النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
الجزء الحادى والعشرون
وما دام الأمر كذلك (( فلا تغرنكم الحياة الدنيا)، أى: فلا تخدعنكم
الحياة الدنيا يزخارفها وشهواتها ومتعها، ولا تشغلنكم من طاعة الله
- تعالى - ، وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد، فإن الكير
الفطن هو الذى يتزود لهذا اليوم بالإيمان الحق، وبالعمل الصالح النافع .
((ولا يغرنكم بالله الغرور، أى:« ولا يصرفتكم الغيطان عن طاعة
انه، وعن أمثال أمره.
فالمراد بالغرور: الشيطان، أوكل ما يصرفك من طاعة الله
- تعالى - :
قال الألوسى: ((ولا يغر نكم باقه الغرور، أى: الشيطان، كماروى
عن ابن عباس وغيره، بأن يحملكم على المعاصى بتزبينها لكم ... وعنى
أبى عبيدة . كل شىء غرك حتى تعصى الله - تعالى - فهو غرور سواء
أكان شيطاناً أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال: الغرور كل مايغر
الإنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان ... وأصل الغرور: من
غر فلان فلانا، إذا أصاب غرته ، أى = غفلته، ونال منه ما يريد ،
والمراد به الخداع .
والظاهر أن ((بالله، صلة ((يغرنكم) أى: لا يخدعنكم بذكر شىء من
شئونه - تعالى -، يجركم بها على معاصيه - سبحانه - (١).
ثم بين - سبحانه - جانباً من الأمور التى استأثر عز وجل بعامها
فقال: ((إن الله عنده علم الساعة)، أى: عنده وحده على وقتها، وعلم
قيامها، كما قال - تعالى - : ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل
(١) تفسير الآلوسى = ٢١ ص ١٠٨
١
١٨٢
سورة لقمان
إنما علمها عند ربى، لا يجليها لوقتها إلا هو ... (١).
((وينزل الغيث، أى: وينزل بقدرته المطر، ويعلم وحده وقت نزوله.
«ويعلم ما فى الأرحام، أى: ويعلم مافى أرحام الأمهات من ذكر أو أنثى.
■ وما تدری نفس ، من النفوس كاتنة منكانت «ماذا تكسب غدا)) من
خير أو شر، ومن رزق قليل أو كثير، لأنها لا تملك عمرها إلى الغد.
((وما قدرى نفس) من النفوس - أيضاً - كائنة من كانت «بأى
أرض تموت ، أى، بأى مكان ينتهى أجلها .
((إن اللّه)) - تعالى - ((عليم)) بكل شىء ((خبير، بما يجرى فى
نفوس عباده.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث
والآثار، منها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن
إلا الله. ثم قرأ هذه الآية .
وعن مجاهد قال: جاءرجل من أهل البادية فقال النبى - صلى الله عليه
وسلم -: إن أمراقى حبلى فأخبر فى ماتلد؟ وبلادنا جدبة فأخبرنى متى بنزل
الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرنى متى أموت، فأنزل الله الآية (٢).
وهذه الأمور الخمسة من الأمور التى استأثر الله - تعالى - بها على
سبيل العلم اليقينى العامل المطابق للواقع ..
ولا مانع من أن يطلع الله - تعالى - بفضله وكرمه، بعض أصفياته
على شىء منها.
(١) سورة الأعراف الآية ١٨٧.
(٢) تفسير ابن كثير = ٦ ص ٣٥٧
١٨٢
الجزء الحادى والشروخ
وليست المغيبات محصورة فى هذه الخمسة ، بل كل غيب لايله إلا انى
. - تعالى - داخل فيما استأثر الله - تعالى - بعلمه، وإنما خصت هذه
الخمسة بالاكر لأنها من أهم المغيبات، أولأن السؤال كان عنها .
وما يخبر به المنجم والطبيب وعلماء الأرصاد الجوية من الأمور التى لم
-تتكشف بعد، فبناء على الظن لا على اليقين، وعلى إحتمال الخطأ والصواب
أما علم الله - تعالى - بهذه الأمور وغيرها، فهو علم يقينى قطعى
- شامل لا يحتمل الظن أو الشك أو الخطأ .
وصدق الله إذ يقول: وإن من شىء إلا عندما خزائنه، وما ننزله إلا
بقدر معلوم .
: وبعدة فهذا تفسير محرر لسورة ((لقمان)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله
-خالصا لوجهه، وقافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
کتبه الراجی عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
.الخميس= ة من شعبان سنة ١٤٠٥ هـ
محمد سيد طنطاوى
٢٥٠ من إبريل سنة ١٩٧٥ م
١٨٤
فهرس إجمالى لتفسير سورة لقمان))
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصفحة:
٠١٣٣
١٣٦
المقدمه
ألم ..
ومن الناس من يشترى لهو الحديث ..
١٤٧
٦
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..
٨
٠١٤٧
١٢
ولقد آتينا لقمان الحكمة ..
٠١٥٢
١٥٦
ألم تروا أن الله سخر لكم ..
٢٠
٢٢
ومن يسم وجهه لله وهو محسن ..
ولو أن مافى الأرض من شجرة ..
ألم تر أن الله بولج ..
٢٩
١٩٦:
٩٧٣
٢٧
١٧٣
يأيها الناس اتقواربكم ..
٣٣
١٩٨٠
التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسیر
سُّوَرَة السَّجُدة
٠
الدكتور
محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية
الطبعة الثانية
١٤٠٨ ٥ ١٩٨٨ م.
*رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمْيُ الْعَلِيمُ"
بِسْم اللهالرحمن الرحيمْ
مقدمة
١ - سورة السجدة، هى السورة الثانية والثلاثون فى ترتيب المصحف
وكان نزولها بعد سورة ((المؤمنون)، أى: أنهامن أواخر السور المكية.
قال الألوسى ما ملخصه: وتسمى - أيضاً - بسورة ((المضاجع)).
وهی مکیة ، کما روی عن ابن عباس .
وروى عنه أنها مكية سوى ثلاث آيات ، تبدأ بقوله - تعالى -: «أفن
كان مؤمنا كمن كان فاسقاً .. ، وهى تسع وعشرون آيه فى البصرى.
وثلاثون آية فى المصاحف الباقية .. )) (١).
ومن فضائل هذه السورة مارواه الشيخان عن أبى هريرة قال: كان النبى
- صلى الله عليه وسلم، يقرأ فى الفجر يوم الجمعة ((أنم. تنزيل) السجدة.
و ((هل أنى على الإنسان)).
وروى الإمام أحمد عن جابر قال: ((كان النبى - صلى الله عليه وسلم -
لاينام حتى يقرأ، هذه السورة، وسورة تبارك (٢).
٢ - وتبدأ هذه السورة الكريمة، بالثناء على القرآن الكريم، وببيان أنه
عن عند الله - تعالى -، وبالرد على الذين زعموا أن الرسول - صلى الله
عليه وسلم - قد افتراه من عند نفسه ..
-
(١) تفسير الآلونى ٣ ٢١ سن ١١٥
.(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٦٣
- ١٨٨ -
ثم تسوق ألوانا من نعم الله - تعالى - على عباده ، ومن مظاهر
قدرته، وبديع خلقه، وشمول إرادته، وإحسانه لكل شىء خلقه ,ذلك عالم
الغيب والشهادة العزيز الرحيم، الذى أحسن كل شىء خلقه، وبدأ خلق
الإنسان من طين ١٢٠٠
٣ - ثم تذكر السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من شبهات المشركين.
حول البعث والحساب، وترد عليها بما يبطلها ، وتصور أحوالهم عندما:
يقفون أمام خالقهم للحساب تصويرا مؤثرا مرعيا قال - تعالى -: ((ولو ترى
إذ المجرمون فاكسواره وسهم عندربهم، ربنا أبصرنا وسمعنا، فأرجعنا
فعمل صالحا إذا موقنون ...
٤ - وبعد أن تذكر السورة الكريمة ما أعده الله - تعالى- المؤمنين من
ثواب لا تعلمه نفس من الأنفس، وما أعده للكافرين من عقاب .. بعد كل.
ذلك تبين أن عدالته - تعالى- قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار
وإنما يجازى كل نفس على حسب عمله .
قال - تعالى -: ((أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا، لا يستوون)).
٥ - ثم تشير السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاء الله - تعالى - لنبيه.
موسى - عليه السلام - من نعم، وما منحه الصالحين من قومه من من، لكى.
يتأسى بهم المؤمنون,ولقد آتينا موسى الكتاب فلاتكن فى عربة من لقائه،
وجعلناه هدى لبنى إسرائيل، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا،
وكانوا بآياتنا يوقنون)).
٦ - ثم حضت السورة الكريمة المشركين على التدبر والتفكر فى آياته.
انه - تعالى-، ونهتهم عن الحدود والعناد ، وحكمت جانبا من سفاءاتهم،
وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم، وأن يمضى فى طريقه.
دون أن يعير مفاهلتهم اهتماما .
- ١٨٩ -
قال - تعالى -: ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل يوم الفتح
لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولاهم ينظرون، فأعرض عنهم وانتظر إنهم
.منتظرون» .
٧ - وبعد فهذا عرض إجمالى لسورة ((السجدة)) ومنه نرى أنهازاخرة
بالأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى أن القرآن حق، والبعث
-حق، والحساب حق، والجزاء حق ..
وصلى اله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
٣ من شعبان ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥٤/٢٣ م كتبه الراجى عفو ربه
د. محمد سيد طنطاوى
١٩٠
سورة السجدة
التفسير
بِشـ
الْمَثُ تَزِيلُ الْكِتَبِ لَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَيْنَ ( أَمْ
يَقُولُونَ أَفْتَرَهُ بَلْ هُوَ الْخَقُّ مِن رَّبِّكَ لِسُنذِرَ قَوْمًامَّ أَهُ مِ نَِّ
مِّن قَبِّكَ لَعَلَّهُمْ يَتَدُونَ (يِّ اللّهُالَّذِىِ خَلَقَ السَّعَلَوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْهُمَا فِنَّةٍ أَيٍَّ ثُ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَالَكُ مِنْ دُوِهِ».
مِن وَلٍِ وَلَا شَفِيعَّ أَقَلَا تَتَذَّرُونَ ﴾ يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ
إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَّةٍ تِمَّا.
تَعُدُّونَ (ّ ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ◌ّ
الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلّ شَىْءٍ خَلَقَهُ, وَبَدَأْ خَلْقَ الْإِنْسَنِ مِنْ طِينٍ (٣)
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِن مَّاءِ نَّهِيٍ مَّسَوَّنَهُ وَتَفَغَ
فِن دُوِّ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَقْعِدَةَ قَلِيلًا
مَّا تَشْكُرُونَ ﴾)
سورة السجدة من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى: وقدسبق
أن ذكرنا آراء العلماء فى ذلك بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور:
البقرة، وآل عمران ، والأعراف ..
١٩١
الجزء الحادى والعشرون
وقلنا ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف.
المقطعة، قد وردت فى إفتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتقبيه إلى
إعجاز القرآن .
فكان اللّه - تعالى - يقول لأولئك الكافرين المعارضين فى أن القرآن.
من عند الله : هاکم القرآن ترو نه مؤلفا عن کلام هو منجنس ماتؤ لهو نمنه
كلامكم ومنظوما من حروف، وهى من جنس الحروف الهجائية التى
تنظمون منها حروفكم .
فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند أنه فهاترا مثله، وادعوامن
شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، أوهاتواعشر سور من مثله، أوسورة
من مثله ..
٠
ومع كل هذا التساهل فى التحدى، فقد عجزوا والقلبوا خاسرين ،.
وثبت بذلك أن القرآن من عند الله - تعالى - وحده .
و قوله - تعالى - : « تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ، بيان
لمصدر القرآن الكريم وأنه لاشك فى كونه من عند الله - عز وجل -
وقوله: ((تنزيل الكتاب، مبتدأ، وخبره ((من رب العالمين)، وجملة
(((لا ريب فيه)) معترضة بينهما، أو حال من الكتاب .. (١).
أى: تنزيل هذا الكتاب عليك - أيها الرسول الكريم - كان من رب
العالمين، وهذا أمر لاشك فيه ، ولا يخالطه ريب أو تردد عند كل عاقل .
ومجل - سبحانه - بنفى الريب، حيث جعله بين المبتدأ والخبر، لبيان أن
(١) راجع حاشية الجمل +٣ ص ٤١٢
١٩٢
سورة السجودة
هذه القضية ليست محلا الشك أو الريب، وأن كل منصف يعلم أن هذا
القرآن من رب العالمين .
و((أم)) فى قوله - تعالى -: ((أم يقولون افتراء)) هى المنقطعة التى
بمعنى بل والهمزة .
والاستفهام التعجيب من قولهم وإنكارهم.
والافتراء: الاختلاق. يقال: فلان افترى الكذب، أى : اختلقه .
. وأصله من الغرى بمعنى قطع الجلد، وأكثر ما يكون للإفساد .
والمعنى: بل أيقول هؤلاء المشركون، إن محمداً - ﴿٣ -،
قد افترى هذا القرآن ، واختلقه من عند نفسه ..
وقوله - عز وجل -: ((بل هو الحق من ربك)) رد على أقوالهم
الباطلة .
أى: لا تستمع - أيها الرسول الكريم - إلى أقاويلهم الفاسدة، فإن
هذا القرآن هو الحق الصادر إليك من ربك - عز وجل -
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى إرساله - صلى الله عليه وسلم -
وفى إنزال القرآن عليه فقال: «لتنذر قوما ما أتاه من نذير من قبلك
-لعلهم يتدون» .
والإنذار: هو التخويف من إرتكاب شىء تسوء عاقبته، و((ما)، فافية
و((تغير، فاعل ((أقاهم)) و((من) مزيدة للتأكيد.
أى: هذا القرآن - بامحمد - هو معجزتك الكبرى، وقد أنزلناه
إليك لتنذر قوما لم يأتهم نذير من قبلك بما جئتهم به من هدايات
وإرشادات وآداب.
١٩٣
الجزء الحادى والعشرون
وقد فعلنا ذلك رجاء أن يهتدوا إلى الصراط المستقيم، ويستقبلوا
-دعوتك الطاعة والاستجابة لما تدعوهم إليه.
ولا يقال: إن إسماعيل - عليه السلام - قد أرسل إلى٢ با. هؤلاء العرب
الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم، لأن رسالة إسماعيل قد
. أندرست بطول الزمن، ولم ينقلها الخلف عن السلف فكانت رسالة الرسول
.. ماالله عليه وسلم - إلى قومه، جديدة فى منهجها وأحكامها وتشريعاتها.
ثم أثنى - سبحانه على ذاته، بما يستحقه من إجلال وتعظيم وتقديس
فقال: «الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ...
والأيام جمع يوم ((واليوم فى اللغة مطلق الوقت، أى: فى ستة أوقات
لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى -
وهو - سبحانه - قادر على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما فى لمحة
أو لحظة، ولكنه - عز وجل - خلقهن فى تلك الأوقات ، لكى يعلم
- عباده التأنى والتثبت فى الأمور .
قال القرطبى: ((سته أيام، قال الحسن: من أيام الدنيا - وقال ابن
- عباس: ((إن اليوم منى الأيام الستة، التى خلق له فيها السموات والأرض
مقداره ألف سنة من سنى الدنيا .. )) (١)
وقال بعض العلماء ما ملخصه: وليست هذه الأيام من أيام هذه الأرض
التى نعرفها، إذ أيام هذه الأرض، مقياس زمنى ناشى ء من دورة هذه الأرض
حول نفسها أمام الشمس مرة، تؤلف ليلا ونهارا على هذه الأرض .. وهو
مقياس يصلح لنا نحن أبناء هذه الأرض الصغيرة الضئيلة .
(١) تفسير القرطبى = ١٤ = ٠٨٦
(م ١٣ - السجدة)
١٩٤
سورة السجدة
أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة فى القرآن، فعلمها عند الفقه،
ولا سبيل أنا إلى تحديدها وتعيين مقدارها، فهى من أيام الله التى يقول عنها:
(((وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)) (١).
وقوله - سبحانه -: ((ثم استوى على العرش)) إشارة إلى استعلامه
وهيمنته على شئون خلقه .
وقال بعض العلماء: وعرش الله - تعالى - ما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ..
وقد ذكر فى إحدى وعشرين آبة. وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات ..
أما الاستواء على العرش، فذهب سلف الأمة، إلى أنه صفة قه - تعالى-
بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل، لاستحالة إنصافه - سبحانه -
بصفات المحدثين، ولو جوب تنزيهه عما لا يليق به : « لیس کاله شیء وهو
السميع البصير ) .
وأنه يجب الإيمان بها كما وردت، وتفويض العلم بحة مقتها إليه وتعالى -.
قال الإمام مالك : الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول،-
والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .
وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات،.
ومن غير تفسير ولا تفيه .
وقال الإمام الرازى: إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره.
وتعتمد عليه ... (٢)
(١) فى ظلال القرآن جـ ٢١ مـ ٠١٠
(٢) راجع تفسير صفوة البيان ٠ ٢٦٣ لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف ..
١٩٥
الجزء الحادى والعشرون
وقوله - سبحانه -: ((ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا
تتذكرون، أى: مالكم - أيها الناس - إذا تجاوزتم حدوده - عز
وجل - (من ولى)) أى: من ناصر ينصر كم إن أراد عقابكم، ((ولا شفيع))
يدفع لكم عنده لكى يعفو عنكم، أفلا تعقلون هذه المعانى الواضحة،
وتسمعون هذه المواعظ البليغة، التى من شأنها أن تحملكم على التذكر
والاعتبار والطاعة التامة الله رب العالمين .
فالآية الكريمة جمعت فى توجيهاتها الحكيمة، بين مظاهر قدرة الله
- تعالى -، وبين الترهيب من معصيته ومخالفة أمره، وبين الحض على
التذكر والاعتبار.
ثم أضاف۔- سبحانه - إلى ماسبق أنوصف به ذاته ، صفاتأخرى
تليق بهلاه، فقال: «يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه
فى يوم كان مقداره ألف سنة مما لمدون».
وقوله - تعالى -: ((يدبر، من التدبير بمعنى الإحكام والإتقان.
والمراد به هنا: إيجاد الأشياء على هذا النحو البديع الحكيم الذى نشاهده
وأصل التدبير: النظر فى أعقاب الأمور محمودة العاقبة.
وقوله: «يعرج، من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة
إليه - تعالى - .
والضمير فى ((إليه، يعود إلى الأمر الذى دبره وأحكمه - سبحانه -
أى: أن الله - تعالى - هو الذى يحكم شئون الدنيا السماوية
والأرضية إلى أن تقوم الساعة، وهو الذى يحملها على تلك الصورة البديعة
المتقنة ، ثم تصمد إليه - تعالى - تلك الأمور والشئون المدبرة (فى يوم))
سي
١٩٦
سورة السجدة
عظيم هو يوم القيامة ((كان مقداره ألف سنة مهما تعدون)) من أيام الدنيا.
قال الألوسى ما ملخصه: وقوله: من السماء إلى الأرض، متعلقان
بقوله: ((يدبر)، ومن ابتدائية، وإلى انتهائية، أى: «يريده - تعالى -
على وجه الاتقان ومراعاة الحكمة، منزلا له من السماء إلى الأرض. وإنزاله
من السماء باعتبار أسبابه، فإن أسبابه سماوية من الملائكة وغيرهم.
وقوله: ((ثم يعرج إليه، أى: ذلك الأمر بعد تدبيره، وهذا العروج
جاز عن ثبوته فى علمه .. أوعى كتابته فى صحف الملائكة بأمره - تعالى -(١)
وقال بعض العلماء: وقد ذكر - سبحانه - هنا أنه يدبر الأمر من السماء
إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون».
وذكر فى سورة الحج ((وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تمدون)).
وذكر سورة المعارج (تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره
خمسين ألف سنة)، والجمع بين هذه الآيات من وجهين :
الأول: ماجاء عن ابن عباس من أن يوم الألف فى سورة الحج، هو
أحد الأيام الستة التى خلق الله فيها السموات والأرض، ويوم الألف
فى سورة السجدة، هو مقدار سير الأمر وحروجه إليه - تعالى - ويوم
الخمسين ألفاً - فى سورة المعارج - هو يوم القيامة.
الثانى: أن المراد بجميعا يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن
والكافر ويدل لهذا الرأى قوله - تعالى -: ((فذلك يوم عسير، على
الكافرين غير يسير، (٢).
(١) تفسير الآلومى = ٢١ ض ١٣٠
(٢) تفسير أضواء البيان ج ٦ ص ٣ م الشيخ أمين الشنقيطى
١٩٧
الجزء الحادى والعشرون
أى : أن يوم القيامة بتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو بعادل
فى حالة ألف سنة من سنى الدنيا، ويعادل فى حاله أخرى خمسين ألف سنة
واسم الإشارة فى قوله : (ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم)، يعود
إلى الله - تعالى - ، وهو مبتدأ، وما بعده أخبار له - عز وجل -.
أى: ذلك الذى أنصف بتلك الصفات الجليلة، وفعل تلك الأفعال
المتقنة الحكيمة، هو الله - تعالى -: ((عالم الغيب والشهادة، أى: عالم
كل ما غاب عن الحس، وكل ما هو مشاهد له ، لا يخفى عليه شيء مما ظهر
أو بطن «العزيز، الذى لا يغلبه غالب «الرحيم، بعباده.
((الذى أحسن كل شىء خلقه، أى: الذى أحكم وأنقن كل شيء خلقه
وأوجده فى هذا الكون ، لأنه - سبحانه - أوجده على النحو الذى
تقتضيه حكمته، وتستدعيه مصلحة عباده.
قال الشوكانى: وقرأ الجمهور ((خلقه)، - بفتح اللام . على أنه فعل ماض
صفة لشىء، فهو فى محل جر، أو صفة للضاف فيكون فى محل نصب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر: ((خلقه، بكور اللام، وفى
نصبه أوجه: الأول: أن يكون بدلا من «كل شىء، بدل اشتمال، والضمير
عائد على كل شىء، وهذا هو المشهور .. )) (١).
والمراد بالانسان فى قوله - تعالى - :«وبدأ خلق الإنسان منطين»
آدم - عليه السلام - أى: وبدأ خلق أبيكم آدم مزطين، فصار على أحسن
صورة، وأبدع شكل، ثم جعل نسله، أى: ذريته، وسميت بذلك لأنها
تنسل وتنفصل منه
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٦ ص ٢٤٩
١٩٨
سورة السجدة
((من سلالة، أى: من خلاصة، وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية.
((من ماء مهين، أى: ممتهن لا يهتم بشأنه، ولا يعتنى به، والمقصودبه:
النى الذى يخرج من الرجل .
((ثم سواء)) أى: هذا المخلوق الذى أوجده من طين، أومن ماء مهين.
والمراد : ثم عدل خلقه، وسوى شكله، وتاسب بين أعضائه، وأمه فى
أحسن صورة .
(( ونفخ فيه - سبحانه - ((من روحه، أى: من قدرته ورحمته.
التى صار بها هذا الإنسان إنسانا كاملا فى أحسن تقويم.
وإضافة الروح إليه - تعالى - الشريف والتكريم لهذا المخفوق ، كما
فى قولهم بيت الله .
((وجعل لكم، بعد ذلك ((السمع، الذى تسمعون به ((والأبصار) التى
قبصرون بها,والأهشدة، التى تعقلون بها، وتمسون الأشياء بواسطتها.
وقوله: ((قليلا ما تشكرون)» بيان لموقف بنى آدم من هذه النعم
المتكاثرة والمتنوعة، ولفظ ((قليلا، منصوب على أنه صفة المحذوف وقع
معمولا لتشكرون .
أى : شكرا قليلا تشكرون، أو زمانا قليلا تشكرون.
وهكذا بنو آدم - إلا من عصم الله - ، أو جدهم الله - تعالى -
بقدرته، وهخر لمنفعتهم ومصلحتهم ما سخر من مخلوقات، وصانهم فى كل
مراحل خلقهم بأنواع من الصيانة والحفظ ... ومع ذلك فقليل منهم، هم
الذين يفكرونه - عز وجل - على فهمه، وصدقه - سبحانه - حيث يقول
((وقليل من عبادي الشكور».
١٩٩
الجزء الحادى المشرون
ثم حكى حانة - شبهات المشركين وود عليها، وصور أحوالهم
"الأئمة عندما تقبض الملائكه أرواحهم، فقال - تعالى -:
وَقَالُواْ أَوِذَا ضَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَنَّ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
بَلْ هُم ◌ِّهِ رَبِمْ كَنِفِرُونَ {يَ قُلْ يَتَوَقَّكُ مَلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِى
وُكُلَ بِكُمْ إِلَى رَبِكُمْتُرْجَعُونَ () وَلَوْ تَرَ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ
رُ وِهِمْ عِندَ رَبِهِمْ رَبَّا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا
مُؤْقِنُونَ (8) وَلَوْ شِتْنَ لَيْنَا كُلُّ نَفْسِ هُدَئِهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ
◌ِي لَأَمْلَأَنَّ جَهَ مِنَ آلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (َ فَذُوقُواْ بًِا.
نَِّمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنّ ◌َسَِكٌ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلِّ بِمَا كُنْ
تَعْمَلُونَ (3)
قال القرطبى: قوله - تعالى -: وقالوا أنذا ضللنا فى الأرض، هذا
قول منكرى البعث أى: هلكنا ويطلنا وصرنا ترابا، وأصله من قول
العرب: ضل الماء فى اللبن إذا ذهب، والعرب تقول لاشىء غلب عليه غيره
حتى خفي فيه أثره: قد ضل .. »(١).
أى : وقال الكافرون على سبيل الإنكار ليوم القيامة وما فيه من
حساب أنذا صارت أجسادنا كالتراب واختلطت به ، أفتعاد إلى الحياة
مرة أخرى ، ونخلق خلقاً جديداً .. ؟
وقوله - سبحانه -: (( بل هم بلقاء ربهم كافرون)) إضراب وانتقال من
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٩١.
٢٠٠
سورة السجدة
حكاية كفرهم بالبعث والحساب إلى حكاية ماهو أشنع من ذلك وهو كغرم.
بلقاء الله - تعالى - الذى خلفهم ورزقهم وأحيام وأماتهم ...
أى: بل هم لانطاس بصائرهم، واستيلاء العناد والجهل عليهم، بلقاءربهم.
يوم القيامه، كافرون جاحدون ، لأنهم قد استبعدوا إعادتهم إلى الحياة بعد.
موتهم، مع أن الله - تعالى - قد أو جدهم ولم يكونوا شيئا مذكورا.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن مردهم إليه لا محالة بعد أن يقبض ملك ..
الموت أرواحهم فقال: ((قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم، ثم إلى ...
ربكم ترجعون).
وقوله «يتوفا كم، من التونى. وأصله أخذ الشىء وافياتا ما يقال: تونا ...
الله، أى: لستوفى روحه وقبضها، وتوفيت مالى بمعنى استوفيته والمراد ..
بملك الموت : عزرائيل .
أى: قل - أيها الرسول الكريم فى الرد على هؤلاء الجاحدين: سيتولى.
قبض أرواحكم عقب انتها آجالكم ملك الموت الذى كلفه الله - تعالى - بذلك.
ثم إلى ربكم ترجعون ، فيجازيكم بما تستحقونه من عقاب، بسبب كفركم
وجهود كم.
وأسند - سبحانه - هنا التوفى إلى ملك الموت، لأنه هو المأمور بقبض ..
الأرواح. وأسنده إلى الملائكة فى قوله - تعالى - ،فكيف إذا توقهم.
الملائكة، لأنهم أعوان ملك الموت الذين كلفهم الله بذلك.
وأسنده - سبحانه - إلی ذاته فى قوله :« الله یتو فی الأنفس حين موتها).
لأن كل شىء كاتنا ما كان، لا يكون إلا بقضائه وقدره.
ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ، عندما يقفون الحساب،
تصويرا مرعبا مخيفا فقال: ((ولو ترى إذ المجرمون فاكسوارؤسهم عندربهم)).
وجواب ((لو) محذوف والتقدير: لرأيت شيئا تقشعر من هو له الأبدان ...