النص المفهرس
صفحات 1-20
التفسير الوسيط. للقرآن الكريم: تفسير سُورَةِ الَجْزِابْ ١ الدكتور محمد سيد المنطاوى مفتى الديار المصرية: ١٤٠٨٠ هـ ١٩٨٧ م الطبعة الرابعة «رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمْيُعُ الْعَلِيمُ" بسْسِالدِّ الحميم: المقدمة ١ - سورة الأحزاب هى السورة الثالثة والثلاثون فى ترتيب المصحف وهى من السور المدنية، وكان نزولها بعد سورة آل عمران، أى: أنها من أوائل السور المدنية ، إذ لم يسبقها فى النزول بعد الهجرة سوى سور : البقرة والأنفال وآل عمران . ويبدو : ان نزولها كان فى الفترة التى أعقبت غزوة بدر، إلى ما قبل صلح الحديبية ، وعدد آياتها ثلاث وسبعون آية . ٢ - وقد إفتتحت سورة الأحزاب بنداء من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، نهته فيه عن طاعة المنافقين والكافرين، وأمرته بالمداومة على طاعة الله - تعالى - وحده، وبإتباع أمره، وبالتوكل عليه - سبحانه - . قال - تعالى -: «يايها النبى إفق الله ولا قطع الكافرين والمنافقين إن الله كان علما حكما. وإتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً. و توكل على الله و کفی باته وكيلا». ٣ - ثم إنتقلت السورة الكريمة إلى بيان حكم الله - تعالى - فى بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية التى كانت سائدة فى المجتمع فى ذلك الوقت، فأبطلت التبنى، كما أبطفت ما كان سائدا فى المجتمع من عادة الظهار، وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، فتصير محرمة عليه حرمة مؤيدة. - ٦ - قال الله - تعالى -: «ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه، وماجعل أزواجكم اللاتى تظاهرون منهن أمهاتكم ، وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق، وهو يهدى السبيل. أدهوم لآ بائهم هو أقسط عندالك .... ٤ - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض الأحكام التشريعية الآخرى، ؟ وجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - طاعة تفوق طاعتهم لأنفسهم ولوجوب تعظيم المسلمين لزوجاته - صلى الله عليه وسلم - كتعظيمهم لأمهاتهم وكوجوب التوارث بين الأقارب بالطريقة التى بينها - سبحانه - فى آيات أخرى، وإبطال النوراث عن طريق المؤاخاة التى تمت بعد الهجرة بين المهاجرين والأنصار . قال - تعالى -: ((النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وأوار الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، كان ذلك فى الكتاب مسطورا. ٥ - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، ذكرهم فيه بجانب من نعمه عليهم، حيث دفع عنهم جيوش الأحزاب، وأرسل على تلك الجيوثر جنوداً من عنده لم يروها، وكشف عن رذائل المنافقين التى ارتكبوها فى تلك الغزوة، ومدح المؤمنين الصادقين على وقائهم بعمودهم، وكانأهم على ذلك بأن أورئهم أرض أعدائهم وديارهم . قال - تعالى -: ((ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال. وكان الله قوياً عزيزاً. وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف فى قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورتكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطقها! وکان الله علی کل شے. قدیرا ، وبعد هذا الحديث المفصل عن غزوة الأحزاب، والذىإستغرق ما يقرب - ٧ - حن عشرين آية، إنتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أزواج النبى - صلى اله عليه وسلم - فأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يغير هن بين التسريح بإحسان، وبين الصبر على شظف العيش، ليظفون برضا الله - تعالى- كما وجهت نداء اليهن أمرتهن فيه، بالترام الآداب الدينية التى تليق بهنى، لأنهن فى مكان القدرة لسائر النساء . كما أمرتهن بالبقاء فى بيوتهن، فلا يخرجن لغير حاجة مشروعة. ومثلين فى ذلك مثل سائر نساء المسلمين ، حتى يتفرغن الرعايه شئون بيوتهن التى هى من خصائصون ولات من خصائص الرجال ... ثم ختم - سبحانه - تلك التوجيهات الحكيمة ببيان الثواب الجزيل الذى أعده للمؤمنين والمؤمنات. فقال - تعالى -: إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين .والمؤمنات، والقانتين والقائنات والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات . أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما)). ٧ - ثم أشارت السورة بعدذلك إلى قصة زواج النبى - صلى الله عليه وسلم- بالسيدة زينب بنت جحش، وإلى الحكمة من ذلك . وإلى تطليق زيد ن حارثة لها، وإلى أن ما فعله رسول - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لهذه الحادثة. كان بأمر الله - تعالى - وإذه .. قال - تعالى - ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له، سنة الله فى الذين خلوا من قبل. وكان أمر الله قدرا مقدورا. الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله .. وكفى باقه حسيبا. ما كان محمد أباأحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين، وكان الله بكل شىء عليما)). ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين، أمرتهم فيه بالإكثار من -٨= ذكر انه - تعالى- ومن تسبيحه وتنزيهه، كما وجهت نداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بينت له فيه وظيفته، قال - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا)» أذكروا الله ذكرا كثيراً. وسبحوه بكرة وأصيلا. هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما . تحينهم يوم. يلقونه سلام، وأعد لهم أجرا كريما. يأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً. ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ... )). ٩ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك بشىء من التفصيل عن بعض الأحكام. التى تتعلق بأزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - وبعلاقته - صلى الله عليه وسلم .. بهن من حيث القسم وغيره، ومن حيث الزواج بغيرهن .. كما تحدثت عن الآداب التى يجب على المؤمنين أن يلتزموها عند دخولهم بيوت النبى - صلى الله عليه وسلم - بدعوة منه، لأجل تناول طعام، أو لأجل. أمر من الأمور الأخرى التى تتعلق بدينهم أو دنيام . ثم ختمت هذه الآيات بقوله - تعالى - يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنین بدنین علیین من جلا بيیین، ذلك أدنى أن يعر فن فلا يؤ ذین وكان الله غفوراً رحيما . ١٠ - وبعد هذا البيان المفصل لكثير من الأحكام والآداب، أخذت السورة الكريمة فى أواخرها، فى تهديد المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا، وفي بيان أن سنن الله فى خلقه لا تتخلف ، وأن علموقت قيام. الساعة إلى الله - تعالى - وحده، وأن الإصرار على الكفر يؤدى إلى سوء العاقبة، وأن السير على طريق الحق ، يؤدى إلى مغفرة الذنوب، وأن الإنسان قد إرتضى حمل الأمانة ، التى عجزت عن حملها السموات والأرض. والجمال . . قال - تعالى -: ((إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال. فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا . ليعذب الله المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ، وكان الله غفورا رحيما)). ١١ - ومن هذا العرض المجمل لآيات سورة الأحزاب، ترى أنها قد أهتمت بموضوعات من أبرزها ما يلى : (أ) كثرة التوجيهات والإرشادات، من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم - إلى أفضل الأحكام، وأقوم الآداب، وأهدى السبل. وهذه التوجيهات والإرشادات. نراها فى كثير من آيات سورة الأحزاب لاسيما التى قادت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بوصف النبوة ومن ذلك قوله - تعالى -: (( يأيها النبى اتق الله ولا قطع الكافرين . والمنافقين . وقوله - سبحانه -: ((يأيها النى قل لأزواجك إن كتتن تردن الحياة الدنيا وزينتها . .. ، . وقوله - عز وجل -: ((بأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)) وقوله - تعالى -: ((يأيها النبى إذا أحلنا لك أزواجك اللاتى آتيك . أجورهن ... وقوله - سبحانه -: «يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين. يد نين عليهن من جلابيهن .. ». (ب) أمر المؤمنين بطاعة الله - تعالى - ، وبطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ونهيهم عن كل مامن شأنه أن يتعارض مع تشريعات الإسلام ومع آدابه . - ١٠ - وهذه الأوامر والنواهى، فراها فى كثير من آيات هذه السورة الكريمة. ومن ذلك قوله تعالى -: (( يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها .. )). وقوله - سبحانه -: ((يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيرا. ٠٠. وسبحوه بكرة وأصيلا وقوله - عز وجل -: ((يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتمومن من قبل أن تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتمدونها ... ). وقوله - تعالى -: (( يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى، خبراء الله ما قالوا .. )). وقوله - سبحانه -: ((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا)) (جـ) هذه السورة الكريمة تعتبر على رأس السور القرآنية التى اهتمت ببيان فضل نساء النبى - بَيْءٍ - وحقوقهن، وواجباتهن وخصائصهن. ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: «يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين .. )). وقوله - سبحانه - : «يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن أتقيتن، فلا تخضعن بالقول .... وقوله - عز وجل -: (( وقرن في بيوتكن ولا تبر جن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة، وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله .. )). وقوله - سبحانه -: (( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج، ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك .... وقوله - تعالى -: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا . ... - ١١ - وقوله - عز وجل -: «النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم» (ه) هذه السورة تعتبر من أجمع السور القرآنية التى تعرضت لكثير من الأحكام الشرعية، والآداب الاجتماعية، التى لا تتغير بتغير الزمان والمكان ومن ذلك حديثها عن الظهار، وعن التبنى، وعن التوارث بين الأقارب مدون غيرهم، وعن وجوب تقديم طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على طاعة الإنسان لنفسة، ، عن وجوب التأسى به، وعن وجوب الابتعاد عن "كل ما يؤذيه أو يحرح شعوره، وعن وجوب الخضوع لحكم الله - تعالى - ولحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - . قال - تعالى -: (وما كان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً، أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقدضل ضلالامبينا)). (هـ) السورة الكريمة فصلت الحديث عن غزوة الأحزاب، التى وقمت. السنة الخامسة من الهجرة بين المسدين وأعدائهم. فبدأت حديثها عن تلك الغزوة بتلے کیر المؤمنين بفضل الله - تعالى- عليهم فى هذه الغزوة، ثم صورت أحوالهم عند إحاطة جيوش الأحزاب بالمدينة المنورة . قال - تعالى -: "يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ربحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا. إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار .وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا .. )). ثم حكت أقوال المنافقين القبيحة، وأفعالهم الذميمة، وردت عليهم بما يفضحهم، وبما يكشف عن سوء أخلاقهم . قال - تعالى -: «أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة حداد أشحة على الخير أولئك لميق منوا فأحبط اللّه أعمالهم، وكان ذلك على الله يسيراً، ثم مدحت المؤمنين الصادقين لوفائهم بعهودهم، ولشجاعتهم فى مواجهة. أعدائهم . قال - سبحانه -: ((ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا. الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من. ينتظر، وما بدلوا قبديلا .... وكما بدأت السورة حديثها عن غزوة الأحزاب بتذكير المؤمنين ، بنعم الله عليهم ختمته - أيضاً - بهذا التذكير، لكى يزدادوا شكراً له - عز وجل- قال - تعالى -: ((ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى اله المؤمنين القتال، وكان الله فو ياعزيزا. وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف فى قلوبهم الرعب ، فربقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورئكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها، وكان الله على كل شیء قدرا،. (و) والخلاصة أن المتأمل فى سورة الأحزاب، يراها زاخرة بالأحكام الشرعية ، وبالآداب الاجتماعية، وبالتوجيهات الربانية ، قارة من أله - تعالى - ارسوله - صلى الله عليه وسلم - وقارة لأزواجه - صلى الله عليه وسلم - ، وقارة للمؤمنين. كما يراها تهتم إهتماما واضحا بتنظيم المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما، من شأنه أن يأخذ بيد المتبعين له إلى السعادة الدنيوية والأخروية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. کتبه الراجی عفو ربه. القاهرة - مدينة نصر ٨ من شعبان سنة ٥ ١٤٠ هـ ١٩٨٥/٤/٢٨م د.محمد سيد طنطاوى. ◌َأَيُّهَا النَِّّ أَتَّقِ الله وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِ ينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّالله. كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ وَتَّبِعْ مَايُوَجِىّ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّاللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَ بِاللّهِ وَكِيلًا (جٌ مَّا جَعَلَ اللُّرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِىِ جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْ وَجَكُرُ الَّعِى تُظَاهِرُونَ ◌ِهُنَّأَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَّةُأَبْنَاءَ كَّذَلِكُمْفَوْلُكُمْ أَقْوَلِكُ وَاللهُيَقُولُ الْحَقِّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ (٤) أَدْ عُوهُمْ ◌َِّ بَعِمْ هُوَ أَقْسَطْ عِنْدَ اللهِ فَإِن ◌َّْ تَعْلَمُوَاْءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِكٍُ وَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ، وَلَكِنِ مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُرْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (يَ النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهُ بِأُمَّهَدْتُهُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ بِبَعْضِ فِ كِتَبٍِ اللَّهِمِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهِ ينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَةً بِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا(8) وَ إِذْأَخَذْنَا مِنَ النَّبِِّنَ مِيْشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُّوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنٍ مَِّمٌ وَأَخَلْنَا مِنْهُمْ مِّثَقًّا غَلِظًا يَ لِيَسْعَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِمْ وَأَعَدَّلِلْكَِّرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ ٢٤٦. t. ١٤ سورة الأحزاب افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم- وبهذا الوصف الكريم، وهو الوصف بالنبوة، على سبيل القشريف والتعظيم. قال صاحب الكشاف: جعل - سبحانه -نداءه بالنبى والرسول [ف قوله: ((يأيها النبى. يأيها الرسول،» وترك فداء، باسمه، كما قال: يا آدم، ياموسى، يا عيسى، با داود: كرامة له وتشريفا، وتنوبها بفضله . فإن قلت: إن لم يوقع اسمه فى النداء . فقد أو قعه فى الإخبار، فى قوله: «محمد رسول الله .. ،؟ قلت : ذاك لتعليم الناس بأنه رسول ، وعلقين لهم أن يسموه بذلك. ویدعوه به.، (١). والمراد بأمره بتقوى الله: المداومة على ذلك ، والازديادمن هذه التقوى. أى: واظب ـ أيها النبى الكريم "- على تقوی اقه، وعلى مراقبته ، وعلى الخوف منه، وأكثر من ذلك، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه - . قال ابن كثير: هذا تنبيه بالأعلى على الأمنى، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من. الله، ترجو ثواب الله» .(٢) ويعد الأمر بالتقوى، جاءالنهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال -تعالى -: ((ولا قطع الكافرين والمنافقين)). أى: واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله، واجتنب طاعة ۔ (١) تفسير الكشاف - ٣ ص ٥١٨ (٢) تفسير ابن كثير -٦ ص ٣٧٦ ١٥ الجزء الحادى والعشرون الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم ، وعبدوا معه آلهة أخرى واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر . وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى اله، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة، أز حزحة النبى ( صلى الله عليه وسلم) عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإسلام. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أن جماعة من أهل مكة، طلبوا من النبى (صلى الله عليه وسلم ) أن يرجع عن قوله، وأن يعطوه شطر أموالهم، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هددوه بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإسلام ، قولت (١). وقوله - تعالى - ((إن الله كان عليما حكيما)): تعليل الأمر والنهى. أى: اتبع ما أهر ذاك به، وما نهيناك عنه، لأن الله - تعالى- عليم بكل شى.، وحكيم فى كل أقواله وأفعاله . ثم أمره - سبحانه - بإتباع ما يوحيه إليه فقال: ((واقبع ما يوحى إليك من ربك ... ، أى: واظب على تقوى الله ، وابتعد عن طاعة أعدائك، واتبع فى كل ما فأتى وتذر ، كل ما نوحيه إليك من عندنا اتباعاً تاماً. فالجملة الكريمة معطوف على ما قبلها . من قبيل عطف العام على الخاص . وفى النص على أن الوحى إليه (صلى الله عليه وسلم)، وأن عذا الوحى من ربه التى تولاء بالتربية والرعاية ، إشعار بوجوب الإتباع التام الذى لا يشوبه انحراف أو تزدد . ثم أكد - سبحانه- هذا الأمر تأكيداً قوياً فقال: ((إن اللهكان بماتعملون. خبيرا، أى: إنه - تعالى - خبير ومحيط بحر كات النفوس وبنفايا القلوب ، (١) تفسير الآرسى = ٢١ ص ١٤٠ ١٦ سورة الأحزاب وكل من يخالف ما أمرناه به. أو نهيناه عنه، فلا يخفى علينا أمره وستجازيه يوم القيامة بما يستحقه . وقوله - سبحانه -: ((وتوكل على الله، أى: وفوض أمرك إليه - عز وجل - وحده . ((وكفى باتّه وكيلا، أى: وكفى بربك حافظا لك، وكفيلا يبديير أمرك فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد تضمنت ثلاثة أوامر: تقوى الله، وإتباع وحيه، والتوكل عليه - تعالى - وحده. كما تضمنت نهيه (صلى الله عليه وسلم) عن طاعة الكافرين والمنافقين: وباتباع هذه الأوامر والنواهى، يسعد الأفراد، وتسعد الأمم. ثم أبطل - سبحانه - بعض العادات التى كانت متفشية فى المجتمع، وكانت لا تتناسب مع شريعة الإسلام وآدابه، فقال - تعالى: ( ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه ... قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه .. )، نزات فى رجل من قريش اسمه جميل بن معمر الفهرى، كان حفاظاً لما يسمع، وكان يقول: له قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد. فلما هزم المشر كون يوم بدر، ومعهم هذا الرجل رآه أبو سفيان وهو معلق إحدى تعلية فى يده والأخرى فى رجله - من شدة الهلع -، فقال له أبو سفيان: ما حال الناس؟ قال: انهزموا. فقال له: فما بال إحدى نعليك فى يدك والأخرى فى رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما فى رجلى. فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسى نعله فى يده . وقيل فى سبب نزولها أن بعض المنافقين قال: إن محمدا (ج)، له قلبان؛ ١٧ الجزء الخاصى وعشرين لأنه ربما كان فى شىء فنزع فى غيره نزعة ثم عاد إلى شاء الأول ، فأكذبهم الله بقوله: ما جعل الله لرجل من قلين فى جوفه ٠٠٠(١). ويرى بعضهم : أن هذه الجملة الكريمة، مثل ضربه أقهم تعالي للمظاهر من ثمر أنه، والمعنى ولد غيره ، تمهيدا لما بعده . أى: كما أن الله - تعالى - لم يخلق للإنسان قلبين فى جوفه، كذلك لم يجعل المرأة الواحدة زوجا الرجل وأما له فى وقت واحد، وكذلك لم يجعلى المرء دعیا لرجل وابنا له فى زمن واحد . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: أى :ما جمع الله قلبين فى جوف، ولازوجية وأمومة فى امرأة، ولا بدرة ودعرة في رچل .. لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح، والزوجة ليست كذلك .. لأن النبوة أصالة فى النسب وعراقه فيه، والدعوة : إلصاق عارض بالتسمية لا غير . . فإن قلت: أى فائدة فى ذكر الجوف ؟ قلت: الفائده فيه كالفائدة فى قوله - تعالى -: ((ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور، وذلك ما يحصل المسامع من زيادة التصور والتجلى المدلول عليه ، لأنه إذا سمع به ، صور لنفسه جونا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإنكار .. ، (٢). وقوله - سبحانه -: (( وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم، إبطال لما كان سائدا من أن الرجل كان إذا قال لزوجته أنت على كظهر أمى حرمت عليه. (١) تفسير القرطبى : ١٤ ص ٠١١٦ (٢) تفسير الكفاف - بتصرف وتلخيص - = ٣ ص ٠٥٢١ (٢ - سورة الأحزاب) ١٨ سورة الأحزاب يقال: ظاهر فلان من امرأته وتظهر وظهر منها، إذا قال لها : أنته. على كظهر أمى، يريد أنها محرمة عليه كحرمة أمه .. وقد جاء الكلام عن الظهار، وعن حكمه، وعن كفارته، فى سورة المجادلة .. فى قوله - تعالى -: قد سمع الله قول التى تحادلك فى زوجها، وتشتكى إلى الله، والله يسمع تحاور كما، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم. ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا، وإن الله لعفو غفور . .)). وقوله - سبحانه -: ((وما جعل أدعياءكم أبناءكم، إبطال لعادة أخرى .. كانت موجودة، وهى عادة التبنى . والأدعياء: جمع دعى، وهو الولد الذى يدعى أبنا لغير أبيه وكان الرجل يقبنى ولد غيره، ويجرى عليه أحكام البنوة النسبية، ومنها حرمة زواج. الأب بزوجة ابنه بالتبنى بعد طلاقها، ومنها التوارث فيما بينهما . قال ابن كثير: وقوله: (وما جعل أدعياء كم أبناءكم، هذا هو المقصود بالتفى، فإنها نزلت فى شأن زيد بن حارثة، مولى النبى - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان صلى الله عليه وسلم - قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له زيد بن محمد ، فأراد الله - تعالى - أن يقطع هذا الإلحاق، وهذه النسبة بقوله: ((وماجعل أدعياء كم أبناءكم،، كما قال فى أثناء السورة: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين .. »(١). واسم الإشارة فى قوله: ((ذلكم قولكم بأفواهكم)) يعود إلى ماسبق. ذكره من التلفظ بالظهار ومن إجراء التبنى على ولد الغير، وهو مبتدأ . وما بعده خبر . (١) تفسير ابن كثير = ٦ ص ٠٣٧٧ ١٩ الجزء الحادى والشرون أى : ذلكم الذى تزعمونه من تشبيه الزوجة بالأم فى التحريم، ومن نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين، هو مجرد قول باللسان لا يؤبده الواقع ، ولا يسانده الحق . قال ابن جرير: وقوله: ((ذلكم قولكم بأفواهكم)) يقول-تعالى ذكره- هذا القول، وهو قولالرجلامرأنه أنت علی کظهر أمی ، ودعاؤه مر ليس بابنه أنه ابنه، إنما هو قولكم بأفواهكم، لا حقيقة له، ولا يثبت بهذه الدعوى نسب الذى أدهيت بنوته، ولا نصير الزوجة أما بقول الرجل لها: أنت على كظهر أمى)، (١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «والله يقول الحق وهو يهدى السبيل ، أى: والله - تعالى - يقول الحق الثابت الذى لا يحوم حوله باطل، وهو - سبحانه - دون غيره يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذى يوصل إلى الخير والصلاح. وما دام الأمر كذلك فاتركواعاداتكم وتقاليدكم التى ألفتموها، والتى أبطلها الله - تعالى - بحكمته، واتبعوا ما يأمر كم به - سبحانه - . ثم أرشدهم إلى العطرية السليمة فى معاملة الإين المتبنى فقال: «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عنداله .. ، 1 أى: انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند الله - تعالى - . قال الآلومى: أخرج الشيخان عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن زيد ابن حارثة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كناندهو، إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: «ادعوم لآ بائهم .. ، فقال - صلى الله عليه (١) تفسير ابن جرير = ٢١ ص ٢٥. ٢٠ -ورة الأحزاب وسلم -: ((أنت زيد بن حارثة بن شراحيل .. )) (١). وكان زيد قد أسر فى بعض الحروب، ثم بيع فى مكة ، واشتراه حكيم أبن حزام، ثم أهداه إلى عمته السيدة خديجة، ثم أهدته خديجة - رضى أنه عنها - إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وصار الناس يقولون: زيد بن محمد حتى نزات الآية . وقوله - سبحانه -: «فإن لم تعلموا آباءمف إخوانكم فى الدين ومواليكم، إرشاد إلى معامله هؤلاء الأدعياء فى حالة عدم معرفة آبائهم. أى: انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم الحقيقيين، فإن ذلك أعدل] عند الله - تعالى -، وأشرف الآباء والأبناء ، فإن لم تعدوا آباءهم الحقيقيين لكى تنسجوم إليهم ، فهؤلاء الأدعياءهم إخوانكم فى الدين والعقيدة، وهم مواليكم، فقولوا لهم: يا أخى أو يامولاى، واتركوا نسبتهم إلى غير آبائهم الشرعيين . وفى هذه الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان عليه المجتمع الجاهلى من تخلخل فى العلاقات الجنسية ومن اضطراب فى الأنساب ، وقد عالج الإسلام كل ذلك بإقامة الأسرة الفاضلة، المبنية على الطهر والعفاف ووضع الأمور فى مواضعها السليمة . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج فى تشريعاته فقال: ((وليس عليكم جناح فيما أخطاقم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما)). أى: انسبوا - أيها المسلمون - الأبناء إلى آباتهم الشرعيين، فإن لم تعرفوا آباءهم فخاطبوهم ونادوهم بلفظ: يا أخى أو يامولاى . ومع كل (١) تفسير الآلوسى = ٢١ ص ٠١٤٧