"أن يجعلهم يوقنون بأننا (( إن نشأ فخسف بهم الأرض ، كما فعلنا بقارون.
(( أو)، إن نشأ , نسقط عليهم كسفا من السماء، والكف جمع كسفة
بمعنى قطعة أى: لا يعجزنا أن فخسف بهم الأرض. كما لا يعجزنا - أيضا.
.أن تنزل عليهم قطعا من العذاب الكائن من السماء فتهلكهم، كا أنزلناها على
أصحاب الأيكة فأهلكتهم بسبب تكذبيهم وجحودم .
. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((إن فى ذلك الآية لكل
عبد منيب ) .
أی : إن فى ذلكالذی ذ کر فاه من مظاهر قدر تنا الواضحة بین آیدیهم،
آية بينة وعبرة ظاهرة، لكل عبدهمديب، أى: راجع إلى الله - تعالى-
بالتوبة الصادقة، وبالطاعة الخالصة لما جاءه به نبينا (صلى الله عليه وسلم)
ثم ساق - سبحانه - نموذجين من الناس، أولهما: أعطاه الله
- تعالى - الكثير من نعمه وفضله وإحسانه، فوقف من كل ذلك موقف
: المعقرف بنعم أنه الشاكر لفضله .
وثانيهما: أعطاه الله - تعالى - النعم فوقف منها موقف الجاحد
(م ١١ - سبأ)
تالبطر الكتود ...

١٦٢
سورة سبأ
أما النموذج الأول فتراه فى شخص النبيين الكريمين داود وسليمان
- عليهما السلام - فقد قال - سبحانه - فى شأنهما:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًاٌ يَجِبَالُ
أَوْبِى مَعَهُ، وَالطَّرَ وَأَنَّ لَهُ الْحَدِيدَ (شَهِ أَنِ أَعْمَلْ سَبِفَتٍ وَقَدِّرْ
فِي السَّرْدِ وَعْمَلُواْ صَالِحًا إِى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٨) وَلِسُلَيْمَنَ
◌َلِيجَ غُّهَا شَهْرُوَرَوَاحُهَا شَهْرُ وَأَسَلْنَا لَهُ عَنَ اَلْقِطْرِّ وَمِنَ آلِنِّ
٠٤٦٠ /٠١٠
مَّنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْذِ رَبِّهِ، وَمَنْ يَرِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمِنَا نُذِقْهُ
مِنْ عَذَّابِ السَّعِيرِ ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِنْ تَخَرِيبَ وَتَفِيَ.
وَيِغَاِ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍّ أَعْمَلُوَءَالَ دَاوُدَشُكْرًا وَقَلِيلٌ.
مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ (® فَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَادَهُمْ عَى
مَوْهِةٍ إِلَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَهُ، فَلَمَّا غَ تَبَيِّنَتِ الْجِنُ أَنْ ..
أَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِ الْعَذَابِ أَلْمُهِينِ (٣)
وقوله - سبحانه -: ((ولقد آتينا داود منا فضلا، بيان لما من الله.
- تعالى - به على عبده داود - عليه السلام - من خير وبركة.
وهذا الفضل يشمل النبوة ، وإعطائه الزبور والملك ، وغير ذلك من
النعم العظيمة التى وهبها - سبحانه - لنبيه داود.
أى: ولقد آتينا عبدنا داود فضلاءظيما، وخيرا وفيرا، وملكا كبيراكه
بسبب إثابته إليها، وطاعته لنا .

١٦٣
الجزء الثانى والعشرون
ثم فعل - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال: ((ياجبال أوبى معه))
والتأويب الفرديد والترجيع. يقال: أوب فلان تأويبا إذا رجع مع غيره
ما يقوله .
والجملة مقول القول محذوف. أى : وقلنا ياجبال رددى ورجعى مع
عبدنا داود تسبيحه لنا، وتقديسه لذاتنا، وثناءه علينا، كما قال - تعالى -:
((إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالمشى والإشراق)).
وقوله: ((والطهر، بالنصب عطفا على قوله (( فضلا)، أى: وسخرنا
له الطير لتسبح معه بحمدنا، أو معطوف على محل ((يا جبال)) أى: ودهونا
الجبال والطير إلى التسبيح معه.
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: يخبر - تعالى - عما أنعم به على عبده
ورسوله داود عليه السلام ٤٠آ ته من الفضل المبين ، وجمع له بين النبوة
والملك المتمكن، والجنود ذوى العدد والعدد، وماأعطاه ومنحه من الصوت
العظيم ، الذى كان إذا سبح به، تسبيح معه الجبال الراسيات العم الشامخات
وتقف له الطيور السارحات، والغاديات الرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات.
وفى الصحيح أن رسول الله (#) سمع صوت أبى موسى الأشعرى
بقرأ من اليلى، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال: « لقد أوتى هذا مزمارا
من مزامير آل داود» (١).
وقال صاحب الكشاف : فإن قلت: أى فرق بين هذا النظم وبهد أن
يقال: وآتينا داود منا فضلا)، تأويب الجبال معه والطير؟
قلت: كم بينهما من الفرق ؟ ألا ترى إلى مافية من الفخامة التى لا تخفى ،
من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية، حيث جعلت الجبال منزاد
(١) تفسير ابن كثير - ٦ ص ٤٨٥

١٦٤
سورة سبأ
منزلة العقلاء ، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دماهم سمعوا
وأجابوا، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاه
مشيئته، غير مستفع على إرادته .. )) (١).
وقوله - تعالى -: ((وألنا له الحديد، بيان لنعمة أخرى من النعم
التى أنعم الله بها - سبحانه - عليه .
أى: وصيرنا الحديد لينا فى يده، بحيث يصبح - مع صلابته وقوقه -
كالعجين فى يده، يشكله كيف يشاء، من غير أن يدخله فى فار، أو أن
بطرقه بمطرقة ،
فالجملة الكريمة معطوفة على قوله ((آقينا، وهى من جملة الفضل الذى
منحه - سبحانه - لنبيه داود - عليه السلام.
و((أن)) فى قوله: ((أن (عمل سابقات، مصدرية على حذف حرف
الجر. وسابغات صفة لموصوف محذوف .
أى: ألنا له الحديد، لكى يعمل منه دروعا سابقات. والدرع السابقة
هى الدرع الواسعة النامة . يقال: سبغ الشىء سبوغا، إذا كان واسعا تاما
كاملا . ومنه قولهم : نعمة سابقة، إذا كانت قامة كاملة .
قال- تعالى -: «ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض
وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ... (٢).
وقوله: ((وقدر فى السرد، والتقديرهنا بمعنى الإحكام والإجادة وحسن
التفكير فى عمل الشىء. والسرد: نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها.
أى : آتينا داود كل هذا الفضل الذى من جملته إلافة الحديد فى يده،
(١) تفسير الكهاف = ٢ ص ٥٧١
(٢) سورة لقمان : الآية ٢٠

١٦٥
الجزء الثانى والعشرون
وقلنا له باداود : اصنع دروعا سابغات قامات ، وأحكم نسج هذه الدروع،
بحيث تكون فى أكمل صوره ، وأقوى هيئة ..
روى أن الدروع قبل عهد داود كافت تعمل بطريقة تثقل الجسم،
ولا تؤدى وظيفتها فى الدفاع عن صاحبها، فألهم الله - تعالى - داود - عليه
السلام - أن يعملها بطريقة لا تثقل الجسم ولا تتعبه، وفى الوقت نفسه تكون
محكمة أحكاما قاما بحيث لا تنفذ منها الرماح، ولا تقطعها السيوف . وكان
الأمر كله من باب الإلهام والتعليم من الله تعالى لعبده داود - عليه السلام-
ثم أمر - سبحانه - داود وأهله بالعمل الصالح فقال: «واعملوا
صالحا إنى بما تعملون بصير،.
أى: واعملوا عملا صالحا يرضينى، فإنى مطلع ومحبط ومبصر لكل
ما تعملونه من عمل، وسأجازيكم عليه يوم القيامة بالجزاء الذى تستحقونه.
قال القرطبى: وفى هذه الآية دليل على تعلم أهل الفعل الصنائع، وأن
التحرف بها لا ينقص من مناصبهم . بل ذلك زيادة فى فضلهم وفضائلهم،
إذ يحصل لهم التواضع فى أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال
الحالى عن الامتنان. وفى الصحيح أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال :
« إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من
عمل يده، (١) .
هذا ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه داود من فضل، أما نبيه سلمان
ابن داود، فقد أعطاه - سبحانه - أفضالا أخرى ، عبر عنها فى قوله
- تعالى -: ((ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر .. ))
والغدوة والغداة: أول النهار إلى الزوال، والرواخ: من الزوال إلى الغروب
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٢٦٧

١٦٦
سورة مبا
والمعنى: وسخر لنبيها سليمان بن داود - عليهما السلام - الريح»
تجرى بأمره فى الغدوة الواحدة مسيرة شهر، وتعود بأمره فى الروحة
الواحدة مسيرة شهر. أى: أنها لسرعتها تقطع فى مقدار الغدرة الواحدة
ما يقطعه الناس فى شهر من الزمان، وكذلك الحال بالنسبة الروحة الواحدة
وهی فیکل مرة تسير بأمر سلیمان ، ووفقإرادتهالتىمنحه التّه - تعالى - إياها
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((ولسليمان الريح عاصفة تجرى
بأمره إلى الأرض التي بار كنا فيها .. (١).
وقوله - سبحانه -: .« فخرنا له الربح تحرى بأمره وخاء حيث
أصاب)، (٢) .
ثم بين - مالى - نعمة ثانية من النعم التي أنعم بها على سليمان
فقال: « وأسلنا له عين القطر).
والفطر: هو النحاس المذاب. مأخوذ من قطر الشىء يقطر قطر!
قطرانا، إذا سالى .
أى : كما ألنا لداود الحديد، أسلنا لابنه سليمان النحاس وجعلناه منئها،
فكان يستعمله فى قضاء مصالحه، كما يستعمل الماء، وهذا كله بفضلناوقدرتنا
ثم بين - سبحانه - سمة ثالثة أنعم بها على سليمان - عليه السلام -
فقال: (( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه.».
أى: وسخرنا له من الجن من يكونون فى خدمته، ومن يعماون بين
يديه ما يريده منهم، وهذا كله بأمرتا ومهيئتنا وقدرتنا .
((ومن يرغ منهم عن أمرنا، أى .: من بنحرف من هؤلاء الجن عما أمر ناه به
(١) سورة الأنبياء الآية ٨١
(٢) سورة ((ص) الآ ية ٢٦

١٦٧
الجزء الثانى والعشرون
-من طاعة سليمان ، نذقه من عذاب السعير، أى: ننزل به عذابنا الأليم،
الذى بذله ويجزيه فى الدنيا والآخرة .
ثم بين - سبحانه - بعض الأشياء التى كان الجن يعملونها لسليمان
- عليه السلام - فقال: «يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ،
-وجفان كالجواب ، وقدور راسيات ... ».
والمحاديب: جمع محراب. وهو كل مكان مرتفع، ويطلق على المكان
الذى يقف فيه الإمام فى المسجد، كما يطلق على الغرفة المى يصعد إليها،
. وعلى أشرف أماكن البيوت .
قالوا والمراد بها : أماكن العبادة، والقصور المرتفعة.
والتماثيل: جمع تمثال وقد يكون من حجر أو خشب أو نحاس أوغير
.ذلك .
قال القرطبى ما ملخصه: والتماثيل جمع تمثال، وهو كل ماصور على مثل
صورة حيوان أو غير حيوان . وقيل: كالت من زجاج ونحاس ورخام ،
تماثيل أحياء ليست بحيوان.
وذكر أنها صورة الأنبياء والعلماء، وكانت تصور فى المساء. ايراها
الناس، فيزدادوا عبادة واجتهادا.
وهذا يدل على أن ذلك كان مباحا فى زمانهم، ونسخ ذلك بشرح محمد
(صلى الله عليه وسلم))، (١).
والجفان: جمع جفنة، وهى الآنية الكبيرة، والجواب: جمع جاية.
«وهى الحوض الكبير الذى يجى فيه الماء ويجمع لتشرب منه الدواب.
والقدور: جمع قدر، وهو الآفية التى يطبخ فيها الطعام من نحاس أو خار
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٢٢٢

١٦٨
سورة سبأ
ورأسيات : جمع رأسية بمعنى ثابتة لا تتحرك .
1
أى: أن الجن يعملون لسليمان - عليه السلام - ما يشاء من مساجد
وقصور، ومن صور متنوعة، ومن قصاع كبار تشبه الأحواض الضخمة
ومن قدور ثابتات على قواعدها، بحيث لا تحرك لضخامتها وعظمها .
وقوله - سبحانه -: «اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادى
الشكور ، مقول لقول محذوف .
أى : أعطينا سليمان كل هذه النعم، وقلنا له ولأهله: اعملوا !! آل
داود عملا صالحا، شكراً لله - تعالى - على فضله وعطائه، وقليل من
عبادى هو الذى بشكرنى شكراً خالصاً على نعمى وفضلى وإحسانى.
وقوله «شكراً، يجوز أن يكون مفعولا لأجله . أى: اعملوا من أجل
الشكر، أو مصدراً واقعاً موقع الحال. أى: اعملوا شاكرين.
و((قليل، خبر مقدم، و((من عبادى)) صفة له، و«الشكور، مبتدأ
مؤخر، وهكذا بختم القرآن هذه النعم بهذا التعقيب الذى يكشف عن طبيعة
الناس فى كل زمان ومكان، حتى يحلهم على أن يخالفوا أهواءهم ونفوسهم،
ويكثروا من ذكر الله - تعالى - وشكره.
وحقيقة الشكر: الاعتراف بالنعمة للمنعم، والثناء عليه لافعامه،.
واستعمال نعمه - سبحانه - ذما خلف له .
ولإنسان الشكور: هو المتوفر على أداء الشكر، الباذل قصارى جهده
فى ذاك، عن طريق قلبه ولسانه وجوارحه :
ثم ختم - سبحانه - النعم التى أنعم بها على داود وسليمان ، بيان
مشهد سليمان، فقال: «فلما قضينا عليه الموت مادلهم على موته إلا دابة
الأرض تأكل منسأته ....
والمراد بداية الأرض: قيل هى الأرضية التي تأكل الخشب وتتغذى به

١٦٩
الجزء الثانى والعشرون
مقال: أرضت الدابة الخشب أرضا - من باب ضرب -، إذا أكلته فإضافه
الدابة إلى الأرض - بمعنى الأكل والقطع - من إضافة الشىء إلى فعله.
و (منسأته، أى: عصاء التى كانى مستنداً عليها. وسميت العصا بذلك
لأنها تؤجر بها الأغنام إذا جاوزت مرعاها . من نسأ البعير - كمنع -
إذا زجر وساقه، أو إذا أخره ودفعه .
والمعنى : فلما حكمنا على سليمان - عليه السلام - بالموت، وأنقذناه فيه،
وأوقعناء عليه «مادلهم، أى: الجن الذين كانوا فى خدمته ((على موته، بعد
أن مات وظل واقفاً متكئاً على عصاه ((إلا دابة الأرض تأكل من منسأته))
أى: أنهم لم يدركوا أنه مات، واستمروا فى أعمالهم الشاقة التى كافهم
بها، حتى جاءت الدابة التى تفعل الأرض - أى الأكل والقطع - فأكلت
شيئاً من عصاه التى كان متكئاً عليها، فسقط واقعاً بعد أن كان واقفاً.
((فلما خر، أى: فلما سقط سليمان على الأرض ,تبينت الجن، أى:
ظهر لهم ظهورا جليا (( أن لو كانوا يعلمون الغيب، كما برعم بعضهم.
(ما لبثوافى العذاب المبين، أى: ما بقوافى الأعمال الشاقة التى كلفهم بهاسليمان.
وذلك أن الجن استمروا فيما كلفهم به سليمان من أعمال شافة ، ولم
يدركوا أنه قد مات، حتى جاءت الأرضة فأكلت شيئاً من عصاه، فسقط
على الأرض وهنا فقط علموا أنه قد مات .
قال ابن كثير: يذكر - تعالى - فى هذه الآية كيفية موت سليمان عليه
السلام وكيف عمى الله موته عين الجان المسخرين له فى الأعمال الشاقة فإنه
مكث متوكئاً على عصاه، - وهى منسأته - مدة طويلة نحواً من سنة، فلما
أكلتها دابة الأرض، - وهى الأرضة - ضعف وسقط إلى الأرض، وعلم
أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة - تبينت الجن والإنس - أيضاً - أن الجن
لا يعلمون الغيب، كماكانوا يتوهمون ويواهمون الناس ذلك)) (١).
(١) تفسير ابن كثير = ٦ ص ٤٨٩

١٧٠
سورة مبنا
هذاهو النموذج الأول الذى ساقه الله - تعالى - الشاكرين، معمثلاً
فى موقف داودوسليمان - عليهما السلام - ما أعداهما - سبحانه -من نعم جزيلة.
أما النموذج الثانى - الذى جاء فى أعقاب سابقة - فقد ساعه - سبحانه-
لسوء عاقبة الجاحدين، متمثلا فى قصة قبيلة سبأ، وكيف أنهم قالوانعم الله
بالبطر . فمحقها - سبحانه - من بين أيديهم، وفى شأنهم يقول - عو وجل -:
لَقَدْ كَانَ
لِسَبَافِىِ مَسْكَّنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِيْنٍ وَشِمَلٍّ كُلُواْ مِنْ رِزْقِ
رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوْلَهُ بْدَةٌ ◌َِبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ الَّهِ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ سَبْلَ الْعَرِمِوَبَلْتَهُم ◌ِنَّتَيْ جَنََّنِ ذَوَى أَكُلٍ تَخْطِ وَأَقْلِ
وَىْءٍ مِّنِ سِدْرٍ قَلِلٍ ◌َّ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَ كَفَرُواْ وَهَلْ لُنِىّ
إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِىِبَرَكَا فِهَا قُرِّى
ظَِرَةٌ وَقَدَّرْنَا فِهَا السَّيْرَ سِبُواْفِهَ لَيَالِى وَأَيَّامًاءَ امِنَ (٨) فَُواْرَبَّنَا
يَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ لَجَعَلْتَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَنَّقْنَهُمْ
كُلّ ◌ُمَّقُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتِ لَّكُلِّ صَبَّرٍ شَكُورٍ ﴾ وَقَدْ صَدَّقَ
عُلَيْهِمْ إِبْذِيُ ظَنَّهُ فَتْبَعُوُهُ إَِّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (﴾ وَمَا كَانّ
لَهُعَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّ لِتَعْلَ مَن يُؤْمِنُ بِلَآَخِرَةِ مِّنْ هُوَمِنْهَ فِ
◌َةٌّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلٍ شَىْءٍ حَفِظٌ ()

١٧١
الجزء الثانى والعشرون
و((سبأ، فى الأصل إسم لرجل، وهو: سبأ بن يشجب بن يعرب بن
خمحطان بن هود، وهو أول ملك من ملوك اليمن ...
والمراد به هنا: الحى أو القبيلة المسماة باسمه، فيصرف على الأول ،
ويترك صرفه على الثانى.
وكانوا يسكنون بمأرب بالمن ، على مسيرة ثلاثة أيام من صنعاء، وكانت
أرضهم خمسية ذات بساتين وأشجار متفرعة، وزاد خيرم و نعيمهم بعد أن
أقاموا سدا، ليأخذوا من مياه الأمطار على قدر حاجتهم، وكان هذا الد
يعرف بسد مأرب، ولكنهم لم يمكرونات - تعالى - على هذه النعم،
غسلبها - سبحانه - منهم.
قال ابن كثير : كانت سبا ملوك المن وأهلها، وكانت التبابعة منهم ،
ويأتيس منهم، وكانوا فى نعمة وغبطة، وبحث الله اليهم الرسل تأمرهم أن
بأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله،
ثم أعرض وا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق فى البلاد.
أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال: إن رجلا سأل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - عن سبأ: ما هو؟ رجل أم أمرأة أم أرض؟ فقال
- صلى اله عليه وسلم - بل هو رجل. كان له عشرة أولاد، سكن المن منهم
ستة، وهم: مفحج، وكنده، والأزه، والأشعريون، وأنمار ، وحمير.
وسكن العام منهم أربعة وهم: لحم، وجذام، وعاملة، وعسان ...
وإنما سمى( سبأ، لأنه أول من سبأ فى العرب - أى ((جمع السبايا -،
وكان يقال له الرائش، لأنه أول من غنم فى الغزو فأعطى قومه، فسمى
الراش، والعرب تسمى المال - ريها ورباشا، وذكروا أنه بشر برسول الله
صلى الله عليه وسلم - فى زمانه المتقدم ... (١).
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٤٩١

١٧٢
سورة سبأ
والمعنى: والله لقد كان لقبيلة سبأ فى مساكنهم التى يعيشون فيها «آية »
بينة واضحة، وعلامة ظاهرة تدل على قدره الله - تعالى - وعلى فضله على خلقه
وعلى وجوب شكره على نعمه، وعلى سوء عاقبة الجاحدين لهذه النعم.
فالمراد بالآية: العلامة الواضحة الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته
وبديع صنعه، ووجوب شكره، والتحذير من معصيته .
ثم وضح - سبحانه - هذه الآية فقال: ((جنتان عن يمين وشمال- أي:
كانت لأهل سبأ طائفتان من البساتين والجنان: طائفة من يمين بلدهم،
وطائفة اخرى شماله ،
وهذه البساتين المحيطة بهم كانت زاخرة بما لذ وطاب من الثمار .
قالوا: كانت المرأة تمشى تحت أشجارتلك البساتين وعلى رأسها المكتل
فيمتلىء من أنواع الفواكة التى تتساقط فى مكتلها دون جهد منها.
ولفظ ((جنتان، مرفوع على البدل من «آية))، أو على أنه مبتدأ،
وخبره قوله: (( عن يمين وشمال)).
و قوله - تعالى -: (( كلوا من رزق ربكم وأشكروا له ... ، مقول
لقول محذوف .
أى: وقلنالهم على ألسنة وسلمنا، وعلى ألسنة الصالحين منهم، كلوا من
الأرزاق الكريمة، والثمار الطيبة، التى أنعم بها ربكم عليكم، واشكروا له
- سبحانه - هذا العطاء، فإنكم إذا شكر تموه زادكم من فضله وإحسانه.
وقوله: ((بلدة طيبة ورب غفور)) كلام مستأنف مسوق لبيان
موجبات الشكر .
أى: هذه البلدة التى تسكنونها بادة طيبة لا شتمالها على كل ما تحتاجونه من

١٧٣
الجزء الثانى والعشرون
خيرات، وربكم التى أعطاكم هذه النعم ، رب واسع المغفرة والرحمة لمن
قاب إلیه وأناب، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده بفضله وإحسانه .
ثم بين - سبحانه - ما أصابهم بسبب جحودهم ويطرهم فقال: «فأعرضوا
خأرسلنا عليهم سيل المرم، وبدلناهم بجنقيهم جنتين ذواتى أكل خط ، وأثل
وشىء من سدر قليل ».
والعرم: اسم الوادى الذى كان يأتى منه السيل. وقيل: هو المطر
الشديد الذى لا يطاق .
فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة أى : أرسلنا عليهم السيل
الشديد المدمر ...
ويرى بعضهم أن المراد بالعرم: السدود التى كانت مبنية لحجر الماء من
خلفها، ويأخذون منها لزروعهم على قدر حاجتهم، فلما أصيبوا بالترف
والجحود تركوا العناية بإصلاح هذه السدود، فتصدعت، واجتاحت المياه
أراضيهم فأفسدتها، واكتسحت مساكنهم، فتفرقوا عنها، ومزقوا شر: ق
وضربت بهم الأمثال التى منها قولهم: تفرقوا أبدى سبأ. وهو مثل يضرب
لمن تفرق شملهم تفرقا لا اجتماع لهم معه .
وهذا ماحدث القبيلة سبأ، فقد تفرق بعضهم إلى المدينة المنورة كالأوس
والخزرج وذهب بعضهم إلى عمان كالأزه ، وذهب بعضهم إلى الشام
كقبيله غسان ...
رقوله: ((ذواتى أكل خمط،الأكل: هو الثمر، ومنه قوله -تعالى -:
((فأتت أكلها ضعفين، أى: ثمرها. والخط: هو ثمر الأراك أو هو النيت
المر الذى لا يمكن أكله .
و (الأثل) هو نوع من الدهر يشبه شجر العارفاء. أو هو نوع من

١٧٤
سورة سبا
الشجر كثير الشوك و(السدر) هو ما يعرف بالنبق ، أو هو نوع من الثمار
التی بقل الانتفاع بها .
والمعنى: فأعرض أهلى سبأ عن شكرنا وطاعتنا .. فكانت نتيجة ذلك،
أن أرسلنا عليهم السيل الجارف، الذى اجتاح أراضيهم ، فأفسد «زارعهم،
وأجلاهم عن ديارهم، ومزقهم شر مزق .. وبدلنا هم بالجنان اليانية التى
كانوا يعيشون فيها، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة، وحلت
محلها ثمارمرة لا تؤكل، وتناثرت فى أماكنهم الأشجار التى لاتسمن ولاتغنى
من جوع، بدلا من تلك الأشجار التى كانت تحمل لهم مالذ وطاب،
وعظم نفعه ..
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن الجحود والبطر، يؤديان إلى
الخراب والدمار، وإلى زوال النعم وتحويلها إلى نقم ..
واذاجاء التعقيب بعد هذه الآبة بقوله - تعالى - : ( ذلك جريعام بما
كفروا وهل نجازى إلا الكفور).
أى: ذلك الذمى فعلناه بهم من تبديل جنتيهم ، بجنتين ذواتى أ كل خط
هو الجزاء العادل لهم بسبب جحودهم وترفهم وفسوقهم عن أمرنا .
وإننا من شأننا ومن سلتنا أننا لا نعاقب ولانجازى هذا الجراء الرائع
الشديد، إلا لمن جحد نعمنا، وكفر بآياتنا، وآثر الغى على الرشد،
والعصيان على الطاعة .
قاسم الإشارة يعود إلى التبديل الذى تحدثت عنه الآية السابقة . وهو
المفعول الثانى اجزيناهم مقدم عليه . أى: جزيناهم ذلك التبديل لا غيره.
والمراه بالجزاء منا: العقاب.
قال صاحب الكشاف:قوله: (وهل يجازى إلا الكفور) بمعنى: وهل يعاقب .

١٧٥
الجزء الثانى والعشرون
وهو الوجه الصحيح، وليس لقائل أن يقول: لم قيل : وهل مجازى
إلا الكفور، على اختصاص الكفور بالجزاء، والجزاء عام للمؤمن والكافر،
لأنه لم يرد الجزاء العام وإنما أريد الخاص وهو العقاب .. )) (١).
ثم بين - سبحانه - نقمة أخرى أصابتهم بسبب جهلهم وحقهم، وكيف
أن هذه النقمة قد حلت محل نعمة كانوا فيها، فقال - تعالى -: (وجعلنا بينهم
وبين القرى التي بار كنا فيها قرى ظاهرة، وقدرنا فيها السير ، سيروا فيها
ليالى وأياما آمنين،.
أى: وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا - بين أهل سبأ ((وبين القرى التى
باركنا فيها، كمكة فى الجزيرة العربية، وكبيت المقدس فى بلاد الشام ، جعلنا
بينهم وبين تلك القرى المباركة، «قرى ظاهرة، أى: قرى متقاربة ماوامة
بحيث يرى من فى إحداها غيرها ..
((( وقدرنافيها السير، أى: وجعلنا زمن السير من قرية إلى أخرى مقدرا
محددا، بحيث لا يتجاوز مدة معينة قد تكون نصف يوم أو أقل .
وقالوا : كان المسافر يخرج من قرية ، فيدخل الأخرى قبل حلول
الظلام بها .
وقوله: ((سيروا فيها ايالى وأياما آمنين)) مقول القول محفوف. أى:
وقلنالهم : -يروا فى تلك القرى المتقاربة العامرة بالخيرات، والتى توصلكم
إلى القرى المباركة .. سيروا فيها ليالى وأياما آمنين من كل شر سواء سرتم
بالليل أم بالنهار، فإن الأمن فيها مستقب فى كل الأوقات، وفى كل الأحوال.
فالآية الكريمة تحكى نعمة عظمى أخرى أنعم الله - اقه- بها على أمل سبأ،
وهى نعمة تيسير سبل السفر لهم إلى القرى المباركة ، وتهيئة الأمان
(١) تفسير الكاف = ٣ ص ٥٧٦

١٧٦
سورة سبأ
-
والاطمئنان لهم خلال سفرهم، وهى نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من
مارس الأسفار من مكان إلى آخر .
ولكنهم لم يقدروا هذه النعمة، بل بلغ بهم الجهل والحق والبطر، أنهم
دهوا الله - تعالى - بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: «فقالوا ربنا باعد
بين أسفارنا ....
أى : مع أننا بفضلنا وإحساننا قد أعطيناهم تلك النعمة، ومكناهم منها
وهى نعمة تيسير وسائل السفر ، ومنحهم الأمان والاطمئنان خلاله ...
إلا أنهم - لشؤمهم وضيق تفكيرهم وبطرهم وشقائم - تضرعوا إلينا وقالوا:
باربنا اجمل بيننا وبين القرى المباركة، مفاوز ومحارى متباعدة الأقطار،
بدل تلك القرى الغامرة المتقاربة فهم - كما يقول صاحب الكشاف - : بطروا
النعمة ، وبشموا - أى: سنموا - من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا
السكد والتعب، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم، مكان المن والسلوى)» (١)
وفى هذه الجملة الكريمة قراءات متعددة ذكرها القرطبى فقالماملخصه:
((وقراءة العامة)، ((ربنا)) - بالنصب - على أنه نداء مضاف ٠٠٠, باعد))
- بزنة فاعل - سالوا المباعدة فى أسفارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
((ربنا، كذلك على الدعاء ((بعد ، - بتشديد العين - من التبعيد ..
وقرأ يعقوب وغيره («ربنا، - بالرفع - ,باعد، - بفتح العين والدال-
على الخبر. أى: لقد باعد ربنا بين أسفارنا .. ))(٢)".
وقوله: ((وظلموا أنفسهم، أى: قالوا ذلك القول المى. ، وظلموا أنفسهم
بسببه، حيث أجيب دعاؤهم ، فكان نقمة عليهم، لأنهم بعدأن كانوايسافرون
بيسر وأمان، صاروا يسافرون بمشقة وخوف .
(١) تفسير الكتافي ٣ ٢ ص ٥٧٧
(٢) راجع تفسير القرطبى = ١٤ ص ٢٩٠

١٧٧
الجزء الثانى والعشرون
وقوله: « فجعلناهم أحاديث ومرقنام كل ممزق، بيان ماآل إليه أمرهم.
والأحاديث: جمع أحدوثة، وهى ما يتحدث به الناس على سبيل القلهى
والتعجب أى: قالوا ما قالوا من -و. وفعلوا مافعلوا من منكر، فكانت نتيجة
ذلك، أن صير فاهم أحاديث يتلهى الناس بأخبارهم ، ويضربون بهم المثل،
فيقولون: تفرقوا أبدى سبأ، ومزقناهم كل مزق فى البلاد المتعددة، فمنهم
من ذهب إلى الشام، ومنهم من ذهب إلى العراق ... بعد أن كانوا أمة
متحدة ، يظلها الأمان والاطمئنان ، والغنى والجماء ...
((إن فى ذلك)) الذى فعلناه بهم بسبب جهلهم وفسوقهم وبطر هم,ا بات))
واضحات بينات ((لكل صبار، على طاعة الله - تعالى - ((شكور، له
- سبحانه - على نعمه .
وخص - سبحانه - الصبار والشكور بالذكر، لأنهماهما المنتفعان
بآياته وعبره ومواعظه .
ثم بين - عز وجل - الأسباب التى أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال:
((ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين).
ولفظ ((صدق)) قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة، وقرأه
البعض الآخر بفتح الدال بدون تشديد، وقوله: (( عليهم، متعلق بصدق.
وقوله «ظنه، مفعول به على قراءة التحديد، ومنصوب بنزع الخافض
على القراءة بالتخفيف، وضمير الجمع فى ((عليهم، وفى ((فانبعوه، يعود إلى
قوم سبأ.
والمعنى على القراءة بالتشديد: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فى قدر تهعلى
إغرائهم، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله - تعالى -
وشكره، فاتبعوا خطوات الشيطان ، بسبب انعماسهم فى الفسوق والعصيان،
إلا فريقا من المؤمنين، لم يستطع إبليس إغراءهم، لأنهم أخلصوا
(٢ ١٢ - سبأ)

١٧٨
سورة مبا
عبادتهم لخالقهم - عز وجل - ، واستمسكوا بالعروة الوثقى التى
لا انفصام لها.
والمعنى على القراءة بالتخفيف: ولقد صدق إبليس فى ظنه أنه إذا أغواهم
اتبعوه، لأنه بمجرد أن زين لهم المعاصى أطاعوه، إلا فريقا من المؤمنين
لم يطبعوه.
قال القرطبى ما ملخصه: وقوله: (( إلا فريقا من المؤمنين)) نصب على
الاستثناء، وفيه قولان: أحدهما : أنه يراد به بعض المؤمنين - فتكون من
التبعيض -، لأن كثيرا من المؤمنين يذنبون ويتقادون لإبليس فى بعض
المعاصى. أى: ما-لم من المؤمنين أيضاً إلا فريق، وهو المقصود بقوله
- تعالى -: ((إن عبادى ليس لك عليهم سلطان.، ...
والثان: أن المراد بهم جميع المؤمنين، فعن ابن عباس أنه قال: هم
المؤمنون كلهم .
وعلى هذا تكون ((من)) البيان لا للتبعيض .... (١).
ثم بين- سبحانه - أن إغواء الشيطان لأهل سبا ولأهمباههم من بنى آدم،
لم يكن عن فسر وإكراه، وإنما كان عن اختيار منهم ليتمير الخبيث من الطيب
فقال - تعالى -: ((وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة
ممن هو منها فى شك ... ،
والمراد بالسلطان هنا: التسلط بالقهر والغلبة والإكراه. والمراد بالعام
فى قوله - تعالى - «إلا لنعلم، إظهار هذا العلم الناس ليتميز قوى الإيمان
من غيره .
أى . وما كان لإ بليس عليهم من سلطان قادر مجعلهم لا يملكون دفعه،
وإنما كان له عليهم الوسومية التى يملكون صرفها ودفعهامتى حسيت حملتهم بناء.
(١) تفسير القر طبى = ١٤ ص ٠٢٩٧
فسد
٠ ١٢٠

١٧٩
الجزء الثانى والعشرون
ونحن ما أبحنا لإ بليس الوسوسة لنبى آدم ، إلا لنظهر فى عالم الواقع حال من
يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب وحساب، ولميزه عمن هو منها
فى شك وریب وإنکار ...
قال الشوكانى - رحمه الله -: والاستثناء فى قوله (( إلا لنعلم من يؤمن
بالآخرة ممن هو منها فى شك ، منقطع أى: لا سلطان له عليهم، ولكن
ابتلينام بوسوسته لنعلم.
وقيل : هو متصل مفرغ من أعم العلل . أى : ما كان له عليهم من قساط
محال من الأحوال، ولا لعلة من العلل، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن،
أنه - سبحانه - قد علم ذلك عنما أزليا. وقال الفراء: إلا لنعلم ذلك عندكم
والأولى حمل العلم هنا على التمييز والإظهار، (١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله:((وربك على كل شىء حفيظ))
أى: وربك - أيها الرسول الكريم - على كل شىء رقيب وحفيظ، بحيث
لا يخرج شىء عن حفظه وهيمنته وعلمه وقدرته.
وهكذا نجد القرآن قد ساق لنا قصتين متعاقبتين، إحداهما تدل على أن
طاعة الله - تعالى - وشكره، وإخلاص العبادة له، وحسن الصلة به - سبحانه-،
كل ذلك يؤدى إلى المزيد من نعمه - تعالى - ، كما حدث لداود وسليمان
- عليهما السلام - .
وأما الثانية فتدل على أن الجحود والبطر والانغماس فى المعاصى والشهوات
كل ذلك يؤدى إلى زوال المعم ، كما حدث لقبيلة سبأ .
وصدق الله إذ يقول: «لقد كان فى قصيصهم عبرة لأولى الألباب ما كان
حديثا يفتري، ولكن تصديق الذى بين يديه، وتفصيل كل شىء، وهدى
(١) تفسير فتح القدير الشوكانى = ٤ ص ٣٢٧

١٨٠
سورة مبا
ورحمة لقوم يؤمنون)،(١).
ثم نجد السورة الكريمة بعد ذلك، قلقن البى - صلى الله عليه وسلم.
الحجج التى تؤيد ما هو عليه من حق وصدق، وتزهق ما عليه أعدائه من)
باطل وكنب ... فتقول :
قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُ مِنْ
دُوِنِ الَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَلَ ذَرَّةٍ فِ السَّمَنَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَ
لَهُمْ فِمَا مِنْ شِرْكِ وَمَالَهُمِنْهُمْ مِنْ ظَهِ ﴾ وَلَا تَنفَعُ النَّقَةُ
عِنْدَهٍُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُو ◌ََّ إِذَا فُّعَ عَنْ قُوِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَلَ
وَبُُّّ قَالُوا الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِّ الْكَبِيرُ (چ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْمِنّ.
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللهُ وَ إِنَّا أَوْ إِنَّكُمْلَعَ هُدِّى أَوْ فِي ضَلَلٍ
عُبِينٍ ﴿يَ قُل لَّا تُسْعَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا تُسْعَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (5) قُلْ
يَجْمَعُ بَيْغَنَا رَبَُّنتُمْ يَفْتَحُ بَيْنَابِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتََّحُ الْعَلِيمُ ( قُلْ
أُرُوِّ الَّذِينَ أَلْحَقْتُ بِهِ، ثُرَّكَا، كََّ بَلْ هُوَاللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
والأمر بالدعاء فى قوله - سبحانه -: « قل ادعوا الذين زعمتم مندون
أنه ... ، التوبيخ والتعجيز، ومفعولا (( زعتم)) محذوفان.
(١) سورة يوسف الآية ١١١.