النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الجزء الحادى والعشرون
ذلك فمن رحمتنا بكم أننا لم فجعل عليكم جناحا أو إثما، فيما وقعتم فيه
من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء الأدعياء إلى غير آبائهم،
ولكننا نؤاخذكم وتعاقبكم فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى
غیر آبائهم .
و((كان الله)) - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماءمن هاتين الآيتين: حرص شريعة
الإسلام على إعطاء كل ذى حق حقه، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذى
كان يجعل المرأة محرمة على الرجل . ثم تبقى بعد ذلك معلقة، لاهى مطلقة
فتنروج غير زوجها ، ولا هى زوجة فتحل له «فشرع الإسلام كفارة الظهار
إنصافا للمرأة، وحرصا على كرامتها.
ومن مظاهر ذلك - أيضا - : إبطال عادة التبنى، حتى ينتسب الأبناء
إلى آبائهم الشرعيين، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء قائمة على
الأسس الحقيقية والواقعية .
ولقد حذر الإسلام من دعوى الإبن إلى غير أبيه تحذيراً شديداً.
ونفر من ذلك .
قال القرطبى: جاء فى الحديث الصحيح عن سعد بن أبى وقاص وأبى
بكرة، كلاهما قال: سمعته أذناى ووعاء قلبى، محمداً صلى الله عليه وسلم يقول
من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام)).
وفى حديث أبى ذر أنه سمع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يقول :
«ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر)) (١).
=
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ١٢١

٢٢
سورة الأحزاب
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم (َّةً)،
ونحو أزواجه، وما يجب الأقارب فيما بينهم . فقال - تعالى -: ((النبى
أولى بالمؤمنين من أنفسهم».
أى: النبى (صلى الله عليه وسلم) أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم وأولى
فى المحبة والطاعة، فإذا مادعاهم إلى أمر، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه وجب
أن يؤثروا مادعاهم إليه، على ما تدعوهم إليه أنفسهم، لأنه (صلى الله عليه
وسلم) لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم. أما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم".
وفى الحديث الصحيح الذى رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة . أن
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال: إنما مثلى ومثل أمتى، كمثل رجل
استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه - أى فى الشىء المستوقد-
وأنا آخذ بحجزكم - أى: وأنا آخذ بما يمنعكم من السقوط كملابسكم ومعاقد
الإزار - وأنتم تفحمون فيه أى: وأنتم تحاولون الوقوع فيما حرقكم -.
قال القرطبى: قال: العلماء: الحجزة: المراويل، والمعقد للإزار فإذا
أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه « أخذ بذلك الموضع منه. وهذا مثل
لاجتهاد نبينا ( صلى الله عليه وسلم) فى نجاقنا وحرصه على تخلصينا من
الملكات التى بين أيدينا. فهو أولى بنا من أنفسنا)) (١)،
وقال الإمام ابن كثير . قد علم الله - تعالى - شفقة رسوله (صلى
الله عليه وسلم) على أمته، ونصحه لهم. فجعله أولى بهم من أنفسهم ،
وحكمه فيهم مقدماً على اختيارهم لأنفسهم .
وفى الصحيح: «والذى نفسی بیده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب
إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين».
(١) تفسير ابن كثير ــ٦ ص ٢٨١

٢٣
الجزء الحادى والعشرون
وروى البخارى عن أبى هريرة عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال :
-حامن مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة. اقرءوا إن شتم:
«النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فأيما مؤمن ترك مالا نظيرله عصبته
-عن كانوا. فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتنى فأنا مولاه.
وروى الإمام أحمد عن جابر من النبى (صلى الله عليه وسلم) أنه كان
:يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك ديناً فإلى ،
سومن ترك مالا فلورثته » (١).
قال الآلوسى: وإذا كان ( صلى الله عليه وسلم) بهذه المثابة فى حق
المؤمنين، يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه - عليه
الصلاة والسلام - عليهم أنفذ من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها
. وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها.
وسبب نزول الآية - على ماقيل - ماروى من أنه (صلى الله عليه وسلم)
أراد غزوة تبوك. فأمر الناس بالخروج. فقال أناس منهم: نستأذن
آباءنا وأمهاتنا فنزلت. ووجه دلالتها على السبب أنه (صلى الله عليه وسلم)
إذا كان أولى من أنفسهم، فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى (٢).
ثم بين - سبحانه - منزلة أزواجه ( صلى الله عليه وسلم) بالنسبة
المؤمنين فقال: ((وأزواجه أمهانهم، أى: وأزواجه ( صلى الله عليه
وسلم) بمنزلة أمهانكم - أيها المؤمنون - فى الإحترام والإكرام،
. وفى حرمة الزواج بهن .
(١) تفسير القرطفى = ١٤ ص ١٢٢
(٢) تفسير الآلوسى - ٢١ ص ١٦١

٣٤
سورة الأعراب
الرا: وأنا ما يحد! ذلك كالنظر إليهن، والخلوة بهن، وإرثه».
فین کالأجنبيات .
ثم بين - سبحانه - أن التوارث إنما يكون بين الأقارب فقال - تعالى -.
(وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله، من المؤمنين والمهاجرين.
إلا أن تفعلوا إلى أو لياتكم معروفاً، كان ذلك فى الكتاب مسطورا)).
والمراد بأولى الأرحام : الأفارب الذين تربط بينهم رابطة الرحم
كالآباء والأبناء، والإخوة ، والأخوات .
وقوله: «فی کتاب الله ، متعلق بقوله (( أولی، أومحذوف على أنه
حال من الضمير فى ((أولى ).
والمراد بالمؤمنين والمهاجرين. من لا تربط بينهم وبين غيرهم رابطة.
قرابة .
قال ابن كثير: وقد أورد ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام قال: أنول الله
-عز وجل - فينا خاصة معشر قريش والأنصار: «وأولو الأرحام بعضهم
أولى ببعض، وذلك أنا معشر قريش، لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا،
فوجدنا الأنصار نعم الإخوان ، فوأخيناهم ووارثناهم .. حتى أنزل الله
هذه الآية فيناء عشر قريش والأنصار خاصة، فراجعنا إلى مواريثنا)، (١).
وشبيه بهذه الآية فى وجوب أن يكون التوارث بحسب قرابة الدم،
قوله - تعالى - فى آخر آية من سورة الأنفال: (والذين آمنوا من بعد
وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منسكم، وأولوا الأرحام بعضهم أولى
ببعض فى كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم).
والإستثناء فى قوله - سبحانه -: «إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم.
(١) تفسير إن کپير +٦ ص ٣٨٣

٢٥
الجزء الحادى والعشرون
معروفا)). رجح بعضهم أنه إستثناء منقطع. وقوله ((أن تفعلوا، مبتدأ».
وخبره عذوف .
والمراد بالكتاب فى قوله (( كان ذلك فى الكتاب مسطوراء القرآن الكريم
أو الموح المحفوظ.
والمعنى: وأولوا الأرحام وهم الأقارب، بعضهم أولى ببعض فى
التوراث فيما بينهم ، وفى تبادل المنافع بعضهم مع بعض ، وهذه الأولوية
والأحقية ثابتة فى كتاب الله - تعالى - حيث بين لكم فى آيات المواريث
التى بسورة النساء، كيفية تقسيم التركة بين الأقارب، وهم بهذا البيان أولى
فى ميراث الميت من المؤمنين والمها جرين الذين لاتربطهم بالميت صلة القرابة .
هذا هو حكم الشرع فيما يتعلق بالتوارث لكن إذا أردتم - أبها
المؤمنون - أن تقدموا إلى غير أقاربكم من المؤمنين العروفا، كأن قوصوا
له ببعض المال فلا بأس ، ولا حرج عليكم فى ذلك .
وهذا الحكم الذى بيناه لكم فيما يتعلق بالتوارث بين الأقارب ، كان
مسطوراً ومكتوباً فى اللوح المحفوظ، وفى آيات القرآن التى سبق نزولها
فعملوا بما شرعناه لكم، واتركوا ما نهينا كم عنه .
قال الشوكانى ما ملخصه قوله: ((إلا أن تفعلوا إلى أولياتكم معروفا،
هذا الإستثناء إما متصل من أعم العام. والتقدير: وأولوا الأرحام بعضهم
أولى ببعض فى كل شىء من الإرث وغيره، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم
معروفاً، من صدقة أو وصية ، فإن ذلك جائز.
وإما منقطع. والمعنى: لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به.
والإشارة بقوله: ((كان ذلك، تعود إلى ما تقدم ذكره. أى: كان نسخ.
الميراث بالهجرة والمحالفة والمعاقده، ورده إلى ذوي الأرحام من القرابات

٢٦
سورة الأحواب
(( فى الكتاب مسطورا، أى: فى اللوح المحفوظ، أو فى القرآن مكتوبا، (١).
وبذلك نزى الآية الكريمة قد وضحت ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم،
وما يجب عليهم تح وأزواجه، وما يجب عليهم نحو أقار بهم فيما يتعلق بالتوارث
ثم ذكر الله - تعالى - رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بالعهد الذى
أخذه عليه وعلى الأنبياء من قبله، فقال - تعالى -: ((وإذ أخذنا
من النبيين ميثاقهم ..
والميثاق: العهد الموثق المؤكد. مأخوذ من أفظ وثق ، المتضمن معنى
الشد والربط على الشىء بقوة وإحكام .
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أخذنا من جميع النبيين
العهد الوثيق، على أن يبلغوا ما أو حيناه إليهم من هدايات للناس، وعلى أن
يأمرهم بإخلاص العبادة لنا، وعلى أن يصدق بعضهم بعضا فى أصول
الشرائع ومكارم الأخلاق .. كما أخذنا هذا العهد الوثيق منك، ومن أنبياتنا
نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم .
وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، التنويه بفضلهم، فهم أولوا العزم من
الرسل، وهم الذين تحملوا فى سبيل إعلاء كلمة الله - تعالى - أكثرما
تحمل غيرهم .
وقدم ( صلى الله عليه وسلم ) عليهم فى قوله ((ومنك من نوح٠٠)
لمزيد فضله ( صلى الله عليه وسلم) على جميع الأنبياء.
قال الآلودى : ولا يضر تقديم نوح - عليه السلام - فى سورة الشورى،
أعنى قوله - تعالى -: (شرع لكم من الدين ماوصى به فوحا، والذى أوحبنا
إليك .. )، إذ لكل مقام مقال. والمقام فى سورة الشورى وصف دين
الإسلام بالأصالة. والمناسب فيه تقديم نوح. فكأنه قيل: شرح لكم الدين
(١) تفسير فتح القدير ج٦ ص ٢٦٢

٢٧
الجزء الحادى والعشرون
الأصيل الذى بعث عليه وح فى العهد القديم، وبعث عليه محمد ( صلى اللّه
عليه وسلم ) فى العهد الحديث، وبعد عليه من توسط بينهما من الأنبياء)، (١)
وقوله - سبحانه -: ((وأخذنا ملهم ميتقاقا غليظا، معطوف على
ما قبله وهو «أخذنا من النبيين ميثاقهم، لإفادة تفخم هان هذا الميثاق المأخوة
على الأنبياء، وبيان أنه عهد فى أقصى درجات الأهمية والشدة .
أى: وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن، بالغ الخطورة
-وفيع المقدار .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: فماذا أراد بالميثاق الغليظ ؟
قات: أراد به ذلك الميثاق بعينه. إذ المعنى: وأخذنا منهم بذلك الميثاق
حيثاقا غليظا .
والغلظ استعارة فى وصف الأجرام، والمراد : عظم الميثاق وجلالة
شانه فى بابه .
وقيل: المراد بالميثاق الغليظ: المين بالله على الوفاء بما حملراء (٢).
وقوله - سبحانه -: ((ليسأل الصادقين عن صدقهم)) متعلق بقوله:
« أخذنا،، أو بمحذوف. والمراد بالصادقين: الأنبياء الذين أخذ الله
عليهم الميثاق .
أى : فعل - سبحانه - ذلك ليسأل يوم القيامة أنبياءه عن كلامهم
الصادق الذى الوه لأقوامهم، وعن موقف هؤلاء الأقوام منهم.
والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء الرسل وتكريمهم، وتوبيخ
المكذبين لهم فيما جاءوهم به من كلام صادق، ومن إرشاد حكيم .
(١) تفسير الآلومى = ٢١ س ١٥٤
.(٢) تفسير الكفاف = ٢ ص ٠٥٢٥

٢٨
, سورة الأحزاب
وقوله - سبحانه -: «وأعد للكافرين عذابا أليما، معطوفه على مادل
عليه قوله « ليسأل الصادقين».
أى: أثاب - عز وجل - الأنبياء الكرام بسبب صدقهم فى قبليغ
رسالته وأعد الكافرين الذين أعرضوا عن دهوة أنبيائهم عذابا ألما،
بسبب هذا الإعراض .
وهكذا جمعت الآية الكريمة بين ما أعده - سبحانه - من ثواب
عظيم الصادقين ، ومن عذاب أليم للكافرين .
وبعد هذا البيان الحكم لبعض الأحكام الشرعية، أنتقلت السورة
الكريمة إلى الحديث عن غزوة الأحزاب، وعن فضل الله - تعالى -
على المؤمنين فيها ، فقال - سبحانه - :

٢٩
الجزء الحادى والعشرون
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَاءَ تْكُرْ جُنُودٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَوْهًا وَكَانَ اللَّهُ يِّا
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (ي إِذْ جَةُوكُ مِنْ فَوْفِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَى مِنْكُرْوَ إِذْزَاغَتِ
الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْخَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِالْعُونَ مُثَلِكَ
أَبْلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلِلُواْ زِلَلَّا شَدِيدًا (٨) وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِنَ فِ قُلُوبِم مََّ ضُ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَإِلَّغُرُورًا(﴾ وَ إِذْ
قَالَت ◌َآئِقَةٌ مِنْهُمْ يَأهْلَ يَغْبَ لَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ
فَرِقٌ مِنْهُ الَِّّيَقُولُونَ إِنَّ بُوَ عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوَرَّةٍ إِن يُرِيدُونَ
إِلَّفَارًاَّ وَلَوْدُِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَقْطَارِ هَاثُمَّسُلُوا الْفِتْنَةَ لَوْهَاوَمَا
تَلَّقُواْ بِهَا إِلَّ ◌َسِيرًّا لَهِ وَلَقَدْ كَانُوْ عَدْهَدُ واْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ
اْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَِّ مَسْئُولًا ◌َ﴾
وغزوة الأحزاب، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإسلامية،
وكانت - أعلى الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة.
وملخصها - كما ذكر الإمام ابن كثير - أن نفرا من اليهود - على رأسهم
حى بن أخطب - خرجوا إلى مكة، واجتمعوا بأشراف قريش، وألبوم
على حرب المسلمين، فأجابوم إلى ذلك ..

٣٠
سورة الأحزاب
ثم خرجوا إلى قبيلة عطفان فدعوهم لحرب المسلمين، فاستجابوا لهم
- أيضاً - ..
وخرجت قريش فى أحابيشها ومن تابعها، والجميع فى جيش قريبه
من عشرة آلاف رجل .
وعندما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمقدمهم، أمر بحفر
خندق حول المدينة .
ووصلت جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة، فوجدوا الخندق
قد حفر، وأنه يحول بينهم وبين اقتحامها ، كان أن المسلمين كانوا لهم.
بالمرصاد.
وخلال هذه الفترة العصبية، نقض يهود بنى قريظة عهودهم مع المسلمين.
وانضموا إلى جيوش الأحزاب، فزاد الخطب على المسلمين ..
ومكث الأعداء محاصرين للمدينة قريبا من شهر، ثم جاء نصر الله
- تعالى - ، بأن أرسل على جيوش الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من
عنده، فتصرعت جبهات الأحزاب ، وانكمات خيامهم، وملا الرعب
قلوبهم، «ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين
القتال ... (١) .
وقد ابتدأ الله - تعالى - الحديث عن هذه الغزوة، بنداء وجهه إلى.
المؤمنين، ذكرهم فيه بفضله عليهم، وبرحمته بهم فقال: (( يأيها الذين آمنوا
أذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريما وجنودا
لم تروها ...
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣٨٥. والسيرة النبوية لا بن هشام.
٣ ٢ ص ٠٢٢٩

٣١
الجزء الحادى والعشرون
والمعنى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، ((اذكروا، على سبيل الشكر
والاعتبار ، نعمة الله عليكم ، ورحمته بكم .
((إذ جاءتكم جنود، كثيرة، هی جنود جیوش الأحزاب , فأرسلنا
عليهم ريحا ، شديدة زلزلتهم، وجعلتهم يرحلون عنكم بخوف وفزع .
كما أرسلنا عليهم, جنودا لم تروها، وهم الملائكة، الذين ألقوا الرعب
فى قلوب أعدائكم .
قالوا: روى أن الله - تعالى - بعث عليهم ويحا باردة فى ليلة باردة، فألقت
التراب فى وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد خيامهم، وأطفأت نيرانهم.
وقذفت فى قلوبهم الرعب .. فقال كل سيد قوم لقومه: يا بنى فلان: النجاه
النجاه .. )،(١).
و قوله - سبحانه - : ( وکان اقه بما تعملون بصیرا ، تذييل قصه به
بيان مظهر آخر من مظاهر فضله - تعالى - عليهم .
أى : جاءتكم تلك الجنود الكثيرة، فأرسلنا عليهم ريحاشديدة، وأرسلنا
عليهم من عندنا جنودا لم تروها ، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على أعمالكم
من حفر الخندق وغيره، وسامعين لدعائكم، وقد أجبناه لمكم، حيث
وددنا أعداءكم عنكم دون أن ينالوا خيرا .
ثم فصل - سبحانه - ماحدث للمؤمنين فى هذه الغزوة، بعد هذا
الإجمال، فقال: ((إذ جاءوكم من فوقكم، أى: من أعلى الوادى من جهة
المشرق . والجملة بدل من قوله (( إذ جاءتكم جنود)):
والمراد بالذين جاءوا من تلك الجهة: قبائل غطفان وهوازن. وانضم
إليهم بنو قريظة بعد أن نقضوا عهودهم.
(١) راجع تفسير الآلوسى = ٢١ ص ٠١٥٦

٣٢
سورة الأحولي
( ومن أسفل منكم)) أى: ومن أسفل الوادى من جهة المغرب، وهم قريش
ومعهم أحابيشهم وحلفاؤهم .
وقوله: ((وإذ زاغت الأبصار)، معطوف على ماقبله، داخل معه
فى حيز التذكير .
أى: واذكروا وقت أن زاغت أبصاركم ، ومالت عن كل شىء
حولها، وصارت لا تنظر إلا إلى أولئك الأعداء.
يقال: زاغ البصر يريغ ذيغا وزيفانا إذا مال وانحرف، ويقال - أيضاً -:
زاغ البصر، إذا مل وتعب بسبب استدامة شخوصه من شدة الهول.
وقوله (( وبلغت القلوب الحناجر، بيان آخر لما أصاب المسلمين من
بلاء بسبب إحاطة جيوش الأحزاب بهم.
والحناجر: جمع حنجرة، وهى جوف الحلقوم. والمراد أن قلوبكم
فزعت فزما شديداً، حتى لكأنها قد انتقلت من أماكنها إلى أعلى، حتى
قاربت أن تخرج من أفواهكم .
فالآية تصور ما أصاب المسلمين من فزع وكرب فى غزوة الأحزاب،
تصويراً بديعاً مؤثراً، برسم حركات القلوب، وملامح الوجوه،
وخلجات النفوس.
وقوله - سبحانه -: ((وتظنون بالله الظنونا، بيان لما دار فى عقولهم
من أفكار، حين رأوا الأحزاب وقد أحاطوا بالمدينة .
والظنون جمع الظن . وهو مصدر يطلق على القليل والكثير منه. وجاء
بصيغة الجمع لتعدد أفواعه، واختلاف، باختلاف قوة الإيمان وضعفه.
أى: وتظنون - أيها المؤمنون - ياقه -تعالى- الظنون المختلفة، فمنكم من
ازداد يقيناً على يقينه، وازداد ثقة بوعد الله- تعالى- وبنصره، ومنكم من

٣٣
الجزء الحادى والعشرون
كان أقل من ذلك فى ثباته ويقيته، ومنهم من كان يظهر أمامكم الإيمان
الإسلام، ويثفى المكفر والعصيان، وهم المنافقون وهؤلاء ظنوا الظنون
: السيئه، بأن اعتقدوا بأن الدائرة -تدور عليكم.
قال ابن كثير قوله: ((وقظنون بالله الظنونا، قال الحسن: ظنون
مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن
ما وعد الله ورسوله حق، وأنه - سبحانه - سيظهر دينه على الدين كله ولو
كره المشركون .
عن أبى سعيد قال : قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء
تقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال ( صلى الله عليه وسلم): نعم.
قولوا : اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا .
قال: ((فضرب الله - تعالى - وجوه أعدائه بالريح فهزمهم)) (١).
ولفظ ((هنالك، فى قوله - تعالى -: ((هنالك ابتلى المؤمنون.»:
ظرف مكان للبعيد، وهو منصوب بقوله (( ابتلى)، والابتلاء: الاختبار
والامتحان بالشدائد والمصاف .
أى : فى ذلك المكان الذى أحاط به الأحزاب من كل جانب، امتحن
الله - تعالى - المؤمنين واختبرهم، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه.
(( وزلزلوا زلزالا شديداً، أى: واضطربوا إضطراباً شديداً، من
شدة الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم، ولأن بنى قريطة نقضوا عهودهم .
ولقد بلغ إنشغال المسلمين بعدوهم إنشغالا عظيما. حتى أنهم لم يستطيعوا
أن يؤدوا بعض الصلوات فى أوقاتها، وقال بعض الصحابه: يارسول الله،
حاصلينا، فقال لهم (صلى الله عليه وسلم): ((ولا أنا والله ماصليت. ثم قال
شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر. ملأ الله أجوافهم
وقلوبهم نارا » .
(١) تفسير ابن كثير - ٦ ص ٣٨٩
(م ٢ - الأحزاب)

+٢١
سورة الأحزاب
وخرجت اليعتان المسلمين ليلا، فالتقتا - دون أن تعرف إحداهما
الأخرى - فتقائلا، وحدث بينهم ما حدث من جراح وقتل ، ولم يشعروا
أنهم من المسلين حتى تنادوا بشعار الإسلام: «حم. لا ينصرون)»،
فكف بعضهم عن بعض .
فلما بلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) قال لهم: ((جراحكم.
فى سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد).
ومما زاد فى بلاء المسلمين وحزنهم . ماظهر من أقوال قبيحة من المنافقين.
حكاها - سبحانه - فى قوله: ((إذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض،
ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا)، أى: واذكروا - أيضاً - أيها.
المؤمنون - وقت أن كشف المنافقون وأشباههم عن نفوسهم الخبيثة ،
وطباعهم الذميمة ، وقلوبهم المريضة، فقالوا لكم وأنتم فى أشد ساعات
الحرج والضيق: ( ماوعدنا الله ورسوله ) بالنصر والظفر { إلا غرورا)
أى : إلا وعداً باطلا، لا يطابق الواقع الذى نعيش فيه.
وقال أحدهم: ( إن محمداً كان يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر ».
وأحدنا اليوم لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط).
( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا٠)
أى: واذكروا - كذلك - أيها المؤمنون - وقت أن قالت لكم.
طائفة من هؤلاء المنافقين: ( يا أهل يثرب ) أى: يا أهل المدينة لا مقام
لكم فى هذا المكان الذى تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ومدينتكم
فارجعوا إلى مساكنكم، واستسلموا لأعدائكم.
قال الشوكانى : وذلك أن المسلمین خرجوا فى غزوة الخندق ، جملوا
ظهورهم إلى جبل سلع، وجعلها وجوههم إلى العدو، وجعلوا الخندق بينهم
وبين القوم. فقال هؤلاء المنافقون : ليس هاهنا موضع إقامة وأمروا

٢٥
الجزء الحادى والعشرون
الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة، (١) .
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الفعيم،
بل كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين، فقال - تعالى - :
( ويستأذن فريق منهم النى، يقولون إن بيوتنا هورة وما هى بعورة إن
يريدون إلا فراراً ).
أى: أنهم كانوا محرضون غيرهم على ترك مكانه فى الجهاد ولا يكتفون
بذلك، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبى ( صلى الله عليهم ) فيستاذئه
فى الرجوع إلى بيوتهم ، قائلين له: يا رسول: (إن بيوتنا عورة) أى:
خالية من يحرسها . يقال: دار ذات عورة إذا سهل دخولها لقلة حصانتها
وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم فى دعواهم فيقول :
(وماهى بعورة) أى: والحال أن بيوتهم ليست كما يزعمون، وإنما الحق
أنهم يريدون الفرار من ميدان القتال . لضعف إيمانهم، وجبن نفوسهم .
روى أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
ليقول له: إن بيوتنا عورة. وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا،
س بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا كى نرجع إلى دورنا
فنمنع ذرارينا ونساءنا . فأذن لهم " (صلى الله عليه وسلم).
فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله، لا تأذن لهم. إنا واقه
ما أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك .. فردهم.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين جمعوا لأنفسهم كل نقيض
فهم يسرعون إلى ما يؤذى المؤمنين، ويبطئون عما ينفعهم. فقال - تعالى-
( ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآقوها ، وما تلبثوا بها
إلا يسيرا ) .
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى - ٦ ص ٢٦٦

٢٦
سورة الأعواب
والضمير فى قوله - تعالى - ( دخلت) البيوت أو المدينة . وفاصل
الدخول من دخل هذه البيوت أو المدينة من أهل الكفر والفساد .
وأسند - سبحانه - الدخول إلى بيوتهم، للإشعار بأن الأعداء
به خلونها وهم تابعون فيها .
والأفطار: جمع قط بمعنى الناحية والجانب والجهة .
والمراد بالفتنة هنا: الردة عن الإسلام أو قتال المسلمين.
وقوله (الآنوما) قرأه الجمهور بالمد بمعنى لأعطوها. وقرأه نافع
وابن كثير (لأنوها) بالقصر، بمعنى لجاءوها وفعلوها والتليث: الإبطاء
والتأخر .
والمعنى أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أن بيوتهم عورة، همكاذبون
فى زعمهم ، وهم أصحاب فيات خبيثة ، ونفوس عارية عن كل خير .
والدليل على ذلك ، أن بيوتهم هذه التى يزعمون أنها عورة لو اقتحمها
عليهم مقتحم من المشركين وهم قابعون فيها . ثم طلب منهم أن ينضم إليهم
فى مقالة المسدين لسارعوا إلى قلبية طلبه، واكافوا مطيعين له كل الطاعة
وما تأخروا عن قلبية طلبه إلا لمدة قليلة يعدون العدة خلالها لقتالكم
- أيها المسلمون - وللانسلاخ عن كل رابطة تربطكم بهم، لأن عقيدتهم
واهنة ونفوسهم مريضه خائرة.
قال صاحب السكشاف قوله: ( ولو دخلت عليهم ) أى: المدينة.
وقيل : بيوتهم . من قولك: دخلت على فلان داره ( من أقطارها) أى:
من جوانبها. يريد: ولو دخلت هذه الماكر المتحزبة التى يفرون منها
مديلتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين
ثم سئلوا عند ذلك الفرع وتلك الرجفة (الفتنة) أى : الردة والرجعة إلى
الكفر ومقائلة المسلمين. لأنوما أى: لجاءوها وتفعلوها. وقرىء.

٢٧
الجزء الحادى والعشرون
لأنوها. أى: لأعطوها (وما تلبثوا بها إلا يسيراً) ريثما يكون السؤال.
والجواب من غير توقف، أو مالبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا.
فإن الله بهلکهم، (١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن من الصفات اللازمة للمنافقين
نقضهم لعهودهم فقال - تعالى -: ( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل
لا يولون الأدبار وكان عبد الله مسؤولا) .
أى: ولقد كان هؤلاء المنافقون قد حلفوا من قبل غزوة الأحزاب
أنهم سيكونون معكم فى الدفاع عن الحق وعن المدينة المنورة التى يسا كنونكم
فيها، ولكنهم لم يفوا بعهودهم.
( وكان عهد الله مستولا ) أى: مسئولا عنه صاحبه الذى عاهد الله
- تعالى - على الوفاء، وسيجازى - سبحانه - كل ناقض لعهده بما
يستحقه من عقاب .
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين، فوبختهم
على سوء فهمهم . وعلى جبنهم وخورهم وعلى سلاطة السفتهم ..
(١) تفسير الكشاف - ٣ ص ٥٢٨

٣٨
سورة الأحزاب
فقال - تعالى - :
قُل لَّنْ يَتَقَعَكُ اَلْفِرَارُ إِنْ!
فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذَّا لَّاتُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ قُلْ
مَنْ ذَا الَّذِ يَعْصِمُ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكْ رَةُ
وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّنِ دُونِ الَّهِ وَلِيَّ وَلَ نَصِيرًا لَ قَدْ يَعْلَم اله
الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَيِلِينَ لِنُحْوِمْ عَلَمّ إِلَيْئًا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسُ
إِلَّا قَلِيلًا (يَ أَبِحََّّ عَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ:
روز ٤دورعد
تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ!
١
سَلَقُولُ بِأَلِنَةٍ حِدَادٍ أَبِحَّةً عَلَى الْخَبِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ)
اللهُ أَعْمَلَّهُمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرًا (٨) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ
يَذْهَبُواْ وَ إِن يَأْتِ الْأَخْرَبُ يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِ الْأَعْرَابِ
يَسْعَلُونَ عَنْ أَثْبَأَبِكْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُ مَا قَدْتَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا (﴾
أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المنافقين: (أن ينفعكم الفرار
إن فررهم من الموت أو القتل ، لأن كل إنسان لابد له من نهاية تنتهى
عندها حياته، سواء أكانت تلك النهايه عن طريق القتل بالسيف. أم عن
طريق الموت على الفراش .
ومادام الأمر كذلك فعلى هؤلاء المنافقين أن يعلموا: أن الجبن لا يؤخر

٣٩
الجزء الحادى والمشرون
الحياة، وأن الشجاعة لا تقدمها عن موعدها. وصدق الله إذ يقول :
((ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)).
وقوله: ((إن فررتم .. ، جوله محذوف لدلالة ماسبق عليه. أى: إن
فررقم لن ينفعكم فراركم.
وقوله: ((وإذا لا تمتعون إلا قليلا، تذييل قصد به زجرم عن {الجبن
الذى استولى عليهم.
أى: إن فراركم من الموت أو القتل، إن نفعكم - على سبيل الفرض.
· لفترة من الوقت، فلن ينفعكم طويلا، لأنكم لن تتمتعوا بالحياة بعد هذا
الفرار إلا وقتا قليلا، ثم بنزل بكم قضاء الله - تعالى - الذى لامرد لكم منه
فاتفرون منه هو نازل بكم قطعا .
ثم أمر أنه - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرعهم بحجة
أخرى لا يستطيعون الرد عليها، فقال: «قل من ذا الذى يعصمكم من الله،
إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ... ».
أى: قل - أيها الرسول - لهؤلاء الجاهلين: من هذا الذى يملك أن
يدفع ما يريده الله - تعالى - بكم من خير أو شر، ومن نعمة أو نقمة،
ومن موت أو حياة ...
إن أحد لا يستطيع أن يمنع قضاء الله عنكم فالاستفهام الإنكار
والنفی .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء
فى العصمة، ولا عصمة إلا من السوء؟

٠٤٠
: سورة الأحزاب
قلت : معناه، أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام.
وأجرى مجرى قول: ((متقلداً سيفاً ورمحاًء - أي: ((متقلداً سيفاً وحاملا"
رمحاً ، (١) ....
وقوله - تعالى - : ((ولايجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيرا)»
معطوف على ماقبله. أى: لا يجدون من بعصمهم مما بربده الله - تعالى -
بهم، ولا يجدون من دونه - سبحانه - ولياً ينفعهم، أو نصيراً بنصرم،
إذ هو وحده - سبحانه - الناصر والمغيث والمجير.
قال - تعالى -: «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مسك لها،
وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم)).
ثم بين - سبحانه - أن علمه محيط بهؤلاء المنافقين، وأنهم لن يفلتوا.
من عقابه، فقال: «قد يعلم الله المعوقين منكم، والقائلين لإخوانهم هلم إلينا.
ولا يأتون البأس إلا قليلا،.
قال الألوسى ما ملخصه: قال ابن السائب: الآية فى عبد الله بن أ،
وأمثاله ممن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة . كانوا إذا جاءهم
المنافق قالوا له: ويحك أجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم فى.
العسكر، أن اثتونا فإنا ننتظركم ...
وكان بعضهم بقول لبعض : ما محمد وأصحابهإلا أ کلة رأس، ولو كانوا
لحماً لا لتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم ... )، (٢).
و((قد) التحقيق، لأن الله - تعالى- لا يخفى عليه شى .. و((المعوقين)).
من السوق وهو المنع والصرف . يقال: عاق فلان فلاناً، إذا صرفه عن.
الجهة التى يريدها .
(١) تفسير الكفاف جـ ٢ ص ٥٢٩
(٢) تفسير الآلومى = ٢١ ص ١٦٣