النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الجزء الحادى وعشرين
فى تقرير هذه الحكمة وتأ كيدها، وإزالة كل ما علق بالأذهان بشأنها، فقال
- تعالى -: ((ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له .. ».
أى: ما كان على النبى - صلى الله عليه وسلم - من حرج أو لوم
أو مؤاخذة، فیفعلما أحله الله له، وقدره عليه، وأمر به منزواجه بزنيب
بعد أن طلقها ابنه بالت ؟. زيد بن حارثه فقوله: ((فيما فرض الله له، أى:
-فيما قسمه له، وقدره عليه، مأخوذ من قولهم : فرض فلان لفلان كذا ،
أى: قدر له هذا الشىء ، وجعله حلالاله .
وقوله - تعالى - «سنة الله فى الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا
-مقدورا، زيادة فى تأكيدهذه الحكمة، وفى تقرير صحة مافرضه الله - تعالى-
لنبيه - صلى الله عليه وسلم - .
أى: ما فعله الرسول - بَ الج ـ من زواجه بزينب بعد طلاقها من
زيد، قد جعله الله - تعالى - سنة من سننه فى الأمم الماضية، وكان أمر الله
- تعالى - قدرا مقدورا. أى: واقعا لا محالة .
والقدر: إبجاد الله -تعالى-الأشياء على قدر مخصوص حسبما تقتضى حكمته.
ويقابله القضاء: وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ماهى عليه.
- وقد يستعمل كل منهما بمعنى الآخر. والأظهر أن قدر الله - تعالى - هنا
بمعنى قضائه.
ولفظ ((مقدورا)، وصف جىء به التأكيد، كما فى قولهم : ظل ظليل،
- وليل أليل. ثم مدح - سبحانه - هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يبلغون دعوته
-دون أن يخشوا أحدا -واهفقال: ((الذين يبلغون رسالات الله ، التى يكلفهم
- سبحانه - بتبليغها. والموصول فى محل جر صفة ((الذين خلوا).
كأو منصوب على المدح.
(٦٢ - الأحزاب)

٨٢
سورة الأحزاب
((ويخشونه، أى: ويخافونه وحده،ولا يغشون أحدا إلا الله »
- عز وجل - فى كل ما يأتون وما يذرون، وما يقولون وما يفعلون.
((وكفى باقه حسيبا، أى: وكفى بالله - تعالى - محاسبا لعباده على
فيات قلوبهم وأفعال جوارحهم، وأقوال ألسنتهم .
ثم حدد - سبحانه - وظيفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأثنى عليه
بما هو أهله، فقال - تعالى -: ((ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، أى: لم يكن
محمد - صلى الله عليه وسلم - أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقية، تترتب عليها.
آثارها وأحكامها من الإرث، والنفقة، والرواج .. وزيد كذلك ليس أبناله
- صلى اله عليه وسلم - فزواجه - ٣ - برينب التى طلقها زيد.
لا حرج فيه، ولا شبهة فى عدم مححته وقوله: «ولكن رسول الله وغائم
النبيين)) استدراك لبيان وظيفته وفضله .
أى: لم يكن - صلى الله عليه وسلم - أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة،
ولكنه كان رسولا من عند الله - تعالى- ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور
الإيمان ، وكان - أيضاً - خاتم النبيين، بمعنى أنهم ختموا به ، فلا غبى بعده،
فهو كالخاتم والطابع لهم . ختم الله - تعالى - به الرسل والأنبياء، فلارسوله.
ولا نبي بعده إلى قيام الساعة .
قال القرطبى: قرأ الجمهور ((وخاتم)) - بكسر الناء - بمعنى أنه ختمهم،
أى : جاء آخرم .
وقرأ عاصم ((وخاتم)) . بفتح التاء - بمعنى أنهم ختموا به، فهو كالخاتم.
والطابع لهم .
وقيل: الخاتم والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان، مثل طابع وطابع ..
وقد روى الإمام مسلم عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: مثلي ومثل الأنبياء من قبلى، كمثل رجل بنى دارافأتمها وأكملها، إلا موضع

٨٣
الجزء الحادى والعشرون
ابنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: ما أجمل هذه الدار،
هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال - صلى الله عليه وسلم - فأنا موضع اللبنة جنت
فختمت الأنبياء)، (١):
وقد ذكر الإمام ابن كثير عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها مارواه
الإمام مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فضلت
على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم؛ ونصرت بالرعب، وأحلت لى الغائم
وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة. وختم بى
النبيون».
ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره: والأحاديث فى
هذا كثيرة فمن رحمة الله - تعالى - بالعباد إرسال محمد - هو - إليهم،
ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به ، وإكمال الدين الحنيف له ،
وقد أخبر - تعالى - فى كتابه، ورسوله فى السنة المتواترة عنه، أنه لا نبى
بعده، ليعلموا أن كل من أدعى هذا المقام بعده فهو كذاب أناك، دجال ضال
مضل، ولو تخرق وشعبف، وأتى بأنواع المحر والطلاسم .... (٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «وكان الله بكل شىء عليما).
أى: وكان - عز وجل - ومازال، هو العلم عل قاما بأحوال خلقه، وبما
ينفعهم ويضلهم، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم فى حاجة إليه من تشريعات،
واختار رسالة نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - لتكون خاتمة الرسالات،
فعليكم أن تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة، ليزيدكم - سبحانه - من فضله
وإحسا».
٠
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ١٩٦
(٢) راجع تفسير ابن كثير - ٦ ص ٠٤٢٤

٨٤
سورة الأحزاب
ثم جاءت الآيات الكريمة بعد ذلك لتؤكد هذا المعنى وتقرره، فأمرت
المؤمنين بالإكثار من ذكر الله - تعالى - ومن تسبيحه وتحميده وتكبيره،
فقال - سبحانه - :
يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْ كُرُواْ اللّهَ ذِ كَرًا كَثِيرًا له وَسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا (﴿ هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَيْكُمْ وَمَلَكَتُهُ، لِيُخْرِجَهُ:
الظُلُنَتِ إِلَى النُّورِ وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنَ رَحِيمًا (٣ غِّهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْ
سَلَمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَبْرًا كَرِيمً ﴾ ◌َأَيُّهَ النَّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَدٍ
وَمُبَشِرًا وَذِيرًا (٢﴾ وَدَاعًِ إِلَى الَّه ◌ِإِذْنِهِ، وَسِرَجًا مُِّبْرًا ﴾ وَةِ
الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُ مِّنَ اللّهِفَضْلًا كَبِيرًا (٦﴾ وَلَا تُطِعِ الْكَِّفِ.
وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الهّ وَكَفَ بِلَهِ وَ كِلا ◌َّ
يَأَيُّهَ الَّذِينَءَمُواْإِذَا نَحْتُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّطَلَقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَمَسُوهُنَّ فَ لَكُمْ عَيْهِنَّ مِنْ عِذَّةٍ تَعْتَدُّونَهَاً فَمَتِعُوهُنَّ وَسَّرْ حُوهُنَّ
مَرَاحًا جِيلًا ﴾
والمقصود بذكر الله - تعالى - فى قوله: «بأيها الذين آمنوا إذكروا
اله ذكرا كثيرا، ما يشمل التهليل والتحميد والتكبير وغير ذلك من الأقوال
والأفعال التى ترضيه - عز وجل - .

٨٥
الجزء الحادى والعشرون
أى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، أكثروا من التقرب إلى الله - تعالى-
بما يرضيه، فى كل أوقاتكم وأحو الكم فإن ذكر الله - تعالى -هو طب النفوس
ودواؤها، وهو عاقبة الأبدان وشفاؤها، به تعلمين القلوب، والشرح
الصدور . .
والتعبير بقوله: ((أذكروا الله ذكراً كثيراً، يشعر بأن من شأن
المؤمن الصادق فى إيمانه ، أن يواظب على هذه الطاعة مواظبة قامة .
ومن الأحاديث التى وردت فى الحض على الإكثار من ذكر الله،
ما رواه الإمام أحمد عن أبى الدرداء - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله
(5): ألا أنبتكم بخير أعمالكم، وأز كاها عند مليككم، وأرفعها فى
درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق - أى: الفضة -، وخير
لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم، قالوا:
وماهو يا رسول الله؟ قال: ذكر الله - عز وجل - .
وعن عمرو بن قيس قال: سمعت عبدالله بن يسر يقول: جاء أعرايان
إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: يارسول الله، أى
الناس خير ؟ قال: من طال عمره وحسن عمله .
وقالٍإ الآخر: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا،
فرنى بأمر أتشبث به. قال: (( لا يزال لسانك رطباً بذكر الله،.
وقال ابن عباس: لم يفرض الله -تعالى -فريضة إلا جعل لها حدا معلوما،
ثم عذر أملها فى حال العذر، غير الذكر ، فإن الله - تعالى - لم يجعل له حدا
يفتهى إليه، ولم يعفر أحد فى تركه إلا مغلوبا على عقله، وأمرهم به فى الأحوال
كلها. فقال - تعالى -: ((الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم .. »
وقال - سبحانه -: ((فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى
جنوبكم ... أى: بالليل وبالنهار، فى البر والبحر ، وفى السفر والحضر،

٨٦
سورة الأحزاب
والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.» (١)
وقوله: ((وسبحوه بكرة وأصيلا، معطوف على ((اذكروا.) والتسبيح:
التنزيه. مأخوذ من السبح، وهو المر السريع فى الماء أوفى الهواء. فالمسبح
مسرع فى تنزيه الله وتبرئته من السوء ، والبكرة: أول النهار ، والأصيل:
آخره :
أى: أكثروا - أيها المؤمنون - من ذكر الله - تعالى - فى كل
أحوالكم، ونزهوه - سبحانه - عن كل مالا يليق به ، فى أول النهار
وفىآخره .
وتخصيص الأمر بالتسبيح فى هذين الوقتين ، لبيان فصلهما ، ولمزيد
الثواب فيهما، وهذا لا يمنع أن النسبيح فى غير هذين الوقتين له ثوابه العظيم
عند الله - تعالى - .
- وأبدا - خص - سبحانه - التسبيح بالذكر مع دخوله فى
عموم الذكر ، للتنبيه على مزيد فضله وشرفه .
قال صاحب الكشاف: «والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختصه تعالى
من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة، ليبين فضله
على سائر الأذكار ، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات
والأفعال ... (٢).
وقوله - سبحانه -: ((هو الذى يصلى مليكم وملائكته .. ، استئناف
جار مجرى التعليل لما قبله، من الأمر بالإكثار من الذكر ومن التسبيح.
والصلاة من الله - تعالى - على عباده معناها: الرحمة بهم، والثناء
(١) راجع تفسير ابن كثير - ٦ ص ٤٢٦
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٤٠

الجزء الحادى والعشرون
عليهم . كما أن الصلاة من الملائكة على الناس معناها: الدعاء لهم بالمغفرة
-والرحمة .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: «هو الذى يصلى عليكم وملائكته .. »
قال ابن عباس: لما نزل: ((إن الله وملائكته يصلون على النبي.٩ .. ، قال
المهاجرون والأنصار: هذا لك يارسول الله خاصة، وليس لنا فيه شىء،
فأنزل الله هذه الآية.
ثم قال القرطبى: قلت: وهذه نعمة من الله - تعالى - على هذه
نالأمة من أكبر النعم، ودليل على فضلها على سائر الأمم. وقد قال: « كنتم
-خير أمة أخرجت الناس» .
والصلاة من الله على العبد هى رحمته له، وبركنه لديه. وصلاة
الملائكة: دعاؤهم المؤمنين واستغفارم لهم، كما قال - تعالى -: «الذين
محملون العرش ومن حوله يسبحون بحمدربهم ، ويؤمنون به ويستغفرون
الذين آمنوا » (١).
وقوله: «ليخرجكم من الظلمات إلى النور، متعلق بقوله ((يصلح))
أى: يرحمكم - سبحانه - برحمته الواسعة، ويسخر ملائكته لادعاء
لكم، لكى يخر بكم بفضله ومنته، من ظلمات الضلال والكفر إلى نور
الهداية والإيمان .
((وكان)) - سبحانه - وما زال,بالمؤمنين رحما، رحمة عظيمة
واسعة ، تشمل الدنيا والآخرة .
أمارحمته لهم فى الدنيافن مظاهرها: هدايته إياهم إلى الصراط المستقيم
وأما رحمته - سبحانه - ظم فى الآخرة فمن مظاهرها: أنهم يأمنون
من الفزع الأكبر .
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ١٩٨

٨٨
سورة الأحراب
١
وفى صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أن رسول ..
الله (صلى الله عليه وسلم) رأى امرأة من السبى قد أخذت صبيا لهافأ نصفته.
إلى صدرها وأرضعته فقال: أترون هذه تلقى ولدما فى النار وهى تقدر
على ذلك ؟ قالوا: لا . قال: فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها .
ثم بين - عز وجل - ما أعده للمؤمنين فى الآخرة فقال: «تحيتهم
يوم يلقونه سلام)).
والتحية: أن يقول قائل للشخص: حياك الله، أى: جعل لك حياة ..
طيبة .
وهذه التحية للمؤمنين فى الآخرة، تشمل تحية الله - تعالى - لهم، كانى.
قوله - سبحانه -: ((سلام قولا من رب رحيم)) (١).
وتشمل تحية الملائكة لحم ، كما فى قوله - تعالى -: «والملائكة يدخلون
عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)) (٢).
كما قدمل تحية بعضهم لبعض كما فى قوله - عز وجل -: «دعواهم فيها
سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين» (٣).
أى : تحية المؤمنين بوم بلقون الله - تعالى - فى الآخرة، أو عند قبض
أرواحهم، سلام وأمان لهم من كل ما يفزعهم أو يخيفهم أو يزعجهم ..
((وأعد لهم، - سبحانه - يوم القيامة «أجرا كريما، هو الجنة التى.
فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
٠٠٠
(١) سورة يس. الآية.
,الرعد الآيه ٢٣،٢٢
(٢)
« يونس. الآية ١٠
(٣)

٨٩
الجزء الحادى والعشرون
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) حدد له.
فيه وظيفته، وأمره بتبشير المؤمنين بما يسرهم، ونهاه عن طاعة الكافرين
والمنافقين فقال: يأيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً.
وقوله: (مبشراً) من التبشير، وهو الإخبار بالأمر السار لمن لا علم
له بهذا الأمر.
وقوله: (ونذيرا) من الإنذار، وهو الإخبار بالأمر المخيف لكى
مجتب ويحذر.
والمعنى: بأيها النبى الكريم (إِنا أرسلناك) إلى الناس (شاهدا) أى:
شاهداً لمن آمن منهم بالإيمان، ومن كفر منهم بالكفر، بعد أن بلغتهم
رسالة ربك تبليغاً قاماً كاملا .
(ومبشراً) أى: ( ومبشراً المؤمنين منهم برضا الله - تعالى -.
(ونذيرا) أى: ومنذراً للكافرين بسوء العاقبة، بسبب إعراضهم عن
الحق الذى جئهم به من عند الخالق - عز وجل - .
وقدم - سبحانه - التبشير على الإنذار، تكريماً للمؤمنين المبشرين،
وإشعاراً بأن الأصل فى رسالته - صلى الله عليه وسلم - التبشير، فقد أرسله
الله - تعالى - رحمة للعالمين.
وقوله: {وداعيا إلى الله بإذنه) أى: وأرسلناك - أيضا - داعيا الناس
إلى عبادة الله - تعالى - وحده، وهذه الدورة لهم منك كائنة بإذنه
- سبحانه - وبأمره وبقيسيره.
تالتقييد بقوله (بإذنه) لبيان أنه - شَيءٍ - لم يدع الناس إلى مادعاهم.
إليه من وجوب إخلاص العبادة له - سبحانه -، من تلقاء نفسه، وإنما
دعاهم إلى ذلك بأمر الله - تعالى - وإذته ومهيئته، وللإمارة إلى أن هذه

٩٠
سورة الأعراب
الدعوة لا تؤتى ثمارها المرجوة منها إلا إذا صاحبها إذن الله - تعالى -
النفوس بقبولها .
وقوله: (( وسراجا منيرا)، معطوف على ما قبله. والسراج: المصباح
الذى يستضاء به فى الظلمات .
أى : وأرسلناك - أيها الرسول الكريم - بالدين الحق، لتكون
كالسراج المنير الذى يهتدى به الضالون ، ويخرجون بسببه من الظلمات
إلى النور .
ووصف السراج بالإنارة، لأن من المصابيح مالايضى. إذا لم يوجد به
ما يضيئه من زيت أو ما يشبهه.
قال صاحب الكشاف: ((جلى الله - تعالى- بنبيه - صلى الله عليه وسلم -
ظلمات الشرك، فاهتدى به الضالون، كما يحلى ظلام الليل بالسراج المنير
ويهتدى به. أو أمد الله بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور السراج فور
الأبصار. ووصفه بالإمارة لأن من السراج مالا يضىء إذا قل سليطه - أى:
زبته - ودقت فتيلته ... )) (١).
وبعد أن وصف الله - تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصفات
الكريمة، أقبع ذلك بأمره بقبدير المؤمنين برضا الله عنهم، وبنهيه عن طاعة
الكافرين، فقال - تعالى -: ((وبشر المؤمنين .. ، أى: انظر - أيها الرسول
الكريم - إلى أحوال الناس وإلى موقفهم من دعوتك . وبشر المؤمنين منهم
(((بأن لهم من الله - تعالى - فضلا كبيراً، أى: عطاء كبيراً، وأجر أعظما،
ومنزلة سامية بين الأمم .
(١) تفسير الكثاف = ٣ ص ٤٧

٩١
الجزء الحادى والعشرو
((ولا قطع الكافرين والمنافقين، فيما يشيرون به عليك من ترك الناس
وما يعبدون، أو من عدم بيان ماهم عليه من باطل وجهل، بل أثبت على ما أنت
عليه من حق، وأمض فى تبليغ دعوتك دون أن يخشى أحدا إلا الله
- تعالى -.
((ودع أذاهم ، أى: ولاتبال بما يتزلوله بك من أذى، بسبب دعوتك
إياهم إلى ترك عبادة الأصنام والأوثان ، واصبر على ما يصيبك منهم حتى
بحكم الله - تعالى - بحكمه العادل بينك وبينهم.
((وتوكل على الله، فى كل أمورك ((وكفى بالله)) - تعالى - («وكيلا))
أوكل إليه الأمور، وترد إليه الشئون ...
هذا، ومن الأحاديث النبوية التى اشتملت على بعض المعانى التى اشتملت
عليها هذه الآيات، مارواه الإمام البخارى والإمام أحمد عن عطاء بن يسار
قال: لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت له: أخبرنى عن صفة رسول الله
- صلى الله عليه وسلم فى التوراة؟ قال: والله إنه لموصوف فى التوراة ببعض
صفته فى القرآن: ((يأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا
المؤمنين، أنت عبدى ورسولى ، سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظا
ولا صخابا فى الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح،
وأن يقبضه الله - تعالى - حتى يقيم به الملة العوجاء، ((ويفتح به أعيناعميا
وآذانا صا، وقلوبا غلفا)، (١).
ثم عادت السورة الكريمة - بعد هذا الحديث الجامع عن وظيفة الرسول
(١) تفسير الآلومى = ٢٢ ص ٠٤٧

٩٢
سورة الأحزاب
- صلى الله عليه وسلم - وعن فضله - إلى الحديث عن جانب من أحكام.
الزواج والطلاق، فقال - تعالى -: يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات
والمراد بالفكاح هنا فى قوله (إذا نكحتم) العقد ، لأن الحديث فى
حكم المرأة التى تم طلاقها قبل الدخول بها .
وهذا الحكم شامل للمؤمنات ولغير من كالكتابيات ، إلا أن الآية
الكريمة خصت المؤمنات بالذكر ، للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن
لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا للنطفة.
والعدة : هى الشىء المعدود. وعدة المرأة معناها: المدة التى بانقضائها؛
يحل لها الزواج من شخص آخر ، غير الذى كان زوجا لها .
والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، (إذا نكتم
المؤمنات) أى: إذا عقدقم عليهن عقد النكاح، ولم يبق بینکم و یبتهن
سوى الدخول بهن .
( ثم طلقتمرهن من قبل أن تمسوهن ) أى: ثم طلقتموهن من قبل.
أن تجامعوهن .
قال الآلومى: وفائدة المجىء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة
وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة، إزاحة
ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق، له دخل فى إيجاب العدة، لاحتمال
الملاقاة والجماع سراً ... (١).
أى: أن الحكم الذى اشتملت عليه الآية الكريمة، ثابت سواء ثم ..
الطلاق بعد عقد الزواج مباشرة، أم بعده بمدة طويلة .
وفى التعبير عن الجماع بالمس كناية لطيفة . من شأنها أن تربى فى الإنسان
حسن الأدب، وسلامة التعبير، وتجنب النطق بالألفاظ التى تخدش الحياة

٩٣
الجزء الحادى والعشرون
وقوله: (( فما لكم عليهن من عدة لعتدونها، جواب إذا، وبيان للحكم
المترتب على طلاق المرأة قبل الدخول بها.
أى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن، فلا عدة عليهن، بل من
حقين أن يتزوجن بغيركم ، بعد طلاقكم لهن بدون التقيد بأية مدة
من الزمان .
قال الجمل: وقوله: ((تعتدونها، صفة لعدة، وتعتدونها تفتعلونها وإمامن
العدد، وإما من الاعتداد، أى: تحسبونها أو تستوفون عددها، من قولك:
عد فلان الدراهم فاعتدما، أى: فاستوفى عددها ... (١).
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن المطلقة قبل الدخول بها لاعدة عليها
إطلاقا بنص الكتاب وإجماع الأمة ، أما المطلقة بعد الدخول بها فعليها
لعدة إجماعا.
وقوله - سبحانه -: (( فمتعوهن وسرحومن سراحا جميلا ، بيان لما
يجب على المؤمنين أن يفعلوه، بالنسبة لمن طلقت قبل الدخول بها .
وأصل المتعة والمتاع، ما ينتفع به الإنسان من مال أو كسوة أو غير
ذلك. ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند
طلاقها منه، لتفتفع به، جبرا لخاطرها، وتعويضا لها عما نالها بسبب
-هذا الفراق .
وأصل التسريح . أن ترعى الإبل المسرح، وهو شجر له ثمرة ، ثم
أطلق على كل إرسال فى الرعى، ثم على كل إرسال وإخراج.
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٠٤٤٣

٩٤
سورة الأحزاب
والتسريح الجميل: هو الذى لا ضرر معه. وإنما معه الكلام الطيب.
والفعل الحسن .
والمعنى: إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن، فأعطوهن من المال ما يمور
خاطرهن ، وما يكون عوضا عن فراقهن ... وأطلقوا سراحهن ليستأنفن
حياة جديدة مع غيركم، وساعد وهن على ذلك إن استطعتم، فإن من شأن
العقلاء أن يعاشروا أزواجهن بالمعروف، وأن يفارقومن -أيضا- بالمعروف.
ومن العلماء من يرى أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل فى حال مفارقتها
قبل الدخول بها ، لأن الآية الكريمة قد أمرت بذلك، والأمر يقتضى
الوجوب .
وقد بينا ذلك بالتفصيل عند تفسيرفا لقوله - تعالى - فى سورة البقرة:
((لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة،
ومتعوهن، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعا بالمعروف حقا على
المحسنين. وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة
فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح، وأن تعفو
أقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير)) (١).
والملاحظ أن الآية الكريمة التى معنا، قد أضافت حكما جديدا، وهو أنه
لا عدة على المطلقة قبل الدخول بها .
ومن مجموع هذه الآيات، نرى أحكم النشریعات، وأسمى التوجيهات.
.
(١) راجع تفسيرنالسورة البقرة ص ٧١٣ وما بعدها.

٩٥
الجزء الحادى والعشرون
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانباً من مظاهر فضله عليه، وتكريمه له
حيث خصه بأمور التعلق بالنكاح لم يخص بها أحدا غيره. فقال - تعالى -:
يَأْيُّهَا الَِّّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ
٠٠٠٠٠٠٠
◌َاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِنُكَ ثَِّّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ
◌َمِّكَ وَبَاتِ عَمَئِكَ وَبَنَتِ خَالِكَ وَبَنَتِ خَلَئِكَ الَّتِى هَاَجْنَ
مَعَكَ وَأَمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَِّّ إِنْ أَرَادَ النَِّيُّ أَنْ
يَسْتَنِكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ قَدْ عَلْنَا مَا فَرَضْنَا
عَلَيْهِمْ فِى أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَبَْتُهُمْ لِكْلَا يَكُونَ عَيْكَ حَرَجٌ
وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا (يَّفُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ
مَنْ كَشَاءُ وَمَنْ أَبْتَغَيْتَ مِنْ عَزَّلْتَ فَلا ◌ُنَحَ عَلَيْكٌ ذَلِكَ أَدْفَ
أَنْ تَقُّأَعْيُنَّوَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَّتَهُنَّ كُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ
" مَافِ قُلُوبِكُمْ وَكَانَ الهُ عليً حَلِمَا يَ لََّحِلُ لَكَ الْتِسَآءُ مِنْ بَعْدُ
{وَلَا أَنْتَبَدَّلَ بِنَّ مِنْ أَزْوَجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسُْهُنَّ إِلَّ مَا مَلَكَتْ بِينُكٌ
(وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ رَّقِيبًا
٥٢
والمراد بالأجور فى قوله - سبحانه -: «يأيها النبى إنا أحاظنالك أزواجك
اللاء آتيت أجور هن ... )، المرور الى دفعها - صلى الله عليه وسلم لأزواجه ..

٩٦
سورة الأحزاب
قال ابن كثير: يقول - تعالى - مخاطباً نبيه -صلوات الله وسلامه
عليه - بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتى أعطاهن مورهن، وهى
الأجور ها هنا . كما قاله مجاهد وغير واحد .
وقد كان مهره - صلى الله عليه وسلم - لنساته: اثنتى عشرة أوقية
ونصف أوقية . الجميع خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبى سفيان فإنه أمهرها
عنه النجاشى - رحمه الله - بأربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حيى فإنه
اصطفاها من سبى خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جويرية
بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس وتزوجها)).
وفى قوله: «آ نيت أجورهن، إشارة إلى أن إعطاء المهر كاملا المرأة
دون إبقاء شىء منه، هو الأكمل والأفضل، وأن تأخير شىء منه إنما هو
أمر مستحدث ، لم يكن معروفا عند السلف الصالح ..
وأطلق على المهر أجر لمقابلته الاستمتاع الدائم بما يحمل الاستمتاع به
من الزوجة ، كما يقال الأجر بالمنفعة .
وقوله: «وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك، بيان لنوع آخر مما أحله
الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -.
والمعنى: يأيها الذى إذا أحللنا لك. بفضلنا- على سبيل التكريم والتشريف
لك، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك، واللاتى أعطيتهن مهورهن -
كعائشة وحفصة وغيرهما -، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها.
كما أحلنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللاتى دخلن فى ملكك عن
طرق الغنيمة فى الحرب، كصفية بنت حيى بن أخطب، وجويرية بنت الحارث
ثم بين - سبحانه - نوعاً ثالثاً أحلة - سبحانه - له فقال: ((وبنات منك
وبذات عماتك وبنات خالك وبنات خلالابن اللاتى ماجرن معك ..

٩٧
الجزء الحادى والعشرون
أى: وأحللنا لك - أيضاً - الزواج بالنساء اللاتى تربطك بهن قرابة
حن جهة الأب، أو قرابة من جهة الأم .
وقوله: « اللائى ماجرن معك، إشارة إلى ما هو أفضل، والإيذان *
بشرف الهجرة وشرف من هاجر .
والمراد بالمعبة هنا. الاشتراك فى الهجرة. لا المصاحبة فيها ، لما فى قوله
:- تعالى - حكاية عن ملكة سبأ: «قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت
مع سليمان لله رب العالمين)).
،
قال بعض العلماء: وقد جاء فى الآية الكريمة عدة قيود، ما أربد بواحد
-عنها إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة.
منها: وصف النبى (صلى الله عليه وسلم) باللاتى ٢فى أجورهن، فإنه
تنبيه على الحالة الكاملة، فإن الأكمل إبتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شىء.
ومنها : أن تخصيص المملوكات بأن يكن من الفي ، فإن المملوكة إذا
كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى من الجلب، لأن
المملوكة عن طريق الغنيمة تكون معروفة الحال والنشأة .
ومنها: قيد الهجرة فى قوله: ((اللاتى هاجرن معك،، ولاشك أن من
هاجرت مع النبى ( صلى الله عليه وسلم) أولى بشرف زوجية النبى (صلى
الله عليه وسلم ) من عداها، (١).
ثم بين - سبحانه - نوعاً رابعاً من النساء، أحله لنبيه (صلى الله
عليه وسلم) فقال: ((وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى، إن أراد النبى
أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين.».
والجملة الكريمة معطوفة على مفعول « أحالنا)).
(١) تفسير آيات الأحكام ج٤ ص٢٢ المرحوم الشيخ محمد على السايس
(م ٧ - الأحزاب)

٩٨
سورة الأحزاب
وقد اشتملب هذه الجملة على شرطين ، الثانى منهما قيد للأول، لأن
هيتها نفسها له (صلى الله عليه وسلم) لا توجب حلها له إلا بقبوله الزواج منها
وقوله «يستكحها، بمعنى ينكحها. يقال: فكح واستنكح، بمعنى عجل.
واستعجل، ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح .
وقوله: ((خالصة)) منصوب على الحال من فاعل ((وهبت، أى: حال.
كونها خالصة لك دون غيرك. أو نعت لمصدر مقدر. أى: هية خالصة.
والمعنى . وأحللنا لك كذلك امرأة مؤمنة، إن ملكتك نفسها بدون.
مهر وإن أنت قبلت ذلك عن طيب خاطر منك، وهذا الإحلال إنماهو
خاص بك دون غيرك من المؤمنين ، لأن غيرك من المؤمنين لا تحل لهم.
من وهبت نفسها لواحد منهم إلا بولى ومهر.
وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له ( صلى الله عليه وسلم ): خولة بنت.
حكيم، وأم شريك بنت جابر، وليلى بنت الحطيم ..
وقد اختلف العلماء فى كونه ( صلى الله عليه وسلم) قد تزوج واحدة.
من هؤلاء الواهبات أنفسهن له أم لا .
والأرجح أنه ( صلى الله عليه وسلم) لم يتزوج بواحدة منهن ، وإنما.
زوجهن لغيره. ويشهد لذلك مارواه الشيخان عن سهل بن سعد السعدى أن.
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جاءته امرأة فقالت: يارسول الله، إنىّ
قد وهبت نفسى لك . فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يارسول انه،
زوجنيها إن لم يكن لكيا حاجة. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
هل عندك من شىء تصدقها إياه ؟ فقال: ما عندى إلا إزارى هذا . فقال
(صلى الله عليه وسلم): إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً
فقال: لا أجد شيئاً. فقال : التمس ولو خاتماً من حديد، فقام الرجل فلم يجسـ
شيئاً فقال له النبى (صلى الله عليه وسلم): هل معك من القرآن شىء؟ قال نعمهو

٩٩
الجزء الحادى والعشرون.
سورة كذا وسورة كذا - لسور يسميها - ، فقال له رسول الله ( صلى
اللّه عليه وسلم): ((زوجتكما بما معك من القرآن» (١).
وإلى هنا يتضح لنا أن المقصود بالإحلال فى الآية الكريمة : الإذن العام
والتوسعة عليه (صلى الله عليه وسلم) فى الزواج من هذه الأصناف ،
والإباحة له فى أن يختار منهن من تقتضى الحكمة للزواج منها، واختصاصه
(صلى الله عليه وسلم) بأمور تتعلق بالنكاح، لا تحل لأحد سواء.
ولهذا قال - سبحانه - بعد ذلك: ((قد علمنا ما فرضنا عليهم فى
أزواجهم وما ملكت أيمانهم .. ، فإن هذه الجملة الكريمة معترضة ومقررة
لمضمون ما قبلها، من اختصاصه ( صلى الله عليه وسلم) بأمور فى النكاح
لاتحل لغيره ، كحل زواجه ممن تهبه نفسها بدون مهر ، إن قبل ذلك
العرض منها .
أى: هذا الذى أحالناء لك - أيها الرسول الكريم - هو خاص بك،.
أما بالنسبة لغيرك من المؤمنين فقد علمنا مافرضناء عليهم فى حق أزواجهم
من شرائط العقد وحقوقه ، فلا يجوز لهم الإخلال به، كما لا يجوز لهم
الاقتداء بك فما خصك الله - تعالى - به، على سبيل التوسعة عليك ،
والتکریم لك ، فهم لا يجوز لهم التزو جإلا بعقد وشهود ومهر ، كما لا يجوز
لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة .
وعلمنا - أيضاً - مافرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم، من
كونهن ممن يجوز سبيه وحربه. لاممن لا يجوزسيه، أو كان له عهد مع المسلمين
وقوله: ((لكى لا يكون مليك حرج، متعلق بقوله: «أحلنا، وهو
راجع إلى جميع ما ذكر، فيكون المعنى .
أحللنا من آقيت أجورهن من النساء، والمملوكات ، والأقارب،
(١) صحيح البخارى (( كتاب النكاح ، = ٧ ص ١٧

١٠٠
• سورة الأحزاب
والواهبة نفسها لك، لن دفع عنك الضيق والحرج، ولتتفرغ لتبليغ
ما أمر ناك بتبليغه .
وقيل: إنه متعلق بخالصة، أوبعا ملها، فيكون المعنى: خصصناك بنكاح
من وهبت نفسها لك بدون مهر، لكى لا يكون عليك حرج فى البحث عنه .
ويرى بعضهم أنه متعلق بمحذوف، أى: بينا لك ما بينامن أحكام خاصة
بك، حتى تخرج من الحرج ، وحتى يكون ما نفعله هو بوحى منا
وليس من عند نفسك . ١
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((وكان الله غفورا رحيما، أى:
وكان الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ((ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من نشاء))
شروع فى بيان جانب آخر من التوسعة التى وسعها - سبحانه - لنبيه
(صلى الله عليه وسلم) فى معاشرته لنسائه، بعد بيان ما أحله له من النساء.
وقوله: ترجى) من الإرجاء بمعنى التأخير والتنحية، وقرى. مهموزا
وغير مهموز، تقول: أرجين الأمر وأرجانه، إذا أخرته، ونحيته جانباً
حتى يحين موعده المناسب .
وقوله: ((نؤوى)) من الايواء بمعنى الضم والتقريب ومنه قوله - تعالى -:
(« ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه .. ، أى: ضمه إليه وقربه منه.
والضمير فى قوله ((منهن، يعود إلى زوجاته (صلى الله عليه وسلم)
اللائی کن فى عصمته .
قال القرطبى ما ملخصه: واختلف العلماء فى تأويل هذه الآيةا، وأصح
ما قيل فيها: التوسعة على النبى (صلى الله عليه وسلم) فى ترك القسم، فكان
لا يجب عليه القسم بين زوجاته .