النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١: الجزء الحادى والمشرون -- و ((من)) فى قوله ((منكم) البيان. والمواد بالأخوة: التطابق والقشابه فى الصفات الذميمة، والإتجاهات القبيحة، التى على رأسها كراهيتهم التى (صلى الله عليه وسلم) ولأصحابه . و((هلم، إضم فعل أمر بمعنى أقبل. والمعنى: إن القه - تعالى - لا يخفى عليه حال أولئك المنافقين . الذين يخذلون ويثبطون ويصرفون إخوانهم فى النفاق والشقاق، عن الإشتراكمع المؤمنين، فى حرب جيوش الأحزاب، ويقولون لهم: ((هلم إلينا، أى: أقبلوا نحونا، وتعالوا إلى جوارنا، ولا تتضموا إلى صفوف المسلمين . وقوله - سبحانه -: « ولا يأتون البأس إلا قليلا، ذم لهم على. جبنهم و خورهم . أى: أن من صفاتهم الأصيلة أنهم جبناء ، ولا يقبلون على الحرب والقتال ، إلا إقبالا قليلا. فهم قارة يخرجون مع المؤمنين ، لإيهامهم أنهم معهم، أو يخرجون معهم على سبيل الرياء والطمع فى غنيمة. ثم أخذت السورة الكريمة فى تصوير ماجبلوا عليه من سوء تصويراً معجزاً، فقال - تعالى - ,أشحة عليكم، جمع شحيح من الشح وهو البخل فى أقبح صورة. ولفظ ((أشحة)) منصوب على الحال من الضمير فى قوله: «ولا يأتون البأس إلا قليلا)). أى: أن من صفات هؤلاء المنافقين الجبن والخور، حالة كونهم بخلاء !كل خير يصل إليكم - أيها المؤمنون - فهم لا يعاونونكم فى حفر الخندق، ولا فى الدفاع عن الحق والعرض والشرف ولافى أى شىء فيه منفعة لكم . ((فإذا جاء الخوف)) أى فإذا اقترب الوقت الذى يتوقع فيه اللقاء بينكم. وبين أعدائكم . ٤٢ سورة الأحزاب (أيتهم)) - أيها الرسول الكريم - ((ينظرون إليك، بجبن وهلع وتدور أعينهم، فى مآ فيهم يميناً وشمالا . وحالهم كحال الذى «بغشى عليه من الموت، أى: كمحال الذى أحاط به الموت من كل جانب، فصار فى أقصى دركات الوهن والخوف والفرع. هذه هى حالهم عند ما يتوقعون الشدائد والمخاوف ، أما حالهم عند الأمان وذهاب الخوف، فهى كما قال - تعالى - ,فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد، . وقوله «سلقو كم، من السلق. وأصله بسط العضو ومده للأذى سواء أكان هذا العضو يداً أولساناً. والمراد به الإيذا بالكلام الى. القبيح. أى: أهم عند الشدائد جبناء بخلاء. فإذا ماذهب الخوف وجل الأمان سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى والسوء، ورموكم بألسنة ماضية حادة تؤثر تأثير الحديد فى الشىء، وارتفعت أصواتهم بعد خفوتها ، وانتفخت أو داجهم بعد ضمورها، وأدعو أنهم أصحاب البلاء فى القتال ، بعد أن كانوا إذا ماذكر القتال أمامهم، صار حالهم كحال المغنى عليه من الموت . ثم هم بعد ذلك «أشحة على الخير، أى بخلاء بكل خير، فهم يحرصون على جمع الغنائم، وعلى الأموال بكل وسيلة، ولكنهم لا ينفقون شيئاً منها فى وجه من وجوه الخير والبر . قال ابن كثير قوله ((أشحة على الخير)) أى: ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير ، فهم كما قال فى أمثالهم الشاعر: وفى الحرب أمثال النساء الموارك ان السلم اعیاراً جفاء وغلظة أى: هم فى حال المسالمة كأنهم الحمير الأعمار. والأعبار جمع عبر؟ ٤٣ : الجزء الحادى وعشرين وهو الحمار. وفى الحرب كأنهم النساء الحيض، (١). ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال: ((أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله بسيرا،. أى : أولئك المنافقون الموصوفون بما سبق من الصفات السيئة ((لم يؤمنوا، بما يجب الإيمان به إيماناً صادقاً ، بل قالوا بألسنتهم قولا نكذبه قلوبهم -وأفعالهم ((فاحبط الله - تعالى - أعمالهم، بأن أبطلها وجعلها هباء منثورا، وكان ذلك الاحباط على الله - سبحانه - هيناً يسيرا. وخص - سبحانه - يسر إحباط عملهم بالذكر مع أن كل شىء يسير عليه - تعالى - لبيان أن أعمالهم جديرة بالاحباط والافساد ، لصدورها عن قلوب مريضة ، ونفوس خبيثة . ٠ قال صاحب الكشاف: وهل يثبت المنافقين عمل حتى يرد عليه الاحباط؟ قلت: لا، لكنه تعليم لمن عى يظن أن الإيمان باللسان إيمان، وإن لم بوطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال بهدى عليه، فبين أن إيمانه ليس بإيمان ، وأن كل عمل يوجد منه باطل وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإيمان الصحيح، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء من غير أساس، وأنها ما يذهب عند اللّه هباء منثورا)) (٢). ثم ختم - سبحانه - هذا الحديث الجامع عن صفات المنافقين عند الشدائد والمحن فقال: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا .... أى: أن هؤلاء المنافقين بلغ بهم الجبن والخور، أنهم حتى بعد رحيل الأحزاب عن المدينة، مازالوا يحسبون ويظنون أنهم لم يذهبوا عنها ، فهم يأبون أن يصدقوا أن الله - تعالى - قدرد الذين كفروا بغيظهم دون أن ينالوا خيرا . (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣٩٢ (٢) تقدير الكهاف = ٣ ص ٥٣٠ ٤٤ سورة الأحزاب . وفى هذه الجملة ما فيها من التهكم بالمنافقين ، حيث وصفتهم بأنهم حتى بعد ذهاب أسباب الخوف، ما زالوا فى جبنهم يعيشون . ثم بين - سبحانه - حالهم فيما لو عاد الأحزاب على سبيل الفرض. والتقدير فقال: ((وإن بأت الأحزاب)). أى: إلى المدينة مرة ثانية . (( بودوالوأهم بادون فى الأعراب)) أى: وإن قعد جيوش الأحزاب. إلى مهاجمة المدينة مرة ثانية، يتمنى هؤلاء المنافقون، أن يكو أوأغائبين عنها، نازلين خارجها مع أهل البوادى من الأعراب، حتى لا يعرضوا أنفسهم للقتال. فقوله: ((بادون) جمع باد وهو ساكن البادية. يقال: بدا القوم بدا .. إذا نزحوا من المدن إلى البوادى . والأعراب : جمع أعرابى وهو من يسكن البادية . ثم بين - سبحانه - قلهفهم على سماع الأخبار السيئة عن المؤمنين فقال: ((يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قائلوا إلا قليلا)). أى: هؤلاء المنافقون يسألون القادمين من المدينة، والذاهبين إليها عن .. أخباركم - أيها المؤمنون - حتى لكأنهم غير ساكنين فيها. ولو كانوا فيكم عند ما يعود الكافرون إلى المدينة - على سبيل الفرض. ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا حتى لا ينكشف أمرهم انكشافاً تاماً . فهم لا يقاتلون عن رغبة ، وإنما يقاتلون رياء ومخادعة. وهكذا نجد الآيات الكريمة قد أفاضت فى شرح الأحوال القبيحة التى .. كان عليها المنافقون عند ماها جمت جيوش الأحزاب المدينة ، ووصفتهم بأبشع الصفات وأبغضها إلى كل نفس كريمة ، حتى يحذرهم المؤمنون . . ٠ وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأخيار والأشرار،إساقعه. ٠٠براد ٤٥ الجزء الحادى والعشرون لدورة بعد ذلك صورة مشرفة مضيئة المؤمنين الصادقين، الذين عند ما رأوا جيوش الأحزاب قالوا: « هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله)، والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه دون أن يبدلوا تبديلا .. لنستمع إلى القرآن الكريم وهو يصور لنا موقف المؤمنين فى غزوة الأحزاب، كمايحكى جانباً من فضل الله عليهم، ومن لطفه بهم فيقول سبحانه: ◌َّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ الهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوْلَهُ وَلْيَوْمٌ اُلْآَخِرَوَذَ كرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ وَلَمَّارَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوْمَاعَهَدُواْ لَّهَ عَلَيْهِ فِهُ مَّنْ قَضَى تَحَهُ، وَمِنْهُ مَّن يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْتَبْدِيلَا يَ لِيَجْزِىَ اللهُ ج الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا () وَرَدَّاللَّهُالَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ وَلُوا ◌ْ خَيْرًا وَكَفَلَهُالْمُؤْمِنَ الْفِتَلَ وَكَانَ اللَّهُقَوِيًّا عَزِيزَانَ وَأَّلَ الَّذِينَ فَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ صَاصِيهِمْ وَقََّفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرَّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ( ﴾ وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَهُوَهَا وَكَانَ اللهُ عَ كُلٍ شَىْ ◌َ قَدِيرًا ١٤٦ سورة الأحزاب قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة. حسنة)). أى: كان لكم قدوة فى النبى (صلى الله عليه وسلم) حيث بذل نفسه لنصرة دين الله، فى خروجه إلى الخندق، والأسوة: القدوة. وقرأ عاصم ((أسوة، بضم الهمزة والباقون بكسرها، والجمع أمى وأسى - يضم. الهمزة وكسرها .... (١). يقال: فلان انتسى بفلان، إذا اقتدى به، وسار على نهجه وطريقته. وقال الإمام ابن كثير : هذه الآية الكريمة أصل كبير فى التأسى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الناس. بالتأسى بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الأحزاب، فى صبره ومصابرته. ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه - تعالى -.... (٢). والذى يقرأ السيرة النبوية الشريفة، يرى أن النبى - صلى الله عليه وسلم. كان فى هذه الغزوة بصفة خاصة ، وفى غيرما بصفة عامة القدوة الحسنة الطبية فى كل أقواله وأفعاله وأحواله - صلى الله عليه وسلم - .. لقد شارك أصحابه فى حفر الخندق، وفى الضرب بالفأس، وفى حمل التراب. بل وشاركهم فى أراجيزهم وأناشيدهم ، وهم يقومون بهذا العمل الشاق المتعب .. وشاركهم فى تحمل آلام الجوع، وآلام السهر .. بل كان - صلى الله عليه وسلم - هو القائد الحازم الرحيم، الذى يلجأ إليه أصحابه عندما يعجزون عن إزالة عقبة صادقتهم خلال حفرثم الخندق ... (١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ١٥٥ (٢) « ابن كثير جـ ٦ ص ٣٩٢ ٤٧ الجزء الحادى والعشرون قال ابن إسحاق ما ملخصه: وعمل المسلمون فيه - أى فى الخندق - حتى أحكموه، وار تجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له ((جميل)) سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرا، فقالوا: سماء من بعد جميل عمراً وكان البائس يوما ظهرا فإذا مروا بعمرو، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .حمراء، وإذا مروا بقاهر قال: ((ظهرا)). ثم قال ابن إسحاق : وكان فى حفر الخندق أحاديث بلغتنى فيها تحقيق. نبوته - * - فكان فيما بلغنى أن جابر بن عبد الله كان يحدث، أنهم اشتدت عليهم فى بعض الخندق كدية - أى صخرة عظيمة -، فشكرا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعا بإناء من ماء فتقل فيه، ثم دعا بما شاء اللّه أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فو الذى بعته بالحق نبيا لانهالت - أى: لتفتت - حتى عادت كالكثيب - أى كالرمل المتجمع - لا ترد فأسا ولا مسحاة ... ، (١). وهذه الآية الكريمة وإن كان نزولها فى غزوة الأحزاب ، إلا أن المقصود بها وجوب الاقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فى جميع أقواله وأفعاله، كما قال - تعالى -: ((وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فاتهوا .. )). والجار والمجرور فى قوله - سبحانه -: ((لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، متعلق بمحذوف صفة لقوله ((حسنة))، أو بهذا اللفظ نفسه. وهو « حسنة » . (١) راجع السيرة النبوية لابن هشام = ٣ ص ٢٢٩ وما بعدها . سورة الأحزاب والمراد بمن كان يرجو الله واليوم الآخر: المؤمنون الصادقون الذين .وفوا بعهودهم . أى: لقد كان لكم - أيها الناس - قدوة حسنة فى نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وهذه القدوة الحسنة كائنة وتابعة للمؤمنين حق الإيمان، الذين يرجون ثواب الله - تعالى-، ويؤملون رحمته يوم القيامة، إذ م المنتفعون بالتأسى برسولهم - فَ له - وقوله: ((وذكر الله كثيراء معطوف على ((كان))، أى: هذه الأسوة الحسنة بالرسول - صلى الله عليه وسلم ثابتة لمن كان يرجو الله واليوم والآخر، ولمن ذكر الله - تعالى - ذكرا كثيرا، لأن الملازمة لذكر الله - تعالى - توصل إلى طاعته والخوف منه - سبحانه - . وجمع - سبحانه - بين الرجاء والإكثار من ذكره، لأن التأسى التام بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يتحقق إلا بهما. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك - على سبيل التشريف والتكريم - ما قاله المؤمنون الصادقون عندما شاهدوا جيوش الأحزاب، فقال - تعالى -: ((ولما رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ومازادهم إلا إيمانا وتسليما، . واسم الإشارة ((هذا، يعود إلى ما رأوه من الجيوش التى جاء بها المشركون، أو إلى ما حدث لهم من ضيق وكرب بسبب ذلك . أى: وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أقبلت نحو المدينة، لم يهنواولم يجزعوا، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا, هذا ، الذى فراء من خطر داهم , هو ما وعدةا بهالله ورسوله، وأن هذا الخطر سيعقبه النصر، وهذا الضيق سيعقبه الفرج، وهذا العسر سيأتى بيده اليسر. ١٩ الجزء الحادى والعشرون قال الآلو من ما ملخصه: وأرادوا بقمؤلهم ذلك، ما تضمنه أوله - تعالى:" مفى سورة البقرة: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما بأنكم مثل الذين خلوا -حنى قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب)). وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول - ما جاء عن ابن عباس. وفى رواية عن ابن عباس - أيضاً - أن الرسول - صلى اله عليه وسلم - . قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا، أى: فى آخر تسع ليال أو عشر، أى: من وقت الاخبار ، أو من غرة الشهر فلما رأوهم - قد أقبلوا فى الموعد الذى حدده - صلى الله عليه وسلم - قالوا ذلك)) (١). وقوله - تعالى -: ((وصدق الله ورسوله ، داخل فى حيز ماقالوه. أى قالوا عندما شاهدوا جيوش الأحزاب: هذا ما وعدنا اللهورسوله وقالوا - أيضاً - على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم اذات الله، ولشخصية . رسوله: وصدق الله ورسوله، أى: وثبت صدق الله - تعالى - فى أخباره، وصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - فى أقواله. والضمير فى قوله: ((ومازاده إلا إيمانا وتسليما، يعود إلى مارأو من جيوش الأحزاب ، ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك. أى - ومازادهم ما شاهدوه من جيوش الأحزاب، ومن بلاء أحاط بهم - بسبب ذلك، إلا إيمانا بقدرة الله - تعالى - ، وتسليما لقضائه وقدره، وأملا فى نصره وتأييده . - ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا المدينخ لهم، مديها آخر فقال: ((من) (١) تفسير الالونى : ٣١ من ١٩٩: (+1 - بتورة الأعراب) سورة الأحراب المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من .. ينتظر، وما بدلوا تبديلا، والنحب: النظر، وهو أن يلتزم الإنسان الوكاس بأمر تعهد به. وقضاؤه: الفراغ منه، والوفاء به على أكمل وجه . وكان رجال من الصحابة قد نذروا، أنهم إذا صاحبوا رسول الله. - ◌َّ - فى حرب، أن يثبتوا معه، وأن لا يفروا عنه ... والمعنى: من المؤمنين رجال كثيرون، وفوا أكمل وفاء بما عاهدوا الله - تعالى - عليه، من التأييد لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن الثبات. معه فى كل موطن .... «فمنهم من قضى نحبه ، أی : فمنهم من وفی بوعده حتى أدر كه أجلهفمات. شهيداً - كحمزة بن عبد المطلب، ومصعب ابن عمير وغيرهما - رضى الله- عنهم أجمعين - . (((ومنهم من ينتظر)، أى: ومنهم من هو مستمر على الوفاء، وينتظر الشهادة فى سبيل لقه - تعالى - فى الوقت الذى يريده - سبحانه - ويختاره ، كبقية الصحابة الذين نزلت هذه الآية وهم مازالى على قيد الحياة . قال الإمام ابن كثير: قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال أنس: غاب عمى أنس بن النضر - سميت به .. لم يشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله - بتێ - غبت عنه، لتن أرانى الله مشهد فيم). بعد مع رسول الله- صلى الله علیه وسلم - ثیر ین الله ما أصنع . قال : فهابأن۔ يقول غيرها. فشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد. ٥١ الجزء الحادى والعشرون فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو. أين واها (١) لريح الجنة أجده دون أحد . قال : فقائلهم حتى قتل : قال: فوجد فى جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية . فقالت أخته - عمتى الربيع إبنه النضر - فما عرفت أخى إلا ببنائه . قال: فنزلت هذه الآية: ((من المؤمنين رجال ... )) فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه - رضى الله عنهم، ورواه مسلم والفرمذى والنسائى من حديث سليمان بن المغيرة)، (٢) . وقوله - تعالى -: ((وما بدلوا تبديلا، (معطوف على ((صدقوا، أى: هؤلاء الرجال صدقوا صدقا تاما فى عهودهم مع الله - تعالى - حتى آخر لحظة من لحظات حياتهم، وما غيروا ولا بدلوا شيئا ما عاهدوا الله - تعالى- عليه ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا الإبتلاء والإختبار فقال : (( ليجزى الله الصادقين بصدقهم ..... أى : فعل - سبحانه - ما فعل فى غزوة الأحزاب من أحداث، ليجرى الصادقين فى إيمانهم الجزاء الحسن الذى يستحقونه بسبب صدقهم ووقاتهم. (((ويعذب المنافقين إن شاء، أى: إن شاء تعذيبهم بسبب موتهم على تفاقهم . ((أو يتوب عليهم، من نفاقهم بفضله وكرمه فلا يعذبهم. قال الجمل: وقوله: ((ويعذب المنافقين إن شاء) جوابه محذوف» (١) واها . كلمة تشكن وتهلف قالها أفس لسعد - رضى الله عنهما. (٢) تفسير ابن كثير = ٦ ص ٣٩٥. مستورة الأغراب وكذلك مفعوْلَ مْشَاءُهُ عذوق - أيضاً - أى: إن شاءُ تعديَهُمْ عَلُّبهم. والمراد بتعذيبهم إماقتهم على النفاق، بدليل المطف فى قوله ،أو يثوب عليهم)، (أ) . : إن اله - تعالى - دْ كَانَ، وَمَا ذَاَلُ و عقوراً وحياْ: أَىَ: وانِعْ المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده. ثم بينّ - سبحانه - المغير السيىء الذى انتهى إليهَ الكافرون فقال: • ورد اللّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا غيرا". أى: ورد الله - تعالى - بفضله وقدرته الذين كفروا منكم - أبها المؤمنون - حالة كونهم متلبسين بغيظهم وحقدهم. دون أن ينالوا أى غيّر من إتياتهم إليكم، بل رجعوا غائبين خاسرين. فقوله (بغيظهم، حال من الموصول، والياء للملابسة، وجملة .لم ينالوا خيرا، حال ثانية من الموصول أيضاً. وقوله: (( وكفى الله المؤمنين القتال)) بيان المنة العظمى التى أمتن بها - سبحانه - عليهم. ٠٠ أى: وأغنى الله - تعالى - بفضله وإحسانه المؤمنين عن متاعب القتال وأهواله بأن أرسل على جنود الأحزاب ريحاً شديدة ، وجنوداً من عنده. , وكان الله - تعالى - ((قوياً)» على أحداث كل أمر يريده :عزيزًا) أى : غالباً على كل شىء . قال ابن كثير: وفى قوله «وكفى الله المؤمنين القتال، إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش . وهكذا وقع بعدها، لم يغزم المشركون، بل غرامالمسلون فى بلادهم . (١) حاشية الجمل على الجلالين : مض أم٣ ٤ 1 الجزء الحادى والعشرون قال محمد بن إسحق: ١٨ انصرف أمل الخندق من المحترق، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) فيما بلغنا: «لن تغزو كم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزوتهم فلم تغز قريش بعد ذلك المسلمين، وكان (صلى الله عليه وسلم) هو الذى يغزوهم بعد ذلك ، حتى فتح الله عليه مكة . وروى الإمام أحمد عن سليمان به صرد قال: محمت التى (صوّل) مزالله يقول يوم الأحزاب: «الآن نغزوهم ولا يغزونا)، (١). ثم ختم - سبحانه - الحديث عن غزوة الأحزاب، ببيان ما جل بينى قريظة من عذاب مهين ، بسبب نقضهم أسودهم فقال: «وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم)). والصياحى: جمع صيصية وهى كل ما يتحصن به من الحصون وغيرها. ومنه قيل لقرن النور صيصية لأنمه يدفع به عن نفسه ... أى: وبعد أن رحلت جيوش الأحزاب عنكم أيها المؤمنون - أنزل الله - تعالى - بقدرته الذين ظاهر وهم وناصروهم عليكم ، وهم يهود بنو قريظة، أنزلهم من حصونهم، ومكنكم من رقابهم ... ((وقذف فى قلوبهم الرعب، الشديد منكم ، بحيث صاروا مسندين لكم ، ونازاين على حكمكم ... ((فريقاً، منهم ((تقتلون)) وهم الرجال ,وتأسرون فريقاً، آخروهم الذرية والنساء . ((وأورتكم أرضهم، أى: وأورثكم الله - تعالى - أرض هؤلاء اليهود وزروعهم كما أورثكم ((ديارهم)) أى حصونهم ((وأموالهم)، التى تر کوها من خلفهم، كنقودهم ومواشيهم . كما أورئكم ( أرضاً لم تطؤها، بعد بقصد القتال وهى أرض خيبر. أو أرض فارس والروم ... ... (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢٩٦ ٥٤ سورة الأحزاب وفى هذه الجملة الكريمة ((وأرضاً لم تطؤها، بشارة عظيمة المؤمنين، بأن اله - تعالى - سينصرهم على أعدائهم. , وكان الله على كل شىء قديرا، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء. أخرج الشيخان عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: لما رجع النبى (صلى الله عليه وسلم ) من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، أناه جبريل فقال: يا محمد قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه فأخرج إليهم .. فقال النبى (بَر): فإلى أين؟ قال: ما هنا وأشار إلى بنى قريظة. فخرج النبى ( صلى الله عليه وسلم) إليهم)). وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: قال النبى (صلى الله عليه وسلم) يوم الأحزاب ، لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة ، فأدرك بعضهم العصر فى الطريق ، فقال بعضهم: لا فصلى حتى تأتيها، وقال بعضهم : بل فصلى . فذكر ذلك للنبى (صلى الله عليه وسلم) فلم يعنف أحدا)، (١). وبعد أن حاصر المسلمون بنى قريظة خصماً وعشرين ليلة، نزلوا بعدها على حكم سعد بن معاذ - رضى الله عنه - حكم بقتل رجالهم، وتقسيم أموالهم، وسبى نسائهم وذراريهم . وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) له: لقد حكمت فيهم بحكم اله من فوق سبع مرات )، (٢). وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثاً جامعاً حكيماً عن غزوة الأحزاب، فقد ذكرت المؤمنين - أولا - بنعم الله - تعالى - عليهم، (١) صحيح البخاري: باب مرجع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من الأحزاب = ٥ ص ١٤٢ (٢) راجع تفسير ابن كثير ٠ ٦ ص ٢٩٧ والألومى = ٢١ ص ١٧٩ الجزء الحادى والعشرون ثم صورت أحوالهم عندما أحاطت بهم جيوش الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم. ثم حكمت ما قاله المنافقون فى تلك الساعات العصيبة، وما أشاروا به على أشباههم فى النفاق، وما اعتذروا به من أعذار باطلة ، وما جبلوا عليه من أخلاق قبيحة، على رأسها الجبن والخور وضعف العزيمة وفساد النية. ثم انتقلت إلى الحديث عن المواقف المشرقة الكريمة التى وقفها المؤمنون الصادقون عندما رأوا الأحزاب، وكيف أنهم ازدادوا إيمانا على إيمانهم، ووفوا بعهودهم مع الله - تعالى - دون أن يبدلوا تبديلا . وكما بدئت الآبات بتذكير المؤمنين بنعم الله - تعالى - عليهم، ختمت - أيضاً - بهذا التذكير حيث رد اللّه أعداءهم عنهم دون أن ينالوا خيرا، .ومكنهم من معاقبة الغادرين من اليهود ... ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى - بعد هذا الحديث عن غزوة الخندق - إلى بيان التوجيهات الحكيمة التى وجهها الله - تعالى - إلى فيه ( صلى الله عليه وسلم) وإلى أزواجه، فقال - سبحانه - : يَايَهَا النِّي قَلِ لأَزْوَاحِساءِ » بسى رِدنا حيوه الدنيا. وَزِينَتَهَا فَتَعَلَيْنَ أَمَتِّعْكُنَّ وَأَسَّرِ حْكُنَّ سَرَاجًا جَمِيلًا (﴾ وَإِن كُنْتُنَّ تُدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَّارَ أْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَ عَّلِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا. عَظِيمًا (چ يَنِسَآءَ الَّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَائِشَةٍ مُبِنَّةٍ يُضَنَفْ. لَمَا الْعَذَّابُ ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الَهِ يَسِيرًا (يچ وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ ◌ِّ وَرَسُوِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا تُؤْتِهَا أَبْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَمَا -- - رِزْقًّا كِمً يَ يَنِسَآءَ الَّيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ أَنَّفَيْغُنُّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِىِ فِ قَلْبِهِ، مَرَضُ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (ي وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِيَّةِ الأُولَُّ وَأَمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهٍُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَُّذْهِبَ عَنْكُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَ كُمْ تَطْهِيرًا (﴾ وَأَذْ كُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَنْتِ الّهِ وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللّهَ كَانَ لَطِيفًّا خَبِيرًا ( ﴾ إِنَّالْمُسْلِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَئِنَ وَالْقَسِتَتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِ ينَ وَالصَِّرَاتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصّدِّمِينَ وَالصَّنَِّمَتِ وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْخَفِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللّه: كَثِيرًا وَلَّ كِرَتِّ أَعَّ الَهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَبْرًاً عَظِيمًا (هم) الجزء الحادى والعشرون وقوله سبحانه أيها التى قل لأزواجك .. ، أمر مراقه- تعالى لنبيه - وأن بغير إدراجه بين أن يعشن منه معيشة الكفاف والزهد فى زينة الحياة الدنيا. وبين أن يفارقهن ليحصلن على ما يشتهينه من زينة الحياة الدنيا. قال الإمام القرطبى ما ملخصه: قالى علماؤنا: هذه الآبة متصلة يمعنى ما تقدم من المنع من إيذاء النبى (مَالم)، وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قيل: سألته شيئاً من عرض الدنيا. وقيل: سألته زيادة فى النفقه. روى البخارى ومسلم - واللفظ لمسلم - عن جابر بن عبدالله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله (لتر) فوجد الناس جلوسا بيابه لم يؤذن لأحد منهم، قال : فأذن لأبى بكر فدخل ، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبى - صلى الله عليه وسلم - جالساً حوله نساؤه ... قال: فقال عمر ، والله لأقولن شيئا يضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة - زوجة عمر - سألتنى النفقة فقمت إليها فوجات عنقها: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقال: ((من حولى كما ترى يسألفى النفقه». فقام أبو بكر إلى ابنته عائشة ليضربها، وقام عمر إلى ابقته حفصة ليضربها وكلاهما يقول: تساان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده .. فقلن: والله لا نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا أبدا ليس عنده ... ثم نزلت هاتين الآيتين. فبدأ - صلى الله عليه وسلم - بعائشة فقال لها: ((با عائشة، إنى أريد أن أعرض عليك أمراً، أحب أن لا تعجلى فيه حتى. تستشيرى أبويك ،. قالت: وماهو يارسول الله؟ فتلا عليها هاتين الآيتين . فقال: أفيك يا رسول الله أستشير أبوى !! بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة ... ٥٨ سورة الأحزاب وفعل أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلت عائشة (١). وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق جملة من الأحاديث فى هذا المعنى وكان تحته يومئذ تسع قسوة، خمس من قريش: عائشة وحفصة، وأم حبيبة وسوده ، وأم سلمة . - وأربع من غير قريش - وهن١: صفية بنت حى النضرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية - رضى الله عنهن -». وقال الإمام الألوسى: فلما غير هن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة مدحهن الله - تعالى - على ذلك، إذ قال - سبحانه -: ((لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ... )، فقصره أنه - تعالى - عليهن ، وهن النسع اللاتى اخترن الله ورسوله والدار الآخرة ... ). (٢) . والمعنى: ((بأيها النبي قل لأزواجك، اللاتى فى عصمتك ((إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ، . أى: إن كنتن تردن سعة الحياة الدنيا وبهجتها وزخارفها ومنعها من] مأكل ومشرب وملبس ، فوق ما أنتن فيه عندى من معيشة مقصورة على ضروريات الحياة، وقائمة على الزهد فى زينتها . إن كنتن تردن ذلك: ((فتعالين أمتمكن وأسر حكن سراحا جميلا). قال الجمل: وقوله: دفتعالين، فعل أمر مبنى على السكون، ونون النسوة (١) تفسير القرطبى + ١٤ ص ١٦٣ (٢) ,الآخرسى = ٢١ / ١٨١ ٠٩ الجزء الحادى والعشرون فاعل . وأصل هذا الأمر أن يكون الآمر أعلى مكانا من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر استعماله حتى صار معناء أقبل . وهو هنا كناية عن الاختيار والإرادة. والعلاقة هى أن الخبر يدنو إلى من يخبره)) (١) وقوله : ((أمتمكن، مجزوم فى جواب الأمر. والمتعة: ما يعطيه الرجل المرأة التى طلقها، زيادة على الحقوق المقررة لها شرعاً ، وقد جعلها - حقاً على المحسنين الذين يبغون رضا الله - تعالى -، وحسن ثوابه. وقوله ((وأسر حكن)، معطوف على ماقبله، والتسريح: إرسال الشىء، ومنه تسريح الشعر ليخلص بعضه من بعض. ويقال: سرح فلان الماشية، إذا أرسلها لترعى . والمراد به هنا: طلاق الرجل للمرأة ، وتركها لعصمته . أى: قل - أيها الرسول الكريم - لأزواجك إن كنتن ترمن الحياة الدنيا وزينتها، ولا تستطعن الصبر على المعيشة معى، فلكن أن تختزن مفارقتى، وإنى على استعداد أن أعطيكن المتعة التى ترضونها، وأن أطلقكن طلاقا لا ضرر فيه ، ولا ظلم معه . لأنى سأعطيكن ماهو فوق حقكن. («وإن كنتن)) لا تردن ذلك، وإنماء وردن الله ورسوله والدار الآخرة » . أى: وإنما تردن ثواب الله - تعالى - والبقاء مع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإيثار شظف الحياة على زيئتها، وإيثار ثواب الدار الآخرة على متع الحياة الدنيا . إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن «الك، - تعالى - «أحد المحسنات (١) حاشية الجمل ــ ٣ ص ٤٣٣ ٦٠ سورة الأحزاب - منيكن، بسبب إيمانهن وإحسانين «أجرا عظيما، لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -. وبهذا التأديب الحكيم، والإرشاد القويم، أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤدب نساءه، وأن يرشدهن إلى ما فيه سعادتهن، وأن يترك لهن حرية الاختيار ... ثم وجه - سبحانه - الخطاب إلى أمهات المؤمنين، فأدبهن أكل تأديب وأمرهن بالتزام الفضائل، وباجتناب الرذائل ، لأنهن القدوة لغيرهن من النساء، ولأنهن فى بيوتهن ينزل الوحى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة . فقوله - سبحانه - « يانساء التى من يأت منكن بفاحشة مبينة بضاصفه لهما العذاب ضعفين ... )، نداء من الله - تعالى - لهن، على سبيل الوعظ والارشاد والتأديب، والعناية بشأنهن لأنهن القدوة أخير هن . والفاحشة : ما قبح من الأقوال والأفعال . والمعنى: يا نساء النى - صلى الله عليه وسلم - من يأت منكم بمعصية ظاهرة القبح، يضاعف الله - تعالى - لها العقاب ضعفين، لأن المعصية. من رفيع الشأن تكون أشد قبحا ، وأعظم جرما ... قال صاحب الكشاف: وإنما ضوصف هذابهن، لأن ما قبح من سائر النساء، كان أقبح منهن وأقبح، لأن زيادة قبح المعصية، تتبع زيادة الفضل