النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة العنكبوت ليذيق - سبحانه الناس نتائج بعض أعمالهم السيئة، كى يرجعوا عن غيهم وفسقهم، ويعودوا إلى الطاعة والتوبة . ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف، أى: عاقبهم بانتشار الفسادبينهم، ليجعلهم محون بسوء عاقبة الولوغ فى المعاصى، ولعلهم يرجعون عنها. إلى الطاعة والعمل الصالح . ثم يلفت - سبحانه - أنظار الناس إلى سوء عاقبة من ارتكس فى الشرك والظلم، فيقول: ((قل سيرا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ، كان أكثرهم مشر كين . أى : قل - أبها الرسول الكريم - الناس: سيروا فى الأرض سير المتأملين المعتبرين ، لتروا بأعينكم، كيف كانت عاقبة الظالمين من قبلكم ... لقد كانت عاقبتهم الدمار والهلاك، بسبب إصرار أكثرهم؛ لى الشرك والكفر ، وانغماس فريق منهم فى المعاصى والفواحش . فالمراد بالسير، ما يترتب عليه من عظات وعبر، حتى لات كون طاقية اللاحقين ، كعاقبة السابقين ، فى الهلاك والنكال . ثم أكد - سبحانه - ما سبق أن أمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -من ثبات على الحق فقال. , فأقم وجهك للدين القيم .. ، أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم -من سوء عاقبة الأشرار، وحن عاقبة الأخيار : فائبت على هذا الدين القويم ، الذى أوحينا إليك، ولا تتحول عنه إلى جهة ما . (( من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله، أى: أثبت على هذا الدين القيم ، من قبل أن يأتى يوم القيامة ، الذى لا يقدر أحد على رده أو دفع عذابه إلا ان - تعالى - وحده. ثم بين - سبحانه -أحوال الناس فى هذا اليوم فقال. ((يومنه يصدعوز)). ١٢٢ الجزء الحادى العشرون أى: يتفرقون وأصله يتصدعون، فطبت قاؤه صادا وأدغمت، والتصدع التفرق: يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قول الشاعر : وكنا كندمانى جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدها أى : أن يتفرقا . والمعنى. اثبت على هذا الدين ، من قبل أن يأتى يوم القيامة، الذى يتفرق فيه الناس إلى فريقين ثم بين- سبحانه - الفريق الأول فقال. ,من كفر فعليه كفره، أى. من كفر من الناس، فعاقبة كفره واقعة عليه لا على غيره، وسيتحمل وحده ما هيترتب على ذلك من عذاب مهين. قال صاحب الكشاف، قوله ((فعليه كفره، كلمة جامعة لما لا غاية وراء. من المضار، لأن من كان ضاره كفره، فقد أحاطت به كل مضرة» (١). ثم بين - سبحانه -الفريق الثانى فقال. ومن عمل صالحا فلا نفسهم يمهدون أى. ومن عمل فى دنياه عملا صالحا، فإنه بسبب هذا العمل يكون قد مد وسوى لنفسه مكانا مربها يستقر فيه فى الآخرة . والمهاد: الفراش ومنه مهاد الصبى أى فراشه. ويقال مهدت الفراش مهداه أى: بسطته ووطأته. ومهدت الأمور. أى، سويتها وأصلحتها. فالجملة الكريمة تصوير بديع الثمار الطيبة التى تترتب على العمل الصالح فى الدنيا للدنيا، حتى المكان من يعمل هذا العمل، يعد لنفسه فى الآخرة مكانا معبدأ، ومضجها هنيئا، بنول فيه وهو فى أعلى درجات الراحة والنحيم. قال ابن جرير: قوله - تعالى - ((فلأنفسهم بدون، أى. فلأنفتهم يستعدون، ويوون المضجع، ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من هذابه، كما قال الشاعر : أمهد لنفسك، حان الخير التلف، ولا تعيد نها مالها خلف (٢) (١) تفسير الكفاف = ٣ ص ٤٨٣ (٢) تفسير ابن جرير ٢١٦ س ٠١٣ ١٢٣ سورة الروم ثم بين - سبحانه - ما اقتضته حكمته وعدالته فقال: ((ايجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله. إنه لا يحب الكافرين). أى: فعل مافعل - سبحانه - من تقسيم الناس إلى فريقين. ليجزى الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات. الجزاء الحسن الذى يستحقونه. وليعطيهم العطاء الجزيل من فضله. لأنه يحبهم، أما الكافرون فإنه - سبحانه - لا بحبهم ولا يرضى عنهم. ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن آيات الله - تعالى - الدالة على قدرته، وعن مظاهر فضله على الناس ورحمته بهم، وعن الموقف الحجودى الذى وقفة بعضهم من هذه النعم .. قال - تعالى -: (١) تفسير ابن جري ج٢٩ ص ٠٣٣ ١٢٤ الجزء الحادى والعشرون ، وَمِنْءَايَلِّ أَنْ يُرْسِلَ أَرِيَاحَ مُيَشْرَاتٍ وَلِيُذِ يقَكُ مِنْ رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ بِأَمْرِ وَلِتَبَغُواْمِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ ◌َّهُوهُمْ بِالْبَيِّئَاتِ فَانْتَقَّمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَبْرَمُواْ وَكَانَ حَقّا عَلَيْنَاً نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (َ اللّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الِّيَحَ فَتْشِيرُ سَحَبًا فَيَبْسُطُهُ، فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ، كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ غِلَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِةٍ إِذَّاهُمْيَسْتَبْشِرُونَ (﴾ وَ إِنْ كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُغَزَّلَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِهِ، لَمْلِسِينَ (8) فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاتٍَّ رَحْمَتِ اللّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهً إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْقَىْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (﴾ وَلَبِنْ أَرْسَّلْنَا رِيِحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرَّالْظَلُوْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكُفُرُونَ ﴿﴾ فَإِنَّكَ لَا ◌ُسْمِعُ الْمَوْقَّ وَلَا تُسْمِعُ الْهُّ الدَّعَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ ﴾ وَمَآ أَنْتَ بِهْدِ الْعُمْي عَنْ ضَلِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّمَن يُؤْمِنُ بِكَايَتِنَافَهُمْ مُسْلِمُونَ ٥٣ وقوله - سبحانه -: ((ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ... » بيان لأنواع أخرى من الظواهر الكونية الداله على قدرةه - عز وجل -. ١٢٥ سورة الروم أى: ومن الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - ونفاذ قدرته، أنه - سبحانه - يرسل بمشيئته وإرادته الرياح، لتكون بشارة بأن من وراتها أمطارا، فيها الخير الكثير للناس . قال الألوسى: قوله: ((ومن آياته أن يرسل الرياح، أى: الجنوب، ومهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا: رميها من مطلع الثريا إلى إلى بنات نعش. والشمال: ومهها من بنات نعش إلى مسقط البسر الطائر، فإنها رياح الرحمة ، أما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل فريح العذاب .... (١). وقوله: « وليذيقكم من رحمته، ولتجرى الفلك بأمره، ولتبتغوا من فضله ... )) بيان للفوائد التى تعود على الناس من إرسال الرباح التى تعقبها الأمطار، وهو متعلق بقوله ((يرسل)). أى يرسل الرياح مبشرات بالأمطار ويرسلها ليمنحكم من رحمته الخصب والنماء لزرعكم، ولتجرى الفلك عندهبويبها فى البحر إذنه - تعالى - ولتبتغوا أرزافكم من فضله - سبحانه - عن طريق الأسفار، والانتقال من مكان إلى آخر، ولكى تشكروا الله - تعالى - على هذه النعم فإنكم إذا شكر تمره - سبحانه - على نعمه زادكم منها . وقوله - تعالى -: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات" .. ، كلام معترض بين الحديث عن نعمة الرياح . لتسلية الرسول (لا) عما لحقه من قومه من أذى . أى ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسلا كثيرين، - (١) تفسير الآلومى جـ ٢١ ص ٥١ ١٢٦ الجزء الحادى والشرون إلى قومهم ليهدوهم إلى الرشد، وجاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات التى تدل على صدقه . وقوله (( فانتقمنا من الذين أجرموا، معطوف على كلام محفوف. أى: أرسلناهم بالحجج الواضحات ، فمن أقوامهم من آمن بهم، ومنهم من كذبهم ، فانتقمنا من المكذبين ارسلهم . «وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، أى: وكان نصر المؤمنين حقاً أو جبناه. على ذاتنا، فضلا منا وكرما، وتكريماً وإنصافاً لمن آمن بواحدافيتنا). وأخلص العبادة لنا . وحقاً خبر كان ، ونصر المؤمنين إسمها وعلينا متعلق بقوله حقاً . قال ابن كثير قوله: ((وكان حقاً علينا نصر المؤمنين» هو حق أوجبه على نفسه الكريمة، تكرماً وتفضلا، كقوله: ((كتب ربكم على نفسه الرحمة)). وعن أبى الدرداء قال: سمعت رسول اللّه ◌َلتَع) يقول مامن أمرى. مسلم يرد عن عرض أخيه، إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ، ثم تلا (ريخ) هذه الآية، (١). ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن الرياح وما يتر تب عليها من. منه فع فتقول: ((الله الذى يرسل الرياح)) بقدرته ومشيئته. ((فتثير سحابا، أى: هذه الرياح التى يرسلها الله - تعالى - تتحرك فى الجو وفق إرادته - سبحانه - فتحرك السحاب وتنشره من مكان إلى آخر . «فيبسطه فى السماء كيف يشاء، أى فيبسط الله - تعالى - هذا السحاب. (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣٢٨ ١٢٧ سورة الروم فى طبقات الجو، بالكيفية التى يختارها - سبحانه - ويريدها ، بأن يجعله قارة متكافئاً ، وتارة متناثراً، وثمارة من جهة الشمال، وتارة من جهة غيرها. ((ويجعله كسفاء أى: ويجعله قطعاً بعضها فوق بعض تارة أخرى، والكف: جمع كسفه، وهى القطعة من السحاب . ((فترى الودق) أى: المطر ((يخرج من خلاله، أى يخرج ويتساقط من خلاله هذا السحاب ، ومن بين ذراته . (فإذا أصاب به، أى: برذا المطر, من يشاء، إصابته به ((من عباده)، بأن ينزله على أراضيهم وعلى بلادهم ((إذاهم يستبشرون، أى: يفرحون ذلك ، انه یکون سبباً فى حياتهم وحياة دوایهم وزروعهم . وأعرف الناس بنعمة المطر، أو مك الذين يعبدون فى الأماكن البعيدة والأنهار كأهل مكة ومن يشيهونهم من تقوم حياتهم على مياه الأنهار. ثم بين - سبحانه - -الهم قبل نزول تلك الأمطار عليهم فقال:(وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين». وإن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، والضمير فى ((ينزل)) يعود المطر، وفى قوله ((من قبله)، يعود لنزول المطر - أيضاً - على سبيل التأكيد، وقوله: ((لمبلسين)، خبر كان، والإبلادى: اليأس من الخير والسكوت، والإنكسار غماً وحزناً. يقال: أبلس الرجل، إذا سكت على سبيل اليأس والذل والانكسار . أى: هم عند نزول الأمطار يستبشرون ويفرحون، ولو رأيت حالهم قبل نزول الأمطار ارأيتهم فى غاية الحيرة والقنوط والإبلاس ، لهمدة حاجتهم إلى الغيث الذى طال إنتظارهم له ، وتطلعهم إليه دون أن ينزل. ١٢٨ الجزء الحادى والعشرون قال صاحب الكشاف وقوله: (( من قبله، من باب التكرير والتوكيد، كقوله - تعالى -؛ فكان عاقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها (ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم بأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر إغتمامهم بذلك، (١). ثم لفت - سبحانه - أنظار الناس إلى ما يترتب على نعمة المطر من آثار عظيمة فقال: «فانظر إلى آثار رحمة الله ... ، والفاء للدلالة على سرعة الانتقال من حالة اليأس إلى الاستبشار. أى. فانظر - أيها العاقل - نظرة تفكر وانعاظ واستبصار، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح، وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة. وقوله - تعالى -: « كيف يحيى الأرض بعد موتها، فى محل نصب على تقدير الخافض . أى: فانظر إلى آثاررحمة الله بعدنزول المطر وانظر وتأمل كيف يحيى الله - تعالى - بقدرته، الأرض بعد موتها بأن يجعلها خضراء يانعة ، بعد أن كانت جدباء قاحلة . واسم الآشارة فى قوله - تعالى - ((ان ذلك نحى الموتى)) يعود على الله - تعالى -. أى: إن ذلك الإله العظيم الذى أحيا الأرض بعد موتها، لقادر على إحياء الموتى، إذ لا فرق بينهما بالنسبة لقدرة الله التى لا يعجزها شىء . ((وهو) - سبحانه -: على كل شىء قدير، ومن جملة الأشياء المقدور عليها ، إحياء الموتى . وهكذا يـ ق القرآن الكريم الأدلة على البعث، بأسلوب منطقى، منتزع من واقع الناس ، ومن المشاهد التى يرونها فى حياتهم. وبعد أن صور - سبحانه - أحوال الناس عند رؤيتهم الرياح التى تثير (١) تفسير الكشاف جـ ٣ من ٤٨٥ ١٢٩ سورة الروم السحب المحملة بالأمطار، وأنهم عند رؤيتها يفرحون ويستبشرون بعد أن صور ذلك بأسلوب بديع ، أقبع ذلك بتصوير حالهم عندما يرون ريماً يحمل لهم الرمال والأتربة، وقضربمزورعاتهم فقال - تعالى - ,ولكن أرسلنا ربحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون». و"ضمير فى (( رأوه، يعود إلى النبات المفهوم من السياق. أى : هذا حال الناس عند مايرون الرياح التى تحمل لهم الأمطار، أما إذا أرسلنا عليهم ريحاً معها الأتربة والرمال، فرأوا نباتهم وزروعهم قد أصفرت وأضمحلت وأصابها مايضرها أو يتلفها .. فإنهم يظنون من بعد إرسالها تلك الربح عليهم، يكفرون بنعم الله، ويجحدون آلامه السابقة، ويقابلون ما أرسلنا عليهم بالسخط والضيق، لا بالاستسلام لقضائنا، .وملازمة طاعتنا . قال الآنوسى ما ملخصه: واللامقوله: ((ولئن)موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، والفاء فى ((فرأوه فصيحة، واللام فى قوله , لظلوا)، لام جواب القسم السادس، مسد الجوابين ، والماضى بمعنى المستقبل .. وفيماذكر - سبحانه - من ذمهم على عدم تثبتهم مالا يخفى، حيث كان من الواجب عليهم أن يتوكلوا على الله - تعالى- فى كل حال، ويلجأوا إليه بالاستغفار، إذا إحتبس منهم المطر، ولا ييأسوا من روح الله - تعالى - ويبادروا إلى الشكر والطاعة ، إذا أصابهم برحمته، وأن يصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة، فعكسوا الأمر، وأبوا ما بحديهم، وأقوا بما يؤذبهم ... (١) ثم سلى - سبحانه - نبيه عما لحقه منهم من أذى بعد أن ذكر له جانباً من من تقلب أحوالهم، فقال - تعالى -: «فإنك لا تسمع الموتى، ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين)). (١) تفسير الآلوسى = ٢١ ص٥٤ (٩٢ - الروم ١٣٠ الجزء الحادى والعشرون أى: فاصبر - أيها الرسول - لحكم ربك، وأثبت على ما أنت عليه من حق ((فإنك لا تسمع الموتى)) إذا ناديتهم ((ولا تسمع الصم الدعاء)) إذا ما دعوتهم أو وعظنهم . وقوله (( إذا ولوا مدبرين) بيان لإعراضهم عن الحق ، بعد يان كونهم كالأموات وكالھم . ثم وصفهم بالعمى فقال: ((وما أنت بهاد العمى عن ضلالتهم، بسبب. فقدهم الانتفاع بأبصارهم ، كما فقدوا الانتفاع بصارهم . • إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا)، أى: ما تستطيع أن تسمع إلامن يؤمن. بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا («فهم مسلمون، أى: منقادون للحق. ومتبعون له . فالآ يتان الكريمتان تسلية الرسول (محط له) عما أصابه من هؤلاء المشركين، وعن إخفاق جهوده مع كثير منهم، لانطماس بصائرهم، حيث شبههم. - سبحانه - بالموتى وبالصم والعمى، فى عدم انتفاعهم بالوعظ والإرشاد. وبعد هذا التطواف فى أعماق الأنفس والآفاق . أخذت السورة الكريمة. فى أواخرها ، تذكر الناس بمراحل حياتهم ، وبأحوالهم يوم القيامة . وبفضائل القرآن الكريم، وتأمر التى (َّ) بالصبر والثبات ... قال - تعالى -: ١٣١ سورة الروم . اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُ مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قٌُّ ثُمْ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَقُ مَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَالَبِئُوْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴿﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ وَالْإِيَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَشْبِ اللهِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهُذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) فَيَوْمَِذٍ لَّايَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَهُوْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِ مَثَلَّ وَلَيٍ ◌ِثْتَهُمْ بِغَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَّرُوَاْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ﴿ُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ أَلَّذِينَ لَا يَعْلِمُونَ (8) فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌ وَلَا يَسْتِقَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٣) قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((الله الذى خلقكم من ضعف ... ، استدلال آخر على قدرته - تعالى - ومعنى ((من ضعف))" من نطقة ضعيفة، أو فى حال ضعف ، وهو ما كانوا عليه فى الابتداء من ؟ الطفولة والصغر ... وقرأ الجمهور بضم الضاد، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها، ١٣٢ الجزء الحادى والعشرون. والضعف - بالضم والفتح - خلاف القوة، وقيل بالفتح فى الرأى ، وبالضم فى الجسد ... (١). وقال - سبحانه - خلقكم من ضعف، ولم يقل خلقكم ضمانا .. للإشعار بأن الضعف هو مادتهم الأولى التى تركب منها كيانهم، فهو شامل لتكوينهم الجسدى، والعقلى، والعاطفى، والنفسى .. الخ. أى: الله - تعالى - بقدرته، هو الذى خلقكم من ضعف ترون جانباً من مظاهره فى حالة طفولتكم وحداثة منكم . ١ (°ثم جعل) - سبحانه - «من بعد ضعف قوة، أى: ثم جعل لكم من بعد مرحلة الضعف مرحلة أخرى تتمثل فيها القوة بكل صورها الجسدية والعقلية والنفسية . • ثم جل من بعد قوة ضعفاً وشيبة)) أى: ثم جعل من بعد مرحلة القوة، مرحلة ضعف آخر ، تعقبه مرحلة أخرى أشد منه فى الضعف، وهى مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة التى هى أرذل العمر، وفيها يصير الإنسان أشبه ما يكون بالطفل الصغير فى كثير من أحواله . ٠ ((يخلق)) - سبحانه - ((ما يشاء)) خلقه ((وهو العليم)، بكل شىء ((القدير)) على كل شىء. فأنت ترى أن هذه الآية قد جمعت مراحل حياة الإنسان بصورها المختلفة . ثم بين - سبحانه - ما يقوله المجرمون عند ما يبعثون من قبورهم (١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٤٦ ١٢٣ سورة الروم الحساب فقال: ((ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساءه)). والمراد بالساعة: يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقوم فى آخر ساعة من عمر الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، والمراد بقيامها : حصولهٌ ووجودها، وقيام الخلائق فى ذلك الوقت للحساب، أى: وحين تقوم الساعة؛ ويرى المجرمون أنفسهم وقد خرجوا من قبورهم الحساب بسرعة ودهشة قسمون بأنهم ما لبثوا فى قبورهم أو فى دنياهم ، غير وقت قليل من الزمان . قال ابن كثير : بخبر الله - تعالى - عن جهل الكفار فى الدنيا والآخرة ففى الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأصنام، وفى الآخرة يكون منهم جهل عظيم - أيضاً - فمنه إقسامهم باقه أنهم ما ليثوا فى الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظر واحتى يعذر إليه. (١) وقوله : (( كذلك كانوا يؤفكون، تغييل قصد به به بيان ما جبلوا عليه من كذب . ويؤفكون من الأفك بمعنى الكذب، يقال: أمك الرجل)، إذا صرف عن الخير والصدق ، أى: مثل هذا الكذب الذى تفوهوا به فى الآخرة كانوا يفعلون فى الدنيا فهم فى الدارين لا ينفكون عن الكذب وعن اختلاق الباطل. ثم حكى - سبحانه - ما قاله أهل العلم والإيمان فى الرد عليهم : فقال: ((وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث)). أى: وقابل الذين أوتوا العلم والإيمان من الملائكة والمؤمنين الصادقين فى الرد على هؤلاء المجرمين: لقد لبنتم فى علم الله وقضائه بعد مفارقتكم الدنيا إلى يوم البعث، أى: إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - لبعثكم (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٣١ ١٣٤ الجزء الحادى والعشرون والفاء فى قوله - تعالى -: ((فهذا يوم البعث)) هى الفصيحة، أى: إن كنتم منكرين البعث ، فهذا يومه تشاهدونه بأعينكم ، ولا تستطيعون إنكاره الآن كما كنتم تنكرونه فى الدنيا . فالجملة الكريمة، المقصود بها توبيخهم وتأفيبهم على إنكارهم ليوم الحساب. وقوله ,ولكنكم كنتم لا تعلمون، زيادة فى تقريمهم ، أى : فهذا يوم البعث مائل أمامكم، ولكنكم كنتم فى الدنيا لا تعلون أنه حق وصدق ، بل کنتم بسبب كفركم وعناد كم تستخفون به، وبمن يحدثكم عنه ، فاليوم تفوقون سوء عاقبة إنكار كم له، واستهزائكم به . ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك: (( فيومئذ، أى: فيوم أن تقوم الساعة ويقف الناس الحساب . ((لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم، أى لا ينفعهم الاعتذار، ولا يفيدهم علمهم بأن الساعة حق . ((ولاهم يستعتبون، أى: ولاهم يقبل منهم الرجوع إلى الله - تعالى - بالتوبة والعمل الصالح . قال الألوسى: والاستعتاب: طلب العتبى، وهى الاسم من الاعتاب، بمعنى إزالة العنب، أى: لا يطلب منهم إزالة عقب الله - تعالى - وغضبه عليهم، لأنهم قد حق عليهم العذاب .. )) (١). ثم بين - سبحانه - موقفهم من القرآن الكريم، وأنهم او اتبعوا توجيهاته لنجوا من العذاب المهين، فقال - تعالى -: ( ولقد ضربنا (١): فسير الآلوسى = ٢١ ص ٦١ ١٣٥ سورة الروم : الناس فى هذا القرآن من كل مثل .. ». أى: ((وباته لقد ضربنا للناس فى هذا القرآن العظيم، وكل مثل حكيم، من شأنه أن يهدى القلوب إلى الحق ، ويرشد النفوس إلى ما يسعدها . ((ولئن جنتهم بآية، أى ولئن جئت - أيها الرسول - هؤلاً. المشركين بآية بينة تدل على صدقك فيما تبلغه عن ربك . ((ليقولن)) على سبيل التطاول والتبجح ((إن أنتم إلا مبطلون، أى: ما أنتم إلا متبعون الباطل أيها المؤمنون بما يدعو كم إليه الرسول (خبز) ثم يعقب - سبحانه - على هذا التطاول والغرور بقوله: ، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون))، والطبع: الختم على الشىء حتى لا يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه. أى: مثل هذا الطبع العجيب ، يطبع الله - تعالى - على قلوب هؤلاء الذين لا يعلمون ، ولا يعلمون على إزالة جهلهم ، أنوهمهم أنهم ليسوا بجهلاء، وهذا أسوأ أنواع الجهل؛ لأنه جهل مركب، إذ صاحبه يجهل أنه جاهل . فهو كما قال الشاعر : ال حمار الحكيم توما لو أنصفونى لمكنت أركب وصاحبى جاهل مركب لأننى جاهل بسيط ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر النبى (شَه) بالصبر على هؤلاء الجاهلين، فقال: « فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخلفك الذين لا يوقنون)). أى: إذا كان الأمر كما وصفنا لكمن أحوال هؤلاء المشركين، فاصبر ١٣٩ الجزء الحادى والعشرون على أذاهم، وعلى جهالاتهم، فإن وعد الله - تعالى - بنصرك عليهم حق. لاشك فى ذلك , ٠٠ , ولا يستخفتك، أى: ولا يزعجنك ويحملنك على عدم الصبر، الذين لا يوقنون بصحة ما تتلو عليهم من آيات ، ولا بما تدعوهم إليه من رشد. وخير . وهكذا حتمت السورة الكريمة بالوعد بالنصر، كما افتتحت بالرعدبه، المؤمنين الصادقين, وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس. لا يعلمون » . وبعد : فهذه هى سورة الروم، وهذا تقصير محرر لها ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ,ونافما لعباده. وصلى الله على سيدنا محمدوعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة : مدينة نصر كتبه الراحى عفو ربه السبب : ٢٣ من رجب سنة ١٤٠٥هـ محمد سيد طنطاوى. ١٣ من مارس سنة ١٩٨٥ م ١٣٧ فهرس إجمالى لتفسير سورة (الروم) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة. ٧٥ المقدمه ألم .. ١ ٨٢ ٠٨٨ أو لم يتفكروا فى أنفسهم .. ٨ الله يبدأ الخلق ثم يعيده .. ١١ ٨٦ فسبحان الله حين تمسون .. ضرب لكم مثلا .. ٠٩٤- ٢٨ ٩٨ وإذا مس الناس ضر .. ٢٣ ١٠٤ ٠١١٥ فآت ذا القربى حقه .. ٣٨ ظهر الفساد فى البر والبحر .. ٤١ ومن آياته أن يرسل .. ٤٦ ١١٩ ١١٥ القه الذى خلقكم من ضعف .. ٠٤ ٠١٣١ التفسير الوسيط. للقرآن الكريم: تفسیر سُورَة لِقَمَانْ الدكتور محمّد سيّد المطاوى مفتى الديار المصرية. الطبعة الثانية ١٤٠٨ ٥ ١٩٨٨ م "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"