النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الجزء الثانى والعشرون ((فقد احتملوا بهتانا وإنا مبينا، أى: فقد ارتكبوا إنما شنيعا، وفعلا قبيحا، وذنبا ظاهرا بينا، بسبب إيذائهم المؤمنين والمؤمنات . وقال - سبحانه - هناءبغير ما اكتسبوا)) ولم يقل ذلك فى الآية السابقة عليها ، لأن الناس بطبيعتهم يدفع بعضهم بعضا، ويعتدى بعضهم على بعض، ويؤذى بعضهم بعضا، أما الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فلا يتصور منهما ذلك. وجمع - سبحانه - فى ذمهم بين البهتان والاثم المبين، الدلالة على فظاعة ما ارتكبوه فى حق المؤمنين والمؤمنات، إذالبتهان هو الكذب الصريح الذى لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لشدته وبعده عن الحقيقة . والإثم المبين : هو الذنب العظيم الظاهر البين ، الذى لا يخفى قبحه. على أحد . روى ابن أبى حاتم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -. لأصحابه . أى الربا أربى عند الله؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال: أربى الربا عند الله، استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية (١). ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين عامة، بالاحتشام والتسقر فى ملابسهن فقال - تعالى -: ((يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، يدنين عليهن من. جلايبين ..... (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٤٧٠ ١٢٢ سورة الأحزاب قال الألوسى: روى عن غير واحد أنه كانت الحرة والأمة، تخرجان ليلا لقضاء الحاجة فى الغيطان وبين النخيل ، من غير تمييز بين الحرائر والإماء وكان فى المدينة فساق يتعرضون للإماء، وربما تعرضوا الحرائر فإذا قيل لهم قالوا: حسبنا من إماء ، فأمرت الحرائر أن يخالفن الأما. فى الزى والتستر فلا يطمع فيهن ... ، (١). وقوله : «بدنين، من الإدفاء بمعنى التقريب، واتضمنه معنى السدل والإرخاء عدى بعلى. وهو جواب الأمر، كما فى قوله - تعالى -: (قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة ... )) . والجلابيب : جمع جلباب ، وهو ثوب يستر جميع البدن ، لبسه المرأة ، فوق ثيابها . والمعنى: يأيها النبي قل لأزواجك اللائى فى عصمتك، وقل لبناتك اللائى من من تسلك ، وقل لنساء المؤمنين كافة ، قل لهن : إذا ماخر جن لقضاء حاجتهن، فعليهن أن يسد لن الجلابيب عليهن، حتى يسقرن أجسامهن ستراً تاماً، من ر.وسهن إلى أقدامهن، زيادة فى التستر والاحتشام ، وبعدأ عن مكان التهمة والريبة . قالت أم سلمة - رضى الله عنها - : لما نزلت هذه الآبة ، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها وقوله: ((ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، بيان المحكمة من الأمر بالتستر والإحتشام . أى: ذلك النستر والاحتشام والإدفاء عليهن من جلابيديهن يجعلهن أدنى وأقرب إلى أن يعرفن ويميزن عن غير هن من الإماء، فلا يؤذين من جهة من فى قلوبهم مرض . (١) تفسير الالوسى = ٢٣ ص ٨٨ ١٢٣ الجزء الثانى والعشرون قال بعض العلماء: وقد يقال إن تأويل الآية على هذا الوجه، وقصرها على الحرائر ، قد يفهم منه أن الشارع قد أهمل أمر الاماء، ولم يبال بما ينالحق من الإيذاء من ضعف إيمانهم ، مع أن فى ذلك من الفتنة ما فيه، فيلا كان التصون والتستر وما فى جميع النساء ؟ والجواب ، أن الاماء بطبيعة عملهن يكثر خروجهن وترددهن فى الأسواق ، فإذا كلفن أن يتقنعن ويلبسن الجلباب السابع كلما خرجن، كان فى ذلك حرج ومشقة عليهن، وليس كذلك الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج من البيوت إلا لضرورة ومع ذلك فإن القرآن الكريم قد نهى عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات جميعاً، سواء الحرائر والإماء، وتوعد المؤذين بالعذاب المهين ... والشارع - أيضاً - لم يحظر على الإماء الاستروالنقنع ولكنه لم يكلفون بذلك دفعاً للحرج والعسر، فللامة أن تلبس الجلباب السائغ متى تيسر لها ذلك .... (١) . هذا، ويرى الامام أبو حيان أن الأرجح أن المراد بنساء المؤمنين، ما يشمل الحرائر والإماء وأن الأمر بالتستر يشمل الجميع، وأن الحكمة من وراء هذا الأمر بإسدال الجلابيب عليهن، دره التعرض لهن بسوء من ضعاف الإيمان : فقد قال رحمه الله: والظاهر أن قوله: ((ونساء المؤمنين)) يشمل الحرائر والاماء، والفتنة بالاماء أكثر لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ... (( ذلك أدنى أن يعرفن)) لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن، ولا يلقين بما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت فى غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها (٢). (١) تفسير آيات الأحكام ح٤ ص ٥٣ للشيخ محمد على السايس - رحمه الله - (٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٧ ص ٢٥٠ ١٢٤ سورة الأحزاب ويبدو لنا أن هذا الرأى الذى اتجه إليه أبو حيان - رحمه الله - أولى بالقبول من غيره، لمشيه مع شريعة الإسلام التى تدعو جميع النساء إلى التستر والعفاف . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((وكان الله غفورا رحيما، أى: كان الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه توبة صادقة مما وقع فيه من أخطاء وسيئات . ثم هدد - سبحانه - المنافقين وأشباههم بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين والمؤمنات، وبين - عز وجل - أن وقت قيام الساعة مرد عليه زايسه وحده، وأن الكافرين عند قيامها سينهمون ولكم أن ينفعهم الندم. ١٢٥ الجزء الثانى والعشرون فقال - تعالى - : ◌َِّ لَّمْيََّتِهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْحِقُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّلَيُحَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلّ قَلِيلًا ﴾ مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا تُقُواْ أُُِّواْ وَقُتِلُواْ تَقْتًِا (٨يه سُنَّ اللّهِفِ الَّذِينَ خَلَوَّ مِنْ قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِتَبْدِيلًا (ي يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّ عُِّهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾ إِنَّ اله لَعَنَ الْكَِّرِينَ وَعَّلَهُمْ سَعِيرًا يَ شَدِينَ فِيَأَبَدًّا لَّا يَعِدُونَ وَلِيَّ وَلَ نَصِيرًا (٥﴾ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآَ ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَآَ إِنَّ أَطَعْنَا سَادَتَنَا ٦٦ أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا إ وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُونَا السَِّيلاً ﴾ رَبَّنَآءَ اتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ﴾ والمنافقون: جمع منافق، وهو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر. والذين فى قلوبهم مرض : ثم قوم ضعاف الإيمان، قليلو الثيات على الحق . والمرجفون فى المدينة: م الذين كانوا ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين ١٢٦ سورة الأحزاب ويلقون الأكاذيب الضارة بهم ويذيعونها بين الناس . وأصل الإرجاف: المحريك الشديد للشىء ، مأخوذ من الرجفة التى هى الزلزلة. ووصف به الأخبار الكاذبة ، لكونها فى ذاتها منزلزلة غير ثابته ، أو لإحداثها الاضطراب فى قلوب الناس . وقد سار بعض المفسرين، على أن هذه الأوصاف الثلاثة ، كل وصفه. منها لطائفة معينة ، وسار آخرون على أن هذه الأوصاف الطائفة واحدة هى طائفة المنافقين، وأن العطف لتغاير الصفات مع اتحاد الذات. قال القرطى: قوله: ((لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض، والمرجفون فى المدينة .. ، أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشىء. واحد ... والواو مقحمة كما فى قول الشاعر: وليث الكثيبة فى المزدحم . إلى الملك القرم وابن الحمام أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة .. وقيل : كان منهم قوم برجفون ، وقوم يتبعون النساء الريبة ، وقوم يشككون المسلمين .٠٠٠ (١). وقد سار صاحب الكشاف على أن هذه الأوصاف لطوائف متعددة. من الفاسقين، فقال: ((والذين في قلوبهم مرض، قوم كان فيهم ضعف إيمان، وقلة ثبات عليه . ((والمرجفون فى المدينة، ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت، فيكرون بذلك قلوب المؤمنين. (١) تفسير القرطى = ١٤ ص ٢٤٦ ١٢٧ الجزء الثانى وعشرين والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عدائكم وكيدكم، والفسقة عن نجورم والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء، لتأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التى تسو.هم وتنودهم (١). وقوله: «لنغرينك بهم)) جواب القسم. أى: لنسلطنك عليهم فنستأصلهم بالقتل والتشريد، يقال: أغرى فلان فلانا بكذا، إذا حرضه على فعله . وقوله: (ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا، معطوف على جواب القسم أى: لنغرينك بهم ثم لا يبقون بعد ذلك مجاورين لك فيها إلا زمانا قليلا يرتحلون بعده بعيداً عنكم ، لكى تبتعدوا عن شرورهم . وجاء العطف بثم فى قوله: (( ثم لا يجاورونك، للإشارة إلى أن إجلاءهم عن المدينة نعمة عظيمة بالنسبة للمؤمنين، وفقمة كبيرة بالنسبة لهؤلاء المنافقين وأشباههم، وقوله: «ملعونين أينما ثفقوا، أى: مطرودين من رحمة الله - تعالى - ومن فضله، أينما وجدوا وظفر بهم المؤمنون. و((ملعونين) منصوب على الحال من فاعل ((يجاورونك)، و«ثقفوا) بمع، وجدوا. تقول. ثقفت الرجل فى الحرب أثقفه، إذا أدركته وظفرت به. وقوله: ((أخذوا وقتلوا تقتيلا)، بيان لما يحيق بهم من عقوبات عند الظفربهم أى: هم ملعونون ومطر ودون من رحمة الله بسبب سوء أفعالهم، فإذا ما أدركوا وظفر بهم، أخذوا أسارى أذلاء، وقتلوا تقتيلا شديداً ، وهذا حكم الله - تعالى - فبهم حتى يقلعوا عن نفاقهم وإشاعتهم قالة السوء فى المؤمنين، وإيذائهم للمسلمين والمسلمات. ثم بين - سبحانه - أن سنته قد إقتضت تأديب الفجار والفسقه حتى (١) تفسير الكهاف = ٢ ص ٥٦١ ١٢٨ سورة الأحواب يقاهوا عن فجورهم وفسقهم فقال: « سنة الله فى الذين خلوا من قبل، .. » وقوله: ((سنة)) منصوب على أنه مصدر مؤكد، أى: سن الله - تعالى - ذلك سنة ، فى الأمم الماضية من قبلكم - أيها المؤمنون - بأن جعل تأديب الذين يسعون فى الأرض بالفساد ، ويؤذون أهل الحق ، سنة من سنته التى لا تتخلف . (((ولن تجد)) - أبها الرسول الكريم - ((لسنة الله، الماضية فى خلقه («عمبديلا)، أو تحويلا، لقيامها على الإرادة الحكيمة، والعدالة القويمة. ثم بين - سبحانه - أن وقت قيام الساعة لأيعلمه إلا هو فقال : «يسألولك الناس عن الساعة، قل إنما علمها عند اله، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ،. والسائلون هنا قيل هم اليهود، وسؤالهم عنها كان بقصد التعنت والإساءة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -. أى : يسألك اليهود وأشباههم فى الكفر والنفاق عن وقت قيام الساعة على سبيل الدمنت والإمتحان لك . ((قل، لهم - أيها الرسول الكريم - ((إنما، علم وقت قيامها عند الله - تعالى - وحده، دون أى أحد سواه. ((وما يدريك)، أى: وما يعلمك ((لعل الساعة تكون قريبا، أى: لعل قيامها وحصولها يتحقق فى وقت قريب ، ولكن هذا الوقت مهما قرب لا يعلمه إلا علام الغيوب - سبحانه - . ولقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: « بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير إلى إصبعيه السبابة والوسطى . ١٢٩ الجزء الثانى والمشرن ثم بين - تعالى - ما أعده للكافرين من عقاب فقال «إن الله أمن الكافرين، بأن طردهم من رحمته ، وأبعدهم عن مغفرته . ((وأعدلهم)) فوق ذلك فى الآخرة(سعيرا، أى: قارا شديدة الاشتعال حوالاتقاد . ( خالدين فيها أبدا، أى: خالدين فيها خلودا أبديا لا خروج هم منها معه ((لا يجدون وليا ولا نصيرا، أى لا يجدون من يحول بينهم وبين الدخول فى هذه النار المسعرة، كما لا يجدون من يخلصهم من عذابها -وسعيرها . ثم بين - سبحانه - حسراتهم عندما يحل بهم العذاب فى الآخرة فقال: يوم تقلب وجوههم فى النار، يقولون باليتنا أطعنا اللّه وأطعنا الرسولا)). و(«يوم، ظرفه لعدم الوجدان لمن يدافع عنهم أو ينصرهم. أى: لا يحدون من يدفع عنهم العذاب ، يوم تقلب وجوههم فى النار ثارة إلى جهة ، وقارة إلى جهة أخرى ، كما يقلب اللحم عند شوائه . وحينئذ يقولون على سبيل الحصر والتفجع: با ليقنا أطعنا الله - تعالى- .. فما أمرنا به، وأطعنا رسوله فيما جاءنا به من عند ربه . قال صاحب الكشاف: وقوله: (((قلب)) بمعنى تتقلب، ومعنى تقليبها: تصريفها فى الجهات ، كماترى البيضة تدور فى القدر إذا غلت ، فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها، أو طرحها فى النار مقلوبة منكوسة . وخصت الوجوه بالذكر، لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من -جسده ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجمله. (١). (١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠٥٦٢ ١٣٠ سورة الأحزاب وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، أى: وقاله هؤلاء الكافرون - بعد هذا التحسر والتفجع - يا ربنا إنا أطعنا في الدنيا. (( سادتنا وكبراءنا، أى: ملوكنا ورؤساءنا وزعماءنا، فجعلونا فى خلال عن الصراط المستقيم، وعن السبيل الحق . ((ربنا آتهم ضعفين من العذاب، أى: يا ربنا أنزل بهؤلاء السادات. والكبراء عذابا مضاعفا، بسبب ضلالهم فى أنفسهم، وبسبب إضلالهم. لغيرهم . ((والعنهم لعنا كبيرا، أى وأطردهم من رحمتك، وأبعدهم عن مغفرتك، إبعادا شديدا عظيما، فهم الذين كانوا سببا لنا فى هذا العذاب. المهين الذى نزل بنا ، وهكذا نرى الآيات الكريمة، تصور لنا أحوال الكافرين فى الآخرة. هذا التصوير المؤثر، إيهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة. ٠٠٠ وبعد أن فصلت السورة الكريمة ما فصلت من أحكام، وأرشدت إلى ما أرشدت من آداب، وقصت ما قصت من أحداث ... بعد كل ذلك وجهت فى أواخرها نداءين إلى المؤمنين، أمرتهم فيهما بتقوى الله - تعالى -. وبالاقتداء بالأخيار من عباده، واجتناب سلوك الأشرار، كماذكرتهم بثقل. الأمانة التى رضوا بحملها، وبحسب باقية الصالحين وسوء عاقبة المكذبين». قال - تعالى - : ١٣١ الجزء الثانى والعشرون يَأْيَُّا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ١٤ذَوْأُ مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ بِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِنْدَ الَهِ وَجِيهًا ﴾ يَأَبُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَتَّقُواْ اللّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٣٨) إِنَّا عَرَ ضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَلَوَاتِ وَالْأَرْضِ .وَاِجَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَعِلْنَهَا وَأْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَهَا الْإِنسَانُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُمَا جَهُولًا (﴾ ◌ِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِنَ وَالْمُؤْمِنَتِّ وَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (هـ والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى -: يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ... ، قومه الذين أرسله إنه إليهم. فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيفاتهم فه، ومن ذلك قولهم له: • الموسم أجعل لنا إليا كا لهم آلهة ... ، وقولهم: «ان اتٍ من لك حتى ترى الله جهرة .. ١٣٢ سورة الأحزاب وقولهم: ((أن تصبر على طعام واحد .... واتخاذم العجل إلهاً من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام - ... ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإمام والبخارى والترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن موسى كان رجلا حيياً ستيراً لايرى من جلده شىء، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا القر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما آفة. وأن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن مرسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدابثوبه ، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: أوبى حجر، أوبى حجر حتى انتهى إلى ملأ بنى إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى -، وأبرأه الله - تعالى - ما يقولون ... فذلك قوله - تعالى - (يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى، ... (١). والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، التزموا الأدب والطاعة والاحترام النبيكم - صلى الله عليه وسلم -، واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى. ((فبر أه الله مما قالوا، أى: فأظهر الله - تعالى - براءته من كل مانسبوه إليه من سوء . (( وكان عند الله وجيها، أى: وكان عند الله - تعالى - ذا جاه (١) راجع تفسير ابن كثير ٦٢ ص ٤٧٤ ١٣٣ الجزء الثانى والعشرون عظيم، ومكانة سامية، ومنزلة علية ، حيث نصره - سبحانه - عليهم واصطفاء لحمل رسالته ... يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا كان ذا جاه وقدر . ثم أمرثم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه، بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذاتهم النبيهم فقال: « يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ..... والقول السديد: هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف الحق والصواب، مأخوذ من قولك: سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذى يقصده فأصابه. ومنه قوطسم: سهم قاصد . إذا أصاب الهدف . أى: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وفى كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولا كله الصدق والصواب . فإنكم إن فعلتم ذلك (( يصلح)) الله - تعالى - ((لكم أعمالكم. بأن يجعلها مقبولة عنده ((ويغفر لكم ذنوبكم )) التى فرطت منكم ، بأن يمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم. ((ومن يطع الله ورسوله)) فى كل الأقوال والأعمال ((فقد فاز) فى الدارين ((فوزا عظيما، لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد كنهه وعلى منزلته. ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حلها الإنسان فقال : •إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ..... ١٣٤ دورة الأحراب وأرجع الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عبادة، من إخلاص فى العبادة، ومن أداء الطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسنته . وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها، وأنمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشىء منها . والمراد بالإنسان: آدم - عليه السلام - ، أو جنس الإنسان. والمراد بجعله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلها وضخامتها. والعلماء فى تفسير هذه الآية إتجاهات، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، لثقلها وضخامتها ((وأشفقن منها، أى: وخفن من عواقب حملها أن ينعاً لمن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كافن بأدائه . ((وحملها الإنسان، أى: وقبل الإنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السموات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها. « إنه كان ظلوماً جهولا، أى: إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه ومبالغاً فى الجهل، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأدا ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه، وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون - ومنهم من لم يؤدها، وإنما عصى ما أمر به ربه، وخان الأمانة التى التزم بأدائها. ١٣٥ الجزء الثانى والعشرون الضمير فى قوله « إنه) يعود على بعض أفراد بخفس الإنسان، وم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها . قال الألوسى: ((إنه كان ظلوما جهولا، أى: بحسب غالب أفراد. الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، دون من عدام من الذين لم يبدلوا -خطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشىء ، وجوده فى بعض أفراده، فضلا عن وجوده فى غالبها .... (١). وقال بعض العلماء: ورجوع الضمير إلى مجرد اللفط دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن . وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله، وهى - تعالى -: ((وما يعمر. - من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب الله ... )) لأن الضمير فى قوله: ((ولا ينقص من عمره)) راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى، كما هو ظاهر. وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندى درم -ونصفه. أي: ونصف هرم آخر (٢). وأصحاب هذا الاتجاه يقولون: لا مانع إطلاقا من أن بخلق الله - تعالى - إدراكا وقطقا السموات والأرض والجبال، ولكن هذا الإدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه - . وبما يشهد لذلك قوله - تعالى -: ((تسبح له السموات السبع والأرض (١) تفسير الآلوسى = ٢٢ ص ٩٦ (٢) تفسير «أضواء البيان، ج ٦ ص ٦٠٦ للشيخ محمد أمين الشنقطى ١٣٦ سورة الأحزاب ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. إنه كان حلما غفورا، (١). قال الجمل: وكان هذا العرض عليهن - أى على السموات والأرض. والجبال تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها، والجمادات كلها. خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره ساجدة له. قال بعض أهل العلم: ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين. عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن)، (٣). ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثلى ، أو من قبيل المجاز . قال الإمام القرطبى ما ملخصه: لما بين - تعالى - فى هذه السورة من. الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة نعم جميع وظائف الدين ، على الصحيح من الأقوال ، وهو قول الجمهور . ويصح أن يكون عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال على. سبيل الحقيقة . . وقال القفال وغيره: العرض، فى هذه الآية ضرب مثل، أى: أن .. السموات والأرض والجبال على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجول تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب. أى: أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، (١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٤٥٨ (٢) سورة الإسراء الآية ٤٤ ١٣٧ الجزء الثانى والعشرون وقد حمله الإنسان وهو ظلوم جهول أو عقل، وهذا كقوله: «لو أنولنا هذا القرآن على جبل، لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله .. )). وقال قوم: إن الآية من المجاز؛ أى: أنا إذا قابلنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال ، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها أو تكلس لأبت وأشفقت ، فعبر عن هذا بعرض الأمانة . كما نقول : عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد : قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه .. وقيل: ((عرضنا، بمعنى عارضضا الأمالة بالسموات والأرض والجبال ، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة، ورجحت الأمانة بثقلها عليها ... ). (١) . ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه ، فلا داعى لصرفه عن ذلك . وما لا شك فيه أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السموات والأرض والجبال إدراكا وتميزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه -. واللام فى قوله - سبحانه -: «ليعذب اللّه المنافقين والمنافقات .. متعلقة بقوله: ((وحملها الإنسان .. )). أى: وحملها الإنسان ليغضب الله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراهوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات «ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات)» أى: ويقبل اف (١) تفسير القرطبى ٣ ٢٤ ص ٢٥٤ ١٣٥ سورة الأحوابه - تعالى - تربة المؤمنين والمؤمنات، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطايام . ((وكان، الله - تعالى - وما زال ,غفورا رحيماء أى: واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى . أما بعد: فهذا تفسير لسورة (الأحواب ) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباه . . والحمد قه الذى بنعته تتم الصالحات . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ القاهرة - مدينة نصر كتبه الراجى عفو ربه محمد سيد طنطاوى مساء الخميس: ١٨ من رمضان سنة ١٤٠٥هـ ٦ - ٦ - ١٩٨٥ م ١٣٩ فهرس إجمالى لتفسير سورة ((الأحزاب)) رقم الآية الآية المفسرة المقدمة رقم الصفحة يأيها النبى اتق الله ... ١ ١٣ ١٥ ما جعل الله لرجل من قلبين ... ٤ النبى أولى بالمؤمنين ... ٢٠ ٦ وإذا أخذنا من النبيين ... ٧ يأيها الذين آمنوا اذكروا ... ٩ ٢٥ ٢٨ ٣٦ ١٦ ٤٣ ٥٣ ٦٧ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ... ٦٩ ٨٠ ٨٤ يأيها النبى إنا أرسلناك ... ٨٧ ٤٩ يأيها الذين آمنوا إذا تكتم ... يأيها النبى إنا أحلنا لك ٩٠ ١٠٣ ٥٠ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ... ٥٣ ١٠٨ لا جهاح علیین فی أبائهن ... ١١٧ لئن لم ينته المنافقون ... ٦٠ ١٣٣ يأيها الذين أمنوا لا تكونوا ... ٦٩ يأ بها الذين آمنوا اذكروا الله ... يأيها النبي قل لأزواجك ... يا نساء النبى من بأت منكن ... إن المسلمين والمسلمات ... ٣٥ ٣٦ ٤١ ٤٥ قل أن ينفعكم الفرار ... لقد كان لكم في رسول الله ... ٢١ ٢٨ ٣٠