النص المفهرس

صفحات 141-160

بسم اللهالرحمن الرحيمْ
مقدمة
١ - سورة لقمان هى السورة الحادية والثلاثون فى ترتيب المصحف،
أما ترتيبها فى النزول فهى السورة السادسة والخمسون من بين السور المكية،
وكان نزولها بعد سورة الصافات (١):
وعدة آياتها: أربع وثلاثون آبة . وقد ذكر الإمام ابن كثير وغيره
أنها مكية ، دون أن يستثنى شيئا منها.
وقال الألوسى ما ملخصه: أخرج ابن الضريس، وابن مردويه، عن
ابن عباس أنه قال: أنزلت سورة لقمان بمكة .. وفى رواية عنه: أنها مكية
إلا ثلاث آيات تبدأ بقول - تعالى -: ((ولو أن ما فى الأرض من شجرة أفلام((٢)
٢ - وتبدأ السورة الكريمة، بالثناء على القرآن الكريم، وعلى المؤمنين
الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون .
ثم تنتقل إلى الحديث عن جانب من صفات المشركين، الذين يستهزئون
بآيات الله - تعالى -، ويعرضون عنها، وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبر!
كأن لم يسمعها كان فى أذنيه وقرا، فبشره بعذاب أليم).
ثم ساقت أدلة متعددة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، قال- تعالى-
خلق السموات بغير عمد ترونها ، وألقى فى الأرض رواسى أن تميدبكم وبث
فيها من كل دابة ، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا
خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه، بل الظالمون فى ضلال مبين)).
(١) راجع الإتقان في علوم القرآن ج ١ ص٢٧ مبحث المكى والمذ.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٦٤

- ١٤٢ -
٣ - ثم قص علينا - سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة، التى أوصى بها
لقمان ابنه، والتى اشتملت على مايهدى إلى العقيدة السليمة، وإلى الأخلاق
الكريمة، وإلى مراقبة الخالق - عز وجل - وإلى أداء العبادات التى كلفنا
- سبحانه - بها.
ومن هذه الوصايا قوله - سبحانه -: «يابنى أقم الصلاة، وأمر بالمعروف
وأنه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر
خدك الناس، ولاتمش فى الأرض مرحا، إن الله لا يحب كل مختال فخور.
وأقصد فى مشيك، واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الخمير)).
٤ - ثم بين- سبحانه - ألموانا من فعمه على عباده، منها ما يتعلق بخلق.
السموات، ومنها ما يتعلق بخلق الأرض، كما بين - عز وجل-أن علمه محيط
بكل شىء، وأنه لا نهاية له ...
قال - تعالى -: ((ولو أن مافى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من
بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله، إن الله عزيز حكيم ماخلقكم ولا بعتكم.
إلا كنفس واحدة ، إن الله سميع بصير)).
٥ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بدعوة الناس جميعا إلى تقواه
- عز وجل، وإلى بيان الأمور الخمسة التى لا يعلمها إلا هو - سبحانه -فقال:
يأيها الناس اتقوا ربكم واخدوا يومالا يجزى والد عن واده، ولامولودهو
جاز عن والده شيئا، إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم
بالله الغرور. إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما فى الأرحام،
وما قدرى نفس ماذا تكسب غدا، وماتدري نفس بأي أرض تموت، أن الله
عليم خبير».
٦ - هذا، والمتأمل فى هذه السورة الكريمة، براها قد خاطبت النفس
البشرية، بما من شأنه أن يسعدها ويحميها حياة طيبة .
إنها قد بينت أو صاف المؤمنين الصادقين، وأوصاف أعدائهم: وبينته.

- ١٤٣ -
عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار، ووضحت تلك الوصايا الحكيمة التى أوصى
بها لقمان ابنه وأحب الناس إليه، وساقت أنواعا من النعم التي أنعم بها
- سبحانه - على عباده، وبينت أن هناك أمورا لا يعلمها إلا الله - تعالى -
وحده .
وقد ساقت السورة ماساقت من هدايات ، بأسلوب بليغ مؤثر ، يرضى
المراطف ، ويهدى العقول ..
نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأفس نفوسنا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
٣٠ من رجب ٥١٤٠٥ - ١٩٨٦/٤/٢٠ م كتبه الراجى عفو ربه
د. محمد سيد طنطاوى

١٤٤
سورة لقمان
بشـ
الّمّ ® تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ جَ هُدًى وَرَحْمَةُ
ـمـ
لِلْمُحْسِنَ ◌ّ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم
◌ِلَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (*) أَوْلَكَ عَلَ هُدَى مِنْ رَّيِهِمْ وَأَوْلَئِكٌ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ (®
سورة لقمان من السور التى بدئت ببعض حروف المنهجى ..
وقد فصلنا القول فى معانيها، عند تفسير فالسور: البقرة، وآل عمران.
وغيرهما .
وقلنا فى نهاية سردنا لأقوال العلماء فى ذلك:«ولعل أقرب الأقوال إلى
الصواب أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض
السور، الإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين ، هو من جنس
الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها. فإذا عجزوا عن الإتيان
بسورة من مثله، فذلك لبلوغة فى الفصاحة والحكمه، مرتبة يقف فصحاؤهم
وبلغاؤهم دونها بمراحل ..
واسم الإشارة فى قوله -سبحانه -: «تلك آيات الكتاب الحكيم، يعود
إلى آيات القرآن الكريم، ويندرج فيها آبات السورة التى معنا.
والمراد بالكتاب : القرآن الكريم على الصحيح. لأنه هو المتحدث عنه.
قال الألوسى: وأما حمله على الكتب التى خلت قبل القرآن .. فهو غاية
البعد)) (١) والحمكيم - بزنة فعيل - مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع تقول:
حكمت الفرس، إذا وضعت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والشرود.
(١) تفسير الألوسى = ١١ ص ١٨

١٤٥
الجزء الحادى والعشرون
والمقصود، أن هذا القرآن متنع أن يتطرق إليه الفساد ، ومبرأ من
الخلل والتنافض والاختلاف .
قال الإمام الرازى ما ملخصه: وفى وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه
منها أن الحكم هو ذو الحكمة، بمعنى اشتماله على الحكمة، فيكون الوصف
النسبة كلابن وقامر، ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم، بدليل قوله - تعالى -:
(( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)). ومنها أن
«الحكيم بمعنى المحكم .. (( أى المرأ من الكذب والتناقض)) (١).
والمعنى : تلك الآيات السامية ، المنزلة عليك بامحمد، هى آيات الكتاب،
"المشتمل على الحكمة والصواب، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل، الناطق
بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية.
وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لمة كن قد نوات كلها لأن
الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن
الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن عليه،
كما فى قوله - تعالى -: «إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا، ووعد الله - تعالى -
لا يتخلف .
وقوله («هدى ورحمة، منصوبان على الحالية من ((آيات)).
أى: هذا الكتاب أنزلناه عليك يامحمد آياته ، ليكون هداية ورحمة
للمحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم ، وفى كل أحوالهم .
ثم وصف - سبحانه هؤلاء المحسنين، بصفات كريمة فقال: ((الذين يقيمون
الصلاة، أى: يؤدونها فى أوقاتها المحددة لها، مستوفية لواجباتها، وستتها،
وآدابها وخشوعها، فإن الصلاة التامة هى تلك التى يصحبها الإخلاص،
والخشوع، والأداء الصحيح المطابق لما ورد عن النبى - صلى الله عليه وسلم ..
(١) تفسير الفخر الرازى =١٧ ص٥. (م ١٣ - سورة لقمان)

١٤٦
سورة لقمان
((ويؤتون الزكاة، أى: ويعطون الزكاة التى أوجبها الله - تعالى - فى
أموالهم لمستحقيها «وهم بالآخرة هم يوقنون، والمراد بالآخرة: الدار
الآخرة، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى الدار الدنيا .
وقوله ((يوقنون، من الإيقان، وهو الاعتقاد الجازم المطابق الواقع.
بحيث لا يطرأ عليه شك ، ولا تحوم حوله شبهة ..
أى: أن من صفات هؤلاء المحسنين، أنهم يؤ دون الصلاة بخشوع
وإخلاص، ويقدمون زكاة أموالهم لمستحقيها، وهم بالآخرة وما فيها من
من حساب وثواب وعقاب، بوقنون إيقافا قطعيا، لا أثر فيه للادعاءات.
الكاذبة ، والأوهام الباطلة .
وفى إبراد (( هم)) قبل لفظ الآخرة، وقبل لفظ يوقنون: تعريض بغيرهم)
من كان اعتقادهم فى أمر الآخرة غير مطابق الحقيقة أو غير بالغ مرتبة اليقين.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار الطيبة التى ترتبت على تلك الصفات ..
الكريمة، فقال - تعالى -: ((أولئك على هدى من ربهم وألئك هم المفلحون».
والمفلحون: من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية. وأصله من.
الفلح - بسكون اللام- وهو الشرق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهوشقها
الحرث، واستعمل منه الفلاح فى الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه،
للوصول إلى مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت.
والمعنى: أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة، على هدايه عظيمة.
من ربهم توصلهم إلى المطلوب، وأولئك هم الفائزون بكل مرغوب.
والتفكير فى قوله ((على هدى)) للتعظيم، وأقى بلفظ ((على) للاشارة
إلى التمكين والرسوخ؛ ووصفه بأنه (( من ربهم، لأنه - سبحانه - هر
الذى وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه .

١٤٧
الجزء الحادى والعشرون
ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من الناس، كانوا على النقيض من
من سابقيهم فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهُوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ
عَنْ سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرٍ عِلْمٍ وَخِذَ هَا مُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
مُهِينٌ ﴾ وَ إِذَا تُتْلَى عَيْهِءَ ايَتَوَى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعُهَا كَأنَّ
فِى أَثْنَيْهِ وَقَرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِ ﴾ إِنَّ الَّذِينَ ءَامُوا وَعَمِلُواْ
الصَِّحَتِ لَهُمْ جَتَّتُ الَّعِ يه ◌َلِينَ فِيهَا وَعْدَ الَِّحَقًّا وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ي خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغْعَدِتَوَهَا وَلْقَى فِ الْأَرْضِ
رَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُرْوَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآٍَّّ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ
فَأَنْيَقْنَا فِهَا مِنْ كُلِّ ذَوْجِ كَرِ لَيْهِ هَذَا خَالْقُ اللهِفَأَرُوِى مَاذَا خَلَقَ
الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالُنَ فِي ضَلِ مُبِينٍ (٦
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين: لآ يتينروايات أحرم). أنهما"
نزلتا فى النضر بن الحارث. اشترى قينة - أى: مغنية -، وكان لا يسمع بأحد]
يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول لها: أطعميه وأسقيه وغنيه، "
فهذا خير مما يدعوك إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة والصيام،
وأن تقاتل ین یدیه ،(١).
(١) الباب الفقول فى أسباب النزول للسيوطي ص ١٧٢

١٤٨
سورة الروم
و((لهو الحديث)): باطلة، ويطلق على كل كلام بلهى القلب، وإشغله
عن طاعة الله - تعالى -، كالغناء، والملامى، وما يشبه ذلك مما يصدعن
ذكر الله - تعالى -
وقد فره كثير من العلماء بالغناء والأفضل تفسيره بكل حديث
لا ثمر خيرا.
و((من)) فى قوله ((ومن الناس، التبعيض. أى: ومن الناس من بترك
القول الذى ينفعه، ويشترى الأحاديث الباطلة، والخرافات الفاسدة.
قال القرطى ما ملخصه: هذه إحدى الآيات التى استدل بها العلماء على
كراهة الغناء والمنع منه .
ولا يختلف فى تحريم الغناء الذى يحرك النفوس، ويبثها على الغزل .
والمجون ....
فأما ما -لم من ذلك ، فيجوز القليل منه فى أوقات الفرح، كالعرس
والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشافة، كما كان فى حفر الخندق .. ، (١)
وقوله: ((ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ... ، تعليل
لاشتراء لهو الحديث. والمراد بسبيل الله - تعالى -: دبنه وطريقه الذى
اختاره لعباده.
وقد قرأ الجمهور: ((ليضل)) - بضم الياء - أى: يشترى لهو الحديث
ليضل غيره عن صراط الله المستقيم، حالة كونه غير عالم بسو. عاقبة ما يفعله،
ولكى يتخذ آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه.
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص٥٤ وراجع تفسير الألوسى = ٢١ ص٦٧
وما بعدها .

٣٠٠
الجزء الحادى العشرون
١٤٩
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((ليضل)) - بفتح الباء - فيكون المعنى:
يشتري لهو الحديث ايزداد رسوخاً فى ضلاله.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: القراءة بالضم بينة. لأن النضركان
غرضه باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول فى الإسلام واستماع
القرآن، ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح،
قلت : فيه معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذى كان عليه، ولا يصدع
عنه، ويزيد فيه ويمد ، فإن المخذول كان شديد الشكيمة فى عداوة الدين وصد
الناس عنه. والثانى: أن يوضع ليضل موضع ليضل، من قبل أن من أضل
كان ضالا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف .. ، (١).
وقوله: ((أولئك لهم عذاب مهين، بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة
على الهداية .
أى: أولئك الذين يشترون لهو الحديث، ليصرفوا الناس عن دين الله
- تعالى -، وليستهزئوا بآياته، لهم عذاب يهينهم ويذهم ، ويجعلهم
محمل الاحتقار والهوان .
ثم فصل - سبحانه - حال هذا الفريق الشقي فقال: ((إذا قتلى عليه»
أي: على النضر وأمثاله, آبانتا، الدالة على وحدانينا وقدرتنا، وعلى صدق
نبينا - صلى الله عليه وسلم - .
, ولى مستكبرا، أى: أعرض عنها بغرور واستعلاء.
(١) تفسير الكفاف ج ٣ ص ٤٩١

١٥٠
سورة الروم
(( كأن لم يسمعها، أى: كأن حاله فى استكباره عن سماع الآيات،
كحال الذى لم يسمعها إطلاقا.
, كان فى أذنيه وقرأ، أى: كأن فى أذفيه ممما وثقلا ومرضا يحول
بينه وبين السماع .
والجملتان الكريمتان حال من قوله, مستكبرا، والمقصود بهما توبيخ
هذا الشقى وأمثاله، وذمهم ذما موجعا لإعراضهم عن الحق .
وقوله - تعالى -: ((فبشره بعذاب أليم، تمكم به، واستخفاف
بتصر فانه .
أى: فبشر هذا الشقى الذى اشترى لهو الحديث، وأعرض عن آياتنا
بالعذاب الأليم ، الذى يناسب غروره واستكباره.
ثم أكدت السورة الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - المؤمنين،
وذكرت جانبا من مظاهر قدرته - سبحانه -، ورحمته بعباده ، فقال
- تعالى - :
« إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم
أى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وعملوا الأعمال
الصالحات ( لهم)) فى مقابلة ذلك ((جنات النعيم)، أى: لهم جنات عالية
يتنعمون فيها بما لاعين رأت، ولا أذن سمى، ولا خطر على قلب بشر.
«خالدين فيها، خلودا أبديا, وعد الله حقا، أى: م خالدون فى تلك
الجنات خلودا أبديا، فقد وعد الله وعدا حقا بذلك، ووعد، حق
وصدق ، ولن پخلفه - سبحانه - تفضلا منه وكرما.

١٥١
الجزء الحادى والعشرون
قال الجمل. وقوله ((وعد، مصدر مؤكد لنفسه، لأن قوله. ولهم جنات
النعيم ، فى معنى وعدهم الله ذلك. وقوله (حقا، مصدر مؤكد لغيره. أى:
المضمون تلك الجملة الأولى. وعاملهما مختفف، فتقدير الأولى: وعد الله
ذلك وعدا، وتقدير الثانية، وحقه حقا)، (١).
((وقوله - تعالى -: ((وهو العزيز الحكيم، أى: وهو - سبحانه -العزيز
الذى لا يغلبه غالب. الحكيم فى كل أفعاله وتصرفاته.
:ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال :
«خلق السموات بغير عمد ترونها .. )).
والعمد: جمع عماد. وهو ما تقام عليه القبة أو البيت، وجملة (ترونها،
فى محل نصب حال من السموات .
أى هو - سبحانه - وحده، الذى رفع هذه السموات الها ئله فى صنعها
وفى ضخامتها، بغير مستند يعندها. وبغير أعمدة تعتمد عليها. وأنتم ترون
ذلك بأعينكم بدون لبس أو خفاء. ولا مهمك أن خلقها على هذه الصورة من
أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقا مديراقادرا حكماء هو المستحق
العبادة والطاعة .
وقوله - تعالى -: ((وألقى فى الأرض رواسى أن تميدبكم، بيان لنعمة
ثمانية ما أنعم به - سبحانه - على عباده.
والرواسى: جمع راسية . والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة.
أتى: ومن رحمته بكم، وفضله عليكم، أن ألقى - سبحانه - فى الأرض
-
(١) حاشية الجمل = ٣ ص ٤٠١.

١٥٢
سورة لقمان
جبالا ثوابت كرامة أن تميد وتضطرب بكم، وأنتم عليها .
((وبث فيها من كل دابة، أى: وأوجد ونشر فى الأرض التى تعيشون
فوقها، من كل دابة من الدواب التى لا غنى لكم عنها . والتى فيها منفعتكم ..
ومصلحتكم .
والبث: معناه: النشر والتفريق. يقال: بد القائد خيله إذا نشرها:
وفرقها .
ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة فقال: ((وأنزلنا. أى : بقدرتنا
((من السماء ماء)، أى: ماء كثيرا هو المطر .. فأنبتنا فيها، أى: فأنبقنا فى
الأرض يسبب نزول المطر عليها. ((من كل زوج، أى: صنف, كريم))
أى خسن جميل كثير المنافع .
والاشارة فى قوله: («هذا خلق الله .. )) تعود إلى ماذكره - سبحانه ۔۔
من مخلوقات قبل ذلك . والخاق بمعنى المخلوق .
أى: هذا الذى ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض والجبال ...
هو من مخلوقنا وحدنا ، دون أن يشاركنا فما خلقناه مشارك .
والفاء فى قوله - تعالى -: ((فأروفى ماذا خلق الذين من دونه، واقعة فى
جواب شرط مقدر، أى: إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى ، ماذا خلق
الذين اتخذتمو هم آلهة من دو ٥٠ - سبحانه - إنهم لم يخلقوا شيئا ما، بل هم
مخلوقون لله - تعالى -
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين: وإثبات أنهم فى عبادتهم
لغير الله ، قد تجاوزوا كل حد ى الجهالة والضلالة .

١٥٣
الجزء الحادى والعشرون
وقوله - سبحانه -: «بل الظالمون فى ضلال مبين، اضراب عن تبكيتهم
وتوبيخهم ، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم.
أى: بل الظالمون فى ضلال بين واضح، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر
ولا تنفع، ويتر كون عبادة الله - تعالى - الخلاق العليم.
ثم ساق - سبحانه - على لسان عبد صالح من عباده، جملة من الوصاية
الحكيمة، لتكون فظة وعبرة للناس ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا
٠٠٠٠
لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ أَشْكُر ◌ِهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّا يَشْكُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ
كَفَرَ فَإِنَّاللّهَ غَنِّ حِيدٌ ﴾ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ.
يَبُنَّلَا تُشْرِكْ بِللهِ إِنَّ الْشِّرْكَ لَظُلْمُّ عَظِيمٌ (٢﴾ وَوَصَّيْنَا آلْإِنسَانَ
بِوَلِدَيْهِ حَتْهُ أُّهُ، وَهَنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِ ◌َيْنِ أَنْ أَشْكُلِ
وَوَلِدَيْكَ إِلَّالْمَصِيرُ ﴾ وَ إِنْ جَهَدَ اكَ عَلَ أَنْ تُشْرِكَ بِ مَالَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمُ فَلَا تُطِعْهُمَا وَ صَلِحِهُمَا فِ الدُّنْيَ مَعْرُوفٌّا وَأَتَِّعْ سَبِيلَ
مَنْ أَنَابَ إِلَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرِْعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُم ◌ِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (9ّ

١٥٤
سورة لقمان
يُنِىّ ◌ِنَّهَ إِن تَكُ مِتْقَالَ حَّةٍ مِّنْ تَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْفِ
السَّنَتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ الَّهَلَطِيفُ تَخَبِيرٌ (چل
يُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُ بِالْمَعْرُوفِ وَآَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى
مَ أَصَابَكٌ إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿ وَلَا تُصَعِرْ خَدِّكَلِلنّسِ
وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللّه لَ يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ تَخُورِ
وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَّ إِنَّأَنكَرَ الْأَصْوَاتِ
لَصَوْتُ الْخَمِيرِ
قال ابن كثير - رحمه الله -: اختلف السلف فى لقان، هل كان نبا
أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبياً .
وعن ابن عباس وغيره : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا ...
قال له مولاه: أذبح لنا شاة وجثنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجا ..
بلسانها وقلها. ثم قال له مرة ثانيه: اذبح لناشاة وجثنى بأحسن ما فيها ؟
فذبحها وجاءه - أيضاً - بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا ؟ فقال
لقمان : إنه ليس من شىء أطيب منهما إذا طابا، وليس من شىء أخبث
منهما إذا خبثا .
وقال له رجل: ألست عبد فلان فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟
فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى

١٥٥
الجزء الحادى والعشرون
مالا يعنينى» (١).
ومن أقواله لا بنه: يابنى اتخذ تقوى الله لك تجارة ، بأنك الربح
من غير بضاعة .
يابنى، لا تكن أعجز من هذا الدبك الذى يصوت بالأسعار، وأنت
خاتم على فراشك .
يا بنى، أعتزل الشركيما يعتز لك، فإن الشر للشر خلق .
بابتى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى -
يحيى القلب الميت بنور الحكمة ..
يا بغى، إنك منذ فزات الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت
إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل .. ،(٢).
وقال الألوسى ماملخصه : واقمان : اسم أعجمی لا عربى وهو ابن
باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام -، وقيل: كان زمانه بين
عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - .
ثم قال الألوسى : وإنى أختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن
غبيا)،(٣).
وقوله - سبحانه -: ولقد آتينا لقمان الحكمة .. )) كلام مستأنف مسوق
(١) تفسير ابن كثير +٦ ص٢٢٦
(٢) راجع حاشيه أهل على الجلالين = ٢ ص ٠،٠٢
(٣) تفسير الآلوى = ٢١ ص ٠٨٢

١٥٦
سورة لقمان
لإبطال الإشراك بالله - تعالى - عن طريق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق.
العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: «هذا خلق الله فأرونى ماذا.
خلق الذین من دو نه .
٠٠٠
والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. أوهى: العقل والفهم. أو هم.
الإصابة فى القول والعمل ..
والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع.
والعمل به .
وقوله - سبحانه - ((أن أشكر الله، بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة، أى:
آتيناه الحكمة وقلنا له أن أشكر قه على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها .
قال الشوكانى: قوله: ، أن أشكر لته، أن هى المفسرة، لأن فى إينا.
الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى .. وقيل: بأن اشكرلى.
فشكر، فكان حكيما بشكره.
والشكر لله: ((الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقتہ .»
وطاعته فيما أمربه (١).
ثم بين - سحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: ومن.
يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غنى حميد).
أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه
ومن جهد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإيمان . فانه - تعالى - غنى.
(١) تفسير فتح القدير ج ٤ ص ٠٢٢٧

١٥٧
الجزء الحادى والعشرون
عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد
ولا تحصى : فحميد بمعنى محمود.
فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - من خلقه، وعدم
إنتفاعه بطاعتهم، لأن متفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم، وإنما
ضرر ذلك يعود عليهم .
وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإشارة إلى أن
-من شأن الشاكر بن أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعانى ، وإذا ماغفلواعن
ذلك للفقرة من الوقت ، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره .
وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى ، للإشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من
أي عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجراتاما، وأن يجعله فى خير كان.
وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: ((فإن الله غنى
حميد)). والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه، لأن الله - تعالى-
غنی حميد .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإرشاد فقال
- تعالى -: (وإذا قال قال لقمان لابنه وهو يعظه، يا بنى لا تشرك بالله، إن
"الشرك أظلم عظيم).
وقوله (( يعظه، من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل:
هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب .
قالوا: واسم ابنه ((ثاران)) أو ((ما ثان)) .. أى: واذكر - أيها العاقل-
لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، وير شده إلى وجوه الخير
بألطف عبارة: يابنى ((لا تشرك بالله» - تعالى - لا في عبادتك، ولا فى قولك»
ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقك - عز وجل -.

١٥٨
سورة لقمان
وفى قدأته بلفظ «يابنى)، إشفاق عليه، ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار
الحنو عليه، والحرص على منفعته .
قيل: وكان ابنه كافرا فمازال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما،
والنهى عن الشرك المقصود به «المداومة على ما هو عليه من إيمان وطاعة
قه رب العالمين .
وجملة (( إن الشرك لظلم عظيم، تعليل النهى. أى: يا بنى حدار أن تشرك
باله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - اظلم عظيم، لأنه وضع الأمور
فى غير موضعها الصحيح ، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق .
وقوله - تعالى -: ((ووصينا الإنسان بوالديه .. ، كلام مستأنف، جىءبه.
على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين،
ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى -، والأمر
بالإحسان إلى الوالدين .
ومن ذلك قوله - تعالى - : «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه.
وبالوالدين إحسانا .. )) (١).
وقول - عز جل -: ((قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم، أن لا تشر كوا به
شيئا، وبالوالدين إحسانا .. ، (٢).
أى: أمرناكل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحمن إليهما، وأن
يطبع أمرهما فى المعروف .
ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإحسان إليها فقال:
«حملته أمه وهنا على وهن ، أى : حملته أمه فى بدنها وهی تزداد فى كل يوم
(١) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٢) سورة البقرة الآية ٢٣٣

١٥٩
الجزء الحادى والعشرون
ضعفا على ضعف ، بسبب زيادة وزنة، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان
من التعب خلال حمله ووضهه .
والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان هن وهنا. إذا ضعف ولفظ
((وهنا، حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات ومن، أو
مصدر مؤ كد أفعل هو الحال . أى: يهن وهنا. وقوله: ((على وهن، متعلق
بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كاتنا على وهن .
وقوله ((وفصاله فى عامين، بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام
عن الرضاع .
أى: فطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال
- تعالى -: ((والوالدات برضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن
يتم الرضاعة .... (١).
وهاتان الجملتان (( حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين، جاءتا بعد
الوصية بالوالدين عموما. تأكيدا لحق الأم. وبياما لما تبذله من جهد شاق فى
سبيل أولادها، تستحق ، من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: « حملته أمه وهنا على وهن
وفصاله فى عامين، كيف أغ ض به بين المفسر والمفسر؟
قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق
والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة ، إيجابا للتوصية بالوالدة
خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - لمن قال له: من أبر؟ قال أمك ثم أمك ثم أمك ، ثم قال بعد
ذلك ، ثم أباك » (٢).
(١) سورة البقرة الآية ٢٣٣
(٢) تفسير الكشاف = ٣ ص ٤٩٤

١٦٠
سورة الروم
وقوله -سبحانه -: ((أن أشكر لى ولو الديك إلى المصير) بيان لما تستلزمه.
الوصية بالوالدين أى: وصينا الإنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر خالقك
فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة ، واشكر لوالديك مانحملاه من
أجلك من تعب ، بأن نحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك-عز وجل-
وسيحاسبك على أعمالك ، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.
ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة الوالدين فقال: «وإن جاهداك على
أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا قطعهما ....
والجملة الكريمة معطوفة على قوله: ((ووصينا.)) بإضار القول. أى:
ووصينا الإنسان بوالديه. وقلنا له: ((وإن جاهداك، أى: وإن حملاك
((على أن تشرك بى، فى العبادة أو الطاعة، ((ما ليس لك به علم فلا تطعهما)
فى ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق .
وجملة («ما ليس لك به علم، لبيان الواقع، فلا مفهوم لها ، إذ ليس
هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.
ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال:
((وصاحبهما فى الدنيا معروفاً،.
أى: إن حملاك على الشرك . فلا تطعهما ، ومع ذلك فصاحبهما فى
الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها
الشرع، وتقتضيها مكارم الأخلاق .
وقوله ((معروفا)، صفة لمصدر محذوف، أى: صحابا معروفا. أو منصوب
بنزع الخافض. أى : المعروف
ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب إتباع أهل الحق فقال: ((واقبع
بيل من أناب إلى ....